أحمد القصوار يكتب في تقديم كتاب الراحل ادغار موران ..ضرورة الفكر المركب

فور تنمية. أحمد القصوار

تم إلقاء هذه المداخلة بمناسبة تقديم كتاب إدغار موران
“الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر المركب”
ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي
دار توبقال للنشر، 2004. ـ في المعرض الدولي للكتاب ــ 19 فبراير 2005

أهمية الكتاب:
نقدم للقارئ المغربي خاصة والعربي عامة هذه الترجمة لكتاب إدغار موران “مدخل إلى الفكر المركب” نظرا لأنه:
1ـ يشكل مدخلا جيدا للتعرف العربي على فكر إدغار موران الذي يمثل محطة إجبارية أساسية ولاغنى عنها في مسار الفكر الغربي المعاصر ونقد الابستيمولوجيا التقليدية التي حكمت العلوم الطبيعية منذ القرن التاسع عشر.
2 ـ يقدم بشكل مكثف الأطروحات والمواقف والانتقادات الأساسية التي صاغها إدغار موران في سياق تنظيره وتبشيره بالفكر المركب وكذا تقديمه لعناصر إشكالية التعقيد التي يحاول هذا الفكر مقاربتها ومحاولة التجاوز المستمر لها.
3 ـ يقدم المعالم الكبرى للمشروع الفكري لإدغار موران، حيث يلتقي القارئ بالمفاتيح المفهومية والمنهجية والمبادئ الموجهة التي من شأنها التعامل مع ظواهر التعقيد من خلال فتح قنوات الاتصال والتكامل بين المباحث والتخصصات العلمية، وهو الأمر الذي لا يلغي التخصص، وإنما يدعو إلى الوعي بحدوده.
من ثمة، تبرز الأهمية المركبة ومتعددة الأبعاد لهذا الكتاب، فهو بقدر ما يسلط الضوء على المجهود الفكري والعلمي الكبير الذي بذله موران طيلة مدة كبيرة من حياته، بقدر ما يحذر القارئ الكوني من اعتباره وصفة جاهزة للانتقال بجرة قلم من التبسيط إلى التعقيد، وبالتالي، فإننا نقدم للقارئ ترجمة لكتاب ـ مشكلة وليس كتابا ـ حلا. إنه يرسم المعالم الأولى لبداية الطريق…طريق طويلة نخرج فيها من قلب العصر الحديدي الكوكبي وعصر ما قبل تاريخ الفكر البشري أو عصر بربرية الأفكار ـ كما يصف موران وضع الإنسانية حاليا ـ إلى فكر جديد وعصر جديد لا أحد يعلم متى سنصل إليه.
نقد منظومة التبسيط:
لقد انتقد إدغار موران التبسيط الذي تمارسه المعرفة العلمية على واقع العالم ولحقيقة العالم التي هي في الأصل حبلى بالتعقيد والاختلال والتعدد والتناقض والتناوب والتكامل المستمر بين النظام وغياب النظام. ومرد ذلك إلى التمثل السائد سابقا والمستمر حاليا للمعرفة العلمية الذي يجعل مهمتها هي ” تبديد التعقيد الظاهر للظواهر من أجل الكشف عن النظام البسيط الذي تخضع له” (ص9) وهذا ما يفسر هيمنة مقولات الفصل والاختزال والتكميم وتحليل الموضوعات المدروسة إلى وحداتها الأولية… وعزل الظواهر عن سياقاتها ووسطها والاكتفاء ببعد واحد من أبعادها.
إن هذا التصور الذي يحارب التعقيد بحثا عن النظام البسيط هو تصور يكفر بحقيقة العالم، هو تصور يحجب حقيقة العالم، هو تصور ينفي العالم ليحل محله، ويُنَصِّب نفسه ناطقا رسميا باسم العلم “الصحيح” والمعرفة المثلى القادرة على فهم العالم.
وقد بسطت منظومة التبسيط سلطانها على جميع المستويات.
فعلى المستوى الأنطولوجي، تم تمثل العالم (وبالتالي موضوعات العلم) ككيانات مغلقة ومفصولة، ونذكر على سبيل المثال فصل الذات عن الموضوع، والاعتقاد بوجود هوية صافية مكتملة وعذراء وأحادية.
وعلى المستوى المنهجي، سادت منهجية علمية اختزالية وكمية، حيث تقوم بتحليل الموضوع إلى وحداته الأولية غير القابلة للتفكيك إلى وحداته الأولية غير القابلة للتفكيك لتصلح كأساس لجميع الحسابات (التكميمية للموضوع).
وعلى المستوى الإبستيمولوجي، سادت ابستيمولوجيا تحققية تختبر صحة الفرضيات والنتائج، وقضائية تصدر الأحكام بصدد مدى احترام المساطر والقواعد التبسيطية الجاري بها العمل داخل الجماعات العلمية.
وعلى المستوى الأنتروبو اجتماعي والسياسي، يقر إدغار موران بتمركز الغرب على ثقافته وعرقه وإعجابه بذاته (عندما يتعلق بالذات)، مقابل ادعاء الموضوعية وغياب الأهواء والاختيارات الإيديولوجية، (عندما يتعلق الأمر بالموضوع).
إصلاح الفكر:
إن الموقع الذي يحتله إدغار موران في هذا الكتاب (وفي مجموع نتائجه الفكري) وكذا الوضع الاعتباري الذي يمنحه لنفسه، ليس هو موقع المنظر المقدام الذي يمتلك الأجوبة الجاهزة على جميع الأسئلة المطروحة، ويسد جميع الثغرات تحت سطوة وهم الكمال والاكتمال، وإنها موقع كشاف الألغام الكثيرة التي خلفتها إبستيمولوجيا التبسيط التي تمتح من العقلانية الديكارطية. كما لا يتوانى، عندما تُسعفه عُدته المفهومية والمنهجية، في تقديم سبل إبطال مفعول تلك الألغام، من خلال تسطير المبادئ الموجهة أو التي ينبغي أن توجه الفكر المركب في تناوله لظواهر وقضايا التعقيد التي لا يسلم منها أي مبحث علمي. لذا، لا يخفي موران على القارئ ضخامة الإصلاح الذي يجب القيام به للتخلص من قبضة إبستيمولوجيا التبسيط (القائمة على الاختزال والفصل واليقين والحتمية والهوية…) والدخول إلى رحابة الفكر المُركب الذي يشكل فضاءا جديدا على جميع المستويات: الفلسفية والابستيمولوجية والعلمية ـ المنهجية. ولن يتأتى ذلك ـ حسب موران ـ إلا بقلب أسس التفكير في لكون وتمثل الوجه الجديد للعالم الذي هو عالم مركب ودينامي وصدفوي ومتفرع ومتحول ولانهائي، وليس عالما منظما في كيانات مغلقة وعذرية وثابتة لا تعرف التناقض والاختلال والتحول، كما قامت بذلك منظومة التبسيط.
هكذا، سيتعرف القارئ العربي في هذا الكتاب على الحدود الأنطولوجية والإبستيمولوجية للفكر الغربي المحكوم بالعقلانية الديكارتية وإبستيمولوجيا التبسيط والاختزال.كما سينصت إلى صوت البداية… تلك البداية الجديدة التي يبشرنا بها موران ويدعونا إلى الكد والجد حتى ندخل أزمنة التعقيد والفكر المركب.
في كتاب “مدخل إلى الفكر المركب” لن يجد القارئ إجابة بسيطة تقدم تعريفا شافيا وكافيا لما هو الفكر المركب؟ مادام موران يعترف فقط ببداية الطريق ورسم طريق البداية. سيجد القارئ المبادئ الأساسية التي ستنير طريقه في كيفية المعرفة أو التفكير… بحيث إنه ـ أي الكتاب ـ لا يخلو من أمثلة دالة من شتى المجالات والمباحث العلمية (السياسة، الأدب، الاقتصاد، الفيزياء، البيولوجيا، الحياة الشخصية اليومية… الخ).
من ثمة، لا يشكل الفكر المركب إجابة أو حلا جاهزا لإشكالية التعقيد، وإنما هو السبيل الذي سيساعد على رفع تحدي التعقيد. إنه تذكير دائم بالبداهات المحجوبة بسبب التبسيط والاختزال والفصل، وتعرية دائمة للبداهات المزيفة التي احتلت مكانها وطمست معالمها.
هكذا، يدعو إدغار موران في هذا الكتاب، إلى إصلاح الفكر من خلال الوقوف على عمى الفكر البسيط ـ المبسط وتشويهه للعالم وإعمال الفكر المركب الذي تكمن أهميته الأساسية في تغيير أدوات فهم العالم. وعليه، سيكون الفكر المركب هو مجموع العلوم والمباحث وقد رسمت أفقا واحدا يوحدها هو أفق التعقيد (الذي يتمظهر في الموضوعات المادية وفي الذات الإنسانية والمجتمع والتاريخ والسياسة والمعرفة…).
ولا حاجة إلى التأكيد على أن إدغار موران هو أحد كبار المفكرين المعاصرين في النصف الثاني من ق 20 وبداية ق 21. وقد انشغل طوال حياته بإشكالية تعقيد الواقع وضرورة إصلاح الفكر ومنهج التفكير في الواقع.
ذلك أن أغلب مؤلفاته قد ترجمت إلى عدة لغات أوروبية وآسيوية من بينها: الألمانية والإنجليزية والإسبانية واليونانية والصينية والكورية والإيطالية واليابانية والبولونية والبرتغالية والروسية والسويدية والتركية.
من هنا، تبرز الحاجة العربية لترجمة أعمال هذا المفكر الكبير إلى اللغة العربية حتى يتيسّر تداول أطروحاته في الأوساط الأكاديمية والتعليمية والإعلامية، عسى أن تكون فاتحة لطرح أسئلة التعقيد وإعمال الفكر المركب في مقارنة ظواهرنا وقضايانا، والتفكير فينا وفي طبيعة علائقنا بالعالم، وبالتاريخ، وبالآخر، وبالإنسانية.

Comments (0)
Add Comment