في حوار مع فور تنمية :المفكر الفلسفي مصطفى الزاهيد: حراك جيل Z ليس فعلًا سياسيًا بل سربًا رقميًا بلا مشروع
فور تنمية. حاوره منير الحجوجي
في سياق مغربي وإقليمي شديد التعقيد، حيث تتقاطع تحولات الفضاء الرقمي مع ارتدادات الجغرافيا السياسية، ويطفو إلى السطح ما اصطلح عليه إعلاميًا بـ«حراك جيل Z»، يقدّم هذا الحوار مع الأستاذ مصطفى الزاهيد قراءة فلسفية–سياسية عميقة تتجاوز الانفعال اللحظي إلى تفكيك البنيات العميقة للأزمة. انطلاقًا من مرجعيات فلسفية كبرى، من هابرماس وآرنت إلى بيونغ-تشول هان وغرامشي، يقارب الزاهيد الظاهرة بوصفها تعبيرًا عن تفكك الفضاء العمومي، وموت مؤسسات الوساطة، وصعود «السرب الرقمي» بدل الفعل السياسي المنظم. حوارٌ يضع الحراك، والدولة، والجامعة، والنخب، والسيادة الوطنية، تحت مجهر التفكير الإستراتيجي، محذرًا من مخاطر الشعبوية الرقمية والفراغ المؤسساتي، ومدافعًا عن العقل، والتنظيم، واستعادة السياسة من منطق الترند والانفعال إلى منطق البناء التاريخي والمسؤولية.
سؤال: مرحبا بك الأستاذ مصطفى الزاهيد في هذا التأمل حول حراك جيل زيد.. نود أن تحدثنا عن كيف كان انطباعك الأول مع بداية الكلام عن حراك جيل زيد؟ وهل تغير هذا الانطباع مع الوقت؟
الأستاذ مصطفى الزاهيد: أولًا، عرف النقاش العمومي في الشهرين الماضيين -من يقرأ الحوار في الكتاب الجماعي نقصد السجال الذي دار عقب ما سمي إعلاميًا” حراكا لجيل زاد “GENZ212، وهو النقاش الذي تابعناه جميعًا. لكن ما أثار انتباهي شخصيًا هو المفارقات التي لاحظناها بين الحضور الساخن للنقاش على مستوى المنصات والشبكات، والبرودة التي كان يعرفها الشارع المغربي. جعلني الأمر أعود لمقالات كتبها جان بودريار حول حرب الخليج، وخاصة حينما قال في المقالة الثالثة التي نشرها في صحيفة Libération”حرب الخليج لم تقع” وهو يشير إلى أن واقع الحرب كان مختلفًا عن الدعاية والصور التي تُنقل إعلاميًا عن الحرب. أقول هذا لأن ما استوقفني بحدة هو اللغة التي تم بها وصف هذا الحدث، ويجب أن نتذكر أهمية اللغة في الفلسفة السياسية ونظريات الخطاب، فهي ليست مجرد تسميات، بل صناعات سيميولوجية لتفييء وتوجيه الرأي العام وصناعة هويات خاصة لجماعة مستهدفة. لذلك منذ البداية رفضت التسمية، لأنني اعتبرتها تصنيفًا وتفييئًا يهدف إلى عزل هؤلاء الشباب عن باقي القوى الاجتماعية والسياسية، لتسهل إدارتهم إعلاميًا والتلاعب النفسي بهم. هذه الاستراتيجية لم توظف فقط في المغرب، بل وظفت في النيبال أيضًا، ومن يشرف على ذلك يعرف قيمة هذه الفئة العمرية ويعرف طاقاتها وخزانها النفسي، وكان الهدف استهدافها وإطلاق هذه الطاقات بدون تأطير. وهي بنظري طاقة تفيد في الهدم لكنها لا تصلح للبناء إلا إن وُجّهت بشكل عقلاني ووفق أيديولوجية وطنية وسياسات عمومية قوية وحزبية أو اجتماعية حاملة لمشروع تغيير حقيقي.
لنتأمل حالة النيبال ومدغشقر؛ ففي النهاية أُعيدت السلطة السياسية للشيوخ، للجيل الذي أراد البعض تحميله كل الخطايا وإقصائه سياسيا، وتقديم جيل زاد باعتباره المخلص، وتضخيم هذا الدور إعلاميًا لديهم كان مقصودا. رفضي هنا صديقي ـ إن كنت تلاحظ ـ ليس رفضًا ذوقيًا بل هو رفض إبستيمولوجي مؤسس على معطيات في التحليل، لذلك رفضت الانخراط في هذه الهندسة الشعبوية التي حاولت المنصات الرقمية وديكتاتورية الحشد أن تمليها علينا وعلى النخب والمؤسسات. وقد كنت مستغربًا من مثقفين ـ للأسف ـ انجروا وسايروا بدون رؤية نقدية أو قوة اقتراحية -هذا الذي سميته شخصيا”موجة احتقان”-، وتخيلوها للأسف البديل التاريخي الذي طالما انتظروه أو رفعوا شعارات بخصوصه. وهو ما عبّر وأكد لي مرة أخرى على أن النضال في مجتمعنا مجرد شعارات لا تؤطرها فلسفات تغيير حقيقية ولا نظريات فلسفية كبرى تمكن من التمييز بين الحراك التاريخي الذي يكون نتاج سيرورة طبيعية، وبين موجة احتقان قد تكون أحيانًا نتاج إدارة للرأي عام.
ثانيًا، في الأدبيات الكلاسيكية التي درست مفهوم الفضاء العمومي سواء التواصلي مع هابرماس أو الفضاء العمومي المعارض مع أوسكار نيغت، فقد ربطت مفهوم الفضاء العمومي المؤسس لدولة الحق والقانون بضرورة وجود فعل سياسي عقلاني تقوده تنظيمات سياسية حديثة يمكنها أن تؤطر لمقاومة سياسية أو معارضة للسلطة ببدائل قادرة على استيعاب ارتدادات تفكيك السلطة التي تقاومها، وليس الخضوع لموجات الاحتقان العابر. ولهذا، فإن موجات الاحتقان التي تنفجر رقميًا اليوم محاولة إلغاء دور الواقع المادي لا ترقى إلى مستوى” الفعل السياسي” بالمعنى الذي تقصده آرنت، لأنها تتم داخل فضاء افتراضي لا يحقق الظهور العمومي، وتعبّر عن انفعالات فردية متفرقة لا تتجسد في مشروع مشترك ولا تتحول إلى أداة تحصين مؤسسي قابل للاستمرار. وعليه، فما يحدث في زمن “الترند” هو زمن الانفعال اللحظي، وليس زمن السياسة الممتد، والذي يقتضي وجود فضاء مشترك. ان زمن يفتقر فلسفيًا وسياسيًا إلى الشروط التأسيسية للحراك السياسي كما تفهمه آرنت وألان تورين وباديو؛ نظرًا لغياب الفضاء، غياب التعدد، غياب الأثر، وغياب الزمن السياسي وكذلك غياب الأنا الفاعلة.
وبناءً على ما قلناه، فإن موقفي من “حراك جيل Z” لم يكن مجرد انطباع عاطفي، بل هو تعبير عن قراءة وعن موقف إبستيمولوجي يستند إلى الطرح الفلسفي الذي دافع عنه الفيلسوف الكوري–الألماني بيونغ تشول هان، وتحديدًا ما بيّنه في كتابه حول “السرب”، حيث ميّز بين “الحشد السياسي” ومنطق “السرب الرقمي”. لقد نبّهنا هان الى أن الحداثة الرقمية لم تنتج جماهير تمتلك إرادة ووعيًا سياسيًا ومشروعًا اجتماعيًا للتغيير، بل قدمت لنا سربًا رقميًا يتكون من مجموعات من الأفراد المعزولين الذين يجمعهم الانفعال اللحظي،
وتربطهم الخوارزميات بدون أي روح جماعية أو لغة مشتركة. وهو ما لا يؤدي إلى إنتاج فعل سياسي واعٍ قائم على الاحترام والتفكير العقلاني، بل يجعل من السرب مجرد فقاعة عابرة. وما شهدناه في المغرب لم يكن ولادة فاعل سياسي جديد، بل مؤشرًا حقيقيًا على تفكك الفضاء العمومي، وقتل مؤسسات الوساطة السياسية والنقابية والمدنية، مما جعل البعض يراهن على هذه الفقاعة باعتبارها حلًا جذريًا لمشكلة السلطوية في المغرب. بينما في الحقيقة، جسّد هؤلاء الشباب العدمية والعجز السياسي في أبهى صوره حينما اكتفوا بالصراخ الرقمي، رافضين التنظيمات والمؤسسات، معتبرين أنهم الخلاص. وقد عززت جهات عديدة هذه الرواية لديهم، مما جعلهم نفسيًا يرتكبون العديد من الأخطاء ويقدمون أنفسهم كبديل سياسي يتيم للمغرب المعاصر.
ثالثا: المشكل الأخطر بنظري قد تجلى في العجز والضعف الذي عبر عنه المثقف في قراءته اللاعقلانية، حيث ارتمى في تعزيز ثقافة السرب مدافعًا عنها وكأنها صوت التغيير الحقيقي، بينما هي علامة على حالة انقراض السياسة ودخول حقبة جديدة صار التلاعب فيها بالرأي العام ممكنًا وواقعا. لذلك ما ننادي به لا يحتاج جيلًا غاضبًا، بل نحتاج عودة للتنظيم السياسي من أجل مواجهة ثقافة رقمية جديدة تديرها القوى المهيمنة، وتسعى من خلالها إلى تفكيك النقاش العقلاني والمعارضة المؤسساتية ـ سواء من الداخل أو من الخارج ـ لصالح سرب غاضب- يُستخدم في العديد من الأحيان للإلهاء. وعليه، فالدفاع اليوم عن مفهوم المؤسسات هو ضرورة استراتيجية لكل المناضلين والمثقفين، لأنها الأدوات الأكثر قدرة على إحداث توازن حقيقي بين السلط المتنازعة داخل الدولة. أما الهاشتاغات والمجموعات الافتراضية، فدورها ينحصر في تسريع التواصل، في حين أن السياسة ـ قديمًا وحديثًا ـ ليست سوى إدارة للقوة؛ والقوة في البداية والنهاية هي التنظيم، والتنظيم مؤسسة متعالية عمّن يوجد فيها. لذلك علينا أن نبني هذه المؤسسات وأن نستعيدها بنفس الآليات التي تُستعمل لإبعادنا عنها.
سؤال: أنت مدرس فلسفة.. الكثيرون يعتبرون أن الدرس الفلسفي أخرج من رهانات المدينة، حول عن مساراته الطبيعية، حول إلى مادة “تافهة”، إلى مقرر بلا طعم.. هل الحراك الحالي فرصة لإعادة هذا النوع من التفكير إلى الساحة؟ …وما الذي يمكنه أن يقدمه على هذا المستوى؟
جواب: بخصوص السؤال الذي طرح حول ما إذا كان جيل (Z) يمكن أن يشكل فرصة لاستعادة مكانة الدرس الفلسفي لفاعليته التاريخية ولدوره الحقيقي عوض تحويله إلى مادة تافهة – كما سميتموها في سؤالكم – أقول بأننا هنا لسنا بصدد إصدار الأحكام، بل يجب الاتفاق أن المادة في حد ذاتها ليست تافهة؛ فالكثير من الدروس في مقرر الفلسفة عميقة جدًا، لكنها تُدرّس في سياق ثقافي غريب عنها. فإذا كنا مطالبين بالبحث للفلسفة عن دور، فيجب أن نخلق شروط ممارسة هذا الدور؛ فيجب أن نتذكر القول المأثور أن الفلسفة بنت المدينة، المدينة باعتبارها فضاءا سياسيا متحققًا في الواقع، فلا يمكن للفلسفة أن تؤدي دورها. لذلك، نحن مطالبون بتغيير النسق وليس البنيات فقط. وعليه، لا يجب الاستسلام للفرضيات الجاهزة.
هذا التصور الذي أدافع عنه لابد من النظر إليه بعيدا عن أي نزعة وضعية ومقولاتها المزيفة التي تطالب بـ ”المسافة الباردة مع الحدث”، فأنا أرفض هذا الموقف في التأريخ والتفاعل مع الحدث، وأنطلق من قناعة راسخة بأن الفيلسوف ليس مجرد “كاتب عدل” يسجل ويدون الوقائع بحياد بارد، بل هو ذات فاعلة تعبر عن تأويلاتها ومواقفها من الواقع. وبناءً عليه، لا بد أن أذكر بمسألة أساسية: فحينما أتحدث عن المسافة بين الفلسفة والحراك، فأنا لا أقصد بالمسافة الاستقالة، ولا أقصد بها الهروب من الشأن العام إلى الأبراج العاجية؛ بل المسافة في تصوري هي فعل مقاومة نفسية وقدرة عقلية على مقاومة الانجراف مع السرب ومع ديكتاتورية البنية الرقمية، لذلك الانخراط في الحدث لا يكون بالانصهار بل بالتحليل العقلاني الصارم، لذلك فالمسافة هنا دفاع عن العقلانية ورفض للالتحام والانصهار في انفعالات الحشود، لكي نكون قادرين على الرؤية بوضوح، وهنا أعود مرة أخرى لما قدمه بيونغ تشول هان في كتابه في السرب، لأنه مفيد لنستوعب هذا النمط الجديد؛ فالبنية الرقمية الراهنة حولت الروح الجماعية – التي كانت محور عمل التنظيمات السياسية لبناء قوتها – إلى ضجيج من الأفراد المعزولين. في هذا السياق، لا يجب على المثقف أن يكون باحثًا عن فقاعات تعوّض إحباطه في انتظار بزوغ لحظة تاريخية حقيقية تصنع عن وعي التغيير الحقيقي؛ لذلك تكون مهمته أن يقاوم الشعبوية، وأن يقاوم إدارة الرأي العام، وأن يفكر بعمق ضداً على منطق الخوارزميات التي يمكن التلاعب بها. وعوض أن يصبح المثقف تابعًا، فعليه أن يدافع عن استقلاليته. أما ما تعرض له الدرس الفلسفي في المغرب، فقد كان نتيجة لإرادة سياسية تماهت مع عقلانية تقنية تطورت في الغرب وتبناها البعض عندنا، وكان دورها تجريد المعرفة من حمولتها النقدية، وتحويل المدرسة والجامعة إلى مصنع لإنتاج”تقنيين” يلتحقون بالمصنع والإدارة بدون وعي سياسي. ومواجهة هذا الوضع لا يمكن أن تكون باستجداء ثقافة السرب أو حراك جيل (Z) ليعيد للفلسفة مكانتها، بل يحتاج إرادة جماعية، ووعيًا سياسيًا حقيقيًا، واستراتيجية واضحة تراكم المكتسبات، عوض مراكمة الخيبات التي للأسف صار المناضلون من مختلف قوى اليسار والإسلام السياسي يطبّعون معها ويعتبرونها إنجازات.
لذلك فإن الفلسفة التي أدافع عنها هي تلك التي تمنح الإنسان القدرة النقدية على صياغة الموقف، والوقوف ضد التلاعب بالرأي العام وبكل أشكال الدعاية، وتمنحه القدرة على التمييز بين الحقيقة الاجتماعية والسياسية وبين “الترند”.. فالفلسفة المشتبكة لا تستقيل من المعارك، لكنها تخوضها بأدواتها من قبيل: العقل، والحجاج، والمسافة النقدية من الحشد، ورفض الوصاية.. نحن في حاجة إلى فلسفة، لكننا في حاجة أكثر إلى خلق الشروط التي يمكن للفعل الفلسفي أن ينجح فيها؛ فتاريخيًا، لم تكن الفلسفة سابقة عن شروطها السياسية والثقافية، بل كانت نتاجًا لهذه الشروط. ونحن هنا نعود مرة أخرى إلى المقولة الماركسية التي تؤكد أن الوعي نتاج لشروطه.
وأخيرًا، فالقول بأن “جيل “Z سيعيد للفلسفة دورها، فهذا من قبيل الرومانسية؛ فنحن نعرف بالملاحظة اليومية أن هذا الجيل أغلبه يعادي الفلسفة، ويعادي الفكر النظري والمعرفة، ويطالب بـ ال”ـFast Food”، أي الثقافة الاستهلاكية السريعة. وكنا نسمع في حراك (Z) اتهامات للمثقفين والمفكرين بأنهم أصحاب “لغة خشب”. فاللغة التي يبحث عنها هذا الجيل لا تنفصل عما خططت له السلطة السياسية على الصعيد الوطني والدولي، وهو إفراغ الفكر من محتواه وتحويله إلى أرقام وإرشادات. فهم جيل بدون نفس نقدي؛ إنهم يرضخون ويمتعضون، لكنهم لا ينتجون نقدًا مؤسسًا، إلا عند دعاة الشعبوية أو من يريد أن يبني قاعدة “بمن هب ودب”…
سؤال: أنت من ضمن من طالبوا بالتروي في قراءة الحراك.. واعتبرت أن أمورا كثيرة غير واضحة حتى لا نقول ملغومة تتحرك خفية في الحراك؟ هل لك أن توضح أكثر..
جواب: أولًا، إن السؤال حول دواعي “التروي” في قراءة ما يصطلح عليه اليوم بـ”حراك جيل Z” لايمكن أن يُختزل في خانة التردد النفسي أو التحفظ الأخلاقي، ولا ينبغي مقاربته بمنطق الثنائيات التبسيطية التي تقسم الفاعلين إلى “مناصرين” و”خونة”. إن دعوتي للتروي هي، في جوهرها، موقف إبستمولوجي فرضته طبيعة اللحظة التاريخية الحرجة التي يمر منها المغرب، وسط محيط إقليمي موسوم بـ”السيولة الفوضوية” ونظام دولي متوحش لا يرحم الكيانات التي تفقد توازنها الداخلي. نحن لا نتحدث هنا عن ترف نظري، بل عن ضرورة وضع الحدث تحت مجهر “التفكير الاستراتيجي” في رؤيتنا للإصلاح السياسي للدولة، لتفكيك ما أسميه بـ”الألغام الخفية” التي يزرعها السرب الرقمي في طريق السيادة الوطنية.
يكمن الخطأ الأول في تلك “الرخاوة المعرفية” التي تجعلنا نخلط بين”الضجيج” و”الإشارة”. فنحن أمام ظاهرة هجينة تتحرك داخل فضاء رقمي، وظيفته الأساسية –كما شرّح ذلك ببراعة الفيلسوف بيونغ تشول هان في نقده لـ”مجتمع الرقمية” إنتاج “الانفعالات Affects “لا “المعنى”، ومكافأة “الصدمة” لا “الفهم”، إن أخطر ما في هذا السياق هو سقوط النخب وصنّاع القرار في فخ قراءة هذا “الهيجان الخوارزمي” بوصفه” إشارة سياسية” ناضجة، بينما هو في العمق مجرد “تضخم في الرقمية”؛ يؤدي إلى حجب الحقيقة بدل كشفها. وحينما تُخضع الدولة عقلانيتها لضغط” الترند” اللحظي، فإنها تغامر بالتحول من فاعل استراتيجي يصنع الحدث، إلى مجرد صدى باهت لصرخات الواقع الرقمي.
لذلك يقودنا هذا مباشرة إلى” المشكل البنيوي”، حيث يتحرك هذ “السرب “The Swarm داخل فراغ مؤسساتي مخيف ناتج عن موت الأحزاب وقتلها، وتدمير النقابات من الخارج والداخل، وانسحاب الجامعة من وظيفتها التنويرية؛ هذا الفراغ” في مؤسسات الوساطة” لايمكن أن ينتج حراكًا اجتماعيًا واعيًا بذاته ممتلكا لذاكرته الخاصة ولبرنامج نضالي مدروس، بل ينتج ما وصفه هان بتزامن غضبي لذرات معزولة.
وعليه ففي غياب الوعي بالقيمة الاستراتيجية والانطولوجية لوجود “جسم سياسي” قادر على التفاوض وبناء التعاقدات، تُفتح الشهية لـ “غربان الخراب”، سواء كانت شعبويات الداخل التي تعيش على تفكيك هيبة المؤسسات، أو قوى الخارج التي تتقن فن “حروب الجيل الرابع”، وترى في أي هشاشة داخلية فرصة ذهبية لاختراق السيادة الوطنية بأقل تكلفة، مستغلةً غياب المناعة المؤسساتية. وهنا نصل إلى مكمن الخطر، أو ما يمكن تسميته بـ”اللغم الزمني”.. إن السياسة، في مفهومها النبيل كما نظّر له نيكولاس لوهمان ويورغن هابرماس، هي فن إدارة” الزمن البطيء” زمن التشريع والتفاوض، والبناء المؤسساتي المتأني. في المقابل، يشتغل السرب الرقمي ب”الزمن اللحظي”؛ زمن الانفجار الفوري والاختفاء السريع. وتكمن الخطورة الاستراتيجية في محاولة ابتزاز الدولة لإجبارها على الاشتغال بتوقيت “المنصات”، وهو ما يعني عمليا “انتحار الدولة” فالدولة التي تستجيب لضغط السرعة تفقد حتمًا” عقلانيتها”، وتتحول من ربان يقود السفينة نحو وجهة معلومة، إلى “إطفائي “يركض منهكًا خلف حرائق افتراضية لا تنتهي.
ولكي نضع النقاط على الحروف بمنتهى الصدق والمسؤولية الوطنية، لا بد من استحضار البعد الجيوسياسي لهذا التروي. لنتأمل ببرودة أعصاب سيناريو الانفلات الشامل –على غرار ما حدث في النيبال أو غيرها– ولنتساءل: كيف سينعكس ذلك على ملفنا الاستراتيجي في مجلس الأمن وأخص هنا ملف الصحراء المغربية حينها؟ إن الجواب القاسي الذي تفرضه الواقعية السياسية هو أن العالم لا يراهن على “دولة مهزوزة”.. ان الدعم الدولي المتزايد لـمبادرة الحكم الذاتي، واعترافات القوى العظمى بمغربية الصحراء، لم تُمنح للمغرب مجاملةً، بل مُنحت لـ”صورة الدولة الصلبة”، الدولة القادرة على الضبط الأمني والتنمية وتقديم رهانات للفاعلين الكبار على دورها واستقرارها في المنطقة، والاستثمار الاقتصادي في العمق الإفريقي، وإدارة ملفات الهجرة والإرهاب بكفاءة. إن أي انزلاق نحو الفوضى الداخلية سيعيدنا فورًا إلى”المنطقة الرمادية”، حيث ستجمّد القوى الكبرى مواقفها، وسينقض الخصوم لإعادة خلط الأوراق؛ لأن السيادة الخارجية في عرف العلاقات الدولية مجرد مرآة لـالتماسك الداخلي. لذلك كان هناك ضغط في الأسابيع السابقة لجلسات مجلس الأمن الحاسمة حول الملف وهو الشيء الذي لم يكن مفهوما إلا باعتباره إرادة إدارة للرأي العام لزعزعة استقرار داخلي لا ننكر قيمته لكننا لا نغفل الثمن الذي ندفعه عن هذا الاستقرار وهو تغول السلطوية في السنوات الأخيرة وتراجع واضح عن الخيار الديمقراطي. لكن هذه ليست معطيات مبررة لكي نغتنم الفرصة في شبه انتقام داخلي لتحقيق غايات ربما ستربك ملفنا الاستراتيجي في مجلس الأمن وأيضا غير محسوبة النتائج داخليا. وليس مبررا لتغول السلطوية وانقضاضها على الخيار الديمقراطي.
خلاصة القول إن دعوتي للتروي ليست خوفًا من الشباب، بل هي خوف مسؤول على الدولة؛ إنه دفاع مستميت عن “عقل الدولة Raison d’État ضد”غريزة السرب”، فالمغرب، الذي يقف وحيدًا كـ”قلعة استقرار” وسط محيط إقليمي يغلي شرقًا وجنوبًا، يمتلك رأسمالًا استراتيجيًا وحيدًا هو تماسكه المؤسساتي. والعبث بهذا الرأسمال تحت ذريعة مسايرة “لموضة الثورية” ليس شجاعة، بل مقامرة تاريخية قد تفتح أبواب الجحيم. والفراغ –كما يعلمنا درس التاريخ– لا تملؤه الديمقراطية، بل يملأه التدخل الخارجي والفوضى الشاملة. ونحن، انطلاقًا من مسؤوليتنا الفكرية والوطنية، نختار الدولة، ونختار العقل، ونختار المستقبل، مهما كان ضجيج اللحظة صاخبًا. لذلك لا يمكن لشباب يرفض فكرة المؤسسة باعتبارها بنية متعالية واستراتيجية في الفكر السياسي الحديث ويخلط بين المؤسسة ومن يشتغلون في داخلها بدون نفس ديمقراطي، أن يؤسس ديمقراطية من الشارع في غياب الشروط الموضوعية لهذا الشارع، وقد سبق ان قلت في حوار سابق مع حمزة الفضيل ضمن بودكاست بصيغة أخرى بأن الشارع مهم في الضغط ومهم للمجتمع المدني أما الفعل السياسي فيقتضي إعادة تملك المؤسسات والعودة الفاعلة للديمقراطيين والتقدميين لها والنضال فيها. لذلك، ومن باب المسؤولية التاريخية، نعلنها بوضوح: نحن لسنا ضد الاحتجاج، بل نحن مع حراك سياسي حقيقي؛ حراك عضوي نابع من إرادة شبابنا الحرة، ومؤطر من طرف قواه الديمقراطية الحية. لماذا؟ لكي نكون “أسياد الحراك” لا ضحاياه؛ نتحكم في سقفه السياسي، ونرسم أفقه النضالي، ونضمن أن يكون أداة ضغط عقلانية لتحويل “المطالب المشروعة” الى “مكتسبات سياسية” ملموسة، بدل أن تتحول الشعارات إلى “لغم” ينفجر في وجه الجميع.
سؤال: في تدويناتك وخرجاتك على منصات مختلفة اعتبرت أن من العبث بل من الخطير جدا الدخول في مواجهة مع السلطة.. فالأمر لن يخدم في نهاية المطاف الا غربان الخراب، الخارجيون والداخليون؟
جواب: دعونا نتحلى بالشجاعة الفكرية لنسمي الأشياء بمسمياتها بعيداً عن الرومانسية الثورية الساذجة، فالدولة أو “اللفياثان” كما صاغها الفيلسوف توماس هوبز في لحظة يأس وبصيرة، لم تتأسس عبر التاريخ لأن البشر ملائكة، بل تأسست لأنهم أدركوا –عبر تجربة الألم والدم– أن البديل عنها هو “حالة الطبيعة”؛ تلك الحالة التي وصفها هوبز بدقة بأنها “حرب الجميع ضد الجميع” حيث حياة الإنسان “كريهة، وحشية، وقصيرة”، وهنا يلتقي هوبز مع عبقرية ابن خلدون الذي خبر صعود الدول وسقوطها في مجالنا المغاربي حين قرر بوضوح أن “ذهاب ريح السلطان مؤذن بخراب العمران”، فالسلطة بهذا المعنى الفلسفي ليست مجرد جهاز للقمع كما يصورها الخطاب الشعبوي، بل هي “آلية عقلانية” تعاقد البشر ضمنياً على منحها “احتكار العنف الشرعي” –بتعبير ماكس فيبر– مقابل سلعة واحدة لا وجود للحضارة بدونها وهي “الأمن”؛ الأمن الذي يسمح للفيلسوف بأن يفكر، وللتاجر بأن يبيع، وللمواطن بأن ينام دون خوف من أن يُذبح في فراشه.
وهنا يجب أن نفتح أخطر ملف يتم التلاعب به اليوم، وهو التمييز الهيغيلي الحاسم بين “الدولة” كمؤسسة متعالية Concept وبين واقع الدولة كأداة تدبيرReality، فخلافي الجذري مع الخطاب العدمي الذي يردده البعض قائلاً “ليست لنا دولة” ، نعم، أنا أتفق معكم في التشخيص المرير بأن دولتنا كواقع لم تنضج بعد لتكون “خادمة للحق والقانون” بشكل كامل، بل لا تزال في كثير من مؤسساتها خادمة للأشخاص وتخضع لمنطق الريع وجماعات الضغط، وهذا واقع لا ينكره إلا مكابر، لكن “مربط الفرس” يكمن في السؤال: هل علاج “مرض الدولة كأداة تدبيرReality” يكون بـ”قتل الدولة كمؤسسة متعاليةConcept “؟ إن هيغل يعلمنا أن الدولة هي “تجسيد للعقل الموضوعي”، أي أنها الإطار الوحيد الذي يمكن فيه للحرية أن تتحقق، فالحرية خارج الدولة هي وهم وهي “حرية الغابة”، لذلك فإن نضالنا يجب أن يكون موجهاً لتقليص الفجوة بين “المفهوم” (الدولة العادلة) و”الواقع” (الدولة السلطوية) وليس لنسف المفهوم من أساسه، فنحن ندافع عن “هيبة الدولة” لأنها الوعاء الإطار الذي يمكن أن نملأه غداً بالديمقراطية.
إن الذين يحلمون “بإسقاط ما يسمونه المخزن” أو “تحطيم المؤسسات القائمة” دون امتلاك “بديل منظم” يمارسون نوعاً من “المقامرة التاريخية”، ويكفي أن ننظر حولنا في الجغرافيا السياسية الراهنة بـ”عين العقل” لا بـ”عين العاطفة” لنرى ما حل بليبيا والسودان واليمن؛ فحين سقط “الليفياثان” في هذه الدول، لم تنبت في خرائبها حدائق الحرية ولم تتحقق العدالة الاجتماعية، بل نبتت الميليشيات وتجار البشر وأمراء الحرب والتدخلات الأجنبية الوقحة، وتحولت “الثورة” بلا تنظيم إلى “فوضى” بلا أفق، وكما قالت حنة أرندت: “العنف يمكنه تدمير السلطة، لكنه عاجز تماماً عن إنشائها”، فالسلطة تنشأ من التنظيم والعقل والمؤسسة، أما الفوضى فلا تلد إلا مسخاً مشوهاً.
وهنا نصل إلى البعد الجيوسياسي الحارق الذي يعطي لتحذيري مشروعيته الوطنية؛ فحين أتحدث عن “غربان الخراب”، فأنا لا أستخدم استعارة شعرية بل أصف واقعاً استراتيجياً، فالمغرب وهو يخوض معركة وجودية لتثبيت سيادته على صحرائه ولفرض مكانته كقوة إقليمية صاعدة، لا يملك ترف “التجريب في المجهول”، والعالم –كما يعلمنا تاريخ العلاقات الدولية من ثوكيديدس إلى كيسنجر– لا يحترم إلا “الدولة الصلبة” التي تضبط مجالها وتحمي حدودها وتملك “عنواناً واحداً” للقرار، واعترافات القوى العظمى بـ”مغربية الصحراء” لم تأتِ حباً فينا، بل جاءت احتراماً لـ”قدرة الدولة” على الوفاء بالتزاماتها الأمنية والاستراتيجية، وأي خدش لهذه الهيبة في الداخل عبر حراك “عدمي” غير مؤطر هو دعوة صريحة للخصوم –سواء كانوا جيراناً معادين أو قوى استعمارية جديدة– للانقضاض علينا، لأنهم ينتظرون لحظة الفراغ ليزرعوا الفوضى.
فالحل بنظري ليس هو الصمت والقبول بالفساد، بل ما أسميه “النضال من أجل استعادة الدولة” Reclaiming the State، فنحن لا نريد هدم المؤسسات الأمنية والإدارية بل نريد أنسنتها ودمقرطتها، ولا نريد إسقاط “الليفياثان” بل نريد ترويضه بالقانون والدستور، ونحن بحاجة ماسة إلى “بديل منظم” من أحزاب حقيقية ومجتمع مدني قوي ونخب مفكرة تملأ الفراغ وتفرض الإصلاح من داخل المؤسسات وتنتزع الحقوق انتزاعاً بقوة الحجة والتنظيم لا بقوة الفوضى والصراخ..
ختامًا، إن الطريق إلى الديمقراطية لا يمر عبر “تقويض الدولة”، بل عبر إصلاحها وعقلنتها وتحصينها ضد الفساد والاستبداد من داخل التاريخ لا من خارجه. نحن نختار مشقة البناء المتأني مهما كان طويلًا ومؤلمًا، على سهولة الهدم السريع الذي يغري الغوغاء ولا ينتج إلا الخراب. وهذا هو موقف العقل الاستراتيجي وصوت المفكر الذي يرفض أن يبيع الوطن بشعار، أو أن يسلّم مفاتيح بيته للغربان بدعوى ترميم السقف. ويكفي أن ننظر إلى سوريا: الى عهد قريب كان ذكرها يُعد تخويفًا، أما اليوم فهي واقع مكتمل الدلالة، لا فزاعة ولا مبالغة. ألم يتحول إرهابي سابق إلى رئيس دولة يستضاف في البيت الأبيض وفي الكريملين!؟
سؤال: نفهم من تدويناتك أنه يجب أن نكون مع السلطة مع كل عيوبها.. فانهيار السلطة يعني فتح الباب لمحرقة جماعية قد تبدأ لكي لا تنتهي.. هل هذا تبرير للوضع القائم؟
جواب: إن اختزال الموقف المركب الذي أدافع عنه في خانة “التبرير” أو “حراسة الوضع القائم” لا ينم فقط عن سوء فهم لقصديتي، بل يكشف عن عطب بنيوي في العقل السياسي السائد اليوم، وهو العطب الذي يسميه الفكر الفلسفي بـ “المانوية السياسية”Political Manichaeism ، تلك النزعة التبسيطية التي تقسم العالم قسراً إلى “أخيار مطلقين” (المحتجون) و”أشرار مطلقين” (السلطة)، متجاهلة أن السياسة في جوهرها، كما عرفها ماكس فيبر في محاضرته الشهيرة هي فن التعامل مع “الشياطين” وليست مملكة للملائكة كما نجد لدى نيقولا ميكيافللي أيضا، وأن الموقف الأخلاقي الأرقى ليس هو “أخلاق الاقتناع” الثورية التي تطلب العدالة المطلقة ولو سقطت السماء، بل الموقف الذي يعبر عن “أخلاق المسؤولية”Ethic of Responsibility التي تحسب حساب العواقب، وتدرك أن انهيار الدولة لا يؤدي إلى الفردوس المفقود، بل يؤدي إلى استيقاظ “الوحوش” الكامنة في ثنايا الاجتماع البشري.
إنني حين أحذر من “مغامرة الانهيار”، لا أفعل ذلك تماهياً مع الأشخاص الجالسين على الكراسي، بل وفاءً للدرس السبينوزي الذي عبر عنه في رسالة في اللاهوت والسياسة من أن الغاية القصوى من الدولة لا تكمن في تحقيق السيطرة ولا إرهاب الناس، بل في “تحريرهم من الخوف”، وحينما تسقط الدولة، يعود الخوف ليكون هو الحاكم المطلق، وتصبح حرية الفرد رهينة لمدى قدرته على القتل أو الاحتماء بقبيلته؛ ولنا في التاريخ عبرة، فمنذ الثورة الفرنسية التي انتهت بمقصلة روبسبيير، وصولاً إلى الربيع العربي الذي انتهى بميليشيات الجماعات الدينية المتطرفة لتنظيم الدولة في العراق والشام والساحل، كلها عناصر تؤكد لنا أن “الفراغ المؤسساتي” هو أسوأ من “الاستبداد”، لأن الاستبداد يقمع حريتك السياسية لكنه قد يحمي وجودك الفيزيائي، أما الفوضى فإنها تصادر الاثنين معاً، وهنا يحضرني تحذير المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في دفاتر السجن من “فترة الفراغ Interregnum” حين قال: “القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد، وفي هذا الفراغ تظهر الوحوش”، وهذه الوحوش التي نراها اليوم تطل برأسها في محيطنا الإقليمي ليست كائنات خرافية، بل هي أمراء الحرب، ومافيات التهريب والولاءات ما قبل الوطنية، التي تنتظر لحظة سقوط “القانون” لتلتهم “المدنية”.. وهي أدوات الدول الإمبريالية التي تتصيد تحويل أوطان إلى دويلات صغيرة.
وعليه، فإن دفاعي عن تماسك الدولة هو في جوهره دفاع عن “الطبقات الهشة”، فالتاريخ السوسيولوجي للثورات يخبرنا بحقيقة مرة: الأغنياء والنخب المعولمة يملكون دائماً “خطة بديلة” (جوازات سفر، أرصدة في الخارج، قدرة على التنقل)، أما الفقراء وسكان الهوامش فهم الذين يدفعون ثمن الانهيار من دمائهم وأرزاقهم، وعليه فالدولة –بكل أعطابها– هي “رأسمال من لا رأسمال له”، هي المدرسة العمومية، والمستشفى (ولو كان عليلاً)، والأمن الذي يمنع شريعة الغاب؛ إذن، فالعدمية التي تدعو لهدم المعبد هي في عمقها “نزعة أرستقراطية مقلوبة” لا يملك ترف ممارستها إلا من لا يعرف معنى أن ينام المرء خائفاً من انعدام الأمن، ولذلك فإن الموقف الفلسفي الملتزم بحركة التاريخ يقتضي منا الخروج من “مراهقة الرفض الشامل” إلى “رشد النقد المؤسس والمنظم”، الذي يميز بصرامة بين “النظام السياسي” كبنية تدبيرية قابلة للإصلاح والتغيير، وبين “الدولة” ككيان أنطولوجي ضامن للاستمرار.
إننا في المغرب لسنا مجرد رقعة جغرافية طارئة، بل نحن أمة عريقة راكمت قروناً من “العيش المشترك” داخل إطار الدولة، وتفكيك هذا الإطار بدعوى “التغيير الجذري” هو انتحار حضاري لا يقدم عليه إلا من فقد ذاكرته التاريخية؛ فالمثقف الحقيقي ليس هو الذي يرقص على إيقاع السرب طلباً للشعبية، وليس من يسبح بحمد السلطة طلباً للريع، بل هو الذي يمتلك شجاعة فوكو وكانط وريمون آرون ليكون “مراقباً ملتزماً”، يقول للدولة: “أصلحي نفسك قبل أن يجرفك الطوفان”، ويقول للجماهير: “احذروا أن تحرقوا السفينة التي نركبها جميعاً ظناً منكم أنكم تحرقون القبطان فقط”؛ فالطريق إلى الحداثة والديمقراطية لا يمر عبر “الصفر التاريخي” أو هدم المؤسسات، بل يمر عبر المسار الشاق والطويل لـ “عقلنة السلطة” وتسييجها بالقانون، وهو مسار يتطلب صبراً استراتيجياً ونضالاً مؤسساتياً، لا انفعالات عدمية تفتح الباب لمحرقة لا تبقي ولا تذر.
وهنا نصل إلى الحلقة المفقودة في فهم مأزقنا السياسي، وهي “أسطرة شرف الانسحاب من المؤسسات”؛ فكثير من النخب والقوى الحية تمارس اليوم نوعاً من “الاستقالة الجماعية” من المؤسسات بدعوى أنها فاسدة أو صورية،
والحقيقة التي يجب أن نقولها بقسوة هي أن هذا العزوف ليس “موقفاً نضالياً” كما يتوهمون، بل هو “تواطؤ موضوعي” مع قوى الريع والسلطوية؛ فالسياسة، مثل الطبيعة، تكره الفراغ، وحينما ينسحب “الأخيار” من الساحة، لا تظل المقاعد فارغة، بل يهرع “الأشرار” والانتهازيون وسماسرة الانتخابات لملئها فوراً، محولين المؤسسات من أدوات للتمثيل الشعبي إلى “قلاع محصنة” لخدمة مصالحهم الخاصة وشرعنة نهبهم للمال العام، وبالتالي فإن “المقاطعة” التي يظن أصحابها أنها تعاقب النظام، هي في الواقع “مكافأة مجانية” للفاسدين، لأنها تخفض “تكلفة البقاء” بالنسبة لهم، وتجعل إعادة إنتاج نفوذهم عملية رخيصة وسهلة وآمنة في غياب أي مزاحمة حقيقية.
إن العودة الجماعية والواعية إلى المؤسسات ليست اعترافاً بنزاهتها المطلقة، بل هي استراتيجية “إغراق المشاركة السياسية” بالأصوات الحرة لرفع “الكلفة السياسية والمالية” على الفساد؛ فالفاسد ينجح حينما تكون المنافسة محصورة وتتميز بقلة المشاركين، لكن حينما يزحف المجتمع بقواه الحية نحو صناديق الاقتراع ونحو الانخراط الحزبي، يصبح “شراء الذمم” عملية مستحيلة التكلفة، وتصبح الهندسة القبلية للنتائج معادلة معقدة وغير مضمونة، مما يجبر “محترفي الريع” على الانسحاب أو الانحناء للعاصفة؛ إذن، المعركة الحقيقية هي كسر “احتكار الأوليغارشية” للمجال العام، وليس ترك المجال لهم والاكتفاء بلعن الوضع من بعيد.
أما على المستوى النفسي، فإننا نلاحظ تنامي ظاهرة جديدة يمكن تسميتها بـ “إدمان الكاتارسيس” (التطهير والتنفيس الذاتي) في الشارع والسوشل ميديا؛ فالكثير من المناضلين اليوم يجدون راحة نفسية في الاحتجاج في الساحات مع صفر مكتسب/شكل جديد من تعذيب الذات، حيث تعلوا الشعارات والمطالب “الموجهة نحو المخلص” وينتهي الأمر بعد كل وقفة بالترويج لمشاعر البطولة، لكنهم يتهربون من “العمل المؤسساتي” (داخل الأحزاب أو الجماعات الترابية) لأنه عمل شاق، بطيء، مليء بالتوافقات، ويتطلب بنظرهم “تلويث اليدين” ونزع صفة المناضل الشريف التي تضفي القداسة على هذا الانسحاب. ان هذا الهروب هو شكل من أشكال “النرجسية الثورية” التي تفضل “جماليات الرفض” على “إكراهات الإنجاز”، وتُفَضِّل بعض القوى أن تكون “صوتًا صارخًا” في الشارع بدل الانخراط في صناعة القرار وخوض الصراع داخل المؤسسات من أجل التأثير الفعلي. ولا أنكر أن الشارع يظل ضروريًا بوصفه أداة ضغط، غير أنه، في سياق الخيار الإصلاحي الذي يفترض أن تحتكم إليه القوى المغربية وقد أجمعت عليه بأغلبية ساحقة، لا يصلح أن يكون فضاءً لـ”التشريع القانوني”. فالمؤسسة، مهما اعتراها من أعطاب واختلالات، تبقى المجال الوحيد الذي يتحول فيه “المطلب” المرفوع في الشارع إلى “قانون” ملزم للدولة. ويكفي أن نتأمل كلفة الانسحاب خلال السنوات الأخيرة لندرك حجم الخسارة؛ إذ أضحت الحكومات تمرّر تشريعاتها بسهولة، بما فيها قوانين تمسّ أحيانًا ثوابت الدستور وتفرغها من مضمونها، في ظل حالة واضحة من التراجع عن الخيار الديمقراطي. وقد أفضى هذا المسار إلى اختزال الديمقراطية في معنى إجرائي ضيق، لا يتجاوز منطق الأغلبية العددية وتجسيد إرادة رئيس الحكومة أو الجهاز التنفيذي، على نحو يفرغ الممارسة الديمقراطية من بعدها التداولي والرقابي.
سؤال: تاريخياً، التجأ صانع القرار إلى المظلات الخارجية (منذ 1963).. ألم يحن وقت “تصحيح المسار” لحماية السيادة؟
جواب: إن الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه العقل السياسي المغربي غداة الاستقلال، وتحديداً في تلك “اللحظة التراجيدية” لعام 1963، لم تكن مجرد استدعاء لخبراء البنك الدولي أو إقالة لحكومة وطنية، بل كانت أعمق وأخطر من ذلك؛ لقد كانت لحظة “تنازل طوعي عن الاستقلال السياسي في اتخاذ القرار”، حيث قررت النواة الصلبة للدولة، تحت ضغط فوبيا الانهيار وهواجس الحرب الباردة، أن تستبدل “شرعية الاستقلال” والنخب الوطنية المسيسة -نظرا للتوجس وأيضا للشعور أحيانا بالتآمر مع الخارج على الملكية وقد بدأت تظهر وثائق عن هذه الحقبة وشهادات- لذلك استعملت هذه الحجج كمبررات لاستبدال النخب السياسية الوطنية بـ”أصحاب الشرعية التقنية” المباركة من الخارج، مؤسسةً بذلك لما يمكن تسميته بـ”عقدة الوصاية” التي حولت دولة الاستقلال إلى دولة تبعية سياسيا واقتصاديا وهو ما رهن حسابات الدولة لعقود، وجعلها تتصرف ككائن قاصر يبحث دائماً عن “أب أكبر للحماية” –سواء كان في واشنطن أو باريس– ليمنحه شهادة حسن السلوك الاقتصادي والسياسي، وهو ما أنتج لنا هذا “الكيان الهجين”: دولة تملك كل مقومات الإمبراطورية تاريخياً وجغرافياً، لكنها تدار بعقلية “المحمية” التي تخشى أن تخطو خطوة واحدة دون “موافقة مسبقة” من المانحين الدوليين، مما أدخلنا في حالة من “الاستيلاب الوجودي” حيث أصبحت السياسات العمومية لا تُكتب في الرباط والجهات استجابة لحاجات القرى والمداشر، بل تُكتب في المكاتب المكيفة للمؤسسات الدولية وبناء على توصياتها استجابة لمؤشرات التوازن الماكرو-اقتصادي، مما حول المواطن من “غاية” للتنمية إلى مجرد “متغير” يجب ضبطه لتقليص العجز، وهنا مكمن العطب السيادي القاتل؛ لقد استعدنا الأرض من الاستعمار، لكننا سلمنا “العقل والإرادة” للوصاية من جديد، فأصبحنا نرى واقعنا بعيون المستعمر السابق ومكاتب دراساته، ونقيس نجاحنا بمعايير لا تنتمي لزمننا الاجتماعي أو الثقافي.
وعليه، فإن استمرار هذا “الكسل الاستراتيجي” اليوم لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تعثر ظرفي أو التزام تجاه اتفاقيات لحظات الاستقلال أو إرجاعه إلى خلل في تدبير السياسات العمومية، بل هو تعبير عن عطب بنيوي في تمثل الدولة لذاتها ولموقعها في عالم يتسم بـ”السيولة الجيوسياسية”، حيث لم تعد موازين القوة التي فرضتها الحربين ثابتة، ولا الايديولوجيات الغربية التقليدية قادرة على فرض هيمنتها الرمزية والمؤسساتية كما في السابق. إن طموح المغرب إلى لعب دور “قوة إقليمية” لا يُختزل في إطلاق مشاريع كبرى أو في توسيع دوائر الحضور الاقتصادي والدبلوماسي في إفريقيا، بقدر ما يرتبط بامتلاك تصور سيادي متكامل ينسجم فيه الامتداد الخارجي مع نمط التفكير الداخلي. فمأزق الدولة اليوم يتمثل في “تناقض الإرادات”: جسد سياسي يسعى إلى التمدد خارج حدوده بوصفه فاعلًا، في مقابل عقل تدبيري لا يزال أسير مؤشرات خارجية ومعايير جاهزة، تُستعمل بوصفها بديهيات غير قابلة للنقاش. ولا يمكن لأي مشروع إقليمي أن ينجح ما لم يُحسم هذا التناقض لصالح إرادة مستقلة تُعيد تعريف الأولويات انطلاقًا من الداخل لا من خارج الذات الوطنية.
إن القطيعة الإبستمولوجية المطلوبة هنا هي قطيعة مع منطق “الاستجداء السياسي” الذي يربط الشرعية بمدى القبول الخارجي، ومع وهم أن الاستقرار يُشترى عبر حسن السلوك أمام مؤسسات التصنيف والتمويل الدولية. فالشرعية التي تحمي الدولة في المدى المتوسط والبعيد لا تُبنى على “التنقيط السيادي”، بل على “الجبهة الداخلية والنموذج الديمقراطي” بوصفه تعبيرًا عن عقد سياسي واجتماعي حيّ، قادر على امتصاص الاحتقانات وإعادة إنتاج الثقة بين الدولة والكتلة الوطنية.
أما “الندّية” في علاقتها بالعالم، فلا تعني القطيعة ولا الانعزال، بل تعني إعادة تعريف شروط الانخراط في النظام الدولي من موقع الفاعل لا التابع. فالسياسات السيادية لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة الدولة على التفاوض، وعلى حماية هوامش قرارها، وعلى تحويل الارتباطات الدولية إلى أدوات لخدمة مشروعها الوطني لا إلى قيود تكبله. ولهذا، فإن العالم لا يحترم “التلاميذ النجباء” الذين يكتفون بتنفيذ الإملاءات، بل يحترم “الفاعلين العقلاء” الذين يملكون رؤية، ويتحملون كلفة الاختيار، ويقترحون حلولًا نابعة من شروطهم الخاصة.
إن تصحيح المسار، بهذا المعنى، لا يعني إعلان الحرب على العالم ولا الانسحاب من شبكاته، بل يعني “إعادة التفاوض على المصير” من موقع الندّية التاريخية، مع وعي بأن كلفة الاستقلال السياسي والاقتصادي قد تكون مرتفعة في بداياتها، لكنها تظل أقل بكثير من كلفة الارتهان الدائم. فالمعركة الحقيقية ليست تقنية ولا ظرفية، بل هي معركة تعريف الذات: إما أن يظل المغرب “دولة وظيفية” تُدار باعتبارها ملفًا في مراكز القرار العالمية، أو أن يتحول إلى “أمة تاريخية” تمتلك مشروعها، وتنتج نموذجها، وتشارك في صنع العالم بدل الاكتفاء بالتكيف معه.
سؤال: أين يكمن الخطر الراديكالي على المغرب؟ هل هو في “نخب القرار” (الفوق) أم في “شعب يرفض الحداثة” (التحت)؟
جواب: إن مجرد طرح السؤال بصيغة المفاضلة الجغرافية بين “فوق” و”تحت” ينطوي في حد ذاته على “مصادرة إبستمولوجية” تحجب عنا رؤية الديناميات المعقدة التي تنخر الجسد السياسي للدولة والمجتمع على حد سواء، فالخطر الراديكالي –كما تعلمنا دروس الاجتماع السياسي المقارن– لا يسكن في “المواقع” ولا في “الذوات”، بل يسكن في “البنيات” وفي “العلاقات” التي تربط بينها، وتحديداً في تلك اللحظة التاريخية الحرجة التي تتعطل فيها لغة التخاطب بين العقل السياسي للدولة والوجدان الاجتماعي للشعب عبر مؤسساته وتنظيماته الحقيقية وليست تلك التي يؤثر في قرارها، ليحل محلها فراغ مخيف تملؤه العدمية؛ فإذا بدأنا بتشريح “الفوق”، يجب أن نمتلك الجرأة للقول بأن الخطر لا يكمن في “سوء نية” صانع القرار أو في رغبته في التسلط، بل يكمن في تحول بنيوي خطير أصاب عقل الدولة الحديثة، وهو هيمنة “اللوغوس التقني “Technological Logos على “اللوغوس السياسي”، حيث تحولت الدولة تدريجياً من “كائن سياسي” ينتج المعنى والسردية الوطنية ويدبر التوازنات بحكمة، إلى “آلة إدارية باردة” Cold Administrative Machine تؤمن بقداسة الأرقام والمؤشرات الماكرو-اقتصادية، بينما تقصي وتحجب وتصادر “السياسي The Political”، وتحويل “السياسية Politics” إلى عملية تختزل في صناديق الاقتراع دوت تنمية سياسية وديمقراطية حقيقية ترفع الوعي، وهو ما أصابها بما يمكن تسميته “العمى الأنطولوجي” الذي يجعلها ترى المواطنين مجرد “كائنات إحصائية” في جداول البنك الدولي، لا “ذواتاً اجتماعية” تحمل قلقاً وهواجس وانتظارات، وهذا الانزياح نحو التكنوقراطية الصرفة جرد الدولة من “مناعتها الرمزية ومن جبهتها الداخلية” ومن قدرتها على الإقناع، عبر مؤسسات الوساطة والتمثيل الديمقراطي للإرادة العامة.
وفي المقابل، فإن القول بأن الخطر يكمن في “التحت” بدعوى أن الشعب “يرفض الحداثة” أو أنه “كتلة محافظة تعيق الإصلاح” هو توصيف استشراقي سطحي ينم عن جهل عميق بالسوسيولوجيا المغربية، فالمجتمع المغربي تاريخياً لم يرفض الحداثة كقيم (العدالة، القانون، الكرامة، المدرسة، التطبيب)، بل ما يرفضه اليوم هو “الحداثة المعطوبة” أو “الحداثة الانتقائية” التي يرى بريقها في الشعارات ولا يلمس أثرها في واقعه اليومي، وبالتالي فإن ما نراه من غليان أو “عدمية” في القواعد ليس تعبيراً عن “مقاومة ثقافية” للتحديث، بل هو تعبير عن “يأس هيكلي” من وعود لم تتحقق، وهو اليأس الذي أنتج لنا ظاهرة “السرب الرقمي” التي شرحها الفيلسوف بيونغ تشول هان، حيث يتحول الأفراد في غياب التأطير المؤسساتي إلى “ذرات غاضبة” ومنفصلة، لا يجمعها مشروع سياسي ولا رؤية موحدة، بل تجمعها “شعارات السخط” الذي يملأ الفضاء الافتراضي دون أن يتحول إلى قوة اقتراحية في الواقع، وهذا “السرب” هو أخطر ما في “التحت”، والسبب ليس لكونه يطالب بالحقوق، بل لأنه يفتقد إلى “التنظيم” و”القيادة” التي يمكن التفاوض معها، مما يجعله كتلة سائلة قابلة للانفجار العشوائي أو للاختراق من قبل الأجندات الخارجية أو الداخلية التي تتربص بـ”السيادة الوطنية”…
وهنا نصل إلى مكمن الداء الحقيقي، فالخطر الراديكالي لا يسكن في عزلة “الفوق” التقنية ولا في غضب “التحت” السائل، بل يسكن في “المنطق العدمي” الفاصل بينهما، أي في “موت الوساطة” وانهيار الجسور التاريخية التي كانت تربط الدولة بالمجتمع؛ فالمغرب استقر لقرون بفضل وجود “مؤسسات وساطة” (نخب، أعيان، زوايا، ولاحقاً أحزاب وطنية ونقابات ومثقفين عضويين) كانت تلعب دور “ممتص الصدمات”Absorbers ، الذي يترجم منطق الدولة للمجتمع ويشرح إكراهاتها، وينقل أنين المجتمع للدولة ويفرض مطالبها، لكننا اليوم نعيش لحظة “تجريف سياسي” غير مسبوقة، حيث تم إضعاف الأحزاب وتمييع النقابات وتهميش المثقفين، حتى أصبحنا أمام مشهد درامي: دولة في “برج عاجي” وشارع في “سجون المنصات الرقمية”، وبينهما فراغ قاتل يسمح بمرور كل أشكال الشعبوية المدمرة ؛ فالخطر هو “الفراغ”، والخطر هو أن نستمر في تدبير الدولة بمنطق “الشركة” التي تبحث عن زبناء، بينما اللحظة التاريخية والجيوسياسية (الصحراء، الساحل، التحولات الدولية) تفرض علينا العودة إلى منطق “الدولة” التي تبحث عن مواطنين، وإعادة “تسييس” هذا الفراغ بنخب حقيقية ومؤسسات ذات مصداقية، لأن الدولة التي لا تسمع شعبها إلا عبر “الهاشتاغ” هي دولة في خطر، والشعب الذي لا يرى دولته إلا عبر “القوات العمومية” هو شعب في خطر، والحل لا يكون إلا بردم الهوة وإعادة بناء “التعاقد السياسي” قبل فوات الأوان.
سؤال: إن كان هناك شيء يمكن أن نتفق حوله وهو “صمت” النخب الجامعية حول مجموع هذه الارتجاجات/الأخطار الكبرى.. أنت تعرف أن الدولة ليست ببعيدة عن هذه الفضيحة.. كيف في تصورك تم إخراج الجامعة من الرهان؟ ألا ترى أن أكبر خسارة في أي بلد هي خسارة المدرسة/الجامعة؟ ألا تعتقد أن “الدولة” وهي تبتلع الصوت الوحيد القادر على إنتاج أشياء “أخرى” تغامر بالسقوط في شمولية إبستمولوجية وفي النهاية سياسية قد يكون لها ما سيكون؟
جواب: إن هذا السؤال يضع اليد، وبقسوة جراحية، على “الجرح الغائر” في جسد الحداثة السياسية المغربية، وينقلنا من نقاش “الأعراض” (الاحتجاج، السخط، الشعبوية) إلى نقاش “الأسباب العميقة” المتمثلة في “استقالة العقل”؛ فصمت النخب الجامعية اليوم ليس مجرد “جبن أخلاقي” للأفراد –كما يحلو للبعض توصيفه بتبسيط مخل– بل هو نتيجة حتمية لـ”هندسة تاريخية” طويلة الأمد، مارستها الدولة –بوعي أو بدونه– بهدف “تحييد” الجامعة وإخراجها من حلبة الصراع السياسي، متوهمة أنها بذلك تربح “السلم الاجتماعي”، بينما هي في الحقيقة كانت تمارس “إخصاءً استراتيجياً” لعقلها النقدي، وتجرد نفسها من “جهاز المناعة” الوحيد القادر على حمايتها من فيروسات العدمية والتطرف؛ فالغاية من “إخراج الجامعة من الرهان” ومن كونها “فضاء لإنتاج المعنى والنخب والأفكار الكبرى” (كما كانت في الستينيات والسبعينيات) وتحويلها إلى “مصنع لإنتاج الموظفين والتقنيين”، حيث تم إغراق الأستاذ الجامعي في مستنقع “البيروقراطية البحثية” و”هوس الترقيات” و”التقارير الإدارية والندوات الفرجوية أحيانا والدعائية”، وتمت محاصرة “العلوم الإنسانية والفلسفية” المزعجة لصالح “العلوم التقنية والتدبيرية” المروضة، تحت شعار “الملاءمة مع سوق الشغل”، وهو الشعار الذي أخفى خلفه رغبة دفينة في تحويل الجامعة من “ضمير للأمة” إلى “ملحقة إدارية” تابعة للجهاز التنفيذي، تسبح بحمده وتردد صدى قراراته بدلاً من تشريحها.
وهنا تكمن “المقامرة الكبرى” التي ارتكبتها الدولة في حق نفسها قبل حق المجتمع، وهي ما أسميه “الشمولية الإبستمولوجية Epistemological Totalitarianism”؛ فالدولة حينما “تبتلع” الجامعة، أو تدجنها، أو تحولها إلى “مؤسسة صامتة”، فإنها لا تقضي على المعارضة كما تعتقد، بل تقضي على “المرآة” التي ترى فيها عيوبها، وتصاب بـ”العمى الاستراتيجي”؛ فالجامعة الحية والمستقلة والنقدية ليست “خطراً أمنياً”، بل هي “ضرورة وجودية” للدولة، لأنها المكان الوحيد القادر على إنتاج “البدائل”، وعلى استشراف الأزمات قبل وقوعها، وعلى صياغة “لغة مشتركة” بين السلطة والمجتمع؛ وحينما نقتل هذه الوظيفة، ونحول المثقف إلى “موظف”، فإننا نترك الدولة وحيدة وعارية في مواجهة “الشارع” و”الغرائز” و”السرب الرقمي”؛ وقد رأينا حينما تهتز الأرض تحت أقدام الدولة بفعل احتجاجات فئوية أو احتقان اجتماعي، تلتفت الدولة حولها لتبحث عن “وسطاء” عقلاء، وعن “محللين” يفككون الشفرة، وعن “نخب” تؤطر الغضب، فلا تجد إلا الفراغ الذي صنعته بيدها، ولا تجد إلا “تقنيين” يتقنون الأرقام لكنهم يجهلون التاريخ والسوسيولوجيا ونبض الإنسان.
إن أكبر خسارة يمكن أن تمنى بها أمة ما ليست هي خسارة معركة عسكرية أو انهيار عملة نقدية، بل هي “خسارة الجامعة”؛ لأن خسارة الجامعة تعني “موت الضمير” الذي يمد الدولة بالأفكار، ويمد المجتمع بالقيم، ويمد السياسة بالمعنى والرؤية الاستراتيجية؛ والشمولية الإبستمولوجية التي نحذر منها هي تلك الحالة التي يصبح فيها “صوت السلطة” هو الصوت الوحيد المسموع، ليس لأنه الأصدق، بل لأنه كسر كل الأصوات الأخرى، وهذه الحالة تخلق “وهماً بالاستقرار ووهم الإجماع” سرعان ما يتبدد عند أول صدمة، لأن النظام الذي لا يسمع إلا نفسه يفقد القدرة على “التكيف” Adaptability مع التحولات؛
فالخطر الراديكالي لايكمن في أن تستقل الجامعة وتنتقد وتزعج التوجه العام، بل الخطر القاتل في أن “تخرص”، لأن صمتها يعني أن العقل قد استقال، وأن الساحة قد خلت لـ”الديماغوجيا” و”الشعبوية” و”الفرجة السياسية” التي حولت الخيار الديمقراطي الرامي لخلق مواطنين إلى مجرد حشود تدار بالدعاية والترند؛ وبالتالي، فإن “إعادة الروح” للجامعة المغربية، وتحريرها من “الوصاية البيروقراطية”، ليس مطلباً نقابياً فئوياً، بل هو “شرط بقاء” للدولة نفسها، لكي تستعيد عقلها الاستراتيجي، وتتجنب السقوط في هاوية المجهول الذي لا ينفع معه حينها جيش ولا شرطة، بل لا ينفع معه إلا “الفكر” الذي تم تغييبه قسراً.
سؤال: أنت الآن في مواقع القرار.. ما هي القرارات الثلاثة التي ستتخذها في اليوم الأول لوصولك إلى السلطة؟
جواب: لو قُدّر لي أن أتحمل “المسؤولية يوما ما ” في هذه اللحظة المفصلية من تاريخنا، وأن أكون مؤتمناً من طرف جلالة الملك على ترجمة التوجهات الكبرى للدولة في قطاع ما، فإنني سأنطلق من قناعة شخصية راسخة: أن المغرب نجح في “البنية التحتية” لكنه تعثر في معركة “الوعي والمواطنة”. وبناءً على ذلك، لن تكون قراراتي مجرد مراسيم إدارية، بل ستكون “تأسيساً تاريخيا” لثلاث ركائز، أقترح فيها إطلاق “مبادرة ملكية سامية” تشكل العمود الفقري للمغرب الجديد:
القرار الأول: إطلاق “المبادرة الوطنية للتنمية السياسية” تحت الرعاية السامية سيكون هذا بالنسبة لي أول قرار استراتيجي. سأرفع ملتمساً لجلال الملك لإطلاق “المبادرة الوطنية للتنمية السياسية”، لتكون بمثابة مشروع وطني استراتيجي لاستكمال ورش التنمية البشرية؛ فإذا كان الورش الأول قد استهدف الحد من الاختلالات “الاقتصادية والمادية” وتقوية القدرات، فإن “المبادرة الوطنية للتنمية السياسية” تأتي كاستجابة حتمية لمقاربة “العدمية السياسية”، وتستهدف مأسسة “التنشئة السياسية” التي تبني بشكل حقيقي وجذري دولة الحق والقانون والحداثة عبر مؤسسات دائمة تشتغل على هندسة العقل العمومي، وبناء “المواطن-الفاعل” القادر على تحصين المجال العام من اختراقات العدمية والشعبوية دون تحويل المواطن إلى حشد يعيد إنتاج الخطاب الرسمي بدون تحليل أو نقد، مما يوفر للنظام السياسي “قاعدة مجتمعية” واعية، تحمي المكتسبات وتضمن استدامة الاستقرار. هذه المبادرة لن تكون حملة عابرة، بل “بنية مؤسساتية” دائمة، ستمول وتدعم برامج ضخمة لـ”التثقيف السياسي”، و”التربية على المواطنة الدستورية”، و”تخليق الحياة العامة”. ستدخل إلى المدارس، والجامعات، ودور الشباب، والعالم القروي، ليس لتلقين “الشعارات”، بل لبناء “المواطن الفاعل” القادر على الفهم، والنقد، والمشاركة، وتحصينه ضد خطابات العدمية، والتطرف، والتبخيس. فإذا كانت الدولة تبني الموانئ والطرق، وهذا مهم للاقتصاد فهذه المبادرة ستبني “الإنسان” الذي سيحمي هذه المكتسبات. إنها مشروع لملأ “الفراغ المخيف” بين الدولة والمجتمع، ولخلق “كتلة تاريخية” واعية تدرك إكراهات الوطن وتدافع عن مصالحه العليا عن قناعة لا عن خوف.
القرار الثاني: “تأميم العقل الاستراتيجي للدولة” وإنهاء الوصاية المعرفية وتوطين الخبرة بالموازاة مع المبادرة السياسية.. سأتخذ قراراً سيادياً بوقف نزيف “الاستيلاب المعرفي”. سأصدر مرسوماً ينهي هيمنة مكاتب الدراسات الأجنبية على صياغة السياسات العمومية، وأؤسس بدلاً عنها “الوكالة الوطنية للتخطيط والسيادة الاستراتيجية”، سننتقل من استهلاك “الوصفات الجاهزة” (التي غالبا ما تفشل لأنها لا تلائم تربتنا)، إلى إنتاج “حلول أصيلة” مستفيدين من الغير من علومه ومعرفته لكن يجب أن نؤسس “واد السيلكون المغربي” لتجميع الكفاءات المغربية واعتبار إبقائهم في المغرب مسألة أمن قومي حيوي وتخصيص الحوافز لذلك مع تجميع كفاءاتنا في الخارج واستقطابها للعودة للوطن أو تجميعهم في “مجلس وطني للاستشارات الاستراتيجية” وفق خطة سيادية؛ مستفيدين في ذلك من اتخاد القرار على أعلى مستوى للعودة للخيار الديمقراطي وأيضا حكامة الدولة المركزية لإعطاء الديمقراطية المغربية بعدها الاجتماعي. فالسيادة تبدأ من “السيادة على القرار الاستراتيجي خاصة العلمي والسياسي والثقافي”.
القرار الثالث: والغاية القصوى من هذا القرار الثالث هو “منح الروح” للمبادرة الوطنية للتنمية السياسية، عبر ملامسة المشكلات الكبرى للمواطن المغربي؛ حيث يتحدد جوهر هذا القرار في إعلان قطاعي التعليم والصحة قطاعات “سيادية وأمنية” تابعة للأمن القومي المباشر للدولة، لا تقل أهمية عن الجيش والشرطة، وتحريرهما نهائياً من “منطق السوق” وحسابات الربح والخسارة. وهذا التوجه ليس مجرد إجراء اجتماعي، بل هو خيار استراتيجي ينبع من قناعة راسخة مفادها أننا لا نملك الحق الأخلاقي في مطالبة المواطن بالوطنية والمشاركة السياسية والدفاع عن صورة بلده وهو يشعر بـ”الإهانة” الوجودية حين يمرض فلا يجد سريراً، أو حين يرى ابنه ضائعاً في مدرسة متهالكة؛ فالمواطن الذي تُهدر كرامته ويُرتهن مستقبله لحجم “شيكه البنكي” هو بالضرورة “مشروع يائس” وقنبلة موقوتة قابلة للاختراق. من هنا، تتضح فلسفة “الدولة القوية” التي لا تحمي حدودها بالدبابات فحسب، بل تحمي كرامة أبنائها عبر “المدرسة والمستشفى”، مؤسسةً بذلك لـ”تعاقد تاريخي جديد” معادلته الوجودية: “الدولة تضمن الكرامة كحق مقدس، والمواطن يضمن الولاء والوعي والمشاركة الفاعلة”؛ إننا بهذا نعيد ترجمة الصوت الكانطي في نصه الشهير: ما التنوير؟، ذلك الصوت الذي كان كانط يرى أنه الصوت الواحد داخل الدولة، الصادر عن السلطة العليا نفسها (فريدريك الثاني، ملك بروسيا)، والذي يقول للمواطنين: فكّروا كما تشاؤون، لكن أطيعوا. وهكذا يمكن أن نحصن الجبهة الداخلية ضد تجار اليأس، موفرين “الأرض الخصبة” لنمو الديمقراطية التي لا تنبت في تربة الإقصاء، بل تزدهر حصراً في أرض الكرامة والاعتراف. وانطلاقاً من هذه الخلفية السياسية، يتجسد الشق العملي لهذا القرار في إطلاق مشروع “المدرسة الوطنية الجديدة”، التي تقطع مع “بيداغوجيا الذاكرة والتلقين” لتؤسس لـ”صناعة الذكاء والتحصين العقلاني”، وذلك عبر مجموعة من الركائز:
تتمثل الركيزة الأولى في خلق “صدمة المكانة” عبر تحويل هيئة التدريس إلى “أرستقراطية وطنية”، من خلال إعلان “حالة طوارئ” في الموارد البشرية ترفع أجور المعلمين لمنافسة القضاة والمهندسين لاستقطاب “أذكى العقول وأكثرها ابداعا”، مع الابتعاد عن المقاربة التقنية للإبداع والذكاء بل عبر مقاربة عبر مناهجية تقتضي أن يكون أستاذ الرياضيات بخلفية ابيستمولوجية واطلاع قوي على المعرفة الإنسانية بمختلف حقولها من الفلسفة الى الموسيقى وعلم الجمال وتقتضي أيضا من مدرس الآداب أن يكون له حس ابيستيمولوجي قوي، مع فرض انتقاء صارم وسن قوانين تمنحهم “حصانة رمزية” تعيد الاعتبار لسلطتهم المعنوية. أما الركيزة الثانية، فتتجه نحو الاختيار اللغوي وحسم “الحرب اللغوية” باعتماد “ثنائية وظيفية براغماتية”: العربية لترسيخ الهوية والتفكير، والإنجليزية كلغة حصرية للعلوم والتكنولوجيا من الإعدادي إلى الدكتوراه، لضمان الانخراط في اقتصاد المعرفة العالمي بعيداً عن “الحديقة الخلفية” للفرنكفونية. مع دعم اللغة الأمازيغية لتؤهل نفسها وتراكم ما راكمته العربية في ميادين الفكر والأدب والترجمة والابيستيمولوجيا، أما الركيزة الثالثة فتهدف لنسف أحادية “المدرسة الأحادية”، مستلهمة “النموذج الألماني” في المسارات المزدوجة، حيث تكتشف المدرسة المواهب مبكراً وتوجهها إما للمسار الأكاديمي البحثي أو للمسار المهني عبر خلق “باكالوريا مهنية” حقيقية ترد الاعتبار لليد وللذكاء التقني، مع تغيير جذري في المناهج ينتقل من “حشو الذاكرة” إلى “المهارات النسقية” والتفكير النقدي. ولكي لا يظل الإصلاح حبيس التنظير، تفرض الركيزة الرابعة “ثورة في الحكامة” تقطع مع التراتبية المهنية، محولةً مدير المؤسسة من “حارس إداري” إلى “مسير مقاولاتي” يتمتع بالاستقلالية، ومحولةً المفتش من “مراقب” إلى “موجه بيداغوجي Coach” وظيفته المصاحبة وتطوير الأداء لا المراقبة المختزلة في التأديب أو الترقية مع تحسين شروطه أيضا، مع رقمنة شاملة تضمن الشفافية وتكسر الزبونية.
وأخيراً، ولأن “الوردة لا تنبت في حقل ألغام”، فإن الركيزة الخامسة تستهدف إصلاح “حواضن المدرسة”؛ وذلك عبر تحييد “السموم الإعلامية” بفرض ميثاق أخلاقي ينهي تسييد التفاهة، وترويج صور نمطية على المدرسة والمدرسين، وتحقيق “الأمن الأسري” عبر ربط تمدرس الأبناء بتحسين دخل الآباء لضمان استقرار التلميذ النفسي، ومأسسة “مدارس الوالدين” لردم الفجوة الرقمية والتربوية، وصولاً إلى “أنسنة الفصل” بتسقيف عدد التلاميذ في 25 كحد أقصى، وإعلان محيط المدرسة “مؤسسة مقدسة قانونيا ورمزيا” ؛ فالمدرسة بهذا المعنى ليست مجرد قاعات درس، بل هي مشروع مجتمعي متكامل لا ينجح إلا بتضافر “إرادة الدولة” مع ” ترقية الوعي المجتمعي”.
وفي عمق هذا الإصلاح، لا بد من خوض معركة “التطهير الرمزي” لصورة المدرس التي تعرضت لـ “اغتيال ممنهج” في زمن سياسي بئيس أراد كسر شوكة المثقف وتحويله إلى موضوع للتنكيت، مما يفرض اليوم تجريم كل خطاب إعلامي يمعن في تبخيس “حراس المعنى”؛ وبنفس الجرأة، يجب الحسم في هندسة “المناهج القيمية”، وتحديداً التربية الإسلامية، عبر تبني “فصل بيداغوجي” صارم وشجاع لهذا التناقض الذي كان نتاج توافق أكثر منه اختيار علمي.. وجب اتخاذ قرار شجاع بمراجعة جذرية لمادة ‘التربية الإسلامية’، والانتقال بها من ‘المقاربة اللاهوتية’ (التي تلقن العقائد والفقه وتكرس الحفظ) إلى ‘المقاربة المعرفية’ (التي تدرس الظاهرة الدينية)، وذلك عبر تعويضها بمادة ‘تاريخ الأديان والقيم الكونية’.. ان المدرسة العمومية ليست مكاناً لصناعة “المؤمن” (فهذا دور الأسرة والمجال الخاص)، بل هي مكان لصناعة “المواطن” الذي يمتلك ثقافة دينية مستنيرة، ويدرك موقع الإسلام كحضارة كبرى ضمن تاريخ البشرية، ويمتلك أدوات “علم الأديان المقارن” التي تحصنه ضد التطرف، وتجعله يرى في الاختلاف ثراءً لا تهديداً؛ وبهذا نخرج الدين من “معارك السياسة” لنضعه في “مختبر المعرفة”، وننتقل من “تلقين اليقينيات” إلى “تنمية العقل النقدي” الذي هو مناط التكليف وأساس المواطنة الحديثة.
