OCP

في حوار مع الباحث في الفلسفة والفكر المعاصر عبد الواحد أيت الزين: جيل زد يذكرنا بحلم المدينة التي لايظلم فيها أحد

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية.حاوره خالد سلامة

 

في سياق اجتماعي وسياسي موسوم بتصاعد احتجاجات جيل زد بالمغرب، برزت هذه التحركات بوصفها تعبيرًا رقميًا وميدانيًا عن غضب شبابي متنامٍ تجاه أوضاع اقتصادية واجتماعية مأزومة، تقوده أجيال بلا زعامات تقليدية ولا أطر تنظيمية كلاسيكية، مستثمرة وسائط التواصل الحديثة لإعادة تشكيل الوعي والاحتجاج معًا.
في هذا السياق الرمزي والمعنوي، التقينا بالأستاذ عبد الواحد أيت الزين، الباحث في الفلسفة والفكر المعاصر، لنتوقف معه عند سؤال جوهري: ما الذي يمكن أن تقدّمه الفلسفة لتحليل وفهم هذه التحولات؟ وأي فهم يمكن أن نقدمه لهذه الاحتجاجات في ظل الثورة الرقمية والتحولات البنيوية التي ترافقها في العلاقات الإنسانية والسياسية؟ في حوار يمتد بين التأمل الفلسفي والتحليل الواقعي، يقدّم الأستاذ أيت الزين رؤية معبّرة عن التوتر القائم بين صمت الفكر وسرعة الحدث، مسلطا الضوء على دور الفيلسوف في عالم يشتعل من حوله، ومؤكدا على ضرورة إعادة صياغة علاقتنا بالعالم على على نحو أكثر أصالة، وما يعنيه ذلك من نقد لنمط الوجود المهيمن اليوم، القائم على الاستغراق في صخب اللحظة، بغواية من المنابر الرقمية أساسا.

سؤال: ما الذي يمكن أن تقوله الفلسفة حول احتجاجات جيل Z؟ وكيف يمكن لها أن تفسر التحولات العميقة التي يعيشها جيل Z المغربي في علاقته بالذات والمجتمع والعالم؟

الأستاذ عبد الواحد أيت الزين: قد يعترض معترض على سؤالك صديقي الكريم بسؤال آخر، ينكر عليك ما يوحي به قولك من “حاجة” و”ضرورة” إلى ما أسميته، بـ “تفسير فلسفي”، فيقول: وهل حقاً من شأن الفلسفة أن “تفسّر” التحوّلات تلك؟ ولماذا نهرع دوماً إلى الفلسفة “تبرّكاً بتفسيراتها”، لما يجري من تحوّلات طارئة، والحال أنّ غير قليلٍ من المنتسبين إليها يتحوّطون من الأمر، اعتقاداً منهم أنّ أوان الفلسفة لم يحن بعد، وظنّاً أنّ الفلسفة ليست “صحافة يوميّة” موكول إليها أن “تخبر”، و”تفسّر”، و”تَتَفَسْبك”، جرياً وراء “سبقٍ” و”بطولات”، لا يغري مجدُها كثيراً من أهل تلك الفلسفة !؟، سأتطرّق ببعض التفصيل لهذا الاستدراك، لأنّ لصحبه رؤية خاصة بهم لعلاقة الفلسفة بـ “ما يحدث بغتة – الحدث في فورانه” (أو ما يبدو أنه يحدث كذلك، إذ لربّما لا شيء يأتي بغتة، وإنّما ثمة ما يحدث قريباً منا، ولشدّة قربه لا نكاد ننتبه إليه)، وسأقدّم اعتراضاتي الممكنة حوله، لتبيّن تعقيدات السؤال الذي استفتحت به هذه المحادثة.
إن شئنا بسط عناصر ذلك الاستدراك قلنا مع صاحبه، إنّنا نخطيء الطريق إلى الفلسفة، لما نتوقّع منها ألاّ تخيّب أملنا، فتقول “كلمتها” لحظة انتظارنا لها. ومن ثمة، نسرع إلى عبارات الإدانة، والاستنكار، والاتهام، اعتقادا أنّ “الصمت” جبن وخيانة بل وجريمة، والحال – تبعا لهذا الاستدراك نفسه- أنَّ الصمت ذاك (في بعض الأحايين)، قد يعبّر عن “شجاعة رأي”، و”قوة موقف”، طالما يرفض صاحبه الانسياق وراء الجاهز من الأحكام، واستعجال “التفسيرات”، رفضه لتلقّي “أمر الجموع” بأن يقول كلمته، قبل أن تنقضي الآجال، وإلاّ، فإن المشانق البلاغية والرمزية، معدّة سلفاً للتنكيل به، قبل خنقه وانتزاع “الحياة” منه. لا يجد الفيلسوف أحياناً غير “الصمت” لغة وتعبيراً عن استعصاء الفهم، عند وقوع اهتزاز كبير في الوقائع والأحداث، ولا أخفيك أنني أقدّر هذا الصمت حين يكون فعلاً صادقاً من جهة، وحين يترجم “رسالة” إلى من يهمّهم الأمر، لاسيّما إن تكلّم “المزاج العام” (لدى النخب بعامّة) بقاموس الظافرين المالكين لزمام الأمور. يمكن اعتبار الصمت صوتاً قوياً، عندما يقطع لسانُه “الكلام” الذي نعجز أحياناً عن التوقف عنه، وبخاصة حين يعبّر “الكلام” ذاك عن المزاج العام انتصاراً لطغيان ما. ينبغي تقديرُ الصمت بوصفه “الكلام المناسب” لـ “الأسماع غير المناسبة”، لمّا تكون حاله على ما ذكرنا. وأمّا إن كان الصّمت مناورة شخصيّة لكتم “شهادة”، لا تكون لنا بها حاجة إن هيَ أتت خارج ما يقتضيها ويفترضُها، فإنه، لن يكون في هذه الحالة سوى “جبن” لا يليق بصاحبه أن يتخذ منه “وساما” لاستحقاق غير جدير به.
عطفاً على سؤالك، واستمرارا في تفتيت عناصر الاستدراك عليه بلسان صاحبه، وجبت الإشارة إلى أنّه، قد قيل ذات أطروحة من أطروحات كارل ماركس: إنّ المهمة الأساسية للفلسفة هي تغيير العالم، موجهاً نقده لفلسفات الأعالي التي ظلّت تحاول “تفسير” العالم. وقيل بعدها، إنّ التغيير يقتضي امتلاك تأويل لهذا العالم، فلا نهوض للأوّل إلا عبر الثاني. وما يمكن استنتاجه، من الاختلاف الحاصل بشأن مراوحة الفلسفة بين التغيير والتفسير، وربما يلزم إضافة مفهوم التأويل والفهم أيضاً، أنّ التفسير، مهمة خاصة بالعلوم في مختلف مستوياتها وتمظهراتها، لأنها بحث في القوانين، وحفر في الأسباب، وتتبع للظواهر في جريانها بغية القبض على ما يفسّرها، وأما الفلسفة، فهي فهم وتأويل وإبداع للعالم، وفي ذلكم الفهم، والتأويل، والإبداع، تضمن لمعنى “تغيير” العالم؛ إذ كيف يمكن “تغييره” من غير امتلاك فهم وتأويل وتصور معين حوله (هايدغر). لا يمكن أن نغيّر ما لا معرفة وفهم لنا به، ومن ثمّة اقتضاء التغيير والتفسير للفهم والتأويل، مثلما يؤكد ذلك بعض أعلام التأويليّات المعاصرة…

سؤال: معذرة على المقاطعة أستاذ آيت الزّين، ولكن، يبدو أن الاعتراض أو الاستدراك الذي ذكرته، يحتاج ربّما إلى بعض التوضيح؛ إذ ما الفائدة من الفلسفة، إن لم تنخرط في قضايا المجتمع، خصوصاً إن كانت الحاجة ملحة إلى صوتها، أكثر من صمتها؟

جواب: هذا بالضبط ما كنت أودّ الاستمرار في بسطه ومساءلته وتبيّن مسوغاته بعد عرض عناصره طبعاً. إنك تسأل عن الفلسفة و”جدواها” في سياق زمني وثقافي، لا يني يتحدّث عن موتها ونهايتها وعقمها، قياساً إلى العلم والتقنية “النافعين” جدّاً للبلاد والعباد. ثمة تصوّر عامّ اليوم، لا يرى في الفلسفة سوى “هدر للزمن”، وفي أفضل الحالات “إضافات” لتزيين اختيارات مؤسساتية ما، وما شابه ذلك من “مراوغات” صادرة عن عقل سياسي تقني يقيس الأشياء بمنطق الربح والخسارة والنتائج الفورية، وهو ما يبدو أن التقنية والعلم يفيان به فيستقوي داعيتهما بنتائجهما ضد الفلسفة، التي لا تكاد تنتج غير “الكلام”، بل و”اللغو” مثلما كان يردد الوضعانيون وآل “عقيدة التقدم”. ولأن الأمر بالنسبة إلى هذا المنطق الحسابي الكمي على هذا النحو، فالفلسفة تظلّ عنده مصدر إزعاج و”عقبة” يلزم تخطيها، للتمكين لرؤيته التقنية والمنفعية المباشرة، اعتقاداً أنّ في ذلك قيادة للبشرية نحو “الفردوس الموعود / المفقود”. ولهذا النمط من التفكير في الحقيقة ما يبرره، لأنه فعلياً يبدو أنّ الفلسفة لا تملك ما تقدّمه لهذا “العقل” المستعجل لـ “رؤية نعم ربّه على عباده”، فزمنها زمن بطيئ للغاية: بطيئ حدّ الضجر، خلافا لزمن العقل الآنف الذكر، الذي يُقيِّم أداءه ونجاحه، بمقياس ما يربح من “زمن” لإنتاج المزيد، ومما لا حاجة للإنسان إليه أحياناً. يجد الإنسان نفسه اليوم، في ظل التمكين لهذا النمط من التعقّل و”التفكير” من الهيمنة، أمام “عقل تجاري (اقتصادي)”، يقتلع الإنسان مما ينتمي إليه من تجارب وجودية أصيلة، سعياً إلى تحويل كل شيء إلى مجرد “سلعة” و”بضاعة” وصفقات تجارية. ينمُّ الاهتجاس بمساءلة الفلسفة انطلاقا من ثابت مرجعي، يختزلها في “المنفعة” الفورية، عن محاولة لإخضاع هذا الفكر لمعايير غريبة عنه. إنه تعبير عن سقوط في قبضة “التاجر”، وطريقة حكمه وتقييمه لقيمة الأشياء والوقائع.
تبعاً لما تقدّم، جاز القول إن الفلسفة ضرب من ضروب مقاومة هذه الرؤية في النظر إلى الأشياء وتعيين قيمتها، لأن مفاهيم”المنفعة” و”الربح” و”الخسارة” و”التجارة” غريبة عن أسلوب عملها، بل إنّ من شأن الاستسلام لغواية تلك المفاهيم وخلفيتها التجارية والاقتصادية – وبحكم ذيوعها وتسويقها التسويقَ الذكي – إبعاد الفلسفة عما تحددت به في ممارستها تاريخياً ومفهومياً، من سعي وانشداد إلى طريقة أخرى مغايرة في النظر، والتفكير، والحكم. هكذا يظهر – وحسب المنظور الذي مازلنا بصدد عرض عناصر فهمه- أننا قد نكون خارج الفلسفة، في اللحظة التي نسعى إلى القبض على “نفعها” وفقا لأسعار الوقت وسوق بضائعه ومنافعه.
إنّنا نسأل عن انخراط “الفيلسوف” في المجتمع، وهو الذي يبدو وكأنه “يخذل” المجتمع ذاك، حين يزعم أنه “لا يملك” ما يقوله له وحوله لحظة حاجته إليه، فإما أنه (الفيلسوف) يلوذ بالصمت، ويحتمي به درءاً لأي استعجال في استصدار الأحكام، أو يجرؤ فيقول ما لا تتقبله عواطفنا النبيلة وانفعالاتنا اللحظيّة، وربّما، يجرؤ على الانتصار لخصومنا ضدّنا، ونحن الذين ننتظر منه “العون” و”السند”، أو يتكلّم بما لا يتلاءم مع قناعاتنا و”أمزجتنا النضاليّة”، فتثور ثائرتنا ضدّه. أتذكّر في هذا السياق “صمت هايدغر” بعد واقعة قبوله رئاسة الجامعة، تزامنا مع استلام هتلر للسلطة، وانصرافه إلى شؤون الفكر في بيته الريفيّ، رفضاً لأن “يبرّر” اختيارا له بعينه، رآه إبّانها “أفضل ما يمكن فعله”، وبالرّغم من كلّ “الهجمات” و”المضايقات” ضدّه (من النازيين أنفسهم في البداية، ومن خصومهم بعد نهاية الحرب) استمرّ في عمله، من غير أن يأبه لمن ينتظر منه صكّ اعتراف بـ “الخطيئة” و”إقرار بالذنب” آنَها، ويقال في هذا الصدد، أنّ الحوار الوحيد، الّذي أفلحت جريدة “دير شبيغل” في عقده معه حول الواقعة تلك وفلسفته في عمومها، اشترط لقبوله ألا ينشر في حياته !
هكذا، وبحسب التصوّر الذي مازلنا نعرض لما يقوم عليه من حجج واستدلالات، يبدو أنّ الفيلسوف، ولأنه يأبى على نفسه أن يقول “ما يعجب الناس”، ويدعوهم إلى حمله “على الأكتاف” والهتاف باسمه، ينتهي به المطاف مغضوبا عليه و”ظالاً” وملعوناً، وكثيراً ما لا ترضى عنه لا “يهود” ولا “نصارى”، لا “سلطة” (حكام)، ولا “جمهور” (محكومين)، لأنّه بدل أن يصطفّ ضمن طائفة / جماعة / حركة / حشد / جوقة / طبقة بعينها، يزعم لنفسه “طريقا” أخرى (إما اختياراً عن طواعية، أو – ويلزم الاعتراف بذلك – عجزاً عن هجرة النصوص إلى خارجها)، لا “أنصار” له فيها مدعياً لنفسه رؤية ما هو أبعد من أن تطاله أبصار غيره! غير أنَّ هذا يبقى استنتاجاً نسبياً، طالما هناك في التاريخ، أمثلة على فلاسفة اختاروا في لحظة من اللحظات، الانتماء إلى “أخوية” ما ! شقيّ هو وضع الفيلسوف والفلسفة بحسب هذا التصوّر، ومردّ شقاء الوضع، له صلة بغموض علاقته بتدبير وجوده، وحياته، ومواقفه بين الناس ومعهم.
إنّ مأتى تعقيد السؤال الذي تفضلت بذكره، ومكمن التباس الاستدراك الذي عرضتُه، له صلة بما يرمي إليه السؤال والمستدرك عليه في العمق، من دعوة إلى النظر رأساً في “مهمة الفلسفة”، و”وظيفة الفيلسوف” تحديداً، بل إنه يضع معنى الفلسفة نفسها، موضع تساؤل وتفكير. يلزم التنبيه ابتداء إلى أنَّ هذا السؤال ظلّ مصدر قلق للمشتغلين بالفلسفة عموماً، بسبب الاختلاف الحاصل بينهم في تصوّر العلاقة بين الفيلسوف وحاضره، وبين الفلسفة والمجتمع. لقد طبع التوتر العلاقة بين الاثنين، منذ القديم إلى اليوم، وأود أن أستسمحك في إظهار وجه الصعوبة في مقاربة هذا التوتر، بمزيد من التفصيل والإطالة، قبل الرجوع فيما بعد إلى احتجاجات “جيل زد”.

سؤال: تفضّل، إذ يهمنا في الواقع فهم لماذا هناك اختلاف في نظر الفلاسفة إلى علاقة الفلسفة بالواقع والمجتمع ؟

جواب: الظاهر أن مردّ هذا التوتر في عمومه، يتصل بما يترتب عن تفكير الفيلسوف و”نظراته” من إزعاج وإرباك واستفزاز، لما استقرّ في “المدينة” والمجتمع من آراء، ومنظورات في الفهم و”التفسير”. ولهذا، السبب حاكمت المدن كثيرا من فلاسفتها، مثلما حاكم الفلاسفة الكثير من مدنهم. رأت المدينة (جمهوراً وحكومات) في الفيلسوف خطراً على حقائقها، ويقينياتها، ومقدساتها، مثلما رأت الفلسفة في المدينة تهديداً لوجودها. وبسبب هذا التخاوف المتبادل، وغِبّ محاكمة سقراط، أعادت الفلسفة تعريف نفسها، فغدا الفيلسوف “غريباً” عن المدينة، متطلعا إلى مدينة بناها من نسج عقله وخياله، وصار مثلما قال أفلاطون “مقيما في المدينة بجسده لا غير”، وأما روحه فإنها متعلّقة بـ “مدينة أخرى”، لا يحاكم فيها الفلاسفة ولا يُعدمون. ليس الفلاسفة هنا سوى دلالة على حرية الرأي، واستقلالية الفكر. إن حلم الفيلسوف، هو حلمنا إلى اليوم: مدينة لا يظلم فيها أحد (كويري في قراءته لأفلاطون / الحلم البعيد لماركس أيضاً)، وتتوفّر فيها شروط العيش الآمن والسعيد والعادل، وتسمح لمواطنيها بأن يحققوا إمكاناتهم إلى أقصى حد ممكن، وما يزال المدخل إلى هذا الحلم هو هو: التعليم والتربية والحلم أيضاً بإمكانيّة أن نخلق من الكائن ممكنا جديداً ومغايراً. ما قد يبدو مقلقا اليوم، هو أن نكفّ عن الحلم بتلك المدينة الفاضلة، ونذعن في استسلام للمدينة “الجاهلة”: مدينة الطغيان والاستبداد، سواء تحقق ذلك الطغيان في الفرد الحاكم الواحد، أم تجسّد في الحشود ومعبوداتها. ولقد علّمنا أفلاطون، في “مدينته” أنّ خطورة حكم الحشود، لا تقل عن خطورة حكم الطاغية، بل إن الطاغية، وفي الكثير من التجارب التاريخية، استمدّ سلطته، وبنى طغيانه، انطلاقا من دغدغة مشاعر الحشود، وإطلاق عنانها ضد كلّ مختلف عنه وعنها.

سؤال: هل يعني هذا أن الفلسفة مقاومة وحذر من هذا الاستبداد بمختلف أشكاله؟

جواب: صعبٌ، صعبٌ هو السؤال، لأنّ واقع الحال تاريخيا وفلسفياً على قدر كبير من التشابك والتعقيد، لاسيّما أنّ تقرير أي خلاصة بشأنه بالإمكان الاعتراض عليها، بتجربة ما من التاريخ ذلك. لكن، لنقل، وبالكثير من المجازفة ما يلي: يقاوم الفيلسوف الاستبداد أنى كانت صوره، وتعبيراته، وأقنعته: استبداد الحكام، واستبداد الجمهور في ذلك سيان، لأنهما قد لا يكونان في النهاية، سوى ترجمة للضرب نفسه من ضروب الحضور في العالم، حيث تستولي “الانفعالات”، وتسطو “الأمزجة”، فيدخل الأفراد كما الجماعات في نوبات جنون وتوحّش، وهي النوبات التي إن تجذّرت استعصى مقاومتها ودفعها. ولأن الأمر على هذا الضرب من المقاومة الجذريّة والمفتوحة، قد يبدو الفيلسوف أحيانا في صورة “محافظ”، بل وربما مؤنس للحاكم ومستشار مخلص له، هربا مما يبدو له “سخط عوام”، مثلما قد يبدو أحيانا في صورة “ثوريّ” مصطف إلى جانب “الجماهير” و”المسحوقين”، طموحاً منه إلى “مدينة لا يظلم فيها أحد”.
لنحاول الاقتراب من الموضوع بنمذجة عامة، لعلها تسمح لنا بمزيدِ فهمٍ لعناصره والتباساته: إننا نجد أنفسنا على وجه العموم، أمام صورتين للفيلسوف منذ لحظة الانبثاق الأول للفلسفة: فهو من جهة سليل ذلك “العرق السقراطيّ”، الذي ما ينفك يحاور المدينة بكل مكوناتها، مربكا مسلماتها، ومزعجا ليقينها، ومتهكما من أوهامها، وناقدا خرافاتها، ومتمرداً على ساستها وقادة جيوشها، انتصاراً للعدل والحقيقة والفضيلة بصرف النظر عن “ثمن ذلك”. لسقراط مواقف مشهودة في هذا السياق، وهو مثالنا الأساسي للاعتراض على الموقف الذي بسطنا عناصره في الاستدراك الأوّل على السؤال الافتتاحي لهذه المحادثة، كما أنه (الفيلسوف)، ومن جهة ثانية، سليل ذلك “العرق الأفلاطوني” الذي انسحب إلى “كهفه”، مهتما بأكاديميته الخاصة، باحثا عن “المدينة التي تليق بالفيلسوف” على حدّ تأويل ألكسندر كويري لأفلاطون، متحيّناً فرصة ميلاد “حاكم فيلسوف”، يَؤُمّ الناس والمدن بالعدل والعقل، وقد ينقلب هذا “الحاكم الفيلسوف” طاغية، فيبدو الفيلسوف، في هذه الحال، وكأنه معلّم “طغاة” (أرسطو) أو متكلّما باسمهم، وإن كان يلزم التحوّط في قراءة تجاربهم، بحكم ارتباطاتها بشروط تاريخية، واقتناعات نظرية، ما كان لها إلا أن تنتهي بهم، إلى ما انتهوا إليه من تجارب واختيارات.
يترتب عن الصورة الأولى (الصورة السقراطيّة)، قول مفاده، إنّ على الفلسفة أن تكون متأهبة دوما لتقول “كلمتها” بشجاعة، ومن دون أي مواربة. يجسّد سقراط الفلسفة وهي تمشي على قدمين بين الناس، إنه الفلسفة وهي تشتغل وتتحقق مثلما تقول مونيك ديكسو، ولأنه يجسّد هذا “الالتحام المباشر” بالمدينة وهمومها، اخترتُه كأوضح نموذج للاعتراض على “فلسفات الصّمت”. لا “بطولات” في الرّكون إلى الصمت متى نهضت الحاجة إلى “الكلام”، ووحده “العبد” (إضافة إلى غير المواطنين من أجانب ونساء)، لم يكن ليُؤذن له بالتكلّم عن الشأن العام لدى اليونانيين القدامى، لأنّه بالنسبة إلى ذلك الزمان، لا يملك ما يقدّمه من “رأي” حصيف لما تواجهه المدينة من “طواريء” و”مخاطر” وأحداث قد تأتي “بغتة”. الفيلسوف، تبعاً لهذه الصورة، ترجمة لمعاني الإزعاج، والاستفزاز، والمقاومة، والرّفض، والتهكم، وشكّلت هذه المعاني، القسم الأوسع من “يومياته” (سقراط بالخصوص) في أثينا القديمة مواجهة منه للخطباء والسياسيين والسفسطائيين و”الشعراء”.
لقد حضرت الفلسفة في كثير من لحظات التاريخ، بوصفها تعبيرا عن هذه الشجاعة في القول، والسلوك، والعيش على نحو مغاير. الفيلسوف بطبعه، وانطلاقا من هذا المنظور، كائن مزعج، ومستفز، ومربك، كما أنه متهكم بارع من مختلف أشكال السلط القائمة، وهذا يتعارض كما قلتُ مع ما سبق أن عرضت لعناصره في البداية، إذ لا يمكن للفيلسوف إلا أن يكون كل يوم في شأنه وشأن المدينة، وليكون كذلك وجب أن يصون في نفسه، ما اشتهر به في التاريخ من فضائل، على رأسها: شجاعة الرأي، وقوة التفكير، والجرأة على الاستعمال الحر للعقل. يستمد الفيلسوف حضوره الاستثنائي في التاريخ، من هذه الممارسة الجذرية والقصوى للتفكير والحرية و”الرأي” المستقل، من دون أيّ تنازل عن حقّه في ذلك، لأنه داخل في نطاق مسؤولياته.
غير أن هذا التوجّه في النظر إلى الفيلسوف، قد يصطدم مع صورة أخرى له، تتقاطع في كثير من جوانبها مع ما سبق أن تقدمت به في بداية هذا الحوار. يظهر الفيلسوف في هذه الصورة بوصفه “كائنا غريباً” عما يقع حوله، فتغدو شجاعة الرأي، وقوة التفكير، قرينة “التأمل” في صمت، والانشغال عما يجري في المدينة والمجتمع، من أحداث ووقائع، بالبحث في شؤون العقل ومبادئه. يعكف الفيلسوف في محرابه الخاص، بعيدا عن المدينة، ومخاضاتها، وضجيج جموعها، منشغلا بـ “ما لا ينفع الناس”، متطلعاً إلى استكناه الوجود والحكمة في أقاصيهما البعيدة. وأما، إن قصد الفيلسوف “قضايا قومه” جاهرا برأيه فيها، إن تأييدا أو رفضا، وإن تفسيراً، أو تبريراً، فإنه يغدو محط اتهام، وموضع تشكيك في استحقاقه الفلسفيّ، لأنّ الفيلسوف، تبعاً لهذه الصورة، ليس “صحفيا”، ولا هو “مناضل”، فبالأحرى أن يكون “دعوياً” و”إيديولوجياً”، بل يصير التمييز حاصلاً في الفيلسوف – وفقاً للمنظور عينه -بين ما ينتمي إليه بوصفه فيلسوفا، وبين ما يدخل ضمن دائرة “مواقفه” و”نضاله”، وكأن ثمّة انفصالا فيه بين هذا وذاك، اعتقاداً أنّ الفكر في الفلسفة لا يأتي صباحاً، ولا ينمو إلاّ حين قدوم الليل، ولا يكون ممكنا إلا بعد هدوء العاصفة. (وإن تذكُر صديقي خالد، فلقد بسطت في حوار سابق لي مع جريدتكم فور تنمية حول كورونا، بعض الاعتراضات على الانطلاق من هذه الفكرة، لتسويغ وضع متخيّل للفلسفة والفيلسوف، يختزله في ذلك “الكائن” المتعبّد في محرابه، والمفصول عن واقعه، والمنتظر لـ “انقشاع الغمام”، وتلاشي “الغمة”، ليخبرنا عمّا كانت العاصفة التي أتت بهما ! أحيل على هذا الحوار ورابطه، حتى أكون في حِلًّ، من إعادة إيضاح تصوري للفكرة تلك).
عموماً، تُوَرِّث الصورتان معا، نزاعا في الفلسفة بين حكم الواقع المباشر، وحكم المفهوم المجرد، بحيث لا يكون من شأن “الفلسفة” أن تحشر أنفها فيما لا يعنيها، وهي عندما تصبح كذلك، تصير “إيديولوجيا”، فهي، ولأنها صنعة عقلية خالصة، تبحث فيما يبقى ويدوم، وإن حشر الفيلسوف أنفه فيما لا يعنيه (لا ينبغي أن نغفل عن ارتباط هذا القول بتعريف قائم للمثقف منذ واقعة إميل زولا)، تحول إلى “إيديولوجي”، وما الأمر بمعيب في ذلك للإشارة، لأنّ الحاجة أحيانا إلى الإيديولوجيا، أقوى من أيِّ حاجة إلى غيرها، فليس ما يقلق في عالمنا المعاصر، هو موت الفلسفة فقط، وإنما ما يقلق أيضا هو “موت الإيديولوجيا” أيضاً بعد تحلل الإيديولوجيات الكلاسيكية وتفتتها، وحلول بعض الأشكال الرثة من “دعويّات” لم ترق بعد لأن تبني أطروحات جديدة حول العالم ومنزلة الإنسان فيه.
بيد أن هناك مأزقاً تواجه هذا الفهم للفلسفة، الذي يختصرها في ممارسة التأمل، والنأي بالنفس عن “الأسئلة المحرقة” و”القضايا المستعجلة”، و”المطالب الإيديولوجية”، وبالإمكان التعبير عن هذا المأزق بالسؤال الآتي: هل معنى اختصار الفلسفة في حياة التأمل والتفكير والكتابة الهادئة، أن تنقطع عما يعتمل في الواقع الحي والمباشر من قضايا و”هموم”، أو لا يشكّل هذا الواقع “المادة الخام”، التي لا غنى لأي فيلسوف عنها، في بناء تصوراته وصوغ استدلالاته وابتكار إشكالاته؟ أو لا تتحوّل إلى مجرد “غنوصية” سلبيّة كسولة، نتيجة الاعتقاد أنّ مساءها لم يأت بعد؟ ثم لمن يترك الفيلسوفُ المدينة والإنسان، إن هو احتج بأن “الآن وهنا” ليس من جملة ما يناط به من مهام، مفضلا انتظار “انقشاع الغمام” و”اتضاح الرؤية” للنظر على نحو واضح في “الحدث”؟ هل يترك الفيلسوف المدينة والإنسان فريسة “للصيادين” من خطباء منابر، وسياسيين، ومتحذلقين، ودعاة، ليفعلوا بهما ماشاؤوا؟ أو ليس جديرا بالفيلسوف، أن ينهض بما نهض به سقراط بالخصوص من مقاومة للخطابة الرديئة، والسفسطات الملتوية، انتصارا للحقيقة والعدل، والفضيلة؟
يبدو الفيلسوف، تبعا لهذه الاستدراكات، بمثابة “الضمير المعذب” لعصره، وهو الذي يملك القدرة على رؤية ما لا نراه وهو قيد التشكّل، لذا عليه أن يقول كلمته في حينه وأوانه، فـ “الآن وهنا” حركة اعتماد ينطلق منها الفيلسوف، ليمدَّ نظره إلى ما هو أبعد مما يمكن للآخرين رصده. يطيب لي حين عرض هذا التصور، أن أذكّر بما قاله هوسرل في هذا الصدد: “إننا إذن في تفلسفنا –وكيف يمكن أن نتغاضى عن ذلك- خدَّام للإنسانية، فمسؤوليتنا الشخصيّة المحض إزاء وجودنا الخاص الحق كفلاسفة يحملون رسالة شخصيّة داخليّة تنطوي في الآن عينه على المسؤوليّة إزاء الوجود الحقيقي للإنسانية”. ثمة مسؤوليّة تُلزم الفيلسوف بأن يقول كلمته بالصرامة المعهودة في عمله، حتى لو كان “الصخب” عاليا ومانعا من الاستماع إلى ما يقوله. لا عذر للفيلسوف بـ “العتمة” أو “الظلام”، ليتجنّب قول ما يلزم قوله، لأنّ كلامه في لحظات العتمة والظلام، ضرب من الإنارة التي يمكن أن تسعف على “الرؤية الواضحة” والفهم السديد. غير أن التخوّف (وهو مشروع)، أن لا يقول ذلك الفيلسوف سوى ما “يغضب” الناس، ويزعج قادتهم، ويربك حسابات الجميع، بل وأن يقول ما يعمّق وضع العتمة والالتباس، في اللحظة التي يرغب غيره في “خيط نور” يهديه إلى الصراط المستقيم ! وإن يكن الأمر كذلك، فالمسؤولية نفسها، تفترض منه أن يقول كلمته ويتلاشى.
يلزم عن مسؤوليّة الفيلسوف بما هو “خادم للإنسانية”، وليكون على ما ينبغي له أن يكون، أن يتملّك الأداوت القمينة بقراءة “العلامات” المؤذنة بما يجيء من المستقبل تبشيراً بفرح أو تحذيراً من خراب، وأمّا التردد لحظات “الزلزلة” باسم طلب صفاء الذّهن واتّضاح الصورة، فهو، فيما يبدو، وانطلاقا مما عرضت له توّاً، تخلّ عن واجب المسؤوليّة.
إن تلك التوترات بين الفلسفة والمدينة التي أشرت إليها آنفا عارضا لتموجاتها، ومستدركا عليها بما عنّ لي من أسئلة، تؤكد أن المدينة، ظلت في قلب التفكير الفلسفي. وسواء تعلق الأمر بالصورة الأولى للفيلسوف، أم بالصورة الثانية له، فإنه وبالرغم من كلّ المزاعم ذات الصلة بالاعتقاد في أنّ الانصراف عن شأن المدينة وصخبها، مقتضى رئيس من مقتضيات السمو بالفكر والصعود به إلى مقام “الفلسفة”، ظل الفيلسوف كما ذكرت بمثابة “الضمير المعذّب” لمدينته وعصره، مفكراً معها وضدّها في الآن ذاته، راغبا فيها وعنها في الوقت عينه، مقيما بداخلها ومتطلعا إلى غيرها، مقاوما سطوتها ومزعجا لراحة جموعها وأمرائها.

سؤال: الآن وبعد هذا التفصيل المطوّل، لنعد إلى سؤالنا الأساسي حول جيل زد في ظلّ الثورة الرقمية، وما يتصل به من إحالات حول الذات والعالم والمعنى: هل في نظرك عمقت الثورة التكنولوجية من وعي “جيل زد” بذاته، وعززت ثقته بقدرته على التغيير، وما الذي تمثله هذه الاحتجاجات من وجهة نظر فلسفية، أو من منظورك الشخصي؟

جواب: في إطار الأفق الإشكالي والنظري المعقّد السالف شرحه، أود التفاعل مع سؤاليْك. تضاهي “القنبلة الرقمية” في خطورتها “القنبلة النووية”، وكلتاهما تجرفان العالم صوب “المجهول” بعد أن غدا الحصول عليهما اليوم مصدرا من مصادر القوة وامتلاك النفوذ. بل، إنَّ امتلاك هذه “القوة”، يعني ضمان موقع في مجالس حكم العالم، بالنظر إلى أنها تقوّي القدرة على إدارة ملفاتك والتفاوض عليها من موقع قوة، وذلك في إطار ما صار يعبر عنه بـ “سلام القوة “! هكذا، وفي ضوء الخطر الذي يحدق بنا من القنبلتين، لم يكن على الفلسفة إلا أن تقول “كلمتها” بطريقتها الخاصة، وتنبه إلى ما أشرتَ إليه من تحولات في الذات وتصورها للعالم، وما تعلق بذلك من قضايا تخصّ المعنى والوجود والحياة، وغيرها من مسوّغات انبثاق الفلسفة واستمراريتها في التاريخ، ويكفي في هذا السياق لفت الانتباه إلى أطروحات فلاسفة من قبيل: هوسرل، وهايدغر، وياسبرز، وسارتر، وفوكو، ومدرسة فرانكفورت بأجيالها، وسير، وآخرين.
لأن الوضع مع التحوّل الرقمي الجذري الحالي، بات علىى قدر كبير من التعقيد، ولأن “الإرادات” أمست مسلوبة بسبب البرامج الرقمية والخوارزميات الرياضية التي صارت أكثر قدرة على “التحكم” في تلك الإرادات بتوجيهها واللّعب بـ “هرموناتها” من جهة، وتفعيل ما يُلهب مشاعرها وتعطيل ما يوقظ “نقدها” و”قلقها” و”تردّدها” من جهة ثانية، فإنّ الحذر والتروّي في ترتيب الأحكام بشأن أيّ “حدث” ضروريّ أكثر من أيّ وقت مضى. لا يعني الحذر والتروّي في هذا السياق، الاستمرار في الوجود وممارسة فعل التفكير وكأنّ شيئا لم يكن، بمقدار ما يعني تحصين ملكة الحكم التي تخصّنا من أن تكون “فريسة” سهلة للهدر البلاغي والتحليلي، الّذي يغدو موجّهاً في التقرير بشأن ما نواجهه من أحداث ووقائع. يلزم في تقديري، التحلّي بأعلى أشكال اليقظة والانتباه، لأنّ الأوضاع وطنياً وعالمياً ليست على مايرام، ويبدو من الصّعب إنكار فرضية أنّ من تلك الأوضاع ما يُصنع كـ “سيناريو” قبليّ لصالح “يد خفيّة” ما. أن تتمّ فبركة “وضع” وخلق “حالة”، أيسر اليوم من أي وقت مضى، أمام قوة التحكم التي تتسم بها تلك الشركات والمنصّات والعقول الإلكترونية الجبّارة، لاسيّما أنّ الشكوك تحوم حول “ما نعرفه” عن نفوذها وسلطانها، وما “لا نعرفه” بشأن ما ترسمه من “خطط” و”سيناريوهات” للمستقبل قريباً كان أم بعيد.
إن تحالف التقنية والرأسمال ممثلاً في الشركات العملاقة العابرة للحدود، ذات الامتدادات والتأثير القوي على “القرار السياسي” في مختلف مستوياته، تستدعي أكثر قدْر من اليقظة والانتباه، إزاء كلّ ما يمكن أن يقع من “واقعات” ذات أثر ومفعول سياسي وطني ودولي، لأنّنا في النهاية نبني أحكامنا ونرتب خلاصاتنا، بحسب ما يسمح له بالوصول إلينا من “معلومات” و”معطيات”، وكثيرا ما تكون تلك “المعلومات” و”المعطيات” ملعوباً فيها. الحرب القائمة الآن في كل مكان هي حرب “المعلومة” بالأساس، ومن يملك الولوج الأرفع إلى “التكنولوجيا” والتحكم بها، يستطيع حسم حروبه وتأمين سيادته ووجوده. لقد قلبت القنبلة النووية كل تصوراتنا عن الحرب نهاية الحرب العالمية الثانية، وها هو “الطّوفان التكنولوجي” يؤكّد ذلك الانقلاب ويثبته.
واضح إذن، أنّ الوضع الحالي يظلّ مشدودا إلى منعطف لم يعد بالإمكان الذهول عنه، في أيّ محاولة لفهم ماهية العصر. وليس هذا المنعطف سوى التقنية في علاقاتها المتشابكة بالاقتصاد والسياسة والاجتماع الإنساني وغيره. لم تغيّر التقنية من معنى الحرب والسلام فقط، وإنّما مسّ أثرُها معاني السيادة والدولة وممارسة السلطة وغيرها من المفاهيم الكلاسيكية في الفلسفة والممارسة السياسية. ليست التقنية هنا مجرد “تكنولوجيا” أو “أدوات” و”وسائل” في طوع يد الإنسان، يستعملها ويتخلّص منها تبعا لاختياراته وإرادته الخاصة، وإنما، هي، ومثلما أوضح ذلك هايدغر في محاضرة له في الموضوع، النمط الذي صار يظهر به الوجود، وتتجسد فيه الحقيقة، وتصاغ بواسطة عقله وخوارزمياته الحياة المعاصرة. التقنية اليوم، هي “اليوم” نفسه وقد أضحى يتحدد تبعا لما تفرضه التقنية من طرائق وأشكال من الحضور في العالم. وبمنأى عن أي نزوع زهدي، أو انبهار سحري بالتقنية، يتضح أنها صارت تستغرق الوجود برمته، فنحن فيها، حتى ولو لم نكن نستعملها، لأنها، ومثلما قلت على لسان هايدغر نمط وجود، وضرب من ضروب تعيين معنى الحقيقة، ابتداء من الأزمنة الحديثة بالخصوص.
بهذا المعنى، يمكن القول إن التقنية تعيد تشكيل الوجود الإنساني، مثلما تعيد صوغ علاقاته بالطبيعة والعالم، فهي المعطى الذي لا يمكن بأي حال استثناؤه في تشخيص ما بات يعرف بأزمة المعنى والذات في العالم المعاصر. ومن دون خوضٍ في مزيد من التفاصيل التي يستوجبُها الموضوع، وبالرجوع إلى الحالة المغربية، فنحن قد نكون فعلاً، ومثلما تفضّلتَ أمام تحول في رؤية هذا الجيل لنفسه ولعلاقاته مع الآخرين ومع العالم. إن “جيل الأزرار” ابن عصره، فلقد حلَّ عنده الزرّ واللوح الإلكتروني، محلّ القلم والدفتر وغيرهما. هو جيل مقيم في العالم انطلاقا من “بيته”، لأنّ أصابعه وبمجرد نقرة منها، أو تمرير لملمسها على ما يتوفر عليه من شاشات، يجد نفسه “حالاً” في أيّ بقعة من بقاع العالم. والظاهر، أنّ هذا الجيل بقدر ما هو مرتبط بالشبكة عبر حواسه وكيانه، ينفصل بدرجات متفاوتة فيما بين مكوناته عن واقعه، إنه يأتي من تلك المواقع الافتراضية إلى الواقع الذي يكون قد انفصل عنه، ولا يعود إليه إلا بعد أن يكتسب قوّة وشعورا بأنه غدا قادرا على تحريك أي شيء، بما في ذلك السلطة والسياسة. قد يبدو أن جيل زد جيل غير سياسي، لأنه جيل تقني، غير أنه في لامبالاته بالسياسة، يمارس ضربا – قد يكون غير واع أحيانا – من السياسة، حين ينخرط في مجموعات، ويتقاسم منشورات لها صلات راسخة بالفعل السياسي، وينتج أشكالا رقمية يعبر فيها عن تهكمه وغضبه من بعض الممارسات السياسية القائمة.
لكل جيل صرخته، ولكل صرخة دلالاتها وحنجرتها الخاصّة. اللوح الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، هي الحناجر الأكثر قدرة على الصياح و”إرسال الرسائل” اليوم، لكن ما يدعو إلى وجوب اليقظة والانتباه، هو طبيعة “المجتمع” الذي خلقته هذه الوسائط الرقمية الجديدة، من جهة ميلها إلى “الاستعراض” و”الفرجة” و”التسلية”، وغير خاف أثر ذلك على اللّعب بـ “إرادة” المتصلين، وقلب “تعاطفهم” سريعاً، لاسيّما أمام الفبركة التي تتعرض لها “حواسهم”، ليتاح لمن يملك “الزر الأخير” تهييج ما يريد تهييجه، وتهدئة ما يريد تهدئته، تبعا لمصالحه وأرباحه من ذلك. الوضع صعب جداً، والحذر واجب، أمام هذه “الفوضى الرقمية”، وما تتعرّض له الأذهان والحواس والحشود من “سموم” و”علف إلكتروني” موجّه لتعليبهم، وتحريكهم وقت الحاجة إلى ذلك.
إن وضَعنا جانباً هذه الاعتبارات، أمكن القول، إنَّ احتجاجات جيل زد بمثابة تلك الصرخة، التي أتت في وقتها، علّها تجد من يصغي إليها، ويَنتبه إلى ما يمكن أن يُفعل بها أيضاً. لقد دقّ هذا الجيل الخزّان بقوّة ومسؤولية، لكنّ ما أخشاه أن تَنسِف “الضوضاء” وأسلوب “ضرب الدّفوف” الرسميّ أية إمكانيّة للاستماع إلى ما يأتي من “الخزان” من أصوات. لم تكن هذه اللحظة هي المناسبة الوحيدة، التي قرع فيها المغاربة بالمسؤولية المفترضة فيهم أجراس الإنذار تنبيها إلى الخطر، وإنّما قرعوها غير ما مرة، وكان “صمّ الآذان”، و”الالتفاف” على مطالب احتجاجاتهم إما بالتخوين، أو بمسرحيات رديئة تصويرا وتمثيلا وإخراجا، هو التفاعل الوحيد لـ “أبو الخيزران” مع الاحتجاجات تلك. صرخة جيل زيد، حلقة من سيرورة احتجاجية شرعت في التشكّل منذ عقود، ولربّما ستستمر بأشكال وإيقاعات مختلفة طالما هناك ما يدعو إليها. الصرخة التي أتت بها حناجر جيل زد إلكترونياً وواقعيّاً، ترجمة لشعورٍ بالغضب من النموذج السياسي التقليديّ القائم، وما يتعلق به من فوضى وفساد ومسٍّ بالحقوق والحريات. وحين تنمو شروط إفراز الصرخة تلك في وجدان جماعي، تتحول إلى ما يشبه “حركة”، تتلاقى مكوناتها في نفاذ صبرها، وعجزها عن الاستمرار في تحمّل ما لا يطاق.
إن جيل زد واحتجاجاته صرخة قهر، وتأكيد على أن الغضب إن عَمَّر تحوّل إلى طاقة أو قوة مادية فاعلة، وأسباب الغضب صارت في الآونة الأخيرة أكثر من أن تحصى: فساد مستشر في أكثر من قطاع وتقهقر المغرب في مؤشر مدركاته، تضارب مصالح، اقتصاد طفيلي يقتات على “الهمْزة”، التضييق على الصحافة ذات النفس المعارض والمختلف، خلق شبكات وحسابات متحكم فيها للتشهير والتخوين، والأمَرُّ ضمن كل هذا، ما تشهده كثير من المدن والقرى – وإقليم الرحامنة واحد منها – من عمليات وضع اليد لشركات ومؤسسات قوية على أراضي مواطنين بسطاء مزارعين ومياومين، قضوا دهورا من الزمن محرومين من معظم حقوقهم الأساسيّة، لكنهم فجأة، وباسم “مشاريع اقتصادية كبرى”، قد لا يعرفون عنها شيئا، وجدوا أنفسهم في مواجهة “مؤسسات” و”قوانين” تشهر في وجوههم، لتنتزعهم من أراضيهم، وتقتلعهم من بيوتهم، وتقترح عليهم “الفتات” أو “العراء” ! الفيديوهات والصور التي تُتداول اليوم بهذا الشأن، هي صفعة كبرى ضدّ كل “الخطابات البيضاء”، التي ترسم لنا مغربا مازلنا نحلم به ولم يتحقّق بعد، كما أنّ تلك المشاهد الموجعة تنبّهنا إلى خطر “القانون”، عندما يغدو ورقة لتجريد الناس من حقوقهم بدل حفظها وضمانها، وهذا يفتحنا على ما يقع في المجلس التشريعي طيلة السنوات الأخيرة، من محاولات للالتفاف على حقوق الناس في فضح الفساد عموماً بتشريعات وقوانين، تبدو وكأنها توسّع من نطاق أمن الفساد وأمانه وحصانة المتربّحين من ريعه. مرعب كثيراً ما يحصل خلال هذه الأيام في القوانين والتشريعات بالخصوص، ولعل الأمل باقٍ في بعض مؤسسات الرقابة العليا لإعادة الأمور إلى نصابها، والشيء نفسه يمكن قوله بشأن ما يتعرض له البسطاء المنزوعة أراضيهم، بقوانين لم تكن لهم يد في تشريعها ! فإذا بها تنزل عليهم كالساطور، مرغمة لهم على “اختيارات صعبة جدّاً”، قد تغذي فيهم وفي أبنائهم حقداً وغليانا، لا ندري ما يمكن أن يسفر عليه في المستقبل.
بقدر ما تعبر هذه الاحتجاجات عن صرخة جيل، فهي تحمل في الآن نفسه نداء منه إلى غيره. لم يكن هذا النداء سوى دعوة إلى التفكير مليا في مصير الوطن ومسيره، لأن ذلك المصير والمسير شأنٌ يهمّ مستقبل هذا الجيل رأساً. بالرغم، من كل “الإخباريّات” التي تَنثر هنا وهناك صورا عن “واقع / مغرب” متخيّل، إلاّ أنّ هذا الجيل يجد نفسه، يلمس واقعا غير ذاك الذي يتغذى عليه في موائد الإعلام ودجل”خبرائها”، بل إنه يلتقي أحيانا “منشورات رقمية” لصرخات مواطنين وجماعات، تشكو كثيرا من مظاهر الظلم والتعسف التي تخالف “البشارات الرسميّة”، وفي ظنّي أنّ كل ذلك، يغذي في دواخل هذا الجيل وغيره، احتقانا داخليا، قد يحول الكثيرين إلى “طرائد” سهلة الاقتناص من جماعات التطرف والعنف.

سؤال: لكن، قد يبدو ما تقول مجرد انفعالات وعواطف عابرة، تخفت وتهدأ بعد مشاهدة انتصار في كرة القدم مثلا، أو ما شابه ذلك؟

جواب: أي نعم، قد نكون أمام جيل، تقوده عواطفه، ولعلَّهُ حَسَنٌ أن يكون الأمر كذلك، لأنّ تلك العاطفة غالبا ما تكون صادقة جداً وشفافة على نحو جلي، لذلك، فإنها تقتضي منتهى الإصغاء من القيّمين على أمر الدولة. هو جيل صادق حين يحتج ويصرخ بغضب، وصادق أيضا حين يفرح بذلك الانتصار الذي أومأتَ فيه. إننا أمام شعب وجيل، ما عادت له غير كرة القدم ليحقق شعوره بالانتماء إلى هذا الوطن، ويقتنص لحظات من الفرح الطفولي، الذي لا يبدو أنه يملك منه مهربا. لا سلطة للشعب على منابع فرحه، وواضح أنّ “كرة القدم” كانت – وما تزال – أكبر من مجرد “لعبة بجلد منفوخ”، ولا يعيب شباب اليوم حبّه لها وفرحه بها، وإنما العيب في الأجهزة التي توظّف جنونها لغير ما هي له، فلا تتعاطى مع ذلك الجنون بالصّدق نفسه، وتحولها إلى “أداة” لمزيد من التحكم والتوجيه والإخضاع. العاطفة صادقة ونبيلة في كثير من ضروب تحققها، لكن ومع شديد الأسف، فإن السياسة وموازينها أميل إلى “المكر” و”الخداع” و”الكذب” و”اللف والدوران” من الصدق ونبله. باتت العواطف “مستقبحات” عندما لم نعد نتحمّل أن نكون “صادقين” في مشاعرنا وأفكارنا وتعبيراتنا إلى أقصى حدّ، فغدا الصدق ذاك مصدر ملامات وشقاءُ عمْر، ومن ثمّة توجّه من ينظر إليهم بحسبانهم “عقلاء” إلى “التحفّظ” واصطناع “صورة” حول الذات مزيفة وغير أصيلة في معظم الأحايين. أمّا “جيل زد”، فيظهر “كما هو” خاليا من أيّ “ادعاءات” أو “تهذيبات” بقاموسه وشغبه وتمرده وسخريته وفرحه أيضاً، لهذا أرى أنه من القسوة، أن نقضي بشأن “حبّه لكرة القدم” وفرحه بانتصاراتها، ولا ينبغي لنا أن ننسى ما أمست مدرّجات التشجيع نفسها، تحمله من “رسائل” و”مقاومات” وإبداع في الاحتجاج أيضاً.
لم يملك هذا الجيل “برنامجا سياسيا”، لأنه في هويته مختلف كلّ الاختلاف عن الأشكال التنظيمية التقليدية من أحزاب، وحركات احتجاجية، وجمعيات وغيرها، كما أنه لا طموح له في “تقاسم السلطة”، أو ما شابه ذلك، وإنما خرج إلى الساحات الافتراضية والواقعية، وقلبُه – وربما حتى حماسه – يُرشده ليترجم نبضاته على شكل “صرخات حناجر”. قد يرى البعض، أنَّ الصرخة تنمّ عن “عدميّة” و”نظرة تيئيسية”، مثلما عبّر عن ذلك أحد رجال السلطة بإقليم الرحامنة، وليكن الأمر كذلك، أليس هناك ما يثبت صدقيتها بهذا الإقليم عينه !.
أخشى أن أقول، وانطلاقا مما تابعته من احتجاجات ومظالم وصرخات غضب، إننا نعيش فعلا “أياما صعبة” في شكل تدبير السياسات القائمة لمجمل القضايا ذات الصلة بالوطن والمواطنين، ووحده المستقبل سيكشف ما سيترتب عن هذه الحقبة من أعطاب وأورام ومخاطر كبرى، بل وربما، من حاجات إلى “مصالحات جديدة”. ما يرعب اليوم هو عمليات “خنق” أيِّ صوت يأبى على نفسه، أن يردّد ما يراه “المزاج العام” واجباً وطنياً، والمرعب أنّ هذا الخنق لم يعد مهمة خاصة بـ “أجهزة الدولة”، بل تشكّلت شبكات ومنابر، جعلت من ذلك مبرر وجودها. لهذا، ربّما، أتت احتجاجات زد في وقتها، لتلفت النظر إلى وجوب الانتباه إلى أنّ “الغنائيات القائمة” لا تعني أننا بخير، وأنّ ثمة حاجة إلى الاستماع لأصوات أخرى، تتكلم بقلوبها، أكثر من أي شيء آخر.

سؤال: هل يمكن القول إن هذا الجيل وتلك الاحتجاجات لا إيديولوجيا لها؟

جواب: لعلّ ما ذكرتَ ملمح آخر مميّز لاحتجاجات هذا الجيل: إنه جيل “يتيم” إيديولوجيا، جيل لا آباء له، ولا أبطال لقيادته، وكل من يتقدّم إلى “ساحة معاركه” مرشداً أو ناصحاً، يتخيلونه “أبا” غير مرغوب في “وصايته”. لقد اختار هذا الجيل أن يخوض معركته بنفسه من دون حاجة إلى “شخصية” قائدة، مثلما كانت الحال في احتجاجات سابقة. إذن، نحن أمام جيل بلا “أب”، وبلا “إيديولوجيا”، وبلا “بطل”. لقد يكون في الأمر خطورة، غير أن المشكلة ليست متعلقة بجيل زد نفسه، وإنما متعلقة “بالإيديولوجيا” عينها بعد عصر موتها. وجدير بالذكر في هذا السياق، أننا لا نعني بالإيديولوجيا التمثل المشهور لها بوصفها “وعيا زائفا”، وإنما نتحدّث عنها بحسبانها “وعيا” لذات جماعية بما بين مكوناتها من روابط راسخة وأكيدة، تسمح لها بإنتاج “منظومة” و”رؤية” متماسكة حول وجودها وكيانها ووجدانها الجماعي ومصيرها التاريخي. بهذا المعنى قد تكون “الإيديولوجيا” باعثا على الابتكار والخلق وصمام أمان للشعوب والوطنيات، لاسيما في عصر أضحت فيه تلك الشعوب والوطنيات، صيداً وطريدة لقوى عظمى عابرة للأوطان، مستفيدة من اضمحلال “الإيديولوجيا”، وتراجع أثرها في حمل الأفراد والشعوب على مقاومة الهيمنة والغطرسة.

سؤال: ما العمل في ظلّ هذه “الأيام الصعبة” التي قلت أننا نعيشها؟ هل بالإمكان الرهان على المدرسة مثلا لإعادة ترتيب الأمور من الصفر، أم الرهان على الإعلام، أم على الجمعيات أم ماذا؟ وهل يمكن أن نعتبر الاحتجاجات الأخيرة إمكانية لنهضة فكرية أو ثقافية؟

جواب: ليس هناك من وصفات جاهزة يمكن اقتراحها وانتظار الفرج بعد تطبيقها. تتعلم الشعوب والأجيال من حروبها الخاسرة أكثر (ربما) من حروبها الظافرة، وليس هناك من إمكانية آمنة للعيش في “الأيام الصعبة”، سوى بحفظ صحة العقل وحيويته فينا، والاستمرار في المقاومة والكفاح دون أي توقف، من أجل الحلم بمدينة (دولة) “لا يظلم فيها أحد”، وإنسان لا يسترقّه غيره. والظاهر أنّ مصير المدينة والعالم والإنسان، متوقف على الشكل الذي يخوض به العقل معاركه وكفاحه ضد إرادات افتراسه.
إن سؤال ما العمل؟، مثله مثل سؤال النهضة، سؤال إشكاليّ معقّد للغاية، والأمر نفسه بالنسبة إلى المدرسة والإعلام عندما نضعهما على محك السؤال، ولا أظنّ أنه من المجدي تحميل هذا الجيل ما لا طاقة له به، وممّ يمكن أن يصير عبئا يَحدّ من حركته، بل لا يجب أن يحمل على عاتقه عبء تعويض ما لخيبات وآمال سابقة جهيضة، فهو جيل لا يطلب أكثر من أن يعيش مثلما يجدر بالإنسان أن يعيش، أما “الأسئلة الكبرى” و”السياسات العظمى”، فهو في أصله يبدو غير آبه بها كثيراً، لكن “حركته” الأخيرة تتيح إمكانية استنهاض آخرين لهممهم مؤسسات وأفراد، من أجل إعادة صوغ ذلك المطلب البسيط (أن نعيش على النّحو الذي يجدر بالإنسان أن يعيش وفقا له)، في شكل “ثقافة” و”منهج” و”سياسة” قابلة لأن تتحقق. قد يظهر للبعض أنّ تلك الاحتجاجات لا تعدو أن تكون تعبيرا عن “حماسة”، أو “عاطفة”، أو “انفعال لحظي” ليس له ما بعده، وليكن الأمر كذلك، فأَوَ لم تُحرّك الجميع، وتتحوّل إلى مولّد للأسئلة والآمال، وباعث على التفكير والكتابة، بل “والصمت” أحيانا !
اختصارا، الأساسي في تقديري، هو التحرر من كل هذه “الانفعالات”، بما فيها فهم احتجاجات جيل زد، تحت ضغط “الانفعال” سواء من جهة رمي تلك الاحتجاجات بكل النعوت القدحية التي طالتها، أو التعويل عليها لإنجاز مهام أكبر من مراميها. لربّما سيكون مجديا، لو حصل الانطلاق من هذا التحرر، لتحويل مفعول هذه اللحظة الاحتجاجية التاريخية، نحو بناء فكرة المقاومة المتعددة الوجهات محليا وكونيا، بمنأى عن الاستخفاف بأي شكل من أشكال المقاومة، مهما بدت “صغيرة” أو “هامشية” أو “غير ذات جدوى”، إذ بمثل تراكم هذه المقاومات، يمكن تقوية مناعة “فكرة المقاومة” في كليتها، ضد ما بات يجرفها من “قدريّات” سلبية تزعم أن ما هو كائن لا يمكن رفعه، مثلما تزعم أنّ “قدر” عصرنا لا رادّ له، والحال أنّ التاريخ يُؤكّد أن عصرنا بكامله، ليس إلا “لحظة” من لحظات صيرورة ذلك التاريخ، مثلما يؤكد أنّ التغير والحركة يظلاّن الثابت الأساسي في تلك الصيرورة.
لا يغيب عنا في هذا السياق، أننا نحيا وضعية معقدة جدا، يتداخل فيها الوطني بالعالمي، لاسيّما مع التحولات الجذرية التي تشهدها العلاقات الدولية، ونزاعات المصالح في العالم، وهي التحولات التي تضطرنا إلى أن نبكي حظنا في عدم أخذ سؤالي “النهضة” و”العمل” بما يقتضيانه من جدية، غداة حصول المغرب على الاستقلال، ولقد كانت هناك فرص حقيقية لبناء سيادة وطنية قوية، وتحقيق نهضة مغربية، تُصَفِّح نفسها ضد كل محاولات إخضاعها، بمناعة داخلية وتماسك وطني متفرد. مع الأسف حالت حسابات أخرى دون هذا البناء، ومزّقت “حروبنا الصغيرة (الداخلية)” الإمكانات الكبيرة، التي كانت متاحة في ذلك الإبان للذاتية الحضارية والثقافية المغربيّة، ولقد مسّت الخسارات الكبرى أساسا أسباب أي نهضة حضارية ممكنة: التربية والتعليم، الصناعة والفلاحة، تدبير الحكم وممارسة السياسة. وهكذا، اخترنا – في الوقت الذي كان فيه بالإمكان صناعة نموذج سياسي، ووطنيّ متماسك وقويّ، والدخول عبره إلى طبقة الأقوياء -أن نستنزف طاقاتنا كلّها على ما خلّفه الاستعمار فينا من أسباب الشقاق والاحتراب، فقدّمنا حينها نزاعات الداخل، على النزاع لأجل مقام ما أرفع على مستويات عليا كونيّا.
ما يقوّي أي كيان هو تماسكه الداخلي، وهو أيضا ما يضعفه، فمن أين يأتي التشبّع بالأساس الإيديولوجي الذي يغذي هذا التماسك؟ ربما، تشكّل المدرسة النواة الأولى لترسيخ الانتماء إلى هذا الكيان، وهي (المدرسة) في نشأتها وهويتها التاريخية، كانت أساسا مؤسسة إيديولوجية، يتعلم فيها التلامذة العلوم والمعارف، ويتشربون فيها معنى الانتماء إلى وطن وتاريخ بعينهما. قد تبدو المدرسة اليوم في طريقها إلى “الموت” و”النهاية”، أو على الأقل، فإن تصوراً معينا لها، ما عاد بالإمكان أن يصير ممكنا أمام ما تأتي به التكنولوجيا وعمّالها من فتوحات، بيد أنه وبالرغم من ذلك، تظل المدرسة إلى حدود اليوم رافعة أساسية في أي محاولة لبناء المجتمع على أسس متينة. ما نهضت أمة من الأمم من غير نهوضها بأوضاع المدرسة والتربية والتعليم، والظاهر أن القيّمين على الشأن التعليميّ، يشاركوننا الرأي نفسه، فهم يعتقدون بدورهم اعتقادا صادقا، أنّ المدرسة هي أساس النهضة المجتمعية، غير أن حالهم من حال طبيب أراد أن يعالج مريضا، فوصف له دواء يعالج ما يظهر له من أعراض، والحال أن الأعراض تشي بما هو أخطر مما يظهر منها. وطبيعيّ، أن يؤدي التشخيص الخاطئ إلى العلاج الخاطيء، بل وإلى “علاج مزيف” يخفي المرض القاتل وقتاً قد يطول، لكن ذلك المرض، حين يعود يكون وقت التدخل العلاجي قد فات أوانه ! لست ممن يرى أن مآزق المدرسة ترتبط بالمقررات، أو المناهج، أو الأساتذة، أو المفتشين وباقي المتدخلين، وإنما أظنُّ أنَّ كلّ المشكلات التي تنقلها المنابر الإعلامية، وتتفنّن أحيانا في عرضها على شكل “استعراضات” و”فضائح”، تُخفي أصل الداء: الاختيارات السياسية التي تقف خلف كل ذلك. إذن المشكل الأساسي بالنسبة إليَّ سياسي في العمق، وحلُّه كفيل بتدبّر غيره.
تتعرّض المدرسة والجامعة لغزو متوحّش لمنطق السوق، سعياً إلى تحويلهما إلى مجرد “مصانع” لإنتاج “موظفيين”، و”مهنيين”، و”أجراء” متحكّم في وعيهم وإرادتهم، يجيدون أداء وظيفة بعينها، وتنفيذ التعليمات، من غير أي تفكير وتساؤل حول وضعهم الوجودي وطبيعة ما يوكل إليهم القيام به من مهام ووظائف. لقد قلت آنفا إن المدرسة في نهاية المطاف تعبير عن إيديولوجيا، وكثيرون يتحدثون اليوم عن وجوب تحرير المدرسة من الإيديولوجيا، غير أن ما لا يقال خلف هذا الخطاب، أن ثمة إيديولوجيا ثاوية صارت هي المحرك الأساسي للمدرسة اليوم، وليست هذه الإيديولوجيا سوى “السوق”، بما هي التجسيد الجليّ للتحالف القائم في الزمن المعاصر بين “التقنية” و”الرأسمال”. لننتبه قليلا إلى المعجم الجديد الذي تتكلم به سياسات المدرسة والجامعة: الموارد البشرية، الخدمات، الملاءمة مع سوق الشغل، الجودة…إلخ، وجليّ أن هذا المعجم ومفرداته، يثبتان أنّ المعرفة والفكر والتعلم وغيره مما يعد أسمى ما يطلبه الإنسان من المدرسة والجامعة، يتسلعن، ويتحوّل إلى “بضاعة” لا يستفيد منها إلا من يملك القدرة على أداء الثمن والمستحقات، وقل الشيء نفسه على قطاع الصحة وغيره.
هل معنى ذلك أن كلّ شيء صار “خارج السيطرة”، إذ من يستطيع اليوم مجابهة السوق، والتقنية، والرأسمال، بعد امتلاكهم النفوذ على رغبات الناس وحواسهم، وتوجيهها بتهييجها أو تعطيلها بحسب منطق الربح والخسارة؟ لعل هذا ما يُراد تصويره، غير أن ثمة “مقاومات” بالرغم من صغرها وتشتتها، إلى أنها تبقى قائمة وصامدة أمام هذا الاجتياح الكبير للسوق، وليس للإنسان إلا أن يستمر في توسيع حركة هذه المقاومات إلى أبعد حد ممكن، مع الثقة أنّ لا شيء باقٍ على حاله، فدوام الحال من المحال كما يقال، والرجوع إلى التاريخ، لفهم كيف يصنع الإنسان من لحظات الحصار والموت، إمكانيات جديدة للحياة والوجود، كفيل ليقوم حجة ودليلا على أن الإنسان ليس إلا قدرة على المقاومة، وأحيل في هذا الباب إلى رابط المقالة التي سبق لي أن نشرتها بموقعكم صديقي خالد حول “قوة المقاومة”.

سؤال: إذن، هل يمكن القول، تبعا لهذا المنظور، إن المدرسة يمكن أن تشكّل رافدا من روافد مقاومة اقتصاد السوق، الذي صار يحدد للإنسان اليوم الطريقة التي ينبغي عليه أن يعيش بها؟

جواب: لعلّها قد تصير كذلك، غير أنّها اليوم واقعة في القبضة نفسها التي تسأل عن إمكانية مقاومتها (قبضة السوق). لا يمكن لنموذج “الحياة” الذي يقترحه السوق، إلا أن يكون مثالاً – من جملة أمثلة – على الحياة التي تَحُولُ دون أن نعيش على نحو إنسانيّ ووجوديّ أصيل. لنَعْبُر إلى تلك الحياة الأخرى التي قد نتطلع إليها فلسفياً وإنسانياً، يلزم ابتداء مساءلة “حياة السوق” نفسها، إذِ التحرر من غوايات هذه الحياة ومغريات نعمها (حياة التسلية / ثقافة الاستعراض/ اللامبالاة تجاه ما يحدث / المال / المتع القصوى / الانتشاءات المدمّرة…إلخ)، أوّل خطوة يمكن للإنسان أن يخطوها في طريقه إلى تلك “الحياة” الأخرى، فهل المدرسة والجامعة اليوم قادرة على خوض هذه المواجهة مع غيلان السوق؟ أن نأمل ذلك، لا يعني أن نشيح بوجوهنا عن غرقهما معا (المدرسة والجامعة) في رؤية السوق لمعنى أن نكون، وأن نوجد في العالم.
إنّ التصوّر الذي يبني أحكامه على المدرسة انطلاقا من معيار “المنفعة” والملاءمة مع “سوق الشغل”، يُعبّر عن استهلاك “رؤية” السوق نفسها للحياة والوجود في العالم، وهي الرؤية التي باتت راسخة ومُوجِّهة لسلوك الإنسان في العالم المعاصر. أمام عجز السياسات الكبرى عن مقاومة هذه الرؤية من اجتياح المدرسة، وتطبيع مختلف الفاعلين مع هذه الرؤية، تظهر بين الفينة والأخرى بعض “الانفلاتات” الواعية بالمقاومة والصمود وفقا لإمكانياتها الخاصة، ومن أهمّ أشكال المقاومة المعوّل علها، فتح شعاب التفكير نحو “حياة أخرى” (فلسفية / إنسانية) أصيلة ومختلفة عمّا يسوّقه السوق من نموذج لـ “الحياة الناجحة”. بمجرّد فتح الشعاب تلك، ننخرط – بوعي أو من دونه – في تطويق هيمنة رؤية السوق، وما يترتّب عنها من أحكام تجاه “ما ينفع” الناس وما لا ينفعهم، ولننتبه في هذا السياق، إلى أنه ما كان بالإمكان لاستهلاك الرؤية التجارية تلك للحياة والمدرسة، أن يصيب النُّجح الذي أصابه، لولا اجتماع “محركات” قويّة (أضحت رقمية في غالبها الأعم)، تهيئ شروط اجتياح هذه الرؤية، وإيهام المرء أن مقاومتها يعني البقاء خارج الحضارة والتقدّم و”الحياة السعيدة”، ومن ثمّة فإن التمسّك بهذه “الإمكانية” الأخرى للعيش والوجود، ورفض النموذج الجاهز الذي تقترحه السوق على الإنسان والمدرسة، ترجمة لضرب رائع من ضروب المقاومة في عصرنا.
تبدو لي الحياة التي يَعِدُ بها اقتصاد السوق، أشبه ما تكون بـ “حياة مرتزقة”، فلا شيء فيها يمكن أن يسمو على “المال”، وما يمكن غُنمه منه وبواسطته. وأن تواصل المدرسة تقديم هذه الحياة بوصفها ما ينبغي أن يسعى ويكافح لأجله الأطفال جريمة ضد الطفولة والإنسانية جمعاء. كل شيء في السوق له ثمن، لأنه إما عبارة عن ” بضاعة ” أو “خدمة ” مؤدّى عنها، ولا يكاد الإنسان ومشاعره ومعارفه، ينجو من هذا “المكيال” في تقدير الأشياء، فهو، كما حال المرتزقة قديماً، قابل لأن يكون موضوع “صفقة” حول أعضائه وعواطفه وخدماته وحقوقه أيضاً، ولا يمكنه أن يفعل شيئا أو ينجز عملاً من غير أن يقبض ثمنه قلّ أو كثر ! فهل حقاً نصلح حال المدرسة، حين نركب قطار “سوق الشغل”، وتربية الجودة وهلم جراً من معجم اقتصاد السوق ؟!
عندما صارت هذه الحياة نموذجاً لكل حياة مرغوب في عيشها، صار التذكير بحياة أخرى (ممكنة وقريبة)، مدخلا من مداخل مقاومة اقتصاد السوق وأوهامه، ولديّ الثقة أن ثمة ذوات مقاومة في المدارس والجامعات، ما تزال تبذل جهدها بكل ما لديها من ذكاء وإصرار، لتذكير الناشئة والطلاب بأنّ هناك “حياة” أكثر أصالة وإنسانية، قياساً إلى “الحياة” التي تروّج لهم، بحسبانها ما ينبغي العيش لأجله. ليست تلك الحياة الأخرى، التي يتوجب الاعتناء بها أثناء إنجاز مهامنا، سوى ما غدا يبدو أمراً صعب المنال، بالرغم من شدّة قربه منا -والطريق إلى ما هو قريب، يظل عسيراً وصعباً دائما (هايدغر)- وأعني بذلك الحياة التي يرفض الإنسان فيها الانسيّاق وراء الأوهام المصنّعة في مستودعات العقل التجاري المهيمن، وهي الحياة التي يُبقي فيها الإنسان على ثقته بامتناع الكثير من الأشياء والتجارب على ذهنيّة البيع والشراء، ويصون ذاك الذي “لا ثمن له” من أن يصير له “سعرا”. أنْ نصون هذا الذي “لا ثمن له” (الوجود في أصالته، والإنسان وأحواله الوجدانية)، وأنْ نوسّع من نطاق ما “لا يباع ولا يشترى” بمال، يظل في تقديري الشخصيّ، إمكانية قائمة وواقعيّة للصمّود أمام إعصار السوق وزبانيّته.
يُوهم السوق أنّ ما لا ثمن له، يبقى “رخيصاً” و”غير نافع” و”لا قيمة” له، وبالتالي ينبغي الانصراف عنه إلى ما هو أثمن منه (أشياء العلم والتقنية وبضائع السوق في حالتنا)، لكن في هذه “الحياة الأخرى” التي أشرت إليها، ثمة أشياء ثمينة لا “ثمن” لها، وهي الأثمن في هذه الحياة لأنها كذلك، بل إن مجرد الاعتقاد في إمكانية إمكانية تعيين “ثمن عادل” (مهما كانت عملته وقيمته)، يُصيّرها رخيصة وفاقدة لما كان يُصيّرها “الأثمن” في الحياة: تعذّرها عن كيلها بميزان السوق ومنافعه وقيمه. هناك حيث “الثمين” لا ثمن / سعر يشتريه ويقابله، وحيث انبثاق ما قد يبدو أنه “لا ينفع” أحداً في شيء، هناك أساساً تنمو تلك الحياة الأخرى، التي تندّ عن منطق المنفعة والسوق، والتي هي على الحقيقة الحياة الجديرة بالإنسان. يتعلّق الأمر بحياة أضحت أثمن ما يمكن أن يطلبه الإنسان في هذا العصر: حياة الحكمة والصّدق والحب والكرامة والحرية وغيرها، إنها الحياة التي ظلّت تغمر الإنسان بالمعنى، بوصفها أعظم هديّة تلقّاها. هي الحياة التي ما عادت غريبة عن ذلكم الإنسان، وبعيدة عن متناول يده، إلا لأن هناك “حياة مصنّعة” طارئة على الوجود، رامت إتلاف عناصرها والحلول محلّها.
ختاما أقول: ليست الأزمات والانسدادات والضغوط والشعور بأنّ الظلام يخيّم على كل شيءّ، بعلامات نهاية وتلاش دائما، وإنما الشعور ذاك والأزمات تلك كالمخاض: إنّها إيذان بولادة جديدة، وحياة جديدة، بالرغم مما يرافقها من آلام وشدّة ويأس وشقاء، ولعله يكون الأمر كذلك في حالتنا اليوم سواء تعلّق الأمر بمدارسنا أو “فلسفتنا” و”علومنا”، فلنقبض على أحلامنا بقوة، ولنصُن قدرتنا على تخيّل الممكن بكل ما أوتيناه من صبر وسعة نظر، ففي ذلك أيضا ضرب من الصمود ومقاومة ما يُصَوَّر الآن بكونه “القدر” الذي لا مأوى منه إلا إليه !

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.