العالم/الطيطانيك

فور تنمية. بقلم منير الحجوجي

 

الساعات الأولى من اليوم.. اقترحت على زوجتي جولة على ضفاف وادي أبي رقراق.. فالتواجد مبكرا بجانب هذا النهر التاريخي منعش جدا.. ركبنا واحدا من الزوارق التقليدية الشهيرة التي تأمن المرور بين سلا والرباط.. ها نحن الأن في الجانب الرباطي من النهر.. تمشينا قليلا.. اقترحت أن نأخذ قهوة.. جاء النادل.. طلبت قهوة سوداء فيما طلبت زوجتى عصير أفوكا بدون سكر.. بقي النادل يحملق فينا.. سألنا: “واش صافي؟” قلت له: “شكرا خويا قهوة وعصير الا سمحتي”.. حملق فينا مستغربا.. بل مستنكرا.. حدست شيئا ما.. لحظات بعدها جاء زوج من طينة أخرى (ألبسة سينيي، بورطابلات بشاااخ، نضاضر مانكولش ليكم، ماكانة كاتخلع، شعر منفوش) وجلسا الى طاولة أمامنا.. جاءهما نفس النادل مرحبا بفرنسية ركيكة..  بدا فرحا جدا وهو ينصت اليهما.. بعد دقائق جاءهما بفطورهما الطويل العريض.. وضعه فوق الطاولة وبقي متسمرا بالقرب من الزوج واضعا نفسه في خدمتهما.. لابد أنهما لن يكتفيا بما طلباه.. كان النادل على حق: فالزوج كان يلتهم البيتزا والعصائر والمحليات دون التوقف عن طلب مأكولات أخرى.. لقد قالها محمد شكري: في المغرب بالمال (وكيفما كان لونه) تنكح العالم.. قلت لزوجتي: “لاحظي كيف تبدل النادل مليون درجة.. لاحظي كيف أنه “نسينا” تماما ووضع نفسه في الخدمة الحصرية لهذاك السيد والرفيقة ديالو..”.. أضفت: “هو نفس القانون الذي نجده في كل مكان من مغرب الاستثناء والاستقرار والاسلام الوسطي والتنمية البشرية والحكامة: في التعليم، في الصحة، في القضاء، في العلاقات “العاطفية”، في الادارة الكلية للبلاد: قانون مول الناب الكبير كايحكم”..  غادرنا.. لاحظت زوجتي بالقرب من المقهى مراهقين يستمتعون بصيد سمك “السبيبي”.. طلبت مني أن ألتقط لها صورا وهي حاملة قصبة صيد.. ونحن نستعد لأن نطلب من أحد المراهقين أن يمدنا مشكورا بقصبته تدخل فجأة رجل أمن خاص طالبا من أصدقائنا اللطفاء مغادرة المكان.. هرج ومرج.. رفضوا.. انفعال.. توتر.. تخسار الهدرة.. انزعجت زوجتي بشدة.. طلبت منها التمهل.. قال أحد الأولاد: “شمن قانون غايمنعني باش نصيد هنا؟ هذا راه الواد ديال الله”.. أجاب رجل الأمن: “أسيدي قلت ليك خوي عليا.. راهم عيطو ليا من لفوق وقالو ليا نقوليكم تخويو..”.. تدخلت: “شوف أولدي راه المشكل راه ماشي فهاد السيد.. المشكل راه فهادوك لكلاب لي هبطوا على المكان وبداو كايحطو القانون ديالهم.. أنا ولد الواد.. ولد بركامة والمون ولخميس والقنطرة الحسنية وصونطر سيمي والسبيبي وحناقرايش.. لكن الأمر تبدل دابا.. عصابات دخلات على المكان وغرسات أنيابها وماخاصهاش لي يخسر عليها المنظر”.. هدأت العاصفة.. فهم المراهقون ورجل الأمن الخطاب جيدا.. المشكل في مكان أخر.. في ضواري وضعت البلاد في الجيب وها هي توسع شيئا فشيئا من “فضائها الحيوي”.. نحن هنا أمام جوهر ديانة السادة، ديانة “البلاد ديالنا ولي هدر نهرسو لمو وجهو”..  قلت لزوجتي: “ألم تلاحظي أننا الأن أمام نفس اللعبة التي لاحظناها في المقهى؟”.. ثم علقت: “لسنا نحن من نحقد على النظام.. النظام هو الذي يحقد علينا”.. فهمت زوجتي أن أمرا ما تغير في البلاد.. غادرنا نحو السويقة.. مشترياتنا هذا الصباح هي: منزل خشبي جميل جدا ب 5 دراهم، أفلام/تحف سينمائية للإهداء لاحقا، ثم خنيشة ديال فاكهة النبك ب 5 دراهم أيضا..

كل من شاهد الفلم الشهير “طيطانيك” للكندي جيمس كامرون سيلاحظ كيف تم – ومباشرة مع صفارات الانذار الأولى- منع ركاب الدرجات السفلى للسفينة وهم الفقراء من الصعود إلى سطح الباخرة حتى لايزاحموا قاطني الطابق العلوي وهم الأغنياء في القفز نحو زوارق النجدة محدودة العدد والنزول إلى الماء والابتعاد عن السفينة وهي تهوي عميقا في أعماق البحر الصقيعي.. يرسل فلم “2012” للأمريكي رولان ايمريش رسالة قوية مفادها أنهم وحدهم القادرون على دفع ثمن تذكرة الصعود إلى باخرة نوح (في الفلم باخرة قادرة على الافلات من الغرق العظيم) سيتمكنون من النجاة والبقاء.. أما في فلم “marginal call” (لصاحبه ج. س. شاندور)، فنكتشف تفاصيل الليلة الساخنة التي اتخذ فيها سادة المالية العالمية في الطابق 24 من البنك الشهير كولدمان ساكس القرار التاريخي الذي كان وراء الانهيارات التي قادت إلى كل الانحسار المالي لسنوات 2008، وهو القرار، كما يكشف الفلم، الذي تم اتخاذ كامل الاحتياطات حتى لا يكلف السادة أية كدمات “جانبية”.. في فلم “chienne de vie” لبيطر بروك (الذي لعب دور البطل أيضا) نقف أيضا على ايديولوجيا من يسكنون الطوابق العليا لكوكبنا.. يحكي الفلم قصة رجل أعمال ثري ينازع ثريا أخر حول أرض مخصصة للعقار.. يدخل الرجلان في شنأن يقرران إثره الدخول في الرهان التالي: يتحدى الأول الثاني ويقترح عليه الأرض مجانا إذا ما نزل إلى “الأسفل” وعاش لمدة شهر واحد بلا أية موارد مع سكان الطبقات السفلى (حي البرونكس النيويوركي الشهير)..

في كل الحوادث/الأعمال السابقة، نكتشف أمرا هاما: ان فكرة الكوكب الواحد لا تعدو أن تكون إشاعة.. نعيش في كنف عالم أبارطهايدي/كانبالي مطلق: نظام أقلية لم يقبلوا أبدا كونهم ولدوا بمثل ملامحنا، “بشر” قطعوا أية صلة لهم بالناس/الكوكب، صعدوا الى السماء، أخذوا مكان الله في الديانات التوحيدية، منحوا لأنفسهم حق التقرير في من يموت ومن يبقى حيا من أجل استعمال كلينيكسي لاحق..  ان هذا هو ما يجب الانتهاء منه.. أزداد ايمانا يوما عن يوم بأن لا حل لمشكل العالم خارج 1789 كوكبية..

Comments (0)
Add Comment