OCP

في حوار مع فور تنمية: الباحث منتصر ساخي وحراك جين زيد — أسئلة التغيير والمعرفة

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية. حاوره منير الحجوجي.

في هذا الحوار مع منتصر ساخي، نفتح نافذة على فكر باحث مغربي جمع بين السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، ليُسائل واقع الجنوب وشروط نهضته. ندخل معه في قراءة نقدية لمآلات الحداثة ودور المعرفة الاجتماعية في بناء سيادة حقيقية. نركّز أيضاً على دَهْر جديد من التحولات يُعبّر عنه اليوم من خلال حراك جين زيد، رمز تعبيري لشباب يطالب بالكرامة والسياسة والاقتصاد العادل. نسعى أن نفهم إمكانات هذا الحراك في إعادة نهضة فكرية وسياسية وثقافية في المغرب. نطرح مع ساخي سؤال انخراط المثقف بين الحياد والتورّط، ونناقش أين يمكن أن تصبّ جهود البحث الاجتماعي بين الدولة والمجتمع وبين النظر والتغيير. هذه القراءة المشتركة قد توفّر إطاراً جديداً لفهم ديناميات شمال المغرب، وما يدور خلف الشعارات والاحتجاجات.

فور تنمية : أستاذ منتصر ساخي، مرحبا بك في هذا النقاش حول حراك جين زيد.. هل لك في البداية أن تعرف القارئ بمجال اشتغالك الأكاديمي؟ بالخطوط الكبرى لأبحاثك؟
منتصر ساخي: مرحبا أستاذي الكريم وشكرا لكم على الاستضافة. حاليا أشتغل كباحث بالسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا بجامعة لوفان الكاثوليكية ببلجيكا. خلال العشر سنوات الأخيرة اشتغلت بمجموعة من الجامعات الأوربية والكندية حول سوسيولوجيا الثورات والحركات الاجتماعية بالمنطقة العربية، وخاصة بسوريا والعراق حيث أنجزت بحث الدكتوراه. وكذلك حول التحولات الدينية والقيمية لدى مجتمعات الهجرة المسلمة في أوروبا، بلجيكا وفرنسا على وجه الخصوص. أركز في بحثي اليوم أكثر على التغيرات التي تعرفها بلدان شمال إفريقيا ارتباطا بمسألة الحدود وقضية التصنيع، وذلك انطلاقا من سؤال “كيف تؤثر الحدود الجديدة، وعلى رأسها نظام شنكن، على مجتمعات الجنوب؟ وما الأسباب العميقة التي ترهن اقتصادات الجنوب وتُأَجِّل الثورات التقنية والسيادة الاقتصادية”؟ من خلال ذلك أحاول أن أدرس أهم تجليات وظواهر هذه الحدود التي تفصل بين الشمال والجنوب وكذلك أهم المقاومات، سواء الديكولونيالية (نزع الاستعمار) أو صراع الأفراد (مهاجرين حارقين للحدود، أمهات المفقودين، إلخ) في مواجهة هذه الحدود.
فور تنمية : في تصورك، في ماذا يمكن أن تنفع العلوم الاجتماعية، هنا والأن، في زمن الانعطافات حتى لا أقول المحارق المغربية/العالمية الكبرى؟

منتصر ساخي:  للعلوم الاجتماعية دور أساسي في تأسيس مسار الحداثة لدى الغرب. بغض النظر عن النقاش المستعير منذ نصف قرن (والذي عبرت عنه الفكرة المابعد كولونيالية والدراسات الثقافية Cultural studies) حول سلبية أو إيجابية “الحداثة”. الواقع أنه حتى هذه الدراسات تنهل من باراديكمات ومناهج العلوم الإنسانية والفلسفة الحديثة للتعبير عن القلق ورفض مسارات الحداثة التدميرية واقتراح حداثة أخرى “إيكولوجية” أو قريبة للمجتمع وبعيدة نوعا ما عن الاحتكار الذي تقوم به الدولة والاقتصاد الرأسمالي السائد، سواء كان رأسمال السوق كما في التجربة الغربية أو رأسمال الدولة كما في التجربة السوفياتية أو الصينية. فكل هذه التجارب التي تريد “قلب الطاولة” على المشروع الحداثي وآلية الدولة، استندت إلى السوسيولوجيا كما الدول الوطنية نفسها، أي السوسيولوجيا وعلوم الإنسان عموما بما هي علم ليس فقط لدراسة الظواهر بطريقة نقدية كما يحبّ أن يقدمه الأساتذة المنتمون لمدارس مثل التفكيكية أو البنيوية في فصول الدرس، وإنما بما هي علم الدولة حول نفسها وحول المجتمع الذي تدير: أي علم قائم على الإحصاء من أجل ضبط الظواهر والمجال والإنسان. وهي بذلك معرفة دقيقة للمجتمع من أجل تسطير حاجياته وتوجيه وبناء سياسات عمومية هدفها ليس فقط “تحقيق أقصى قدر من الربح والإنتاج” كما في الأدبيات الماركسية أو “ضبط السلطة السيادية” واحتكار العنف المادي والرمزي كما في التصورات الليبرالية، وإنما كذلك التحكم في رغبات وتصورات وأجساد المواطنين، وفرز المواطن من “الأجنبي” (وغيرها من الثنائيات) وتحقيق ما يسميه أحد أهم علماء الاجتماع، نوربيرت إلياس، “حضارة السلوكيات”. وهنا لابد من الإشارة إلى كون هذا العلم التاريخي الذي ساعد على معرفة الإنسان لذاته (أو اكتشاف الإنسان بتعريف فوكو) هو نفسه ما ساعد على تنظيم آليات التدخل ليس فقط داخل المجتمع الذي عرف نشأة هذه العلوم وإنما المجتمعات التي لم تشهد ذلك. أي أن هذا العلم (وربما تاريخ الأنثروبولوجيا شاهد أساسي على ذلك) تم توظيفه للعب دور أساسي في الاستعمار.
أما بالنسبة لنا في مجتمعات الجنوب، فتاريخيتنا ـ أي علاقتنا بمجتمعات الشمال المهيمن ـ وكذلك وضعنا الاجتماعي الذي يطلب منا إيجاد حلول استعجالية لقضايا الصناعة والغذاء والفقر والموت في المتوسط على جدران العالم الغربي أو تحت طائراته، فلاشك أن العلوم الاجتماعية يمكنها أن تلعب ذلك الدور المحوري لدى الدولة ووسط المجتمع معا إذا ما توفر الوعي الوطني ـ أو لنقل الجماعي ـ للخروج من الاستعمار الجديد، أو من تبعات الاستعمار القديم. يمكنها أن تؤسس لإصلاح مؤسساتي وإداري يسمح مثلا بولوج عالم التصنيع الحقيقي والموازنة مع القضية الإيكولوجية: فليس من الواجب المرور من نفس المسار التدميري الذي خاضه الغرب، لكن من الضروري أن يسلك الجنوب سياسة تمكنه من الدفاع عن نفسه وتحصيل سيادته الغذائية والتقنية. كما أنها يمكن أن تلعب دور الإصلاح عبر تنظيم حدٍّ أدنى من السياسات العمومية الاجتماعية: المستشفى، المدرسة، مواجهة الفقر، وكل ذلك عبر دراسة الثقافة ليواكب الإصلاح الإداري إرادات الناس دون فرض نموذج ضبطي وتأديبي (disciplinaire) يضع مؤسسات قمعية للناس والثقافة والتنوع والحريات فوق رؤوسنا.

فور تنمية : ما رأيك في من يقول بأن على الباحث ألا يتورط في العالم وهو يحدث؟ أن يلتزم المسافة؟ ألا يتدخل – هذا ان تدخل – الا بعد انقشاع الغبار؟

منتصر ساخي: في الحقيقة السؤال صعب. على الأقل إذا ما خضنا فيه من زاوية النظر الغربية أو الشيوعية. فالعديد ممن ردّ على هذا السؤال بضرورة “التورُّط في العالم” ساهم في إنتاج كارثة الأيديولوجيا بالمعنى الماركسي نفسه. أظنّ أنه تمّ تعميم هذه الثنائية (الانخراط أو الحياد) في سياق أوروبي خاصّ كان في الصراع بين الاشتراكيين والليبراليين عموما. والردّ على دعاة الحياد هو ردّ في الحقيقة على فيبر، أحد مؤسسي السوسيولوجيا الحديثة الذي عبّر بطريقة مختلفة عن الأمر في محاضرتي 1917 و1919 “رجل العلم ورجل السياسة”. في الواقع هو عبر عن فكرة Wertfreiheit التي تعني “غياب حكم القيمة” قبل أن تُتَرجم للإنجليزية عبر الأمريكي تالكوت بارسون إلى “حياد في معرفة القيم”. فكان البنيويون ومن يتبنى الماركسية داخل أحزاب أوروبية “يضربون فيبر بماركس”، بحجة أن الأول يدعو إلى “فهم العالم” في حين أن الثاني يدعو إلى “تغيير العالم”. أو أن فيبر يجعل البنيات الثقافية والدين محددا للواقع في حين أن ماركس يقول بالعكس. كان السجال سياسي محض بغطاء فكري لا يعطي لا لماركس ولا لفيبر أي اهتمام فعلي. أظن أنه باختصار هذا السياق هو ما جعل حركات فكرية تتبنى في الجنوب هذه الثنائية التي، أظن، أنها اختزالية.
فإذا طرحنا المسألة من باب علوم الاجتماع فحتى البنيويون الأوائل أمثال دوركايم دعوا إلى تبني المنهج العلمي بمقابل كل ما يبدو أنه عاطفة أو أهواء أو علم نفس حتى. المسألة كانت ترتبط بضرورة التقرب من العلوم “الحقة” كي تجد السوسيولوجيا مكانة لها داخل الجامعة وسط عالم يعرف انبهارا بالتقنيات آنذاك. دوركايم يقول في كتابه حول المنهج ما مضمونه أن عالم الاجتماع عليه أن يتعامل مع الظواهر التي تبدوا شخصية ك”أشياء”، أو معطيات data. لكن ما هو معروف أنه سواء فيبر أو دوركايم، في كتاباتهم، لا يمكن أن تجد إلا الانحياز. ففيبر يؤكد على ضرورة فهم “المعنى” الذي يضعه الناس في أعمالهم. والمعنى نسبي ومتحول وداخلي. وفي تحليله مثلا للحرب العالمية الأولى التي شارك فيها كان يشجّع الجنود الألمان على المشاركة باسم “الشرف”. بل كان يقول أن الشرف بالتعريف هو “ألماني”، وذلك في كتاباته التي يغلب فيها الطابع التحليلي العلمي. ونفس الأمر ينطبق على دوركايم الذي فقد ابنه في الحرب واعتبر كل الأمة الألمانية في وضع استثنائي ومَرَضِي باعتبارها مُناوِئة للنظام العالمي الذي يُعدُّ في نظره مثالي وعادل. فهو حتما، وسط الحرب، لم يتعامل مع الظاهرة بأي حياد يُذكَر.
بالنسبة لي، فطبيعة مهنة عالم الاجتماع تستدعي، شاء ذلك أو كره، الانخراط والانحياز للسياسة. حتى وإن لم يكن هناك حزب أو جهة منظمة في وجه الدولة (أي جهة أخرى تريد أن تصير هي نفسها في قلب الدولة)، لكن هذا الانخراط لا ينبغي أن يتحول باسم العلم إلى معرفة تُقدم نفسها كحقيقة مثلها مثل حقيقة الدولة. هناك أدوات منهجية يمكن، من باب الأخلاق وأخلاقيات المهنة، أن تساعد على توضيح الأمر للمتلقي. على سبيل المثال la réflexivité، أي توضيح زاوية النظر باعتبار مكانة الباحث كذات باحثة: رجوع على سياقات البحث ومكانة الباحث. وهو نوع من الاعتراف للقارئ. هذا ناهيك عن مناهج البحث نفسها: المقابلات، الملاحظات، المقارنة، إلخ. ربما تكفي هذه المناهج للتَّجرُّد ما يكفي من الذات لمعالجة الإشكالات وإظهار الخلل أو تقييم السياسات. فعلم اجتماع هو بالتعريف تورُّط في المجتمع، يبقى السؤال هو طبيعة ذلك التورُّط ومن أجل ماذا؟ هنا تصير مسألة الوعي بالواقع والانتماء الجماعي ـ مسألة ذاتية في نظري ـ أساسية ل”تورط” الباحث من عدمه.
في الأخير، بقدر ما ينبغي رفض الحياد السلبي للباحث الذي يساير ويتماهى باسم الحياد مع “نهاية التاريخ” ومع السياسة المؤبِّدة لوضعنا التبعي في الجنوب، بقدر ما يجب الحذر من دعاة عدم الحياد من مفكرين لم يُنتِجوا سوى الارتماء في أيديولوجيات العنف والفاشيات التي لا تختلف في قدرتها التدميرية عن المدّ الاستعماري الاجتثاثي والاجتياحي. في الجنوب لنا تجربة مع أيديولوجيات من هذا النوع، من البعثية إلى الصهيونية، ومن مآلات التجربة الثورية “القومية الاشتراكية” إلى السّلفية المتأخِّرة والعلمانية المُقَلِّدَة والتابعة. هذه التجارب قد تدفعنا إلى إعادة صياغة هذا الإشكال الجوهري كي، ربما، يكون الانخراط بالمعنى الفانوني أو بمعنى قريب من تصور كرامشي لل”عضوية”: فيه ما يكفي من العضوية والتغيير كي لا يسقط في التقليد وعدم الاجتهاد ونسيان أدوات المعرفة التي تجعلنا نتعرّف على الواقع وندافع عن إعادة تشكيله داخل ومع المجتمع.

فور تنمية : كيف تفسر سكوت ما يمكن أن نسميهم ديناصورات الفلسفة/العلوم الاجتماعية بالمغرب؟ أقصد الذين احتلوا الساحات الأكاديمية منذ عقود؟

منتصر ساخي:  أظن أنه سؤال مركّب. شخصيا درست قليلا في الجامعة المغربية ـ بضعة سنوات بين 2006 و2009 في مدرسة عمومية للصحافة وسنتين ببعض أقسام الفلسفة وعلم الاجتماع بالرباط. ملاحظاتي العابرة هي إحساس بغياب حقل أكاديمي مُهَيكَل وواضح المعالم. وهو أمر أظن أنه سلبي وإيجابي في ذات الآن: إيجابي لأنه لا يمكّن من احتكار كامل لقوالب المعرفة ولا يؤسس كما في الغرب لأنتلجنسيا ومهنيين محترفين وممسكين على إدارة المعرفة وحيث منطق الدولة البارد يَسُود في كل مناحي الجامعة. لكنه سلبي لأنه لا يجعل من المعرفة والشواهد العلمية والكفاءة المعرفية والتكوين مسلكا رئيسيا وديمقراطيا (أي متاح للجميع) في بناء المجتمع. وفي الحقيقة، داخل الحداثة، عندما يكون المجتمع منفصلا كثيرا عن المعرفة تقلُّ فيه من جهة المطالب والضغط من أجل الإصلاح كما تقلُّ فيه القدرة على طرح وتطوير المشاريع والمبادرات الاقتصادية وحتى التنموية بالمعنى الرأسمالي. أي بلغة أخرى تنقص القيم الحاملة للتغيير لتنتشر قيم إعادة إنتاج الواقع المتردي، ويضعف فيه المجتمع المدني، كما يسهل استلابه واستعماره ومنعه من تحقيق شروط السيادة. فربما سلبيات الوضع الجامعي أكثر من إيجابياته، لأنها هي نفس السلبيات التي تجعل على رأسه كثيرا من المنتسبين للمعرفة والمحتكرين لها دون شروط منافسة ودون ضوابط تصدر من الجامعة نفسها. بصيغة أخرى، يغيب الحقل بمعنى بورديو “الفن من أجل الفن” أو “العلم من أجل العلم” (وهو أمر نسبي عند الغرب، لكنه تأسس كحقيقة في المخيال الجماعي فسمح بنوع من استقلالية كل حقل عن حقول أخرى).
المسألة الثانية التي ألاحظها عن بُعد فيما يتعلق بالمشهد الأكاديمي، ولعله إحساس، يرتبط بقلَّة الإنتاج المعرفي (قلة في المجلّات العلمية الجدّية، قلّة في عدد أسلاك الماستر والدكتوراه، تداخل بين الأكاديمي والسياسي ـ بما في ذلك الحزبي، ندرة في الأبحاث والندوات الفكرية والكتب حول واقع متحرّك، قلة في دور النشر عموما وفي دور النشر العلمية الجامعية على الخصوص، وضعف كبير على مستوى الصناعة الثقافية وارتباط هذه الأخيرة بالجامعة عموما). لكن فيما يرتبط مباشرة بسؤالكم، الأمر الذي ألاحظه هو كذلك ضعف المشاريع الفكرية أو غيابها تماما في بعض اللحظات. ربما آخر المشاريع التي أعتقد أن كان لها تصور واضح وتستند إلى عمل جدي منهجي وبحثي نجد مشروع الجابري الفلسفي أو مشروع العروي التأريخي ومحاولة الحبابي بناء مشهد فلسفي أو فاطمة المرنيسي حول قضية المرأة والنوع الاجتماعي. رغم كل الملاحظات التي يمكن أن يبديها المتفاعل مع هذه المشاريع، فهي تظل لحظة مشرقة مقارنة مع واقع اليوم. فصحيح أنه هناك تحولات مجالية، وقد يقول القائل أن ثقل البحث انتقل إلى بعض المؤسسات الخارجة عن نطاق الجامعة، ونحو بعض الجامعيين المنتمين لأجيال الهجرة والجالية والأساتذة الباحثين الذين اختاروا لأسباب عديدة اللجوء لمؤسسات في الخارج، أو كون طبيعة البحث صارت تطلب تدقيق في التخصّص بدلا من المشاريع الكبرى. لكن الواقع داخل المؤسسات الجامعية كما تعرَّفتُ عليها تغيب فيها كل هذه الفرضيات، ويترُك عندي بعضا من الشكّ حول طبيعة المعرفة الاجتماعية والفلسفية التي يتمُّ تداولها ونقلها: يطبع عليها ثنائية لا أظن أنها تساعد على فهم ومواكبة الواقع. فمن جهة هناك اجترار لفلسفة حديثة وخطاب (بما فيه خطاب الحرية) نابع من أوروبا القرن الثامن عشر أو أحيانا حتى الفلسفة الأوربية المعاصرة أو ما بعد الحداثية. ومن جهة أخرى خطاب عموما قومي لاهوتي ينهل من تراث يتمُّ إعادة تدويره. وكلا المرجعيتان تفتقدان في الغالب العلاقة مع الواقع الذي نعيشه عموما في بلدان ما بعد الاستعمار كما هو الحال في المغرب. فلو أخذنا روسو أو ماركس مثلا، فسنجد أنهما تعبير لحظي على مرحلة معينة، وساهمت فلسفتهم بقوة في تلك المرحلة. أما اليوم في أوروبا فيتم استعمال مفاهيمهم بمفصل عن الحديث عن كليَّانية القرنين 18 و19، وليس باعتبارهما تعبيرا عن تاريخ “تنويري” أو “ثوري”. وهو الأمر المعكوس عندنا حيث يتم اللجوء إليهما باعتبارهما صورة للغرب الليبرالي أو للثورة الاشتراكية. نفس الأمر يتعلق بباقي الفلاسفة أو بعلماء الاجتماع والنفس، حيث يتناسى (ولا يجتهد) الباحث في مساءلة واقعنا ـ وإشكالاته الراهنة ـ لخلق فلسفة وطرح إشكالات تخص اللحظة التي نعيشها. نفس الأمر ينطبق على التراث. فحتى عندما يلجأ الباحث لابن رشد لإبراز رسوخ الحرية في الدين، فلا يترك ذلك مجالا للجواب عن ما الجدوى وما المقصود من الحرية مثلا اليوم. وربما هنا يبرز أكثر أهمية التساؤل حول مسألة التورّط والالتزام من عدمه: الالتزام ليس فقط بمواجهة السلطة، وإنما ببناء آليات تنظيم المجتمع القادرة على مواجهة المستقبل والواقع الذي تأخذ فيه السلط شكلا مركبا بين الإخضاع الاستعماري، التهديد الخارجي والتشوهات السياسية والتنظيمية الداخلية.
فور تنمية : كيف ترى حضور عابد الجابري/المهدي المنجرة/بول باسكون/عزيز بلال….. ومجمل فرسان النقد اليساري لو كانوا معنا الأن؟
منتصر ساخي: أعتقد أن عددا من كتابات المفكرين الذين ذكرتم أساسية لفهم واقعنا الحالي وهي تحمل كذلك مشاريع لبعض الإجابات المهمة، وأحيانا منهجية للتعامل مع الظواهر أو غياب الظواهر. وربما المشترك بينهم هو مسألة الانخراط، وإن كان الزمن السياسي الحالي تغيب عنه الحركة أو التنظيم كما كان الحال من قبل. وهو الأمر الذي كان يُسهّل أحيانا خيارات الفاعل الأكاديمي. كما أن المشترك بينهم هو قضية الوطنية. نفسها الوطنية التي دفعت باسكون بطلب الجنسية المغربية والحصول عليها حيث لم يتصور حياة خارج البلاد التي نشأ فيها وفقد فيها أبناءه، كما انخرط بكل تطوُّع في نفس مشروع عزيز بلال المؤمن بضرورة النهضة الاقتصادية والتنظيم الذي يخرج البلاد من الخضوع الاستعماري ومن تقسيم الاقتصاد العالمي. نفس الأمر ينطبق عن الجابري، رجل علم لا يتعارض مع السياسة التي تعلمها في مدرسة بن بركة والحركة الوطنية وآمن بوحدة الجنوب مستحضرا ـ عكس العروي ـ خطر الاستعمار المستمر والكامن في كل دقائق وتفاصيل الحياة بعد الاستقلال. لا أعرف كيف سيكون المآل اليوم، لكن في مجموعة من كتاباتهم يمكن إيجاد العديد من لحظات التفاؤل التي تؤكد على ضرورة الاستمرار في كشف وتفكيك آليات إعادة الإنتاج السلبي والعمل بالتالي على أدوات التصدي لذلك عبر المشاريع الفكرية والفعل السياسي معا..
فور تنمية : انطلاقا من كل هذه الاضاءات التي تنم عن أننا أمام باحث متفرد في تأويلاته المعرفية كما السياسية، كيف ترى حراك جيل زيد؟.. هل نحن أمام فرصة لإعادة بعض من الزخم التفكيري الى ما يمكن أن نسميه صحراء ثقافية مغربية هي أفضل ما يمكن أن يتمناه تجار من كل نوع يهمهم جدا أن تكون الساحة خالية من أية ازعاجات؟

منتصر ساخي: أشكركم أستاذي على الثناء، وهو فعلا تقدير متبادل للمجهود الفكري الذي تُقدمه والذي يساعد كثيرا على إنارة الطريق.
أتابع ككل باحث مغربي في قضايا الحراكات الاجتماعية ما وقع في المغرب من احتجاج ودعوات للخروج منذ 27 شتنبر 2025. وكمنخرط في الاحتجاج السلمي ومناضل منخرط في فيدرالية اليسار دعوت كذلك للخروج السلمي. فالمطالب عادية جدا ومتطابقة مع العديد من المؤسسات التي تجعل منها مطالب عادية (الحق القانوني في الاحتجاج، التطور الحاصل على مستوى المؤسسات منذ نهاية سنوات الرصاص وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، الحركية التي يعرفها المجتمع بمعزل عن الدولة، إلخ.). كل هذه الأمور تجعل من الفعل الاحتجاجي بحد ذاته مسألة عادية وليس مرضية (pathologique) بالمعنى الدوركايمي. أي هناك تطابق بين الحراك وبين القيم المتحركة والتطور الحاصل في المجتمع. فما هو ليس عادي وما هو في الواقع مرضي وربما كان يمكن أن يُشَكِّل خطرا على جسم المجتمع ويهدد الجميع هو القمع والتدخل البوليسي والخيار الأمني. لقد حذّرتُ شخصيا من الأمر لأنه يتنافى مع الخطابات الصادرة من مؤسسات الدولة نفسها، ويتنافى مع القيم التي وصلنا لها. كان ينبغي القبول بديمقراطية احتجاجية، أي مؤسسات سياسية تجعل من الاحتجاج نفسه مؤسسة روتينية تُمَكِّن من تحقيق التراكم وتغيير بنيات المجتمع : أي ضامن لتحرُّك وتطور الإدارة والإصلاح الإداري وتحقيق سياسات عمومية فيها مصلحة الفئات المُحتجَّة وبالتالي مصلحة كل المجتمع.
لكن للأسف هناك قوى لها مصالح أخرى مناهضة لتطور المجتمع ودينامية قيمه، فتكون هذه القوى ـ والتي يجب تحديدها من طرف السياسي والمفكر المنخرط معا ـ هي المدافعة عن الرِّدة الأمنية والقضائية. قبل ذلك التشخيص الذي يحتاج لمشاريع بحثية (في المؤسسة الأمنية، المؤسسة القضائية، المؤسسات التمثيلية، إلخ.)، أريد أن أبدي ملاحظتين صغيرتين. الأولى هي التأكيد على خطورة هذه الرّدة واستعمال العنف الذي أدى الى قتل ثلاثة محتجين في حين أن عددا آخر من القتلى في احتجاجات سابقة كما الحسيمة في 20 فبراير 2011 لم يعرف إلى غاية الآن شيء عن التحقيقات بخصوصهم. كما أن التدخل العنيف للشرطة ثم العنف القضائي عبر توزيع سنوات سجن سياسي هو أمر يشكل خطر بالنسبة للمجتمع ككل وليس الدولة فقط. فالتجارب التي اشتغل عليها العديد من السوسيولوجيين في المنطقة العربية وأفريقيا وغيرها تبرز أن عددا من الانفجارات العنيفة كما في سوريا (أمام نظام دموي) ومصر (أمام فاشية الحكم) وفلسطين (أمام الهمجية الإسرائيلية) والسينغال (أمام نظام تراجع عن الديمقراطية عبر قتل المتظاهرين)، وتونس (أمام نظام بنعلي البوليسي) غالبا ما يكون انجراف التظاهر وكل المجتمع نحو تبني العنف مقابل النظام مبني عن “الخوف”. أي خوف من انتقام النظام بعد التظاهر السلمي، وبالتالي الولوج إلى العنف بداعي الخوف من نسق صار المجتمع يعرفه عبر ذاكرته الجماعية حيث جرّب عنف النظام من قبل. فما يحدث كل مرة من تراجع على الخيارات الديمقراطية التي تقول بها المؤسسات الرسمية عبارة عن تلاعب محفوف بالخطورة واستمراره يمكن فعلا أن يؤدي بنا نحو وضع سيء.
الملاحظة الثانية فيها نوع من التنسيب لما سبق، وهي تتعلق بكون المسار التغييري الذي تطلق عليه المؤسسات التمثيلية والحكومة “الخيار الديمقراطي” يعيش تدبدبا منذ بدايته، وفي الواقع أشياء كثيرة تُظهر جليّا قوة المحافظة التي تفرمل التطور المؤسساتي وتجعله غير قادر على الدفع بتغييرات كبرى داخل المجتمع (ثورة فلاحية، صناعة، معالجة ناجعة لمشاكل الفقر والهشاشة في العمل والتبعية، إلخ.). أتوقف عند مثالين يظهران ذلك. أولهما حضور الشرطة في الفضاء العمومي، على مستوى الطرق وكل مفاصل المواصلات، في مداخل ومخارج القرى والمدن. أمام هذا الأمر كل قادم من مناطق تحققت فيها الدولة عبر آليات أخرى سيعتقد أن البلاد في حرب. حضور الشرطة بهذا الكمّ يبرهن على كون الدولة لازالت في ضعف شديد وكأن حضورها وتأكيدها على رسوخها بهذه الطريقة البدائية والباردة لم يتم عبر مؤسسات المجتمع المدني (بمعنى كرامشي)، أي عبر المدرسة مثلا والوسائط كالنقابات وعبر سياسات المدينة وسياسات عمومية أخرى، فكان من اللازم الحفاظ على الحضور الأمني بهذه الصورة كي لا تضعُف الدولة، أو حتى تظهر كذلك. في الواقع، وأمام مجموعة من التجارب الإفريقية، كان من اللازم أن تعتبر الدولة أن لها ما يكفي من البروز ومن المنطلقات الإيجابية (مثل المالية مثلا، ومثل الوحدة الوطنية وتشكل وعي وطني بفضل العديد من الرموز والحركات والمؤسسات) لتنطلق نحو آفاق أخرى بدل الاستمرار في تأكيد الحضور عبر مؤسسات لا تقدم أي شيء لمسار التغيير. المثال الآخر الذي أود سرده هو مسألة حرية التعبير التي تعيش ردّات وتدبدبات كثيرة ويتدخل في تحجيمها عدد من الفاعلين سواء عبر أو خارج مؤسسة القضاء، مما يجعل أسئلة كثيرة تُطرح للأسف حول هذه المؤسسة. فلن أضيف شيئا إذا قلت أنه بدون حرية كاملة في التعبير والرأي والاعتقاد والابداع ـ أي حرية مكفولة ومضمونة عبر مؤسسة القضاء وليس “الرأي العام”ـ فلا يمكن الحصول على مصالح الفئات الواسعة من الناس. فقمع تلك الحرية معناه الضمني قمع مقترحات حلول ودفاع الناس عن مصالحهم.
وربما، للجواب عن سؤالكم، مسألة الحريات واحدة من محددات نشأة الزخم الفكري أو تراجعه. ينضاف إلى ذلك بطبيعة الحال الوعي الجماعي خارج الدولة للتنظُّم السياسي وعوامل كابحة أخرى مثل الهيمنة الاستعمارية الجديدة التي لا تُشجِّع، وذلك موضوع آخر.
فور تنمية : مع انطلاق حراك جين زيد عبرت بشكل واضح في مداخلاتك/تدويناتك على دعمك للحركة.. لكنك سجلت بعض التحفظات.. هل لك أن تفصل فيها بعض الشيء؟

منتصر ساخي: باختصار كنت ضد استمرار ثلاثة أمور داخل تنظيم الحركة. الأمر الأول يتعلق بمسألة السِّرِّية داخل مجموعات الحركة واجتماعاتها وسط ديسكورد. أعي بأن المسألة كانت مهمّة في البداية لإطلاق الحراك والدعوة للاحتجاج: أي مسألة la spontanéité أو العفوية. فذلك مرتبط بطبيعة الحركة على المستوى العالمي (نيبال، بيرو، مدغشقر، صربيا، إندونيسيا، تايلاند، إلخ.) ومرتبطة بطبيعة التسيّس في الفضاءات الإلكترونية البديلة أمام انغلاق الفضاءات التقليدية، وأمام إبداع وسائل جديدة للتنظيم والاحتجاج. لكن عندما بدأ القمع والسجن وسقط قتلى، لم يعد معنى لهذه السرية التي تُعلن التظاهر ولا تتحمل المسؤولية أمام العائلات وأمام المتظاهرين نفسهم ووسط الشهداء. فحتّى أمام أعتى الأنظمة القمعية كما كان عليه الحال في سوريا بشار الأسد، لم يكن الحراك الشعبي يلجَأ للسرية بعد سقوط القتلى. فالفاعلين المشتغلين على إدارة المجموعة هم أشخاص في نهاية المطاف، ولا معنى أن يستمرّوا في الدعوة إلى الخروج ولا علم لنا نحن المشاركين وكل المجتمع الذي تتوجه له دعوة المشاركة في الاحتجاج بمن هم مديروا الفضاء الذي يتم فيه النقاش ويتم فيه صياغة نداءات وبلاغات الاحتجاج. وهذا الأمر شكّل بالنسبة لي أهم أسباب تراجع الثقة في الاحتجاج، وذلك عكس حركة 20 فبراير التي كان لها وجوه، أي تتحمّل مسؤولية وتستقطب وتواجه حركات التضليل والتكتيكات الأمنية والتّشويه.
الأمر الثاني الذي لا أعتقد أنه يخدم مصلحة الحركة يكمُن في نوع من تحقير المطالب السياسية المعارضة ومواجهة التراكم النضالي الإيجابي والمعارض الذي حققته، رغم كل النواقص، الحركات الاحتجاجية والمعارضة السابقة. فلا معنى أن يَضع فاعلي الحراك الجديد على قدم المساواة التنظيمات والوجوه المعارضة في نفس كفة الأحزاب وأبناء الجلادين الذين يفتخرون بتاريخ القمع ويحملون خطاب الكراهية وينهشون في سمعة المناضلين أمثال المهدي بنبركة. فالحراك يستدعي تتبع المسار السياسي لربط الماضي القريب بقطائع منطقية عبر استحضار العديد من الأنساق التي تجعل الحراك يسطع أكثر مثل “انتظام القيم” بدلا من تجريب تغييرات مدافعة عن تصورات المفسدين أو السقوط في فخ إعادة إنتاج نخب فاسدة عبر فتح المجال لأحزاب لازالت رموز الفساد مستشرية وسطها. فلا أعتقد أن هذا النوع من الحذر كان حاضرا داخل إدارة الحركة على مستوى الفضاء الإلكتروني، مما فسح المجال أمام القدرة السهلة على التشويه وعلى عدم انخراط من ينتمي للمسار التغييري (ليس بالضرورة عبر الاختيار، وإنما عبر ما تستدعيه اللحظة التاريخية من تغيير).
المسألة الأخيرة التي كانت تستدعي بعضا من الحذر والتدقيق في الأمر تتعلق بمطالب التغيير نفسها. فإلى جانب المطالب الاجتماعية الأساسية التي طرحتها الحركة والمتمثلة في الصحة والتعليم، ربما تستدعي اللحظة التي نعيشها ملاحظات على مستوى الانسداد الحاصل والتعامل معه على كونه فعل (acte) ينتمي لصراع أو بالأحرى حرب تعتمل داخل المجتمع من طرف قوى تشتغل على هذا الغلق. فالتعامل ينبغي أن يتم بمنطق استرجاع المساحات التي يتم أخذها من طرف هذه القوى. فالمجتمع السياسي بهذا المنطق هو ساحة للصراع ينبغي أن يتم فيه توظيف المعارف المساعدة على الوصول لموقف يتماشى مع التغيير التاريخي: التاريخ هنا بمعنى المسار. أي أنه لا معنى أن نتراجع عن 1994 التي عرفت العفو الشامل عن المعتقلين السياسيين، ولا معنى أن نتراجع عن مطالب 2011 التي فتحت قدرة على طرح خيار الملكية البرلمانية والديمقراطية وتسمية المفسدين الاقتصاديين بكل قوة، ولا معنى للتراجع عن خطاب 9 مارس الذي أقرّ بحقوق وتوجه ديمقراطي. فكان ينبغي أن يشكّل الحراك الذي رفعه الشباب سنة 2025 لحظة لإعادة الاعتبار والتأكيد على هذا المسار وإقرار مطالب سياسية تستعيد المساحات المفقودة منذ لحظة الوباء في 2020 وقبلها العمليات الإرهابية 2003 مما سمح بعودة القبضة الأمنية في الشارع العام، ثم السياق الإقليمي والعالمي الذي ساعد على قمع كل قوى التغيير وساهم في توطيد القمع والسجن وحصر حرية التعبير وتوظيف مؤسسات ونخب في التراجع على توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة. أي أنه كان من اللازم طرح المسألة السياسية (الحريات، القضاء، الملكية البرلمانية، العفو الشامل والمصالحة، إلخ.) والاقتصادية (التصنيع وتقويم المخططات الزراعية والاقتصادية الأخرى) قبل الاجتماعية، باعتبار الأولى هي الضامن لما هو اجتماعي وليس العكس.
فور تنمية : هل تدعم تحول الحراك الى بنية تنظيمية واضحة كأي بنية تريد اللعب من داخل المسموح به سياسيا/دستوريا؟ ألا تعتقد أن المخزن لم يسبق له أبدا أن انحنى للثائر المغربي؟ وأن الانحاناءات كانت/تكون دوما نوعا من المناورات قبل العودة الى الهوية الأمنية الشهيرة؟

منتصر ساخي: شخصيا أدعم ذلك. أي الانتظام داخل أحزاب معارضة، برلمانية أو حتى من تحمل رغبة في الوصول إلى الحكومة الديمقراطية ولكن واعية بمسار التاريخ وراغبة في قطائع تعرف نحو ماذا ينبغي السَّير : أي واعية بلحظة 1956 التي حصلت فيها البلاد بفعل التضحيات الجسام على الاستقلال من استعمار لعين واستعبادي، وواعية بالاستعمار الجديد الذي يوطّد غياب السيادة التقنية والغذائية والديبلوماسية، وواعية بضرورة الوحدة المغاربية والإفريقية لمواجهة هذا الاستعمار الجديد، وواعية بكون السياسة تعرف في بلادنا تراجعات بفعل فاعلين لا مصلحة لهم في العمل، ولا مصلحة لهم في المسار الذي لا مناص لنا من خوضه : مسار تخليص البلاد من المآسي الكبرى التي يعيشها جزء كبير من المغاربة : من الفقر إلى الموت على حدود الدول الاستعمارية، من المدرسة التي لا تَنقُل المعارف والمستشفى القاتل إلى التهديد القادم من الشمال والذي يشتغل على تأبيد الإخضاع ما لم يستطع الجنوب الدفاع عن نفسه عبر توازن اقتصادي ودفاعي جديد. أظن أنه من المهمّ الاشتغال على هذا التحالف الجديد، أو الجبهة الوطنية الجديدة التي تضم مختلف قوى التغيير إلى جانب قوى داخل الإدارة وداخل الدولة ومؤسساتها الرافضة لمنطق السلطوية والفساد لمواجهة هذا المستقبل الصعب ومعالجة، عبر سياسات عمومية واضحة، مشاكل الناس، كل فئة على حدى. فذلك يستدعي التكتل، إعطاء قيمة وقدر أعلى لقيم العمل والمبادرة، ورفض كلي لكل منطق يقمع حرية التعبير بما فيه القضاء وقوانين البرلمان التي تصادر هذا الحق. ربما هنا مربط الفرس، لأن حرية التعبير تعني ذلك الحق في طرح مشروع والدفاع عنه، بما فيه المشروع الديكولونيالي الذي يربط حياة ومستقبل الأفراد بالقدرة على تحقيق السيادة الغذائية والصناعية والديمقراطية، والقدرة على ولوج عالم يضمن لكل مغربي كرامة كاملة تكون فيها الذات الفردية محطّ قانون يرفض كل استهتار وظلم وهدر لحق من الحقوق الأساسية من الحق في الحياة والتعلّم والصحة والاختلاف، إلخ. إذا طرحنا المسألة من باب هذا التعقيد ـ أي في شمولية الإنسان ـ فالأمر يستوجب تجاوز الثنائية الحالية بين المعارضات الضعيفة والمخزن الذي لا يستقوي إلا أمام الضعف والذي هو بدوره، أي المؤسسات التقليدية، حلقة ضعيفة أمام تجليات السيطرة وأمام رهانات التغيير.
فور تنمية : سؤال، أنت تعرف أن هناك تصوران لمسألة التغيير.. هناك من يرى أنه لايمكن أن نفعل/نغير الا مع المجتمع/الدولة.. وهناك من لايومن باستراتيجية اليد الممدودة ويعتبر أن الحل في اجتثاث الورم (الدولة) من الجذر؟ أين تموقع تصورك؟

منتصر ساخي: لا أعتقد أنه هناك تصوران وسط الحداثة. فحتى من كان يطالب في الغرب باستراتيجية الثورة الشاملة كان في الحقيقة يُنَظّم لإعادة تشكيل دولة أخرى. نفس الأمر ينطبق على الثورة الروسية والصينية والإيرانية وحتى إسرائيل التي انطلقت من سؤال الدفاع عن الحق في وجود اليهود أمام الاستئصال الألماني لتنتهي في مسار الحروب المفتوحة ثم الاستعمار القذر وترتيب دولة عنصرية واستعمارية. صحيح، فمسارات الدول تختلف، لكن وسط الحداثة ووسط النظام العالمي الحالي، هناك تشابهات كبيرة وتجانس مختلف تماما عن عوالم القبيلة والمدن والإمبراطوريات قبل الدول الوطنية، حيث كان يسود الاختلاف. فالثورات الحديثة تشتغل بمنطق الدولة الوطنية، المؤسسات التمثيلية والحدود الويستفالية ـ ولحسن حظنا أن حركات التحرر والحركات الوطنية استعادت (إلا في حالة فلسطين ودول أخرى قليلة كما الأمر بالنسبة لنا مع سبتة ومليلية المستعمرتين) لحسن حظنا استعاد الجنوب بعض حقوقه الضامنة للالتحاق بمقررات معاهدة ويستفاليا. أي الحق في السيادة على الحدود الوطنية بغض النظر على الضعف التقني والعسكري والسياسي. لكن هذا الوضع ليس بهذه الصورة الإيجابية: فالضعف التقني إن لم يُوَلّد الاستعباد المباشر عبر الاستعمار فهو يجعل الدول بالجنوب أمام سطوة اقتصادية وسياسية كبيرة.
فيبر وسط ألمانيا التي لم تكن تنتمي لوعي “أوربي”، يذكرنا بكون الأحزاب الثورية، بما فيها الاشتراكية والشيوعية والنقابات، كانت تنظيمات تخضع لمنطق الدولة وتهدف للوصول إلى الدولة. فالسياسة في تعريفه هي الدولة ولا شيء آخر ـ في زمن الحداثة. إذن هنا اليد ممدودة لمن؟ إذا كانت الدولة تعمل على تأبيد واقع استعماري يستنزف القدرة على تأسيس مجتمع الحداثة القادر على مواكبة التاريخ الذي نحن جزء منه شئنا أم أبينا فلا معنى لبقاء هذه الدولة، على أساس أن الفاعل المناهض لها يحمل مشروع تلك الدولة المنتمية لتاريخها. ربما هذا الأمر هو ما حدث في سوريا التي لها تاريخ سياسي قريب منا : تاريخ تأسيس دولة وطنية وصراع مع الاستعمار ونشأة نظام سياسي ـ صحيح مختلف عنا في دستوره لكنه سياسي بمعنى دولة وطنية ومؤسسات محتكرة للعنف الرمزي والمادي ومعارضة فاعلة. فعدم قدرة النظام على مسايرة التاريخ والمطالب ومواجهته لها بعنف قلّ نظيره في العالم، أدى إلى بدأ مسار جديد وإنهاء المسار السابق تماما.
بالنسبة للمغرب، كما تونس التي أتابع مسارها نسبيا وربما حتى الجزائر والسينغال، فالأمر يختلف مادام هناك مجتمع مدني متحرك ومادام هناك قدرة على جرّ الدولة إلى الخضوع لمنطق الحركة الاحتجاجية التي تذكرها بتاريخيتنا : دولة استطاعت نسبيا تحقيق نسبة مهمة من المؤسسات الحديثة وسط المجتمع (مثلا القدرة على بناء المالية والنظام الضريبي الذي يجعل موظفي الدولة يحصلون على رواتبهم في الوقت المحدد قانونيا، وهو ليس أمر بالبديهي في العديد من الدول الخارجة من الاستعمار)، كما أنها دول استطاعت تحقيق نوع من القطائع مع تاريخ التقتيل الموجّه للمعارضات : مسار الخروج من العشرية السوداء في الجزائر، القطع مع سنوات الرصاص في المغرب، الثورة على نظام بنعلي البوليسي في تونس، نهاية نظام الحزب الواحد وترسيخ مسار ديمقراطي في السينغال سنة 1976. هذه كلها بعض من اللحظات التي قد تساهم في فهم دينامية هذه الدول التي تجمعها ضرورة الانتقال الواعي نحو سياسة جديدة تحافظ على ما تم تحقيقه بالصراع وتخوض صراعا جديدا أمام قوى تحافظ على الوضع الحالي. إذا كانت الدولة كلها محافظة وكلها في يد أحزاب توقف وتقمع وتمنع عبر سياسة فاشية واستئصالية التغيير وتحسين الوضع، فحينها أكيد أنه يجب على القوى التغييرية خوض معارك تغيير الدولة نفسها.
أما أنا شخصيا، فبالنسبة للمغرب أظنّ أنه من اللازم على الحراكات أن تتكاثف وتشكل جبهة أوسع أمام الأحزاب الحاكمة والسلطة الأمنية الحالية من أجل تراجعها وتفكيك قوتها. حينها فقط يُمكن قياس طريقة تعامل الدولة وحينها فقط يمكن ولوج المؤسسات إذا ما اشتغلت الدولة بنفس منطق حكومة التناوب تحت إدارة اليوسفي وحكومة العدالة والتنمية سنة 2011. للأسف التجربتان معا لا تتحمل وحدها الدولة نتائج فشلهما، وإنما الفشل مشترك بين فاعلي “المخزن” أي المؤسسات التعيينية وبين النخب التي لم تتحمل مسؤولية التدبير ولم تستحضر الوعي بالمرحلة كما لم تفكك ولم تعمل على فهم عميق للعلاقة مع الشمال الذي يخطط ببرامج واضحة على تأبيد الوضع الاقتصادي الذي يخدم مصلحة اقتصاداته ـ ولا أدل على ذلك سوى سياسة الهجرة مثلا.

فور تنمية : أقترح أن تلبس قبعة الاستشرافي وتقول لنا كيف ترى مغرب 2035، هل تراه قادرا على نحت موقع ضمن اللعبة الكبرى، أم تراه وقد ابتلع تماما وحول الى مجرد ساحة لمختلف التمارين الامبريالية؟

منتصر ساخي: لست محبا للتنبؤ، لكن أعتقد أن السياسة تحتاج لمثل هذا التمرين، على الأقل على المستوى الخطابي. بطبيعة الحال لست ب”موضوعية” فيبر ولا حماسة كيفارا التي أكن لها كل الاحترام في سياقها. فأنا أنتمي لتفاؤل فانون وكرامشي وبن بركة ومفاهيم إصلاحية بمعنى الجابري وعبد الرحيم بوعبيد : أرى المستقبل القريب لمغرب يطمح إلى قلب حكومات فاشلة وفاسدة بأعضاء يُميّزُهم الكسل، لم يستطيعوا الإجابة عن قضايا أساسية وبسيطة. أرى المغرب بحكومة جديدة نابعة من ذكرى احتجاجات الكرامة لكل المغاربة، وأراه في مسار جديد بسياسات عمومية قائمة على المصلحة، الكفاءة، المحاسبة، وقادر على استعادة التأخر التاريخي لندخل مع الدول المجاورة لنا اقتصاد يسمح لنا بالدفاع عن حقوقنا واسترجاع أراضي لازالت مُستعمرة ومهدَّدة، وقدرة على مستوى التصنيع والدبلوماسية تمكننا من أن نكون صوتا على المستوى الدولي، رفقة أصوات أخرى من الجنوب، قادرة على الدفاع عن مصالح الشعوب المقهورة والمستباحة بسياسات الاستعمار الهمجية (كما في فلسطين واليمن وسوريا والسودان وأوكرانيا، إلخ).

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.