إنقاذ الأرض. من الإيغو الى الإيكو. ثورة الإيكولوجيا الجذرية.
فور تنمية بقلم : منير الحجوجي الوردي
الى مي عيشة الوردي، أنت التي أنهيت حياتك وأنت تقرئين السلام على الأشجار والنمل والسحاب..
الى بنيتي، فاطمة الزهراء ونسمة.. على أمل أن تجدا في ما أكتب ما يفتحكما على المهمة الكبرى للقرن: مهمة إنقاذ الأرض..
ان مهمة الايكولوجيا، في زمن المحارق الكبرى، هي تسريع الانتقال من الإيغو، نموذج الهدم العام للحياة، نحو الإيكو، نموذج صيانة/انقاذ الحياة..
سعيد جدا بأن أقدم للقارئ هذا المدخل المتواضع الى بردغم شديد الأهمية هو البردغم الإيكولوجي. تصور هذا البردغم أننا أمام لحظة مفصلية، استثنائية، غير مسبوقة، حارقة، شديدة الخطورة من تاريخ البشرية. لم يعد ممكنا تحمل عبث أخر. عندما نخطئ التقدير في علاقة حب تكون النتائج…. نفسية… أما عندما نخطئ تشخيص/قراءة ورم خبيث….
كيف هو حال الأرض الأن؟..
لننصت الى ما يقول المعلم نعوم شومسكي: “لقد وصل النوع البشري الى نقطة فريدة في تاريخه – يكفي أن نلاحظ تدمير الأنواع، أنسوا النوع البشري.. ان تدمير الأنواع يتم بنفس الحجم الذي حدث به قبل 65 مليون سنة، عندما ولج نيزك ضخم الغلاف الجوي وارتطم بالأرض ومحى من الوجود الداينصورات وعددا كبيرا جدا من الأنواع – ما يسمى بالتدمير الكثيف للأنواع. ان هذا بالذات ما يحدث مرة أخرى في هذه اللحظات، والبشر هم النيزك. اننا نوجد على اللائحة، لائحة التدمير، وليس بعيدا، في المراتب القريبة جدا” (1). ماذا نفهم هنا؟ أننا، ببساطة رهيبة، أمام/في قلب منطقة الرعب.. والمهمة، مهمة مواجهة الكارثة، صعبة لكنها ليست بالمستحيلة مثلما سأوضح..
هناك رأي متداول بقوة عند عموم الجمهور بل وحتى عند خاصتهم بل وحتى عند “صانع” القرار الدولي/المحلي مفاده أن سؤال البيئة لا يعدو أن يكون ترفا. علينا أن نفهم بأن البيئة هي أي شيء الا ترفا. ولدي دليل. ودليل قوي في تقديري. ان التحاليل العلمية – من الفيزياء الى الكيمياء مرورا بعلم المناخ والجغرافيا النباتية – تبين أن التخريبات التي نحدثها في الأرض وصلت الى مستويات بدأت، لأول مرة في تاريخ نوعنا، تهدد بقائنا وبقاء كل شركائنا الأخرين (حوت، فراشات، بكتيريا، قطط، فيروسات، قردة….)، تبين أن ديناميتنا، نحن البشر، الدينامية الانتاجية/الاستهلاكية المتنامية بدأت، في انعطاف مفصلي، تصطدم، بعنف غير مسبوق، بحدود المجال الحيوي. عدونا، اذن، هو أنتروبولوجيا “العيش” التي هي، في اللغة الإيكولوجية الجذرية، أنتروبولوجيا الضرب/التخريب. لنتفق على أمر على درجة عالية من الأهمية: ان الاستمرار في الدينامية، في الانتاج/الاستهلاك/القضم/الهدم هو لا أقل ولا أكثر قرار بالانتحار. مستحيل الاستمرار في نمو/قضم لانهائي في ظل كوكب بموارد محدودة/منتهية. ان من يومن بالعكس هو اما أحمق أو………اقتصادي.. مثلما يعبر الجميل سيرج لاطوش.
تعلمنا الايكولوجيا في مختلف أسمائها/تياراتها كما سأوضح أنه في سبيل تلبية حاجياتنا أنتجنا قوى بالغة التطور لكنها أيضا بالغة التدمير. لقد اخترنا “التقدم/النمو” لكننا تجاهلنا بشكل تام ما تحدثه تقدماتنا/انجازاتنا في حق الأرض. لم نفهم ولا زلنا لانريد أن نفهم بأنه يستحيل أن نستمر في نمو يتقدم بخطوات كبرى ونحن ندير أعيننا عما نخلفه في الجهة “الأخرى”. لقد تطورنا بشكل هائل لكننا لم نتطور بحكمة – التعبير للعظيم بيير ربحي.. أما يوجين جورجيسكو، أب الأسماء الايكولوجية الكبرى، فلقد كتب في جملة تكثف مجموع البردغم الايكولوجي بأن كل خطوة نحو التقدم هي خطوة نحو الهاوية (2).
يقر البيئيون بأن الانسان المعاصر يدمر العالم الطبيعي الذي يتوقف عليه البقاء بسرعة رهيبة. فتعميم النموذج الصناعي/الكيميائي أعطانا كائنات/منظومات حية تحمل في أنسجتها أثار مواد يشتبه بقوة في كونها مسرطنة. أما اجتثاث الغابات، تجفيف المستنقعات، اقتلاع الشعاب المرجانية، وهي ظواهر لاننتبه حتى اليها، في إشارة حقيقية أخرى الى غباءاتنا، فلقد قادت نحو انقراض عشرات الألاف من الأنواع مما لا يعرف عنها العلم الا القليل جدا. أما ضرب الغلاف الجوي، بما نرمي في قلبه من غازات احترارية، وبكميات يومية هائلة، فلقد أثمر عن تفجر ظواهر بيئية (عواصف مفاجئة، فيضانات غير مسبوقة، حرائق استثنائية…) تنذر بكل السيناريوهات القيامية. وإذا ما استمرينا في هذه اللعبة الأنتروبولوجية، لعبة التنمية/التخريبات المفتوحة، فان الأرض ستفقد كل قدرة على أداء وظيفتها الأولى، الأخيرة: انتاج/ضمان الحياة. الأرض في حالة إنهاك تام. نحن قريبون جدا من أن نحول الكوكب الى مشروع تيتانيك، الى مركب يركض، وبسعادة لاغبار عليها، نحو الهاوية. والهاوية لن تترك أحدا. عندما سينهار العالم سيسحب معه الكل نحو الغبارات/الثقوب الكونية الشهيرة (3)..
ولكن لماذا كل هذا التخريب؟ السبب هو جرينا وراء النمو الاقتصادي الذي هو سيرورة بطبعها ترفع بشكل نسقي من وقع الأنشطة الاقتصادية في محيط جوي/أرضي/بحري أصبح عاجزا أكثر فأكثر على تحملها، مثلما يسطر كبير الكبار ادوار كولدسميث (4)..
نحن الأن في قلب برنامج أنتروبولوجي واعي/لاواعي لحرق الأرض. عادي جدا. لننتج أكثر لابد أن نخرب أكثر، أن نوجه أكثر ما يمكن من الضربات للنسق الحيوي، للمنظومات البيئية، تلك العقبة، الأولى/الأخيرة، أمام السير نحو “التقدم”، أمام تنزيل الانجازات/النجاحات الإنتاجو/الاستهلاكو/التنموية.. يجب، ودون تردد، إزالة عقبة العقبات: القوانين العليا للحياة. والنتيجة شيء رهيب بدأ يطل برأسه بقوة اسمه الإبادة البيولوجية (5). هكذا، ببساطة. ان الوحش/النموذج الأنتروبولوجي، النموذج التقنو ـ تصنيعي ـ استهلاكي الجذري، الذي سرنا ورائه اعتقادا منا أنه يسير بنا نحو السعادة، انتهى بنا الى أبواب الكارثة ـ بالكاف الكبرى. جذر الشر؟ أننا نعتقد أن العملية “التنموية/الاستثمارية” تحدث داخل حلقة مغلقة، أنها سيرورة اقتصادية محضة. الأرض، الهواء، الماء، التراب، البكتيريا، الفراشات، الحيتان، الانسان؟ هذه برمطرات “خارجية” (6)، لا علاقة لنا بها..
لكن الايكولوجيا مثلما أتصورها لاتضع كل البشر على نفس قدم التخريبات الجارية.. أطروحة الإيكولوجيا ـ الإيكوماركسية تحديدا مثلما سأوضح ـ أن الأوليغارشيا/الرأسمالية، تلك الذئاب التي توجد على رأس الأشياء، على رأس القرار الدولي/المحلي، والتي تحدد، في النهاية، الوجود الفردي/الجماعي فوق الأرض، الوجود البشري/الحيواني/النباتي/البكتيري، هي جذر الشر في العالم.. وهذا مهم جدا في عملية الحسم في نوع المقاربة العلاجية.. يتحدث البيئيون عن ثلاثة حلول في مواجهة التخريبات الايكونسقية. هناك أولا حل الإيكولوجيا السطحية بتعبير منظر الايكولوجيا العميقة أرني نايس (7)، التي تعتبر أن باب الخروج في تبني بعض السلوكيات الفردية الجديدة (أجي نزرعو وريدات ونقيو كليتات ونركبو بيكالات).. (8). موقع/دور الأوليغارشيا/المافيا، راعية أنتروبولوجيا النمو/التخريب؟ هذا خطاب شعبوي، عدمي، عقيم، لا يقدم ولا يؤخر. لا يجب البحث عن الاصطدام، عن التشويش المجاني. يجب التحلي بال”هدوء”. ب”الاتزان”. ب”الحكمة”. ب”الفضيلة”. دورنا أن ننظف الأرض بعد مرور الوحش.. الأشياء الأخرى أكبر من دوائرنا.. انه الدولبران في مواجهة السرطان. تقديري أن ما يلزم العالم ليست روتوشات/صباغات تتفتت فور وضعها على التعفنات البنيوية. الحل الثاني هو ما تقترحه الرأسمالية نفسها عبر ذراعها الرأسمالية الخضراء (أجي نديرو الطاقة الخضراء ونطبعو بذورنا ونمشيو في الفلاحة الذكية…)..(9). لكننا نعلم أن الأمر لايعدو أن يكون تكتيك الذئب الدولي لاستعمال الكارثة البيئية في مشروع تجديد الحضور/القضم فوق الأرض، خدعة الكروكوديل الكوكبي لاعادة شحن بطاريات الركض، مؤامرة الكودزيلات الكونية من أجل الاستمرار وفق أشكال أخرى، بعد تبين قرب نفاذ الأشكال التقليدية “للحضور” في العالم. تصوري أنه مع الرأسمالية الخضراء سيصدر الغرب – للمرة الألف- استراتيجياته الاستعمارية الجديدة/القديمة بعدما سيضع عليها صباغة إيكولوجية. الرأسمالية لايمكن أن تكون خضراء. هذا تناقض في الكلمات. أن تفترض امكانية رأسمالية خضراء كأن تفترض، مثلا، مخزنا ديموقراطيا.. ثم هناك الايكولوجيا العميقة/السياسية بتعبير نايس دائما. الايكولوجيا العميقة هي الحرب على جذر الشر: أنتروبولوجيا “الرغبة/العيش”، أنتروبولوجيا الأشياء/المال/القوة، أنتروبولوجيا الحداثة.. الايكولوجيا العميقة تدافع عن نموذج أخر، نموذج متمركز على أمور أخرى: الانسان/الطبيعة (10)..
يفترض تنزيل النموذج الإيكونسقي، نموذج الأرض/الحياة أولا، التدخل على مستويات تمس حميمية الناس، ولكن، وفي نفس الوقت، التدخل على مستوى مداواة بنيوية.. النموذج الإيكونسقي يتوجه نحو الفرد بطبيعة الحال ولكن أيضا نحو أمور أكبر بكثير من الفرد، نحو المتخيلات/السرديات الكبرى..
على مستوى الفرد يدعو البردغم الإيكونسقي كل واحد منا الى الفهم أولا، فهم الكارثة التي يصنعها ولا يعي أنه يصنعها. يدعونا البردغم الجديد الى أن ننتبه الى خطورة الرانجروفيرات التي تخرب الجو أكثر مما تفعله سيارات صغيرة، الى خطورة القصور/الفيلات/الأوطيلات الباذخة/ملاعب الغولف التي تهدر بشراسة نادرة مواردنا المائية، التي تحرق من الطاقة ما لايحرقه الملايير من سكان عالمنا، الى خطورة الشيبس الذي نصنعه من زيوت نجتث غابات شاسعة لزراعة نبتتها (الكارثة الأندونيسية ضمن جرائم كثيرة أخرى)..(11).. الفكر البيئي الجذري هو، على مستوى الايتيقا الفردية، أن يتخذ كل واحد منا المسافة مع مجموع ما يمكن أن يسيء الى البشرية/الأرض. الفكر البيئي الجذري هو الفكر/العيش من الأعلى، من منظور كوني. الفكر البيئي هو أن نعيش وعيوننا ـ عيون القلب مثلما غنت نجاة الصغيرة ـ على الأرض. أن نأكل، أن نستحم، أن نشيد دورنا وقلوبنا على المنظومات الكبرى.. أن تكون ايكولوجيا هو ألا تتسامح مع التفاصيل. التمرد اذن على اليومي. لا يمكن للأرض أن تتحمل استفزازاتنا/اهاناتنا الى ما لا نهاية. كل مسؤول عن الكوكب من موقعه. كيفما كان. القطع مع اللامبالاة. دكتاتورية اللامبالاة. التفكير في الأرض كما لو أنها بيتك، غرفتك الخاصة. التفكير في الأوكسيجين وأنت تريد الحسم في نوع السيارة التي ترغب فيها، في حجم المنزل حيث تريد إكمال المسار، في جمال الغابات، في بهاء الأعماق البحرية، في سخاء الصحاري. أن تختار الأرض. لا الذات وأساطيرها. من الممكن جدا أن تعيش بلا كثير من الأمور التي حولتها الرأسمالية الى استعجالات كبرى. فك الارتباط ب”الرغبة”. إعادة اللقاء بذكائنا. لأكون جيدا على الأرض أن تكون في أبهى حالاتها. لأعيش على النمل أن يعيش. أي شيء أخر توقيع بشيء يشبه المحرقة، بالميم الكبرى.
ثم هناك الدواءات البنيوية. نلج هنا مجال التدخلات الجراحية الكبرى.. هاكم اذن الثورات الضرورية ـ التي ستبدو التدابير الفردية بدونها، وعلى أهميتها، أثارا كوسميتيكية، مسكنة، تنويمية stratégies cosmétiques, anesthésiantes:
– أولا الثورة السياسية: استعادة السلطة التي سرقتها المافيا أو السوق. من الصعب فعل أي شيء دال وعلى أي مستوى كان ونحن بلا سلطة. والسلطة هنا لاتعني الديموقراطية. الديموقراطية التي لم تستطع وقف الكارثة. الرهان هو الخروج من الديموقراطية التمثيلية التي غالبا ما تأتي بالمرضى/الجوعى الى السلطة نحو ديموقراطية شعبية يمارس معها الناس التحكم في السلطة، الأداة الحاسمة لبناء الجماعة، الايكوسياسية بالضرورة، مثلما يدعو موراي بوكشين..(12)..
– الثورة الأنتروبولوجية: استعادة قداسة الأرض. التحويل الكامل لرؤيتنا للأرض، للحياة. الانتقال من أنتروبولوجيا الأرض/الموضوع ـ التي هي، أكرر للمرة الألف، أنتروبولوجيا الحداثة/النمو/السعادة/الحرق العام ـ الى أنتروبولوجيا الأرض/الكائن الحي ـ
الأنتروبولوجيا الإيكونسقية. الوعي بأن هناك حياة خارج الذات ولها الحق في الحياة. يسمي بيير ربحي هذه الحياة ذكاء كونيا، وهو الذي يمكن أن نلاحظه عند نبتة وهي تنمو، وسمكة وهي تسعد بجسدها، وذبابة وهي تتجول بين “أزبال” ما.
– الثورة البيوفيزيائية: النظر الى الأرض ككيان مستحيل أن يتحمل الاستنزافات الى ما لا نهاية. الوعي بمحدودية موارد/أنساق الأرض، باستحالة القضم الى ما لانهاية.. استعجال نظرية في الحدود.. كما يلح جوهان روكسطروم، رجل المرحلة فيما أقدر..
– الثورة المناجمانتية/التدبيرية: دمج البرمطرات البيئية/”الخارجية” في الحساب الاقتصادي. اعتبار التكلفة على المستقبل في الحساب الذهني. قلب المعادلة: اعتبار وجود/بقاء/مستقبل الأرض أولا في أية سياسة….. استثمارية/تدبيرية، مثلما يشدد المهمش الكبير عمر أقطوف.
– الثورة “الترابية”: الخروج من النزعة الإسمنتية/التعملقية التي تبتلع/تمحي الفرد نحو تمركزات/اقتصادات محلية يشعر فيها الناس بالمسؤولية وينزعون بالتالي نحو المبادرات/الابداعات الفردية، كما يريد تيودور روزاك، صاحب رائعة صوت الأرض..
– الثورة الجنسانية: وضع النساء في قلب الانشغالات لتجاوز وضع طال أمده. وضع الاقصاء والاحتقار. ان امرأة مسؤولة كنز لايفنى، مثلما بينت فاندانا شيفا في نضالاتها رفقة نساء جمعيتها الرهيبة نافدانيا..
– الثورة التربوية: الخروج من مدرسة “النمو/الحداثة” نحو مدرسة تقول الحقيقة للأطفال. تحذر من الجرائم الجارية، من الانهيارات القادمة. تفتح على الأفق/البديل الأرضي/الإيكوسياسي. كما يطلب الأستروفيزيائي وعاشق الزهور الاستثنائي هوبير ريفز.
ان ما تحلم به الإيكولوجيا الجذرية هو أن تساعد في إطلاق سيرورات تغييرية حقيقية في سلم قيمنا، أحلامنا، أولوياتنا، في نوع حضورنا فوق الأرض. تريد المنظورات البيئية العميقة/الجذرية أن تردنا الى أنفسنا، أن تنبهنا الى ما نشكله، نحن، من خطر على الأرض، على الغابات، على البحار، على النمل، أي، في النهاية، على أنفسنا. ان رهان الفكر الأخضر هو إنجاح الخروج من نوع الانسان الصانع، الانسان المسؤول الأول عن تخريبات عالمنا، نحو نوع الانسان البستاني، وأنتم تعرفون ما يريده البستاني. يتعلق الأمر بإطلاق أخلاق منتبهة الى هذا الذي يحيى/يتحرك “أمامنا”. الرهان هو الوعي بوهم الأرض/الشيء الذي ينتظر تدخلنا حتى “يكون/يحيى”. الأرض جهاز حي، الجهاز الأكبر كما نرى، ولها الحق في أن تكون/تحيا خارجنا. دوننا. بعيدا عن أية نظرة لنا عنها. عن رغباتنا. عن تفاهتنا الديكارتية. هذه مقدمة ابستمولوجية مفصلية.. ان المستقبل، مستقبل البشر/الشركاء الأخرين، رهين، بشكل لايقبل التداولات… الديموقراطية، بتعاقد جديد مع الأرض.. مثلما نظر العظيم ميشيل سير..
إذا ما انخرطنا في هذا المنظور فسيكون الاستعجال هو الخروج من مدرسة تبين تواطؤها مع عقيدة الكارثة. يبدأ تغيير العالم بربط الأطفال الى الطبيعة لاكتشاف اشتغالاتها، جمالها، هشاشاتها. عندما نربي طفلا على فهم الدور الحاسم للماء/الحرارة/الضوء/النمل في بناء/استمرار الحياة، فنحن نحضر راشدا من الصعب عليه ـ وهذا أمر مفصلي ـ أن يقوم بشيء ضد الأرض، ضد المستقبل، ضد نفسه، ضدنا. سنصنع رجالا/نساء بأحلام من نوع أخر. إن من يخربون العالم (وكيفما كان شكل هذا التخريب) هم في الغالب ناس لم يوضعوا في أية مرحلة من مراحل “تطورهم” في/مع التراب، والهواء، والأزهار، والوديان، رفقة الشرايين الكبرى التي تحمل الغذاء/الحنان إلينا، وـ بالضرورة ـ نحو الذين سيأتون بعدنا. هم ناس لم يعيشوا تجربة الأرض، لم يلعبوا في/بالتراب، لم يتركوا الأرض/الحياة تتسلل الى دواخلهم.. جزء مهم من حل مشكل العالم في تحويل الاستراتيجيات التربوية. هنا، اذن، يأتي دور المدرسة.. لكن المدرسة ليس لها أية رغبة في رفع الرهان.. هناك حضور للفكرة الخضراء في بعض المقررات.. لكنه حضور شارد…. يتم ـ فضلا على ذلك ـ نسفه فور إخراجه الى العملية “التدريسية”.. الفكرة الخضراء، في المدرسة، هي تمرين كأي تمرين أخر.. شيء يبرمج من أجل نقطة في أخر الدورة.. انه القتل الديداكتيكي، البارد لفكرة حارقة.. الرهان ليس ّتدريس” الفكرة البيئية.. الرهان هو برمجة/”تدريس” الالتحام بالأرض..
مصيبتنا ـ وهي مصيبة حقيقية ـ أننا نربي أطفالنا على القيم “الحداثية/التقدمية”، هذه الأشكال الجديدة – والخطيرة- للغباء/التخربيق البشري: قيم “خاصك تقرا باش تجي نتا الأول باش تاخذ البلاصة لمزيانة باش تعيش مزيان باش………… “..(13).. مشكل هذه التربية أنها متيقنة من ذاتها، أنها لا ترى خطورتها، أولا على الأطفال الذين هي موجهة إليهم، وثانيا على مجموع شركائهم/نا فوق الكوكب، وعلى الكوكب نفسه. هناك خطر حقيقي وراء صناعة أطفال/كبار بأحلام حداثية، أنتروبولوجية، جرثومية، فاشية، فاسية. رهان المدرسة مابعد الديكارتية/الرأسمالية كما أراه “صناعة” أطفال ينظرون الى أشياء/أبعاد أكبر، الرهان هو فتح أطفالنا على المشترك، على الأرضي/الكوني. هؤلاء سيديرون العالم بمنطق أخر.. أكرر: ان خطاب “بغيتك تقرا باش تكون أحسن واحد فلعالم” يحضر رجالا/نساء يفعلون أي شيء حتى لايكونوا مثل الأخرين، حتى لا يكونوا الا هم، فوق/على حساب كل الأخرين. صناعة بشر مختل إدراكيا/سياسيا.. إذا ربطتم أولادكم الى الأشياء الديكارتية، الى تخربيق الحق في “النمو/التقدم/السعادة”، فإنكم تدفعوهم الى أن يصبحوا ممن يحترفون الحرق النسقي (وهي الوسيلة الوحيدة ل”الوصول” في سياق محكوم بكثرة/شراسة من يجرون فوق الحلبة)، أو ـ في أدنى الحالات ـ ممن تعذبهم الاكتئابات الخفية (بسبب الخوف “الأوديبي”، الرهيب بالضرورة، من “الفشل” في العض على الجزء من البيتزا).. هذه هي المعادلة.. ربوا أبنائكم على الخروج من الذات، ربوهم على النظر نحو ما هو أكبر، أهم من الذات، نحو الإطارات الكبرى، ربوهم على الانتماء/الوعي الأرضي.. الربط الى الأخر/الأرض هو الشيء الوحيد الذي يمنع الأطفال من التحول الى ألات من أجل التقدم/الهدم.. الى قتلة أنطولوجيين.. دور المدرسة ليس هو تدريس الجهل.. الجهل العميق بالذات/العالم/الأرض/المصير.. دور المدرسة هو قول الحقيقة للأطفال.. علينا أن نقول للأطفال أن الحياة توجد، في أوج ديكارتيتنا العظيمة، في خطر حقيقي.. دور المدرسة توجيه الأطفال نحو فهم أخر.. نحو سياسة أخرى.. نحو، في نهاية المطاف، عالم أخر..
ان مشكل العالم هو التدمير/التآكل السريع لموارده/بنياته. هناك ضغط رهيب يزداد يوما عن يوم على الأرض. نستمر في القضم كما لو أن الأرض بيتزا لا ضفاف لها. نستمر في نمو لامحدود في عالم موارده محدودة. المسلسل بدأ بقوة مع الثورة الصناعية التي فتحتنا على شهوة/مخيال القضم، التخريب. الوقت ليس وقت التفكير في الكارثة. الوقت هو وقت منع الكارثة. كما جاء في الأثر الجوناسي (من هانس جوناس. أنظر الهامش رقم 12)..
ما هو مطلوب من مجموع لقاءات المناخ الدولية ليست إجراءات للتقليص من الغازات السامة التي نقذف بها إلى الجو، أو من النفايات التي نرمي بها إلى البحار، أو من اجتثاثاتنا الغابوية. السرطان لايعالج بالدولربان. ما هو مطلوب من لقاءات مراكش/فارسوفيا/مدريد/باكو (14) شيء أكبر، أعمق، أخطر: ثورة كاملة على أنماطنا في العيش، ثورة على جذر الشر، النموذج الأنتروبولوجي الرسمي، نموذج النمو، نموذج الأكثر دوما، المسؤول الأول عن كوارث عالمنا. إعادة الاتصال بالأرض. إطلاق سياسات متصالحة مع الأرض، مع التراب، مع الهواء، مع الحيتان، مع البكتيريا. الأوضاع محتقنة. أكثر مما كانت عليه أيام مؤتمر كيوطو/كوبنهاغن بل حتى باريس (2015). لأول مرة في تاريخ البشرية أصبحت تخريباتنا أكبر من أن تستوعبها/تدبرها الأنساق الحية. البشرية مدعوة إلى أن تعيد النظر في المفهوم/السرطان المركزي: الرغبة/التقدم/النمو. أكرر: يجب وقف النزيف. ممكن؟ أكيد. والبداية بالوعي باللعبة. الوعي نصف الثورة. النصف الأهم..(15)..
في الكوب 22 الذي انعقد بمراكش سنة 2016 كنت قد قلت للأصدقاء بأن هناك وسيلة جيدة لمعرفة ما ان كان المؤتمر سيكون ناجحا أم فقط مناسبة أخرى لأكل الحلوى وأخذ السلفي و …. الوصول الى الحصة من الكعكة الجديدة، كعكة الاقتصادات الخضراء. قلت للأصدقاء انتظروا خروج النص الختامي. ان أغلقت البورصات العالمية أبوابها في الساعات القليلة لصدوره حينها سنكون أمام انتصار تاريخي، أمام انقلاب في فهم/تدبير العالم. فاتهام صريح للكروكوديلات/الشركات العابرة للقارات سيقلب الدنيا وما فيها. أما ان لم يقع أي شيء، وافتتحت البورصات أبوابها كالعادة فاعلموا أن الناس “تفادوا” احراج المافيا. ما حصل أنتم تعرفونه. ولا يجب أن نستغرب لذلك. ففي الكوب 22 علمنا بوجود ممثلي بايير/مونصونطو/روش وراء طاولات النقاش في المنطقة الزرقاء، الصالات الباذخة التي كان رؤساء العالم “يفكرون” فيها في الكوكب. كانت بايير/مونصونطو/روش… تراقب من بعيد. النتيجة؟ بيان اختزل مشكل العالم في بعض غازات يتوجب خفضها في أفق 2050…. ولا كلمة واحدة عن الشيطان. والشيطان، أكرر للمرة الألف، هو تلك الكروكوديلات (16) التي تكره أي واحد منا يقترب من النموذج الأنتروبولوجي العام، من اللعبة …. المربحة..
ان الدليل على فشل/افشال مؤتمرات المناخ هو أن أمريكا/السعودية لازالتا مستمرتين في حفر أبار بترولية جديدة، وأن لوبيات السيارات لازالت ترسل الى السوق ما لا يقل على 50 مليون وحدة في العام، وأن مافيات المبيدات الحشرية لازالت تربح كل سنة أكثر من السنة التي سبقتها، وأن عصابات الطائرات ترفع كل يوم من عدد رحلاتها، وأن كارطيلات الزراعة الصناعية تتقدم بكل ثقة على حساب الزراعات الطبيعية.
تصوري أنه في كل الملفات الاستراتيجية (تلوث، تخريب، استنزافات…) لم يعد لنا خيارات كثيرة. نستمر في انتشاءاتنا/هلوساتنا، فيما الحائط، من جهته، يستمر في الاقتراب. قد تفشل الحكومات. لكن المهم في مكان أخر. أنا لا أومن بأية قدرية. وحدها الأسماك الميتة تتبع التيار. ان الوقت ليس وقت “توافقات”، “تفاهمات”، “حلول وسط”. الوقت وقت حسم. في موضوع البقاء ليس هناك مجال ل”الاختلاف”، ل”قبول الرأي الأخر”، ل”التعدد”، ل”الديموقراطية”. في موضوع البقاء لاخيار لنا الا الانتصار. جوناس مرة أخرى..
وكأي بردغم يريد احداث قطائع كبرى في العقل الأنتروبولوجي الدولي/المحلي الرسمي، تصطدم الإيكولوجيا السياسية/الجذرية/العميقة بمقاومات قوية. هناك أولا – وهذا أمر بديهي – الدراكولات/الشركات العابرة للقارات.. ما يهم الشركات العابرة للقارات حياة الماكينات المليارية. حتى وان كان الثمن شيء رهيب في بساطته: الإساءة العميقة لشروط الوجود البشري/الحيواني/النباتي/البكتيري فوق الأرض. الشركات العابرة للقارات هي العدو الأول للأرض، للعصافير، للبكتيريا، للأطفال. هناك السياسيون. وهؤلاء، في غالبيتهم الساحقة، ناس يبحثون عن مجد يعرفون أنهم لا يمكنهم الوصول اليه الا بالانحناء لمافيات العالم. السياسيون الذين يجتمعون للتباكي/أخذ السلفي في مؤتمرات البيئة هم أول من يفرشون السجادة الحمراء لقتلة الأرض. خذ أوباما. فلقد افتخر أسابيع قبل مغادرته البيت الأبيض بأنه حفر من أبار البترول ما لم يحفره كل رؤساء الولايات المتحدة في الخمسين سنة الأخيرة. هناك الإعلام. ان الإعلام المفروض فيه فتحنا على العالم، المفروض فيه قول الحقيقة حول العالم، حول الأورام التي تنخر جسد العالم، أنظروا الى ما يقوم به، الى العالم الذي يقدمه، انه عالم اصطناعي/افتراضي مفصول عن/مشوش على العالم. ثم هناك – انتبهوا معي – النخب البيئية. أعرف بيئيين ركبوا/يركبون على الموجة لتحقيق أحلام ذاتية غبية. انها نخب تستغل المناخ/الهلع العام لتقترب من مصادر التمويل، لتقضم بأكثر ما يمكن من الشراسة نصيبها من البزولة، من الكعكة. هناك الانسان “العادي”، الانسان المهووس بالاستهلاك، بالاشباعات/الانتشاءات الفورية، الانسان المغيب، غير الواعي بالمرة بمخلفات سلوكياته اليومية، العادية، التافهة، على المنظومات البيئية، على شروط البقاء، على المستقبل (17) هناك الدين الرسمي، دين “ان الله يحب أن يرى نعمه على عبده” ….. الدين الذي يتقاطع في الوعي/اللاوعي مع الاستراتيجيات الاستنزافية.. هناك خطاب الاقتصاديين المتوجين، وعلى رأسهم اقتصاديو البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والبنوك المركزية، وهؤلاء لا مجال عندهم للشك: مشكل العالم هو الانحسار، ضعف النمو. الحل؟ رفع النمو، رفع الإنتاج، رفع الاستثمار، أي، بعبارات الإيكولوجيا الجذرية، رفع ايقاعات القضم والتخريب. ثم هناك الجامعيون. وهؤلاء يمرون أمام الكارثة ببرودة دم سوريالية. السبب؟ في الغالب أن الكارثة لا تستجيب لخطاطاتهم الفكرية (18). ثم هناك – مما لا ننتبه لخطورته – الديموقراطية كنظام لم يكن صارما مع الانسان، لم يقف في وجه الانسان، لم يمنع التخريبات، لم يحم الأرض من جرائمنا ـ أطروحة هانس جوناس. – التكرار غير بريء هنا..
المشكل اذن هو مخيال الحداثة. وعدتنا الحداثة بالخروج من الجوع، من الفقر…. وعدتنا بالتقدم. ولقد حققت نتائج كبيرة جدا على هذا المستوى. لايمكن أن ننكر ذلك. لكن الجري وراء النمو/الإنتاج/الاستهلاك/الرفاهية/المال/القوة/التعملق/الهدم تم ولازال يتم على حساب الأنظمة الإيكولوجية، الكبرى/الصغرى، على حساب الأنساق المسؤولة عن انتاج/رعاية شروط الحياة. الحداثة استنزفت ذاتها. من حقنا أن نعيش لكن ليس بالهدم. بالدم. الأرض هي بيتنا/أمنا الأولى والأخيرة. أليست هي من تطعمنا، تحن علينا، تحمينا، تدفئنا؟. حافظ على الأرض. لا تبصق فوقها. من يبصق في وجه الأرض فكأنما يبصق في وجه أمه. مثلما تقول حكمة هندية.. (19)..
مهم هنا أن نفهم شيئا على درجة عالية من الأهمية: إذا كان علينا بصيانة الأرض فليس لأننا طيبون.. لا.. الأمر أعمق من ذلك.. علينا بحماية المنظومات الحية لأن وجودنا من وجود تلك الأنساق.. علي أن أحمي النملة لأن النملة مفصلية لبقاء دورة الحياة، لبقائي.. غيرية عقلانية مثلما عبر جاك أطالي..
مؤخرا كتبت دونيلا ميدوز، المرأة العظيمة التي كانت وراء التقرير الشهير المعروف ب”تقرير نادي روما” (1972) (20)، قلت كتبت ما يلي: “لقد خسرت البشرية ثلاثين سنة. لو كنا بدأنا في سنوات السبعينيات بناء بدائل للنمو المادي، لكان بالإمكان أن نرى المستقبل بأريحية أكثر. كل يوم يستمر فيه النمو الأسي يقرب نسقنا البيئي العالمي من الحدود الأخيرة لنموه. أن نقرر ألا نفعل أي شيء، هو أن نقرر الرفع من مخاطر الانهيار”..(21)..
اسمحوا لي اذن بهذه الكلمات لإيريك فروم، وهي تكثف الأفق الذي يجب على كل واحد منا أن يتأمله: “ان المحبة هي الجواب الصحيح على مشكلة الوجود البشري لو أننا أدركناها وفهمناها بطريقة صحيحة باعتبارها اهتماما بحياة الأخرين وشعورا بأننا جزء من كل، وأن نشترك في العمل من أجل سعادة البشرية” (22)..
هذه الملاحظة التفاؤلية في النهاية – والنص كله تفاؤلات في تقديري.. ان منظومة الإيكولوجيا السياسية، وهي تقف بشجاعة في وجه إرهاب الألة العظمى ـ في استمرار جميل للإرث اليساري-، بدأت تمر من موقع الدفاع نحو الهجوم.. أنا متيقن من أن عالم 2050 سيكون إيكولوجيا.. انه حال كل فكرة ثورية(23).. تبدأ كفكرة هامشية.. موضوع كل السخريات.. ثم تنتقل الى الازعاج.. (وهي حالة فكرتنا الأن).. قبل أن يعم نورها العالم.. ألم تمر فكرة تصويت النساء من المراحل الثلاثة؟؟ أو فكرة النضال في وجه العبودية.. أو فكرة الديموقراطية.. دورنا أن ندعم التحول بكل ما أوتينا من حرارة.. ونترك البقية للتاريخ.. للحديث بقية..
هوامش النص
1-من الموقع TruthOut بتاريخ 3 أبريل سنة 2014..
2-لازالت العلوم الإنسانية تتحرك خارج هذه الرهانات. وواحد من أهداف هذا النص التحسيس بخطورة التحولات الجارية. ان العلوم الإنسانية “تحفر” في كل شيء الا في هذا الذي يقربنا من حافة الهاوية.
3-أول إشارة كارثية لهده الاختلالات المناخية القوية/الزعزعات الإيكوحيوية العنيفة/الجوائح بالجملة هي لعبة الاختفاءات الرهيبة. لقد اندثر وفقط في ل 40 سنة الأخيرة ما يقارب 50% من كتلة الحياة. نصف وحيش الأرض اندثر في 50 سنة. والانقراضات تضاعفت 100 مرة منذ 1900. في ألمانيا انخفض عدد الحشرات الطائرة ب 80%. 70% من القرش أبيد والقروش كلها الأن مهددة. أما زحف المبيدات الكيميائية ـ الأخطر كما يقدر الفوتوغرافي الايكولوجي المرهف يان أرتيس برطران من التهديد النووي ـ فلقد بدأ يخلق ما يعرف بالجغرافيات السامة، وهي مساحات من الصعب جدا أن تعود الى حالتها الطبيعية ـ بداية الحرق العضوي للأرض.. التلويثات المائية مؤشر أخر على هول الفضيحة. مؤخرا أحصى البيئيون 500 منطقة ميتة في مجموع بحار العالم. المنطقة الميتة هي تلك حيث يقل بل ينعدم الأوكسجين ما يجعل كل حياة بحرية بها شبه مستحيلة. السبب؟ ما تطرحه فيها أنهار شديدة الثلوث من كميات بلا ضفاف من المعادن الثقيلة عالية السمية كالكروم، والكاديوم، والزنك. المشكل أن المناطق الميتة المحصية في توسع دائم كما بينت معاينات على مستوى واحدة من أكبر هذه المناطق وتوجد في خليج المكسيك. في فرنسا قتل تلوث الهواء السنة الفارطة 750 مرة أكثر مما قتل “الإرهاب”.. الخ..الخ.
4-في قلق في الحضارة ـ وهو جوهرة فلسفية حقيقية ـ يشرح فرويد لماذا غسل يديه عن الحضارة الغربية. فرضيته هي ما يلي: ان الحضارة الغربية وهي تسعى للالتفاف/التأجيل المفتوح لغريزة الموت ـ غريزة/الشعور بالفراغ/القلق/التيه/الفناءـ أطلقت نظاما هو النظام الإنتاجي/الاستهلاكي قاد نحو أشياء تقربنا كل يوم أكثر من الإبادة الكبرى، أي، في النهاية، من …… الفناء/الثقوب القيامية. قلق في الحضارة…. هو نص في تعرية هذه اللعبة الأنتروبولوجية المعقدة.
5-إبادة الأنساق الحية Biocide على وزن الإبادة العرقية. يستعمل البيئيون في هذا الصدد أيضا كلمة Ecocide. انها ببساطة منطقة/لعبة الرعب. وهو بطبيعة الحال يبيد الأرض يحكم الانسان على نفسه بالإبادة Autocide..
6-الإنكار العام سمة مركزية لبشرية التقدمات العظمى.. تلزمنا هزة وعي كبرى.. دونها المحرقة.. أنا متيقن من ذلك..
7-في مقال بنفس العنوان نهاية السبعينيات.. يعتبر المقال الذي يقر فيه أرني بدينه نحو راشيل كرسون محطة مفصلية في البناء الطويل والشاق للفكرة البيئية.
8-لنزرع بعض الوريدات ولنستعمل الدراجات الهوائية…
9-لنتجه نحو استعمال الطاقات “الخضراء” والبذور “الصديقة” الخ… الخ…
10-نظرية البيئي الصلب كونتر باولي Pauli حول الاقتصاد الأزرق اضاءة غير مسبوقة لهذه الفروق الدقيقة.. أنصح بشدة الانفتاح على رجل يريد انقاذ الكوكب..
11-يجب القطع مع الرأسمالية لأسباب إنسية أيضا.. متعلقة بالكرامة البشرية.. يجب أن ننتبه، على هذا المستوى، وضمن أمثلة كارثية كثيرة، الى خطورة الذهب/الشوكولاتة التي تنتجها شركات تستعبد ـ وفي واضحة النهار من فضلكم ـ الألاف من أطفال الكوت ديفوار/النيجر/غانا/كولومبيا…من ضمن مناطق أخرى في المناجم/المزارع/المحارق المترامية..
12-يعتبر هانس جوناس أنه يجب أن نمر الى أمور أكثر راديكالية.. الديموقراطية لم تمنع الكارثة.. ولن تمنعها أبدا.. يجب المرور الى توتاليتارية بوجه مكشوف..
13-أريدك أن تكون الأول لتأخذ المراكز الأولى لتكون…
14-أزربيدجان، سنة 2024.. هل سيكون مؤتمر البرازيل لسنة 2025 محطة أخرى ضمن هذا العبث العابث؟..
15-صحيح أن “الأزمة تحبطنا، لكن تحولات عميقة بدأت تظهر في الأفق، طالما الحاجة اليها هي حاجة كبيرة جدا”.. مثلما يلح ألان باديو.
16-يقول جون زغلر وسوزان جورج أن عددها بين 150 و500. انها الألهة الجدد للعالم. ثعالب تقتسم الكوكب فيما بينها. تحدد من سيموت ومن سيبقى حيا لافتراس لاحق. ليس لها أية مشاعر. أنت لست كائنا حيا في مخيالها. أنت تصلح لإطفاء رغبة. وفقط. أنت لا شيء. كائنات ما بعد أنتروبولوجية.
17-هاكم هذا النموذج عن الانسان الواقع كليا تحت إغواءات العولمة، الذي ترك نفسه للعولمة تحدد هويته الشاملة. وقعت على هذا النص بالصدفة في صفحة فايسبوكية هي صفحة “اشتياق”: “حريتي أولا ثم نجاحي ثم ثروتي وسيارتي الرياضية ثم سعادتي وبعدها سعادتي ثم سعادتي مجددا ثم شيء يدعى رجل ان وجد”.
لكن هذا الانسان – انسان “تبعد مني وتجي فين ما بغات” (لا مشكل لدي في أن تتفجر الكارثة الأهم ألا تمسني) – هو أولا صناعة سياسية.. ان القمع الذي مارسه النظام على المغربي/ية دفعه الى الانسحاب تماما من الفضاء العام، فضاء كل الأخطار السياسية، والاختباء في فضائه الخاص (العرس، الوليدات، “التدين”، العيش ما استطاع الى ذلك سبيلا). العولمة فاعل أخر في صناعة الانسان المنسحب الى انتشائاته/تفاهاته الكبرى. جر/منح الانسان المعنى الجذري للأشياء. أما المرأة فهي تلعب معها لعبة الابتزاز الشهيرة: اما أن تستعملي هذه الكريمة أو سيكون لك مشكل عميق مع ذاتك، مع تحقق ذاتك ك”امرأة”. أما الرجل فهي تفهم أنه من الممكن جدا أن تمرر السموم الانتشائية في الأغلفة الموروثة عن المخيالات الذكورية. والتقنية الأهم هنا هي ربطه الى شاشة الكرة بملاحقها الأنتروبولوجية المعروفة (القمار، المراهنات…). أما المراهق فطريقتها في القبض عليه هي إيهامه بأن مشاكله (بدءا بمشاكله العاطفية) تحل كلها ب…المال (استراتيجية شراء السعادة).. الأجيال المراهقة تقع بسهولة في الفخ، لم لا والعالم المقدم على الشاشات/الأرض يمنحها اشباعات “استثنائية”، أخطر ما فيها عذوبتها، مجانيتها، لا نفاذها، و…..سهولة الوصول اليها.
18-يذكرني موقف الجامعيين بسكان أستراليا الأصليين عندما رأوا صباح يوم ما من القرن 18 سفينة القبطان كوك الضخمة على الساحل واستمروا في المشي كما لو أن تجاهلهم لها سيخفيها من الوجود، سيمنع الكارثة.
19-أذكر هنا بالرسالة التاريخية التي أرسلها الزعيم دواميش أواسط القرن 19 الى رئيس أمريكي الذي أصر على الزعيم الهندي ببيع أرض الأجداد ل”الضيوف” الجدد.. الكثيرون يعتبرون الرسالة تحفة ايكولوجية لاتتكرر..
20-التقرير الذي حذر بشكل مبكر جدا من اللعبة، لعبة الرغبة، العيش، القضم، التخريب.
21-من أخر ما كتبته الراحلة الكبيرة التفكير في الأنساق Thinking in Systems، الصادر سنة 2001.
22-ايريك فروم: فن المحبة L’art d’aimer، سنة 1970، ص 77.
23-أستثمر هنا بعض اشراقات الجميل ادريس أبركان..
