.Touristes et voyageurs حول الإفلات من الكماشة..

فور تنمية. بقلم  منير الحجوجي

Touristes et voyageurs
حول الإفلات من الكماشة..

في مكان ما من فخ العولمة – وهو الكتاب الذي أنصح أن تبرمجه المدرسة لعلى وعسى أن نفتح أعيننا ولو قليلا على بعض أخطر قضايا/رهانات عصرنا- يحكي الاقتصاديان الألمانيان هانس بيتر مارتن وهارولد شومان عن ذلك الخبير المالي الكبير الذي تبعث به المؤسسة التي تشغله نحو البقاع الأربع للعالم في مهمات مراقبة ومواكبة لمختلف فروعها.. يحكي اقتصاديانا كيف أن الخبير لايغادر طائرة وبشكل أدق الدرجة الفاخرة في طائرة فاخرة إلا من أجل الالتحاق بغرفة فاخرة في طابق ملكي في قلب أوطيل أكثر من خرافي.. يضيف مارتن وشومان أن خبيرنا لايعوزه أي شيء ليؤدي مهامه بكامل الراحة: فمؤسسته توفر له أحدث تكنولوجيات الاتصال، وأفخم الملابس والاكسسوارات، و”أبهى” البطاقات البنكية التي تمكنه من ولوج أرقى محلات الأكل والاستجمام والشوبينغ.. ومع ذلك، ومع كل هذه الترسانة غير المسبوقة، ينقص صاحبنا شيء أساسي، بل الشيء الأساسي.. فوسط كل هذه “السعادة”، بل وبسببها، يعاني خبيرنا – فيما يوضح كاتبانا في نوع من التحليل النفسي الذي لايمكن أن يفهمه كثير من المحللين النفسيين عندنا- من إحساس رهيب بشيء “أخر” ينقصه. وهو لاينتهي من مهمة إلا لينطلق في أخرى، ولايغادر طائرة إلا ليركب أخرى، ولا ينهي مكالمة إلا ليبدأ في ثانية وثالثة ورابعة تشرح له ما يتوجب عليه فعله في الساعات المقبلة، ولا يستهلك مكافأة إلا للحصول على بونيس أشد وأعظم… يشعر بنكينا باختناق حقيقي، سري لكنه رهيب، بأنه “مضروب بالحبس”، حبس يومن في عمق قرارة نفسه بأن لاوجود لأية وسيلة للخروج منه غير العودة للعيش مع البشر الذين يسكنون عالمنا..
تشكل حالة خبيرنا النموذج المثالي لما أسميه السائح.. فالسائح هو كل شخص يتوهم أنه يتنقل عبر العالم في الوقت الذي لايتنقل إلا داخل الغرف المغلقة والمعقمة- ضد العالم، ضد الهواء، ضد الضوء، ضد التراب، ضد الوجوه، ضدنا، ضد ذاته.. يتوهم السائح أنه يخرج نحو العالم في الوقت الذي لايخرج إلا نحو “خرائط” مشوهة دون مستوى الجغرافيات الملتهبة/المفتوحة للعالم..
السائح هو أي واحد منا يزور مدينة “تاريخية” فيما هو لايزور سوى معالمها المفبركة في كتب الأسفار السياحية.. نعلم أن المدينة على أرض الواقع ليست إطلاقا هي تلك المعروضة في كتب الأسفار.. المدينة الموجودة في كتب الأسفار هي مدينة “استيهامية”، مدينة من صنع من يريدون توجيهك نحو معالم دون أخرى، ونحو أناس دون آخرين، ونحو “مباهج” دون أخرى.. في العمق، السائح صناعة مطلقة لمفبركي كتب الأسفار، يرغب رغباتهم، ويرى العالم بأعينهم، ويفرح لما يريدون أن يفرح من أجله، ويفرغ جيوبه هناك حيث توجد حساباتهم.. ان السائح يعتقد بقوة أنه سيد سفره وحاكم تحركاته والمفترع الذي لايشق له غبار لجغرافياته.. فيما هو لايعدو أن يكون منتوجا/ملفوظا راديكاليا للعبة سلطة أكبر من نراها..
أما المسافر فله استراتيجية أخرى.. فهو لايزور المكان لأنه سبق له أن “زاره” في كتاب سياحي.. هو مغامر باحث عن المكان غير الموجود في الخرائط، المكان الأكبر من الخرائط، المكان ربما المضاد للخرائط على دقتها و”جمالها”..
يبحث المسافر عن أماكن/وجوه أتحدى أي واحد أن تكون له كوة الضوء التي تنبعث منها، كما يعلمنا الياس كانيتي وجان جوني في حكيين عجيبين.. في سفر نحو بلجيكا (1976)، يحكي جوني عن لقاء تم بينه وبين رجل “ذميم الوجه” داخل قطار. يعترف جونيه أولا بأنه لم يكن يرفع وجهه نحو الرجل إلا لماما، وعندما كان يفعل ففي الغالب بهدف تفادي ذلك الوجه “الذميم”. ثم، وفجأة، يقول جوني، “انتابني شعور فريد بنوع من الانتعاش الغامض، شعور بأن كل رجل يساوي بدقة – وألح في كلمة “بدقة”- أي رجل أخر فوق هذه الأرض.. قلت في نفسي: “كل رجل يستحق أن يحب خارج ذمامته، أو غبائه، أو خبثه. كل رجل يحمل جرحا، معاناة، صراعات/تناقضات يستحيل للقراءات الأكاديمية أو قراءة الإنسان العادي أن تراها”. لا يمكن الكشف عن هذه العوالم الداخلية، يلح جونيه، إلا إذا تخلى الناظر عن زاوية نظره التاريخية العامرة بالأحكام الاجتماعية المسبقة، المشوهة، المشوهة.. لايمكن تحقيق اللقاء الإنساني، أي اللقاء الحار، إلا إذا تخلى الناظر عن كل ما يتدخل ليمنع الدلالة الخاصة والفريدة والمنيعة للأخر من الانبثاق والتدفق على سطح اللقاء.
أما الياس كانيتي فيصف في زيارة لمراكش (1953) كيف أنه أحس كيف أن اللغة العربية أو الأمازيغية التي يحكي بها قصاصو ساحة “جامع الفنا” تحمل رسائل/صرخات/رجاءات إنسانية ملتهبة.. في نصه، يجعلك كانيتي تحس بالحكواتيين، لأنه ينجح في أن يضعنا أمام إلحاح تلك الأصوات التي لا تتوقف، كما أنصت إليها وقدمها بشكل لايتكرر، عن مطالبتنا بأن ننصت إليها كما لو أننا ننصت لشيء موجه لنا نحن بالذات، لا لشخص أخر…
لنعد إلى السائح.. سيعتبر السائح الشخص الذميم “كمارة موسخة”، “شمكارا” يتوجب الاحتياط الشديد منه، وسينتظر بفارغ الصبر وصول القطار للالتحاق بغرفته المعقمة في الأوطيل المعزول للاغتسال من أية باكتيريا تكون قد انتقلت إليه من الكائن القذر.. أما في حالة جامع لفنا، فسوف يدير ظهره عن حكواتيين تافهين وسيلجأ لإفراغ ثروته (وتوتراته/تناقضاته المترامية) في كازينو أو بار أو دار دعارة أو متحف أو دار أوبيرا أو أي مكان يمنح سعادة “فورية”، “سهلة”، “مباشرة”، “فعالة”.. سيفضل السائح كائنات لم تعد تشبهنا، فيما سيفضل المسافر اقتسام الحياة مع من لايزال قادرا على التعرف/الحديث إلى ألامنا وتطلعاتنا..
ولكن كيف تتم صناعة السائح؟ سأحاول تقديم إجابة مختصرة جدا بسرد هذه الواقعة.. في نهاية الأسبوع الفارط (نحن هنا أواسط العشرية الثانية من القرن)، كنت في زيارة للعائلة بسلا.. كان الكل حاضرا كما جرت العادة مساء السبت في دار الوالد والوالدة إلا الصغيرة م. الابنة الكبرى لأختي م.. وعندما سألت أختي عن سبب غياب الصغيرة، أسرت لي بأنها ذهبت مع أطفال مدرستها في رحلة نحو “الموروكومول”. لا أخفي أن صدمتي كانت شديدة جدا عند سماع الجواب.. وخارج أي خطاب تافه حول حرية البشر في فعل أي شيء بأبنائهم، أقول بأن إرسال طفلة تعيش فترة البحث عن خريطتها الذهنية/الوجودية في الحياة إلى فضاء يروج لرسائل لا قبل لطفلة بريئة بكشف ألغامها، قلت إن تنظيم مثل هذه الرحلة لايمكن أن يفهم إلا باعتباره استراتيجية – ضمن سياسة أكبر تشتغل بأذرع أخرى سأعود إليها في نص لاحق- لصناعة بشر مبهور بمعروضات الموروكومول، وأضواء الموروكومول، وايتيكيت ولغة الموروكومول. (وهو ما لمسته بشكل حي في اليوم الموالي عندما التقيت الصغيرة م. واستمعت إلى طريقة سردها لما “عاشته” أو بشكل أدق لما أريد لها أن تعيشه/تستبطنه كأفق طبيعي لحياتها في رحلتها الموروكومولية). هل يمكن أن نأتي سنة 2026 مثلا ونلوم عزيزتي م. على تطلعاتها الموروكومولية، على لهثها وراء حذاء يساوي 12 شهرا من السميك، أو وراء معطف يساوي عملية لزرع كلية لأم عارية أمام الموت، أو وراء “كوليي” يعادل ترقية 3000 معلم، أو وراء رجل نهاب لكنه يحقق لها كل هذه الفانتازمات مجتمعة؟ بشكل عام، هل يمكن شهورا أو سنوات من لحظة الرحلة الموروكومولية أن نلوم الصغيرة م. على انغماسها التام في قضاياها “الاشهارية”؟.. هل يمكن أن نأتي سنوات من الآن، و نلوم الصغيرة م. على “اختيارها” جهة من يغتصبوا أمثالها ليوفروا لها كل هذه المنتوجات الملغومة؟- وجب التذكير هنا بأن غالبية المنتوجات المعروضة بموروكومول وغيره من المراكز التجارية العالمية الكبرى يصنعها أطفال داخل معامل صينية وهندية ومكسيكية ومغربية ومصرية في شروط استعبادية فضحها جيدا التحقيق الصادم الذي قام به صحافيان أمريكيان حول مصانع “الأيفون” بالصين، الذي كان يملكه “المناضل” الصلب ستيف جوبز..

 

 

 

Comments (0)
Add Comment