قبيلة الرحامنة في بداية القرن العشرين : السكان وأشكال السكن:( الدار- النوالة – الخيمة)
فور تنمية .بقلم الباحث عبد الخالق مساعد
احتمى الانسان بما وجد في الطبيعة من كهوف ومغارات باحثا عن الاستقراروالامن من الغوائل وحماية النفس، وطيلة وجود الانسان على الارض واستمرار الحياة رافقته أشكال أخرى للمأوي في حله و ترحاله و تنقلاته، فعاش في مخابئ طبيعية ونوالات وخيام وغيرها، الى ان انتهى به الامر الى أشكال السكن الصلب، الذي شكله من الحجارة والطين والجير وغيرها من المواد، والتي أحسن استغلالها وطوعها لصالحه بتطوير تقنيات استغلاله لهذه الموارد الطبيعة، المتواجدة في موطنه ومحيطه، وهو نلمسه من خلال التجليات التي طبعت مظاهر استقراره على مر التاريخ .
ويبقى المكان وشكل السكن الذي يقطنه الإنسان من الأمور المعبرة عن طبائعه وأفكاره التي تشكل هويته ووعيه بوجوده كانسان ، وهو ما جعله يؤثث فضاءات سكنه بكل ما هو مهذب ولائق يحفظ أنسيته ويبرز خصائصه الإنسانية ، بشكل لايتعارض مع تطوير مهاراته المتراكمة عبر الزمن في مجال السكن والمأوى، مستندا الى ما اكتسبه من آليات تثقيف الطبيعة له، من خلال قساوتها صيفا وشتاء وحرا وقرا. والانسان الرحماني لاشك انه مر من هذه المراحل ،وان سكنه ومأواه عرف هذه المراحل وهوما يمكن رصده من خلال تنوع أشكال السكن الذي كان يأويه من نوالة وخيمة وبناء صلب.
فماهي أنواع السكن التي كانت مهيمنة في الرحامنة خلال بدايات القرن العشرين ؟
وكيف تفاعل سكان الرحامنة مع محيطهم وبماذا أثثوه؟
وماهي أشكال المساكن التي رصدتها عيون المستعمر قبل الحماية وأثناءها؟
وكيف تناولتها الكتابات الكولونيالية بالتدوين والتحليل والبحث ؟
النوالة :
النوالة هي (بيوت القش والقصب) كما يصطلح عليه محليا وتوضح الطابع المعماري الخاص الذي عرفت به قبيلة الرحامنة
و تسمى “تنوالت” كتصغير ل”أنوال”، والذي يطلق على المطبخ في اللسان الأمازيغي. وحورت في اللسان المغربي الدارج إلى “النوالة” كنوع من السكن، ظل يميز بعض مجالات المغرب، وبعض احواز مراكش على الخصوص
سجل دوتي DOUTTE في كتابه مراكش خلال مروره بمنطقة الرحامنة قادما إليها من دكالة في سنة 1902 (اختفاء الدور المبنية بالحجارة حيث لم يكن يوجد سوى نوالات تتخللها بعض الخيام)، و لم يشر خلال مقامه بالقبيلة إلى أي بناء صلب باستثناء قبب الأولياء، و خلص في ختام تحرياته إلى أن الرحامنة كانت مجال النوالة بدون منازع، و ذهب الأستاذ عبد الرزاق الصديقي في كتابه الرحامنة والمخزن إلى أن غياب البناء الصلب بالمنطقة مرده إلى عدم اعتماده من طرف الرحامنة الذين كانوا قبل نزوحهم إلى الحوز يمارسون نصف الترحال في الصحراء والذي استمر معهم بعد وصولهم إلى مجال الحوز شمال مراكش .حيث اعتمدوا الخيمة والنوالة لما فيهما من بساطة في التكاليف و سهولة الهدم و التفكيك، مما يتيسر معه الرحيل والانتجاع و التخلي عن الديار اختيارا أو اضطرارا،بحثا عن المرعى والكلأ، و وكذلك ما كان يحدث من تهجير قسري لأفراد من القبيلة إلى قبيلة أخرى بسبب الفريضة الجبائية و التسخيرية في مغرب ما قبل الحماية.
وحسب الرحالة والسوسيولوجي الفرنسي “إدموند دوتي” (Edmond Doutté)، فبلاد الرحامنة كانت “بلاد النوالة بامتياز” (le pays de la nouala par excellece).. في إشارة إلى أنه لم ير ديارا أو منازل قائمة وثابتة طيلة مقامه بالمنطقة مطلع القرن الماضي.
ولعل سبب ذلك، حسب رأيه يرجع من جهة إلى طبيعة ساكنة المنطقة من العرب الرحل وارتباطهم بشياههم، يتنقلون معها ويرحلون بحثا عن الكلأ من موضع إلى موضع ويرتبط، من جهة أخرى، بالسياق التاريخي لمغرب ما قبل الفترة الكولونيالية، والذي كان يفرض على الجماعات البشرية، بهذا المجال الشاسع، الهروب من مكان إلى مكان، كلما لاحت طلائع جباة الضرائب المخزنية القادمين من العاصمة الحمراء لإخلاء “العشش”، وحرق “نوايل” العصاة. “ فالنوالة” أو “الخيمة” كانت هي السكن الذي يتلاءم ومثل هذه الظروف، لسهولة هدمه أو جمعه وتفكيكه أو التخلي عنه كلما جد مستجد مما ذكر.
ومن النصوص والكتابات عن النوالة في الرحامنة يمكن ان ندرج مايلي:
” بعيدا عن باريس.. عشاء في سيدي البهيليل على ضوء قنديل . … بدأ الليل يرخي سدوله حينما التحقت بنا امرأتان صديقتان للأسرة كانت إحداهما ذات سحنة باسكية، بشرة بيضاء وعينان متقدتان. اجتمعنا كلنا في « نوالة » مؤثثة بما هو ضروري من أفرشة بسيطة وحصر، وفي ركن منها أغطية بالية مطوية بعضها فوق بعض على صندوق خشبي، وقنديل تبعث ذبالته لهبا ضعيفا ينوس متثاقلا في فتور فلا يكاد ضوءه ينير أرجاء المكان”.
” انزوت الأم العجوز في ركن معتم من « النوالة » افترشت زربية صغيرة، وجثت على ركبتيها، ثم بدأت تؤدي صلاتها وهي تتلو وتدعو بصوت خافت يتخلل ذلك ركوع وسجود. وما إن تنهي عددا من الركعات حتى تتوقف لتشرب الشاي أو تشارك في الحديث ثم تستأنف صلاة أخرى”.[ – segonzac, René de (1867-1962). Au coeur de l’Atlas, mission au Maroc, 1904-1905 ]
“… 23 مارس 1910 : في الطريق إلى سيدي بوعثمان، ﻻطير يطير، وﻻ نبات ينمو، وﻻ مسافرين يعبرون السبيل لم يكد ضوء الصبح يتسلل عبر خيوط قماش الخيمة، حتى قام أحد أهل البلد يؤذن للصلاة بأعلى ما أمكنه من جهد. راقني صوته الرخيم لكن حدته أذهبت عني النوم . أقبل السي محمد ليلقي علينا تحية الصباح، كان مرفوقا بخدوج التي أمسكتني من يدي، وتوجهت بي إلى «الحوش» حيث توجد النوايل، وحيث تحلقت حولي النساء يودعنني، ويطلبن مني أن أعود عبر سيدي البهيليل، لأزورهن مرة أخرى عند عودتي من مراكش.”[ – نفسه ]
“كان المكان الذي يحيط بنا يبعث اليأس والسأم؛ ﻻطير يطير، وﻻ نبات ينمو، وﻻ مارة يعبرون! لقد أخذ التعب من الرجال ومن الدواب كل مأخذ، وبدأ اﻻرتخاء والنوم يغالب أجسادهم. كان يتراءى لنا أن رؤوس “الجبيلات ” تبتعد كلما اقتربنا منها، وأخيرا عند الساعة الخامسة مساء وصلنا «نزالة سيدي بوعثمان » وهي عبارة عن مجموعة من ” النوايل “، أقمنا خيامنا، ووجهنا مداخلها نحو ” الدوار “. تجمع بعض السكان أمامنا جالسين في صمت. بدأ الليل يزحف، وراحت قطعان اﻷغنام إلى حواظرها تثغو، وطلع البدر بهيا يكسو بضيائه قمم التلال فتبدو مهيبة في شموخ، و يظهر ” الدوار ” من تحتها متواضعا في سكون. وبات اثنان من رجال الحراسة مستندين إلى خيامنا، ملتفين في برنسيهما، وقضيا الليل كله وهما يثرثران بدون انقطاع…”[ – نفسه]
الدار :
لقد وجدت في بوادي الرحامنة ودواويرها الدور المبنية إلى جانب “الخيمة” و”النوالة” ،وهذه المساكن بنيت من الحجر أو من الطين المعجون مع التبن ويسمى الآجر الياجور ويعرف الجدار المبني منه محليا بالحائط ،
ويعتبر الطين الذي هو في الاصل تربة ومادة طبيعية واسعة الانتشار على سطح اليابسة ، مادة البناء الأولى في بناء البيوت في الرحامنة ، ويستعمل التراب خالصا بحيث تشكل منه عجينة بإضافة الماءفيصبح طينا ناعما يمكن صياغة أي شكل منه أو وضعه في قوالب. أو تضاف إليه بعض الألياف النباتية، وأهمها التبن، ويوضع في قوالب ويجفف تحت الشمس لتشكيل الطوبة،الياجورة وحدة البناء في الجدران .
والملاحظ في بناء البيوت الطينية في الرحامنة استخدام المواد المحلية من أصل نباتي في إعلاء الجدران، وفي التسقيق، والأعمدة والدعامات، وفي صناعة الأبواب والنوافذ، وتسقف غرف هذه الأبنية الطينية بالقصب والأخشاب الكايزة وتغطى بالقش الغليظ (البرومي)، كي يستطيع أن يتحمل الأغلفة الطينية فوقه مشكلة غشاء طينيا يمنع من تسرب مياه الأمطار والحرارة .
والحقيقة ان دوتي حينما استنتج ان الرحامنة بلاد النوالة بامتياز ،فقد اغفل ذكر الدواويروالتجمعات السكنية المتكونة من عدد كبير من البيوت الطينية،هذه التجمعات التي عرفت الاستقرار لاعتماد السكان على تربية المواشي والرعي و الزراعة بما فيها زراعة أشجار الزيتون والفواكه في المناطق التي يشملها السقي ،من عيون الماء او الوديان التي تجري موسميا وهو ما سمح ببناء هذه المساكن الطينية خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، خلق تجمعات سكنية في شكل دواوير تحمل أسماء الجد الأول .
وغالبا ما تكون هذه التجمعات حول الموارد المائية أو الطبيعية لكنها تكون بعيدة عن مجرى الأنهار والأودية التي تستفيق خلال موسم الأمطارتجنبا للمخاطر، وبذلك يكون العامل الطبيعي والتنظيمي أهم عنصرين من عناصر الاستقرار ، كما ان تجمع هذه الدواوير يكون بقصد توفير الأمن وتهديدات الغارات الليلية، فالضرورة الأمنية هي التي فرضت هذا التجمع الذي يعيش تحت حراسة ليلية بالتناوب .
الخيمة :
تعتبر الخيمة عنصرا أساسيا في حياة السكان بالصحراء المغربية، وكانت تناسب عيش الترحال والتنقل الدائم بحثا عن الماء والمراعي للأغنام. وأبدع السكان تقنيات متوارثة لنسج خيام متينة من المواد المحلية المتوفرة وخاصة من شعر الماعز والإبل. وتسمح الخيمة السميكة بمقاومة حرارة الشمس ورطوبة الشتاء ورياح الصحراء المعتادة. ورغم التحولات الاجتماعية التي تعرفها أقاليمنا الصحراوية، وتراجع مكانة الترحال في حياة السكان، فإن الخيمة ما تزال تحظى بمكانة هامة باعتبارها ترمز لإرث عريق في مجال تفاعل الإنسان مع محيطه الطبيعي.
تعتبر الخيمة نوعا من السكن الذي يعبر عن علاقات اجتماعية معينة، فهي السكن الملائم للترحال، لان هذا الأخير يقتضي التنظيم الآني للمجال، وتستجيب الخيمة لتلك الحاجة،
ساهمت الخيمة في تذليل الصعاب أمام الإنسان في صحراء المغرب، فهي مسكنه والمكان الذي يوفر له لحظة الاستقرار المنشودة. وتعتبر الخيمة أول وحدة اجتماعية يمكن مصادفتها لدى المجتمع الصحراوي، فهي لا تعتبر فقط وحدة مكانية للاستقرار المادي بل توضع ضمن إطار مجموعة العلاقات التي تجمع عدة أفراد داخل أسرة واحدة.
وتأوي الخيمة كل مستلزمات الحياة من أوان وأغطية وأفرشة ومواد غذائية ترتب بشكل يسمح باستقبال الضيوف وإطعام الوافدين وإيوائهم دون ضجر أو إزعاج في جو يطبعه الانسجام والبساطة التي تعكس المروءة والكرم والجاه عند أهل الصحراء.
ولا يخلو إعداد الخيمة من طقوس احتفالية تلازمها من أول خطوة حتى تنتصب شامخة في لحظة انتصار على الطبيعة، فرغم بساطة شكل الخيمة إلا أن نسجها ليس بالأمر السهل إذ قد يستغرق أياما لكنها لا تتعدى الشهر الواحد
وتتم عملية لفليج بوضع خيوط متوازية بطول أمتار وتوضع خيوط ثانية من فوق منها وتجمع بخيط يسمى “خيط النّيرة”، ويُفرق بين الخيوط عرضا بقطعة خشب تسمى “الصُّوصْية”، وتقوم النسوة بضربها بـ”المدرة” حتى تنسجم الخيوط مع بعضها البعض ويُطوى لفليج في النهاية لتعاد العملية مرة أخرى حتى الحصول على عدد الفلجة المطلوبة، قد تكون 8 إلى 10 حسب مساحة الخيمة.
وتقوم النسوة بعملية تسمى “الجبرْ” وهي خياطة الفلجة بعضها ببعض تنتهي بعملية “شلْ” الخيمة أي خياطة أركانها لتصبح جاهزة، وصناعة الخيمة التقليدية تتطلب أسابيع عدة من العمل، تعتمد أساسا على صوف الأغنام وشعر الماعز، مع استعمال مواد طبيعية في عملية الصباغة.
وتستعمل نساء الصحراء الصوف كذلك في نسج أفرشة تقليدية لتأثيث الخيمة، حيث يتم تلوينها باستعمال مواد طبيعية من قبيل الحناء وقشور الليمون والكركم، والبابونج وقشور البصل وقشور الرمان ولحاء شجرة الجوز وأوراق الجزر.
وتحتاج الخيمة للأوتاد التي تستخدم لتثبيت الخيمة بالأرض، ولخوالف أي حواشي على شكل حبال مسطحة ويطلق عليها “لحكاب”، ووظيفتها، تقوية الخيمة عند نصبها، وربطها بالأوتاد المثبّتة في الأرض، إلى جانب “لخراب” و”البيبان” وهما ساريتان من الخشب تمسكان بقمة الخيمة لفتح واجهة الخيمة الأمامية، بحيث توضع كل واحدة في جانب من الخيمة، والمسمك وهو عود يأتي بين البيبان في خط مواز مع الركائز.
ويفضل سكان الصحراء المغربية أن يكون باب خيمتهم مفتوحا نحو الشرق، وتؤثث بالسجاد والزرابي المصنوعة محليا، وتضع فيها ربة البيت الطاولة المصنوعة من الخشب بارتفاع متر ونصف تقريبا لتضع عليها تيزياتن (والتيزياتن تصنعها النساء من الجلد لحفظ لباس المرأة)، ولا تخلو الخيام من الحجبة وهو ثوب ساتر تستخدمه ربة البيت لعزل أهل الخيمة من النساء والأطفال عن الضيوف من الرجال.
دخول مفهوم الخيمة والكانون من خباء للسكن إلى مفهوم احصائي :
وقد دخل مفهوم الخيمة والكانون كوحدة إحصائية ديموغرافية بالمغرب منذ القرن السادس عشر،فقد بدأت خريطة التقديرات الإحصائية والديموغرافية مع مغرب الفترة الوطاسية ،وكذلك مسألة الحدود الجغرافية للدولة، حيث طرحت مسالة الحدود الجغرافية بين مملكة فاس ومملكة مراكش .
وعمد الحسن الوزان، وهو من رجالات المخزن الوطاسي، إلى تقسيم المغرب الذي وصفه وصفا دقيقا إلى 16ناحية أو إقليما إداريا، وهو ما يمكن اعتباره تقطيع إداري سياسي في عملية التوطين الجغرافي:
إقليم حاحا-إقليم سوس-إقليم مراكش-إقليم جزولة –إقليم دكالة- إقليم هسكورة- إقليم تادلا- إقليم تامسنا- إقليم فاس- إقليم السايس- إقليم الهبط- إقليم الريف- إقليم كرط – إقليم الحوز- إقليم درعة – إقليم سجلماسة.[- عبداللطيف الشاذلي ،التصوف والمجتمع نماذج من القرن العاشر الهجري ،منشورات جامعة الحسن الثاني ،ص247-248.]
كما ظهرت إشارات إحصائية وتقديرات لفظية عن عدد السكان؛ مثال “الكانون” “الدشر” “الدوار” “القبيلة” “المدينة” “الناحية” “آهلة” “كثرة” “جمهور غفير” “بطون المدن” ، “وعن المدن والأسواق” “وعدد المساكن والفنادق والحمامات” وغيرها من المرافق العمومية . في نصوص انطباعية لا تنطق بلغة الأرقام ، لكنها تعطي انطباعا عما يمكن اعتباره معطيات ومؤشرات ،
وهذا النوع من النصوص نجده بكثرة عند كل من “الوزان” “ومار مول كربخال”، وفي هذا الصدد نسوق مثلين لكل واحد منهما:
النص الأول للوزان : يقول ناحية دكالة ” آهلة جدا بالسكان”.
النص الثاني لمار مول كربخال يقول: “فاس أكبر وأجمل مدن إفريقيا كلها”[ – الحسن الوزان، وصف افريقيا ،ج1، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر ، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، بيروت، 1983. ص147.
– مارمول كربخال، افريقيا،ج2،ترجمة محمد حجي وآخرون، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، المعارف الجديدة الرباط،1984، ص144.]
كما أن ديوان قبائل سوس لإبراهيم الحساني تضمن معلومات فريدة عن سكان إحدى الجهات المغربية في العهد السعدي، وهي منطقة سوس حيث تتبع أسماء القبائل بنوع من الاستقصاء يُمكن للباحث أن يتبين معه – إلى حد ما ـ الخط الذي يرسم حدود منطقة سوس من الناحية الإدارية في ذلك العصر، كما تعود أهميته إلى كونه أعطى فكرة عامة عن التنظيم الجباني لدى الدولة السعدية فضلا عما يقدمه الديوان عن تلك القبائل من تقديرات مبنية على أساس السروج التي يتركب كل منها من عدد من الكوانين.[- الكانون أو الكانونة تطلق على مجموعة من الأشخاص الساكنين في محل واحد ج. كوانين، وحدة عائلية (أسرة) ، توزع عليها بعض المهام داخل القبيلة، وعلى أساسها توزع أيضا مختلف التكاليف المخزنية، فهي وحدة جبائية يتراوح عدد الأشخاص في الكانون الواحد اصطلاحا – ما بين 5 و 6 أشخاص.]
جاء في كتاب ديوان قبائل سوس: “فلما أصبح الله بخيره إذا هم جاءوا وبايعوا للسلطان، فعفا عنهم، ثم بعث الجميع أشياخ أهل سوس الأقصى عربا وعجما، فلما اجتمعوا عنده كلهم في مجلسه، فرض عليهم بيضة الدجاجة لكل كانونة فأتوا بها إليه فأمرنا بكتب ذلك، فشرعت في حسابها شيخا شيخا حتى دفعوا عددها، ثم جعل كل خمسة عشر كانونة بسرجة[-السرج أو السرجة (. مصطلح سعدي يتكون من خمس عشرة أسرة كانون) ويشكل وحدة جبائية وتسخيرية، فعدد أشخاص السرج بهذا الاعتبار يبلغ 75 شخصا على الأقل.] ليسهل طريق المخزن على عماله وعلى الدافع والقوي والضعيف، فمن زاد له شيء على ذلك فالله يغنيه به، ويعطي بماذكر[- يفهم من هذه الفقرة أن التحديد الجبائي في هذا الديوان يعتبر رسميا ولا عبرة بأية زيادة أو نقصان عن عدد السروج الأصلية في القبيلة، فهي تعطي الجباية ــ دائما – بما ذكر في الديوان]، ومن ضاع له منها شيء، فالله يخلفه عليه، ويعطي بما ذكر. “[- -ديوان قبائل سوس ص 14 في عهد السلطان احمد المنصور الذهبي ابراهيم الحساني تحقيق عمر افا 1989]
ويستطيع الباحث عن طريق قاعدة السروج هذه أن يصل إلى تقديرات إحصائية عن سكان سوس، فكل 15 كانون يجهزون سرجة ، يضاف إلى كل ما سبق ما يتضمنه الديوان من مجموعة من الأحداث ومن الإشارات والتلميحات التي تكشف عن جوانب دقيقة من البنية الاجتماعية السكان تلك القبائل.
يتم استغلال الأراضي السلالية الزراعية عادة من قبل ذوي الحقوق بشكل فردي، حيث يتم تقسيم الاراضي الجماعية على مجموع الكوانين المكونة للجماعة وهذا التقسيم هو ضمان لحق الانتفاع لكل اسرة في الجماعة حسب أعراف وعادات الجماعة السلالية وتسمى القطعة الزراعية المعطاة للاسرة (الكانون) خيمة ،اما المراعي فيتم استغلالها بشكل جماعي.
إن أغلب الجماعات السلالية كانت تعمد إلى تقسيم الأراضي الجماعية كل ثلاث سنوات او اربع سنوات حسب أعراف وعادات كل قبيلة، و بعض القبائل كانت تقسم أراضيها بين الذكور دون الإناث،الا ان كل متزوج بحكم العرف يصبح رب عائلة ورب خيمة ، وبذلك يدرج ضمن قائمة المستفيدين الجدد كل فترة ، ومن الذين لم يسبق لهم أن استفادوا من أية حصة في الأرض، ولذلك فان مساحة الخيمة هي دائما في تناقص لزيادة الكوانين كل فترة تقسيم جديدة .
وكانت المساحات تقاس ب”الخدام الصغير والخدام الكبير و الڨامة والخطوة والحبل والكتار، والفدان، الا ان اطلاق مصطلح الخيمة على تلك القطعة الارضية أصبح هو المتداول في القبائل التي تتوفر على الاراضي السلالية واراضي الجموع.
الخيمة والنوالة كوحدة من وحدات الإحصاء في الرحامنة : إحصاء 1926 :
حوالي ستة قرون ونصف خلت من تاريخ أيامنا هذه، قام أحد علماء المغرب وهو إبراهيم بن عبد الرحمن التازي[ – إبراهيم بن عبد الرحمن التازي ( توفي سنة 749هـ/ 1348م بتازة وبها ولد ودفن). من أعيان المغرب، وكبار علماء المالكية به.. تَولى خُطَّة القضاء المدني والعسكري، والسفارة. درَّس بجامعة غرناطة، وكان من تلامذتِه بها: لسان الدين بن الخطيب.] بتنظيم أول إحصاء للسكان في سائر بلاد المغرب بأمر من أبي الحسن علي بن عثمان سابع سلاطين بني مرين. قصد تقديم بعض المساعدات الإجتماعية.
ثم بعثه ثاني مرة لإحصاء من مات بوباء الطاعون[ – د. عبد الهادي التازي في محاضرة له حول مكانة تازة (1981)]، وفي هذا يقول د. عبد الهادي التازي في محاضرة له حول مكانة تازة (1981): “… على أن الدولة المرينية كانت تقوم بجرد إحصاء سائر الشهداء الذين راحوا ضحية الوباء العام الذي غزا المغرب عن طريق البحر المتوسط .. ” .
وقد استنتج الدكتور التازي من خلال هذا أن ابن بطوطة لما غاب عن المغرب في رحلته الأولى مدة ربع قرن من الزمن وعند إلى مدينة تـازة (عام 750هـ / 1350م) عوض طنجة، عرف أن والدته ماتت بالوباء الذي اجتاح المغرب (749هـ/1348م).
وثالث إحصاء مغربي قديم هو ذلك الذي أمر به السلطان المولى إسماعيل لمّا أمر بتنظيم الإحصاء العام الخاص بالأملاك الحبسية.. وكان ذلك سنة 1116هـ/ 1705 في البلاد المغربية وضبْطِ ما هو غير مضبوط منها في رسوم حُررت في شهر ذو القعدة 1116هـ. وهو ما يوافق شهر مارس 1705م.
قامت سلطات الحماية بإحصاء للسكان والمساكن في قبائل المغرب سنة 1926 أي قبل قرن من الزمن من الوقت الحاضر ، وقد كانت قبائل الرحامنة تتكون من : تقرأ الجداول بهذا الترتيب
المجموع الشيوخ البالغون الاطفال خيمة نوالة دار
أ) جهة بن كرير:

جهة بن كرير وبلغ عدد السكان خلال هذا الاحصاء في هذه الجهة :27.644 نسمة
وتضم جهة بن كرير : اللواتة البور- سلام الغرابة – الشياظمة – ايكوت لعرب – الحشاشدة البور – سلام لعرب.
وقد بلع عدد الدور المبنية في هذه الجهة 164 دارا ،و5170 نوالة و1422 خيمة .
ب) جهة سوق لاربع الصخور:

جهة سوق لاربعا الصخور وبلغ عدد سكانها 14.061 نسمة.
وتضم :أولاد اتميم – العطاية البور- أولاد اعكيل- اولاد عبو- أولاد مطاعية- يكوت الغرابة- أولاد احسين .
وقد بلغ عدد الدور المبنية 116 دارا، و3.348 نوالة، و1.263 خيمة.
ج) جهة الحوز:

جهة الحوز: وقد بلغ عدد السكان فيها: 34.196 نسمة بما فيهم 445 يهودي .
وتضم: الجعافرة- أولاد مطاعية – أولاد اعكيل – أولاد عبد الله – بني حسان – عطاية – العطاية الويدان – اللواتة – الشياظمة – اعريب والمرابطين – أهل الجبيل – أولاد عبو- أولاد الزعرية – سلام الغرابة – الحشاشدة .
وقد بلغ عدد الدور في هذه الجهة: 1.462 دارا، و6.487 نوالة فيما لاتوجد أية خيمة.
د) جهة تاملالت:

جهة تاملالت: وقد بلغ عدد سكانها 1.609 نسمة بما فيهم 142 يهودي.
وعدد الدور فيها 212 دارا و383 نوالة فيما لاتوجد أية خيمة.
ونستنتج من هذا الإحصاء ، أن عدد سكان قبيلة الرحامنة سنة 1926:
– 77.513 نسمة من بينهم 587 يهودي.
– أما عدد المساكن المبنية فقد كان: 1954 دارا فقط
– عدد النوايل في الرحامنة: 15.388 نوالة.
– عدد الخيام فقد بلغ: 2.685 خيمة .
ويتبين لنا من خلال هذا الجرد الإحصائي أن الدور المبنية في جهة بن كرير والصخور قليلة جدا لم تتعدى 280 دارا في حين بلغ عدد النوايل 8.518 نوالة وعدد الخيام 2.685 خيمة وهو ما يفسر تعاطي السكان لنشاط الرعي وتربية المواشي والترحال والنجعة والتحرك وراء القطيع الأمر الذي ينتفي معه الاستقرار وبناء الدار.
أما في جهة الحوز وتاملالت فلا وجود للخيمة ، بحيث أشار الإحصاء إلى صفر خيمة ، فيما بلغ عدد المساكن المبنية 1.674دارا، وعدد النوايل 6870 نوالة وهو ما يفسر الاستقرار الذي عرفته هاتان الجهتان شمال وجنوب الجبيلات حيث توفر الموارد المائية وتعاطي الزراعة البعلية وتربية المواشي بالاضافة إلى الأنشطة الاقتصادية الأخرى التي وفرها محيط مراكش كعاصمة تاريخية واقتصادية في الجهة .
الأستاذ : عبد الخالق مساعد
