دانييل كوهن: “الاقتصاد لا يخلق السعادة.ترجمة منير الحجوجي

فور تنمية.ترجمة ذ.منير الحجوجي

دانييل كوهن: “الاقتصاد لا يخلق السعادة”[ أجري الحوار مع الرجل سنة 2012 على هامش اصداره لكتابه الإنسان الاقتصادي.. الحوار مأخوذ من العدد الممتاز الثالث لمجلة Le nouvel observateur ..]..

دانييل كوهنD. Cohen اقتصادي لايتردد في تعرية مفارقات اقتصاد لبرالي يعد بسعادة تحمل في أحشائها كل الفخاخ القابلة وغير القابلة للتصور.. لنتابع..

سؤال: في كتابكم تصفون الانسان الاقتصادي بأنه سيد العالم الذي يفرض نفسه بوصفه “النبي التائه للأزمنة المعاصرة”.. لماذا؟..

دانييل كوهن: أبدأ الكتاب بقصة تلخص جيدا المسألة. مدير مركز لتحاقن الدم يريد الرفع من مخزونه فيقوم باقتراح توفير منح لمكافأة المتطوعين. ولكن وعلى العكس تماما مما كان يتوقع انهار عدد المانحين بشكل كامل. ان هذه القصة التي أخذتها من الكتاب الجميل لمايا بوفالي المعنون ب الاستراتيجيات العبثية توضح بشكل تام طبيعة الرهان هنا.. ان الناس يقومون بأشياء إما من أجل تحوز منفعة أو وهم مدفوعون بانشغال أخلاقي، ولكن ليس من أجل الاثنين في نفس الوقت! لقد اعتقد المدير أنه يمكن أن يجمع في نفس السلة تحفيزا أخلاقيا، وهو منح الدم للأخرين، وتحفيزا ماليا. والحال أنه يجب أن نختار. انطلاقا من هذا، يمكن للمدير إما أن يعود الى الوراء، أو يتقدم أبعد قليلا نحو الأمام: الرفع من المنح للمانحين من أجل أن يعودوا.. والطريق الثانية هي التي اختارتها الرأسمالية منذ انعطاف سنوات الثمانينيات.. لقد اختارت أن ترفع من المنح وتشدد العقوبات للتحفيز على بذل المجهود.. وفي الطريق لتنزيل هذه الرؤية تقوم الرأسمالية بتدمير “قيمة العمل”.. في كل القطاعات تقريبا تحول العمل الى ذلك الشيء الذي تصفه كتب الاقتصاد: أداة نثرية لاروح فيها لكسب قوت العيش. لم يعد العمل في حد ذاته مصدرا إشباع..

سؤال: تتحدثون عن كسر التوازن بين التعاون والتنافس؟..

جواب: لقد أصبح المجتمع المعاصر بالفعل أكثر تنافسية.. منح، تصنيفات..الخ… من كل نوع تتضاعف في كل مكان. التنافسية تسحق التعاون. والحال أن كل مجتمع عليه أن يزاوج بين الاثنين. سيكون خطأ أنتروبولوجيا أن نعتقد بأن التنافس هو ما يجب أن تكون له الأولوية تحت ذريعة أن “الانسان هو ذئب للإنسان”.. تجارب نفسية كثيرة بينت النزوع العفوي للبشر نحو وضع الثقة في بعضهم البعض، نحو التعاون مع بعضهم البعض.. والرأسمالية ذاتها تقوم على نوعين من المؤسسات بمنطقين مختلفين جدا: الأسواق والمقاولات، الأولى من أجل تنظيم التنافس، والثانية من أجل التعاون. تمثلت القطيعة التي أتت بها الرأسمالية المالية بداية سنوات الثمانينيات في فرض منطق السوق في قلب المقاولات ذاتها. ان المنح والمكافئات، وقد تم في الغالب فردنتها، خلقت علاقة عمل من نوع جديد. كما أن خوصصة عدد متنامي من المهام خلقت ضغطا إضافيا. في كل مكان تتقدم التنافسية ويتراجع التعاون.

سؤال: تعتبرون أن السعادة تراوح مكانها إن لم تكن تتراجع في المجتمعات الغنية، في فرنسا كما في غيرها، على الرغم من وجود ثروة مادية أكبر بكثير من الماضي. لماذا؟..

جواب: الألية النفسية التي تفسر هذا الإحباط الحاد هي شديدة البساطة من حيث المبدأ. فالناس لايشبعون أبدا والسبب أنهم استأنسوا بكل شيء… لكن النقطة الأساسية التي فهمها أخيرا الاقتصاديون هي أن البشر عاجزون على التنبؤ بهذا التكيف نفسه. يعتقدون بأنهم بالحصول على أكثر مما يتوفرون عليه سيصبحون سعداء، وهم يعتقدون ذلك فقط لأنهم يعجزون على أن يفهموا بأنهم ما إن يصبحوا أغنياء حتى تتطور، تكبر حاجياتهم هي أيضا. المتعة التي نعتقد أننا نحصل عليها بالاغتناء، بالاكتناز تتبخر، فنسعى للحصول على المزيد، دون أن نحقق المبتغى.
هناك عامل أخر يبدد السعادة: المقارنة مع الأخرين. كل واحد يريد النجاح في علاقة بأولائك الذين يقارن نفسه بهم. فيبدأ سباق شرس لايتحكم أي أحد في منطقه. أريد أن أكون أكثر غنى من جيراني، وجيراني بدورهم يريدون أن يكونوا أكثر غنى مني، وفي النهاية يتحول السباق الى شيء بلا أي جدوى. إن الجري وراء السعادة أمر عديم الفعالية إذا ما سمح لي بهذه اللغة. يفشل البشر مرتين: في القبض على منطق تطلعاتهم الخاصة، في وصل ما يتخذونه من قرارات مع الأخرين. يستند الاكتناز العجيب للثروات التي حققتها الرأسمالية على مبادئ عبثية، إذا ما أرجعناها حصريا الى البحث عن السعادة.

سؤال: هل يمكن أن نقنن هذا الركض نحو السعادة؟..

جواب: الأمر صعب. لايمكن الحصول على السعادة ونحن ننفي تطلعات الناس أنفسهم. بالنسبة لموظفي الربع الأسفل من سلم المداخيل، تتوقف القدرة على إنهاء الشهر على بضع عشرات من الأوروهات. أن نقول لهم مثلا بأن “الهواتف الفاخرة أمر غير ضروري” هو العبث عينه.. الكل يريد أن ينتمي الى مجموعة البشر، وهو ما يرفع بشكل مستمر من سلم الحاجيات، الكل يريد السير بإيقاع تقدمات باقي المجتمع. لنأخذ أمثلة ملموسة أخرى: كل الأبحاث التي تمت بينت أن اللحظتين الأكثر ايلاما للشخص في حياته هي لحظة الطلاق ولحظة التسريح من العمل. وهذان الأمران أصبحا كثيري الحدوث. ليس غريبا اذن ألا نعثر على السعادة.. يلقي الطلاق الضوء على جزء من أليات اشتغال مجتمعاتنا. أريد أن أفترق لأني لا أحب الأخر، لكن العكس أيضا صحيح، فالزواج أصبح هشا أكثر فأكثر، والمنافسة على التحكم في العائلة أكثر شراسة.. يجب بطبيعة الحال أن نقر بذلك، باسم حرية الحب، لكن المعطى مثلما يوجد بشكل خام على الأرض يستمر ويبقى. وإذا أضفنا الى ذلك تأثيرات المناهج الجديدة لتدبير التسريحات من العمل، حينها قد يصبح المجتمع غير قابل للعيش. ما هو باب الخروج اذن؟ انه التفكير بشكل جماعي في فخاخ المجتمع الحديث. من المستعجل جدا إعادة النظر جذريا في العلاقة بين السعادة الفردية وسير مجتمعاتنا.

سؤال: بالنسبة لكم، لايمكن إخراج قضية السعادة الفردية من دائرة الفكر الاقتصادي. هل من المستعجل، في قلب ما تعتبرون أنه زمن “عولمة حزينة”، التفكير بمقولات “السعادة الداخلية الخام”؟..

جواب: لايقيس الناتج الداخلي الخام الا الخيرات المادية، والحال أن هذه الأخيرة لاتشكل الا جزءا صغيرا من المسألة. ميز الاقتصادي برونو فري بين نوعين من الخيرات التي تجعل الناس سعداء: الخيرات الخارجية والخيرات الداخلية. الخيرات الأولى هي تلك التي نتحصل عليها لأنها تمنحنا وضعا معينا، سيارة ضخمة، سكنا فخما، هي التي تمكننا من حسم الصراع الاجتماعي وهي تمنحنا الأبهة الاجتماعية.. تتشكل الخيرات الثانية من متع رمزية أكثر، متع يوفرها حديث مع أصدقاء، كتاب يرفع من وعيك، حب الأقرباء.. وباستثناء الانسان القديس أو الشخص المتعوي، يجب بقوة أن نحصل على هذين النوعين من الخيرات حتى نكون سعداء. لكن المشكل هنا أن الناس ينزعون الى الحط من قيمة الاشباع الذي تحققه لهم الخيرات الداخلية.

سؤال: تلحون في الطابع اللاممركز للعالم الحالي. تقولون بأن النمو العالمي، المحمول من الأن فصاعدا من طرف البلدان الصاعدة بنسبة 70 بالمئة، يشهد بشكل جلي على هذا التحول. هل هذا يعني أن الديموغرافيا عادت لتقرر في رسم توازن الثروات العالمية؟..

جواب: بداية التسعينيات، كان النمو العالمي بالفعل محمولا من طرف البلدان الغنية بنسبة 70 بالمئة فيما حملت البلدان الفقيرة على عاتقها الباقي. سنة 2001، تقاطع المنحنيان رمزيا. ومنذ تلك الفترة انقلبت النسب. الأن 70 بالمئة من النمو العالمي محمول من طرف الدول الصاعدة. اننا نعيش بلا أي شك فترة إعادة نظر في توزيع الثروات في العالم. في القرن 20 كانت البلدان الأكثر فقرا هي أيضا الأكثر كثافة من الناحية السكانية. وهي تستعد الأن للالتحاق بنا على مستوى الدخل الفردي، وبالتالي فهي تتجاوزنا على مستوى الثروة العامة. وكما كان عليه الأمر في الماضي بدأ ثقل الديموغرافيا يحدد توازن القوى. هكذا تخدم هذه الدينامية أكثر الدول الفقيرة سابقا. من جهة أخرى، تواجه الدول الصاعدة نفس عوائق الدول الغنية فيما يخص الإشباع الفردي. لقد سبق للاقتصادي ريشار اسطرلين، وهو أب التحليلات الاقتصادية للسعادة، أن درس مؤشرات الإشباع في الصين. ورغم مضاعفة الدخل المتوسط بأربع مرات في العشرين سنة الأخيرة، الا أن مؤشرات الرفاه الصيني ظلت تراوح مكانها عموما. الثلث الأعلى يتوسع بطبيعة الحال لكن بالموازاة مع انخفاض الثلث الأسفل، في الوقت الذي ظل فيه الثلث الأوسط تقريبا في المكان الذي ظل يشغله منذ 20 سنة. وحسب اسطرلين والكتاب الأخرين الذين درسوا هذه الظاهرة، فان المنافسة الاجتماعية الشرسة تحد من السعادة الصينية، وتشل أثار ارتفاع المداخيل.

سؤال: هل تنذر الأزمة المالية للغرب باختفائه الحتمي؟..

كوهن: تتموقع الأزمة المالية عند تقاطع كل هذه العناصر. لقد قامت الرأسمالية المالية باجتثاث مجتمع الطبقة الوسطى الذي كان بإمكانه أن يوجد سنوات الخمسينيات والستينيات بالولايات المتحدة. لم يترك ارتفاع اللامساواة الأمريكية بين الطبقات الوسطى والفقيرة للأخيرة الا الدين حتى تحافظ على مكانتها داخل المجتمع. انه لأمر عجيب أن نرى كيف أن النظام السياسي الأمريكي يجد كل صعوبات العالم لإيجاد توافق حول هذه المشاكل. هناك نوع من التوافق الغريب على ترك المجتمع للتفتت. ويعتبر أفول الروح المدنية الأمريكية هنا عنصرا أساسيا من الأزمة. في كتابه المعنون ب عندما نلعب البولينغ فرادى يبين السوسيولوجي الأمريكي روبير بوطنام بأن الأمريكيين تركوا مجموع المؤسسات التي تنظم الحياة الاجتماعية لمصيرها. وكما سبق أن بين ذلك طوكفيل، فانه لايمكن فهم النزعة الفردية الأمريكية ما لم نقبض عليها في علاقتها بهوس الأمريكيين المعاكس نحو تشكيل كل أنواع الجماعات الممكنة: كنائس، جمعيات أباء التلاميذ، نوادي بولينغ… في الخمسين سنة الأخيرة تفسخ هذا النسيج الاجتماعي. بدأنا نذهب للعب البولينغ فرادى، تم تشتيت جمعيات أباء التلاميذ في تنسيقيات كثيرة، تماما مثلما يقع في المشاركة في الانتخابات.. النتيجة: نسبة الأمريكيين الذي يقولون عن أنفسهم أنهم سعداء انخفضت بالثلث..
أحلل في الكتاب مثالا شبيها هو مثال المجتمع الروماني، الذي تفكك هو أيضا انطلاقا من القرن الثالث، تحت ضربات أزمة ماليته العمومية وفقدان معالمه الأخلاقية. وحسب بيطر براون، أحد أكبر المتخصصين في الحقبة الرومانية، يشكل القرن الثالث اللحظة التي ترك فيها الأقوياء ثرواتهم تسطع أمام الكل في واضحة النهار. أصبحت الفيلات الخاصة أكثر ارتفاعا من المساجد المخصصة للآلهة. شكلت هذه الفترة، فيما يشرح براون، مرحلة المرور من زمن محكوم بالتوازن الى زمن محكوم بالطموح. النخب التي كانت تستحي من نجاحها بدأت تستعرض ثرواتها بلا أية عقد. لاحظوا: نحن هنا كما لو أننا أمام تعابير موجهة لوصف المجتمع الأمريكي الحالي!. ستقدم المسيحية حلا لمشكل المجتمع الروماني. ودائما حسب براون، أن تقول لأحدهم: “أنا مسيحي” وأن تتلقى جوابا مثل: “أنا أيضا” قدم حلا لمجتمع تخترقه توترات لم يكن قادرا على التحكم فيها..

سؤال: تكتبون: “إن التناقض المركزي لعصرنا هو التالي: يطلب من الاقتصاد أن يرسم سير العالم في وقت تجد فيه الحاجيات الاجتماعية كل صعاب الدنيا في الاندماج في المنطق السلعي”.. ما هي هذه الحاجيات ما بعد الصناعية التي لا تدخل في القالب الاقتصادي التقليدي؟..

جواب: فعلا، يكمن تناقض الحقبة الحالية في أن الاقتصاد ينزع الى أن يفرض نموذجه في كل مكان في الوقت الذي يسير فيه تطور الحاجيات الاجتماعية صوب اتجاه أخر. ان القطبين الكبيرين للمجتمع ما بعد الصناعي اللذين هما التربية والصحة لا يدخلان في إطار المجتمع السلعي. عندما نريد أن نمنح تحفيزات مالية لأساتذة أو لأطباء، استنادا مثلا لعطاءاتهم، فإننا ننتهي الى كوارث بيداغوجية أو صحية. عندما تقولون لأستاذ أنه سيحصل على منحة موازاة مع ما سيتحصل عليه على مستوى نتائج الباكالوريا، فإنكم تدفعونه الى نفض يده عن من هم الأكثر سوءا، أولائك اللذين ليس لهم أي حظ، وعن من هم الأكثر تميزا، الذين سيتحصلون على الدبلوم في نهاية المطاف !. في الأخير ستقود منحة كان من المفروض أن ترفع من الفعالية الأستاذ نحو ألا يهتم الا بقلة قليلة جدا داخل الفصل!. هذا لايعني أنه لا يجب ألا نفعل شيئا، لكن واحد من رهانات اليسار في السلطة لابد أن يكون هو إبداع صيغ تقنينية جديدة تكون مغايرة لتلك المستوحاة من المنطق السلعي. ويمكن أن نقول نفس الشيء عن نظام الصحة.

سؤال: وماذا عن الثورة الرقمية؟..

جواب: العالم الرقمي هو الوجه الأخر للعالم ما بعد الصناعي. وهذا العالم يجد هنا أيضا كل الصعوبات في إيجاد نموذج استثماري ليتخذه مثالا موجها. يقوم العالم الرقمي بتدمير القيمة في القطاعات التي يحتك بها، في الصحافة أو النشر الموسيقي، لكنه لايزال يبحث لنفسه عن نموذج فعال. تنجح شركات عملاقة كغوغل وفيسبوك في ربح المال استنادا الى العدد الهائل للمستعملين. لكن فيسبوك يخلق أقل من 3 أوروهات كرقم معاملة المنخرط في السنة. لقد تنبأ ماركس بانهيار الرأسمالية بسبب التناقض بين نظام الملكية الخاصة وتطور ما كان يسميه القوى المنتجة. في العالم الرقمي نحن نوجد بالضبط في قلب هذه الوضعية..
مركز النشاط اليوم هو خدمات القرب والانتاج اللامادي. يمكن الحصول على أرباح ضخمة جدا في الانتاج والنمو بفضل الثورة المعلوماتية تحديدا. لكن هناك فرق أساسي بين الثورة الصناعية الجديدة، ثورة المعلوميات، وتلك التي سبقت، ثورة الكهرباء في القرن الماضي وألة البخار في القرن الذي سبقه. الثورتان الكهربائية والبخارية كانتا ثورتان طاقيتان رفعتا بشكل ميكانيكي من قوة عمل العامل. أما الثورة المعلوماتية فهي لاتسمح بالرفع من الانتاجية الا بإعادة تنظيم العمل وتركيزه، الا بالتقليص من الأوقات الميتة، بحذف العمل المكرر، بتقنين العمل المتعدد للعمال. تنتج الثورة المعلوماتية ما يسميه فيليب أسكينازي ب “السطاخانوفية الجديدة” (سطاخانوف، أب السلاسل التركيبية السوفياتية. المترجم). لقد غير النمو من طبيعته، وأصبح يقوم على تقليص النفقات أكثر منه على توسيع الانتاج.

Comments (0)
Add Comment