OCP

علاقة الطفل بالسلطة في غياب الأب: مقاربة نفسية تربوية

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية .بقلم فدوى هاشم

تتشكل علاقة الطفل بالسلطة في سنو اته الأولى داخل الأسرة حيث لا تفهم السلطة في بعدها النفسي بوصفها آداة قهر أو ضبط خارجي فقط بل باعتبارها بناء داخليا يسهم في تنظيم السلوك وضبط الانفعالات وتكوين الضمير. وفي هذا السياق يحتل الأب موقعا رمزيا محوريا إذ يجسد في الوعي الطفولي معنى القاعدة والحد والقانون. لذلك فإن غيابه سواء كان غيابا جسديا أو رمزيا لا يعني فقدان شخص فحسب بل يخلخل منظومة نفسية دقيقة تمتد آثارها الى علاقة الطفل بالمؤسسة التربوية وبالسلطة الاجتماعية عموما.
تؤكد الدراسات العربية والدولية أن الأب لا يختزل في حضوره الفيزيائي أو في دوره الاجرائي بل في وظيفته الرمزية التي تدخل الطفل الى عالم التنظيم الاجتماعي. فقد بين ‘سيغموند فرويد ‘أن استدماج سلطة الوالد يسهم في بناء الأنا الأعلى بوصفه الجهاز النفسي المسؤول عن الضبط الذاتي والحكم الأخلاقي. ووسع ‘جاك لاكان هذا التصور من خلال حديثه عن الوظيفة الأبوية معتبرا أن الأب يمثل مدخلا رمزيا إلى القانون واللغة وليس مجرد شخص داخل النسق الأسري. ويشير هذا الطرح الى أن الطفل لا يتعلم احترام القاعدة بدافع الخوف من العقاب بل من خلال فهم معناها والاحساس بوظيفتها الحامية. ويتقاطع هذا التصور مع ما ذهب اليه عبد الكريم غريب الذي اكد أن السلطة الأبوية السليمة هي سلطة واضحة ومتسقة تقوم على الحزم الممزوج بالدفء لا على التسلط أو الغياب.
وعندما يغيب الأب يجد الطفل نفسه أمام فراغ رمزي في تمثل السلطة وهو فراغ لا ينتج بالضرورة نمطا سلوكيا واحدا ثابتا بل تتعدد تجلياته تبعا للسياق الأسري ونمط التنشئة. فقد أظهرت أعمال مايكل رتر حول المرونة النفسية أن غياب أحد الوالدين قد يؤدي الى ارتباك في مفهوم القاعدة خاصة عندما لا يتم تعويض الوظيفة الرمزية للسلطة داخل الاسرة. ويصعب على الطفل في هذه الحالة ادراك الحدود الفاصلة بين المسموح والممنوع مما يولد قلقا داخليا ينعكس على سلوكه داخل الأسرة والمدرسة. ويؤكد جون ديوي أن غموض القواعد لا يمنح الطفل حرية حقيقية بل يحرمه من الاحساس بالامان لأن القاعدة غير الواضحة تفقده القدرة على التوقع والتنظيم.
وفي حالات أخرى قد يتخذ هذا الارتباك شكل تمرد على السلطة خاصة داخل الفضاء المدرسي. وتبين تحليلات جان بياجيه حول الحكم الخلقي عند الطفل أن رفض القاعدة لا يعبر بالضرورة عن نزعة عدوانية بل عن عدم نضج البناء الداخلي للسلطة. وفي السياق نفسه يشير مصطفى حجازي إلى أن الطفل الذي لم يختبر سلطة حامية داخل الاسرة قد يميل الى رفض كل أشكال السلطة الخارجية لأنها تستحضر لديه بوصفها قمعا لا تنظيما. وفي المقابل قد يظهر لدى بعض الاطفال نمط معاكس يتمثل في الخضوع المفرط والطاعة الزائدة حيث يسعى الطفل الى التماهي مع السلطة بحثا عن الأمان وتعويضا عن غياب المرجع الأبوي وهو ما تؤكده نظرية التعلق لدى جون بولبي التي تربط بين فقدان أحد الوالدين وتشكل أنماط تعلق غير آمنة.
وتبرز الأم في هذا السياق بوصفها فاعلا اساسيا في التخفيف من آثار غياب الأب غير أن الدراسات الأسرية تجمع على أن الجمع بين الاحتواء العاطفي والضبط السلطوي يظل معادلة دقيقة وصعبة. فقد بين محمد الدريج أن طغيان التساهل يضعف صورة القاعدة في حين أن طغيان التشدد يحول السلطة إلى مصدر خوف مما ينعكس سلبا على التوازن النفسي للطفل. ويظل نجاح الأم في تحقيق توازن بين الدفء والحزم عاملا واقيا يحد من اضطراب علاقة الطفل بالسلطة شريطة توفر دعم نفسي واجتماعي يخفف من اعبائها.
أما المدرسة فتعد في المجالات التربوية فضاء حاسما لإعادة تشكيل علاقة الطفل بالسلطة خصوصا في حالات الهشاشة الأسرية. فالمعلم في نظر الطفل قد يصبح أول نموذج لسلطة خارج إطار الأسرة. ويؤكد جون ديوي أن العلاقة التربوية القائمة على الاحترام والحوار تسهم في بناء تمثل صحي للقاعدة بينما يؤدي العقاب غير المفهوم أو السلطة القمعية إلى تعميق رفض الطفل للنظام المدرسي. كما تبين بحوث علم النفس المدرسي أن الصعوبات السلوكية والانضباطية المرتبطة بغياب الأب لا تعكس ضعفا معرفيا بقدر ما تعبر عن توتر نفسي وعدم استقرار عاطفي مما يجعل المرافقة النفسية التربوية ضرورة أساسية خاصة في السنوات الأولى من التمدرس.
وخلاصة القول أن غياب الأب لا يعد عاملا حتميا في اختلال علاقة الطفل بالسلطة بقدر ما يمثل سياقا نفسيا حساسا تتحدد نتائجه بمدى توفر بدائل تربوية متوازنة. فالطفل قادر على بناء علاقة سليمة مع القاعدة متى اختبر سلطة عادلة واضحة ومصحوبة بالاحتواء سواء داخل الأسرة أو المدرسة لأن السلطة التي يحتاجها ليست تلك التي تخضعه بل التي تشعره بالامان وتمنحه القدرة على تنظيم ذاته وبناء علاقته بالعالم بثقة.
المراجع
فرويد سيغموند. الانا والهو. ترجمة محمد عثمان نجاتي. القاهرة دار الشروق 1987.
لاكان جاك. الكتابات. ترجمة منذر عياشي. بيروت دار الطليعة 2000.
بولبي جون. قاعدة امنة التعلق ونمو الطفل. ترجمة عبد اللطيف خليفة. الكويت عالم المعرفة 1998.
ديوي جون. الخبرة والتربية. ترجمة محمد عبد الله. القاهرة دار الفكر العربي 1995.
بياجيه جان. الحكم الخلقي عند الطفل. ترجمة حسن حنفي. القاهرة دار النهضة العربية 1980.
رتر مايكل. المرونة النفسية ونمو الطفل. ترجمة عبد الرحمن بدوي. القاهرة الهيئة المصرية العامة للكتاب 2006.
غريب عبد الكريم. التنشئة الاجتماعية للطفل. الدار البيضاء دار القلم 1996.
غريب عبد الكريم. في علم النفس التربوي. الرباط منشورات الزمن 2003.
الدريج محمد. التربية الحديثة. الرباط دار الامان 2004.
حجازي مصطفى. الانسان المهدور. بيروت المركز الثقافي العربي 2005.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.