فور تنمية: بقلم منير الحجوجي
“مشكلتنا أن هناك خونة، هناك غياب للضمير في مُسَيِّرِينَا ببلداننا النامية، هم السبب الرئيسي فيما حَلَّ بنا الآن، وهناك نخبة باعت نفسها، هناك مرتزقة باعوا أنفسهم لأنهم مشاركون في اللعبة فاعلين ومستفيدين، إلى أين؟ كأننا في بورصة، هذا تشتريه بسيارة وفيلا، وذاك بكتابة دولة، وهذا بعامل لإقليم، وهذا بحقيبة وزارية، وذاك بسفارة”. المهدي المنجرة.
سنة 1993 ألقى المهدي المنجرة بقاعة عمالة مكناس عرضا سيصبح تاريخيا.. وكعادته لم يتحدث المنجرة في موضوع محدد.. اختار السفر بين موضوعاته الاستراتيجية: السلطوية، زحف التصهين على الاعلام (التعبير للمهدي أكثر من 30 سنة قبل الانعطافات الخطيرة الحالية)، خيانة المثقفين.. في اللقاء استعمل المنجرة لغة حادة ونحن نعرف لماذا.. فالرجل يومن بأن مواجهة عنف العالم لايمكن أن تتم الا بلغة يجب أن تكون على الأقل في مستوى عنف/ارهاب العالم.. العنف اللساني/النظري في مواجهة العنف التاريخي.. مباشرة مع بداية اللقاء توجه المهدي الى جماعة من “الأعيان” كانوا جالسين في الصف الأول: “أيها السادة لسنا نحن من نحارب المخزن.. المخزن هو الذي أعلن ولازال يعلن الحرب علينا”.. توقف المنجرة قليلا وهو يتأمل المشهد.. قال بأن أخطر أنواع السلطوية ليست هي التقليدية (التي تتمثل في الزرواطة كما عبر هو نفسه).. السلطوية الأخطر تلعب بأدوات أخرى.. لاحظ المنجرة كيف أن رجال السلطة/وجهاء المدينة كانوا يحتلون كراسي المقدمة، فيما كراسي الخلف والتي كانت من النوع الخشبي العادي حتى لا أقول الرديء فلقد كان يحتلها “بداهة” الطلبة والمعلمون و.. لم يستسغ المنجرة هذا “التوزيع الأبارطهايدي للثروة” فانتفض قائلا: “شوفو هاد العنصرية لي حداكم.. المخزن وصحابو مكرشخين على الفوطويات ديال الجلد ونتوما مزاحمين لور فوق كراسي ديال لمسيد.. من حد لبلاد باقي فيها هادشي ماعمرها تزيد لقدام” (1).. في تلك اللحظة انعطفت الكاميرا نحو “الهدف” لترصد ردود الفعل.. فكان ما كان من هرج ومرج لم يثر أي شيء في المنجرة الذي أكمل القصف في اتجاهات أخرى..
ولشرح جذور تصوراته من الدولة والمثقفين والعملاء والسماسرة من كل نوع، حكى المنجرة قصة عاشها أواسط الأربعينيات وهو لم يتجاوز سنته السادسة.. قال المهدي كيف أن والده كان يأوي من حين لأخر مقاومين من حزب الاستقلال.. وقع للأب ما يقع غالبا لمن يحملون هم المسحوقين/اليائسين في العالم: صدمة كبرى في “مناضلين” و”وطنيين” لم يترددوا في “التفاوض” مع فرنسا.. حكى المنجرة ما قاله له والده في تلك اللحظة المفصلية قبيل “الاستقلال”: “اسمع أولدي ماعمرك ماتدخل فشي حزب.. راهم كلهم صحاب مصالح.. ماتيق فحد.. ولاد عبد الواحد كلهم واحد” (2)..
في أخر اللقاء، سيلقي المهدي بقنبلة أخرى: خيانة النخب المثقفة، ومنها النخب المفروض فيها الاشتباك مع اللعبة.. في تلك اللحظة فجر الراحل غضبا حادا في وجه من سماهم المرتزقة، وقصد بهم كل هؤلاء النخب الثقافية/السياسية (وعلى رأسهم كما جاء في لسان المهدي أساتذة جامعيون، ونقابيون، وزعماء أحزاب..) انسحبوا كلية من الساحة مقابل الفتاتات الشهيرة (قال المنجرة بالحرف أن لكل سياسي/نقابي/مثقف في المغرب ثمنه، “ها لي مشري بمنصب، ها لي بسيارة/فيلا، هالي بشي كطارات فلاحية..”… ما يجمع كل هؤلاء أنهم اختاروا المواقع.. وهو ما سوف يترك (كان تنبؤا رائعا للمنجرة في تلك الفترة) الأرض عارية أمام عازفي الناي من كل نوع (تعبير فرنسي يشير الى المستعدين للمتاجرة في كل الأشياء)..
سيتحدث المهدي – وكان الراحل في ذلك شديد الوضوح مرة أخرى- عن “الاسلام”.. عن عقبة استراتيجية في وجه التقدم سماها المنجرة في قولة ظلت تاريخية “إسلام لحلاقي”.. استعمل المنجرة هذا التعبير ليشير الى اسلام الدولة: اسلام صلي وصوم وسير الحج وكول ونعس ودير الدراري ودبر على راسك و ……..سد فمك وها أنت ضمن الفائزين بالجنة.. – استراتيجية تغييبية/تنويمية كما قال هو نفسه.. في تلك السنوات، كان من الصعب جدا ان لم يكن من قبيل المغامرة القصوى أن تطلق هذا النقد الحاد لواحد من الصاريات المفصلية “للدولة”.. لم يتردد المنجرة في الدفع بأطروحة اسلام انساني.. اسلام العدالة الاجتماعية.. في اللقاء المكناسي الشهير، سيطلب المنجرة مباشرة من “امارة المؤمنين” العودة للعب دور محاربة “المنكر” (الكلمة التي كان يرددها المنجرة على الأقل مرة واحدة في كل دقيقتين) الذي لوث المفاصل الكبرى والصغرى للدولة..
تجدر الإشارة الى أن المهدي كان من أصدقاء ولي العهد في الخمسينيات/الستينيات.. وبعدما لاحظ ما لاحظ من انعطافات شمولية خرج الى أرض الله الواسعة.. فهم أن “الديموقراطية” التي روج لها البعض في تلك البدايات الحارقة كانت تحضر لمنح الدولة لجهات سارت في ما سارت اليه من استراتيجيات…. وطنية[1]..
هوامش
1-“انظروا الى هذه العنصرية التي أمامكم.. ما دمتم راضين عن هذا العبث فلن تتقدم الأمور أبدا في الوطن..”..
2-“اسمع يا ولدي.. لا تدخل حزبا أبدا.. انهم كلهم سماسرة…”..
[1] أريد هنا أن أشير الى بوليسي متخفي في جبة سوسيولوجي كان قد حدثني يوما عن كون تحول المهدي الى المعارضة كان بسبب فشله في الفوز بحصته من الكعكة.. سنوات بعدها سأجد البوليسي/السوسيولوجي الذي سيشتهر بعدها بخرجاته في وجه الحراكات الشعبية على رأس مؤسسة مغربية/دولية للدراسات الاجتماعية الاستراتيجية !!!!..