فور تنمية.حاورها منير الحجوجي
في هذا الحوار مع الدكتورة خديجة براضي، نفتح نافذة تحليلية مع واحدة من أبرز الباحثات في السوسيولوجيا لفهم أصول هذا الفعل الجمعي، أبعاده، وما إذا كان يمثل انعكاساً لتغيرات أعمق في الذهنيات الاجتماعية المغربية أم مجرد رد فعل ظرفي عابر في المشهد الراهن، في ضوء حركة “جيل زد 212” التي رفعت مطالب اجتماعية وسياسية عبر تنسيق لامركزي بين المنصات الرقمية والشوارع، مما يعكس تصاعد حدة المطالبة بالعدالة الاجتماعية والإنصاف المؤسسي لدى أوسع فئة سكانية في البلاد.
فور تنمية: الأستاذة خديجة براضي، مرحبا بك في هذا التأمل حول جيل زد.. في الأول نود لو تقولي لنا إن كنت متفقة مع لفظ حراك: تحذرنا العلوم الاجتماعية من أن الرهان الأول هو دوما لغوي.. تحذرنا من أن الكلمات التي نختار عن وعي/لاوعي تكشف عن اصطفافاتنا السرية، تفضحنا إن صح التعبير؟
بنراضي: لا يهم أن نتفق. لأن المقاربة السوسيولوجية لا تنشغل أساسا بمسألة الاتفاق على التسمية لظاهرة ما، بل تركز جوهريا على ضبط المفاهيم وتحديدها الدقيق لضمان فهم شمولي وعميق لديناميكياتها الجماعية. وفي هذا الإطار، ورغم اتساع دلالات مصطلح “الحراك” ليشمل أي شكل من أشكال التحرك العابر، فإن ما يشهده شباب جيل زد المغربي يمكن أن نسميه حراكا، وفي نظري يقترب أيضا من مفهوم “الحركة الاجتماعية” (Mouvement Social). هذا التصنيف ليس اعتباطيا؛ فهو يستلزم توفر أركان سوسيولوجية أساسية (حسب آلان تورين) تتمثل في الهوية، التعارض، والاستمرارية. ما يلفت في احتجاجات جيل زد، أنها تُحقق بعضا من هذه الشروط بأدوات تنظيمية جديدة، أبرزها اعتمادها على نموذج اللامركزية الأفقية؛ باستخدام الشبكات الرقمية المرنة التي ساهمت في التحول الجذري في طبيعة الفعل الاحتجاجي، إذ تُعيد تعريف شروط الاستمرارية وكيفية تجسيدها في غياب القيادة الموحدة التقليدية.
فور تنمية: ما هي الحدود التي تضعينها بين حراك/انتفاضة/ثورة؟ وأين تضعين جيل زيد في هذا السلم بالضبط؟
بنراضي: يمكن تحليل الفعل الجماعي كـسلسلة متدرجة تبدأ بـالحراك (الذي يظل مطلبيا جزئيا ويسعى لإصلاح سياسات محددة دون تهديد للسلطة، كحركات الأساتذة وطلبة الطب، في الآونة الأخيرة). وعندما يتجاوز هذا الفعل النطاق الجزئي ليصبح تمردا شعبيا واسعا، يهدف إلى إنهاء حالة القمع (كالانتفاضات التاريخية في المغرب)، نكون أمام الانتفاضة، التي تتسم بعنف ومواجهة أكبر وتمثل قطيعة مؤقتة مع النظام. أما الذروة فهي الثورة، التي تتخطى تغيير الحكومة لتصبح عملية تحول تأسيسي شاملة، تهدف إلى الاستيلاء الكلي على السلطة، وإعادة هيكلة البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بأكملها.
ومع ذلك، يمكن دمج هذه المفاهيم في خانة “الكلاسيكيات” الأن، في ظل التحول الذي أحدثه المجتمع المعلوماتي. إذ أن دينامية شباب جيل زد هي انعكاس لهذه البنية الجديدة، وتُوصف بدقة بأنها “حركة-احتجاجية-شبكية-أفقية-لا مركزية”، تتميز بـسرعة التعبئة الفائقة، وقصر عمرها في الفضاء العام (الشارع)، وسيولة مطالبها، بما يتماشى مع مفاهيم المجتمع السائل لزيغموند باومان.
فور تنمية: بعد أسابيع من انطلاقته يبدو أن جيل زد يعيش لحظة تراخي حقيقية.. هل تعتقدين أن الحركة كانت زوبعة مراهقين في فنجان؟ أم أنك تفضلين التفكير بمنطق الزمن البروديلي الطويل: الحراك يؤسس لأمور ليست إلا في بداياتها؟
بنراضي : إن التحليل السوسيولوجي لأي دينامية احتجاجية لا يسمح بتقديم أحكام مُسبقة أو جازمة حول مآلها، فلا يمكن الجزم بكونها “زوبعة” أو التكهن بمستقبلها، إذ تتطلب المقاربة المنهجية الأكثر صدقية، الانطلاق من الكرونولوجيا، وتاريخ الزمن الراهن، لضمان قراءة موضوعية للوقائع.
وفي سياق تفسير “حالة التراخي” التي أصابت حراك شباب جيل زد، يمكن القول إنها ناتجة عن تضافر عاملين رئيسيين؛ أولهما هو “استراتيجية الإنهاك” التي نهجتها الدولة، حيث عملت، كـفاعل مؤسساتي، على استنزاف طاقات الشباب عبر المقاربة الأمنية منذ البداية. هذه المقاربة لم تشكل مجرد كابح قوي للاستمرارية، بل كانت خطة محكمة لتدبير الأزمة، تهدف إلى إنهاك الفاعلين. وثانيهما يكمن في ضعف الدعم المجتمعي الشامل، حيث ساهم منطق التخفي (Anonymat) بعدم الظهور بوجوه مكشوفة، الذي اختاره الشباب المتواجد في منصة “ديسكورد”، الذي يقود عملية النقاش وبناء سردية الجماعة، في تضييق فرص حشد الدعم من قبل الكتل المجتمعية الكبرى. هذا “الغموض” بدوره أنعش منطق المؤامرة في أذهان العديد من شرائح المجتمع، ما انعكس سلبا على اضمحلال وخفوت الحركة. فعلى ضوء دورة الاحتجاجات في المغرب، يُستخلص أن خفوت أي حراك ينتج عن سببين مركزيين: القمع المباشر من جهة، وضعف الدعم الاجتماعي والنفسي من جهة أخرى، وهو دعم حيوي لشرعنة واستمرارية الحركة، حتى لو لم يكن انخراطا عضويا مباشرا.
فور تنمية : البعض يرى أن “الثورة” تتطلب تحقق شروط قبلية غير متوفرة في جيل زيد.. البعض الآخر يرى أن الثورة هي الأرض، هي الطريق، وأن كل شيء يبنى خلال السير.. الرؤية الأولى أفلاطونية.. تضع المثل قبل الأفراد.. الثانية ماركسية.. تضع الفعالية الذاتية قبل المثل.. أين تتموقعين كباحثة منشغلة بالحراكات الاجتماعية؟
بنراضي: أجد نفسي كباحثة أمام توتر منهجي حقيقي، وهو توتر مشترك بين العديد من المنتمين للجماعة العلمية في حقل العلوم الاجتماعية، خاصة عند مقاربة تحليل التغير الاجتماعي. فمن ناحية، أنجذب أحيانا إلى المنظور الماركسي، الذي يقدم أدوات تحليلية قوية لفهم الأسباب البنيوية والجذرية للفعل الاحتجاجي، عبر تركيزه على أن التغيير الاجتماعي هو نتاج حتمي للتناقضات والصراعات الطبقية المتأصلة في البناء الاقتصادي للمجتمع. ولكن، في معظم الأوقات، أميل إلى المنظور البنائي-الوظيفي، الذي يركز على ضرورة التوازن والنسق كمعيار للاستقرار. إن هذا الميل لا يعني رفضا للتغيير، بل تفضيلا لمسار التغيير التدريجي والإصلاحي.. ذلك لأن التحول العنيف “كـالثورة”، قد يدفع النسق المجتمعي نحو حالة من اللانظام، الفوضى، أو الأنوميا Anomie بمفهوم دوركايم. ولهذا السبب، أنحاز إلى التغيير الذي يتم عبر آليات أقل كلفة اجتماعية، وأكثر فاعلية في الحفاظ على الاستدامة والتوازن الوظيفي، مع ضرورة تفعيل ميكانزمات تقلص من آليات الضبط والضغط الاجتماعي لضمان مساحة للإصلاح.
فور تنمية: في تصورك أستاذة براضي، كيف ترى السلطة الحراك؟ تخيلي أنك الآن في داخل عقل الفاعل التاريخي.. ماذا ترين؟ كيف يفكر الغول؟ ماذا يبرمج؟ فمكيافيلي سبق له أن قال في توجيه مركزي بأنه لايكفي في إدارة الصراع أن نتوفر على التفوق الأخلاقي.. يجب أيضا أن نلعب بذكاء، أن نستبق الأشياء، أن نقلب المنظور ونرى أنفسنا من الجهة الأخرى للملعب، من النقطة التي يرانا منها “الأخر”..
.
بنراضي: تختلف الرؤية حسب طبيعة النظام السياسي، وتتمحور حول تقييم استراتيجي لمستوى التهديد. في الأنظمة الديمقراطية، تُطبَّق نظرية الفرص السياسية بشكل إيجابي، حيث ترى الدولة في الاحتجاج مؤشرا على انفتاح قنوات المشاركة ووجود ثغرات في السياسات تتطلب إصلاحا تشريعيا؛ وعليه، يكون رد الفعل هو الاحتواء والتفاوض. أما في الأنظمة السلطوية أو المغلقة، فتُنظر إلى الحركات من منظور نظرية التعبئة والموارد وتُعتبر تهديدا وجوديا؛ حيث تُقيّم الدولة موارد الحركة وقدرتها على الاستمرار، لتقوم بـتفكيكها عبر القمع والردع، مستخدمة إغلاق الفرص السياسية كاستراتيجية للحفاظ على احتكار القوة.
أما في الأنظمة الهجينة فهناك رؤية ازدواجية ومعقدة، تتخذ من الاحتواء والقمع معا استراتيجية للبقاء؛ حيث تُقيِّم الدولة الحركة بشكل مستمر من خلال تحليل التكلفة-الفائدة لتجنب خسارة الشرعية المعلنة. يهدف هذا النظام إلى إدارة التحدي وليس القضاء عليه بشكل تام، فيرى في الحركات ذات المطالب الاقتصادية والاجتماعية ضغطا يمكن استيعابه من خلال التفاوض الموجه وتقديم إصلاحات جزئية، لتصريف الغضب وإعادة تأكيد الواجهة الديمقراطية أمام المجتمع الدولي. في المقابل، تُعَدّ الحركات التي تُطالب بتغييرات هيكلية تهديدا وجوديا، مما يدفع النظام إلى تفعيل القمع الانتقائي؛ حيث يقوم بعزل القيادات الراديكالية، بينما يسمح في الوقت ذاته ببقاء هامش للمظاهرات الأقل تأثيرا، وذلك بهدف تفكيك البنية التنظيمية للحركة، مع إغلاق الفرص أمام أي تحول حقيقي.
فور تنمية: استراتيجية السلطة في تأمين أبديتها كانت دوما هي التحكم في الفوري.. وهو ما رأيناه في تدبير الرفع من ميزانيات القطاعات الاجتماعية.. كباحثة سوسيولوجية، كيف ترين هذا الهوس بالفوري، هذا التغييب للسوسيولوجي/البعيد المدى في تدبير المغرب؟
بنراضي : تُعتبر نزعة الدولة نحو تبني الحلول الفورية والتدابير العاجلة، في سياقات مختلفة (اقتصادية، اجتماعية، أمنية)، بدلا من التخطيط للإصلاحات البنيوية بعيدة المدى، خلاصة لفكرة “النجاة السياسية اللحظية”؛ حيث ترى الدولة أن أي مشكلة علنية أو أزمة تُهدد السلطة والشرعية الأدائية، تستدعي تدخلا سريعا لتجنب تحولها إلى أزمة نظامية.
يُعزز هذا الهوس بالفورية أيضا غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح البنيوي، الذي ينبع من هيمنة المنطق النيوليبرالي على عملية تدبير الشأن العام؛ فالنظام يجد نفسه مقيدا بأجندة الرأسمالية المتوحشة التي تُغلِّب مصالح فئة محددة من النخب الاقتصادية وتُعمق مقاومة للتغيير. وهنا يكمن التضارب الجوهري؛ حيث لا يمكن اعتماد منطق آليات السوق، الذي ينبني حصرا على النفعية، كإطار مرجعي وحيد في تدبير وبناء المجتمعات. بالتالي، تختار الدولة الاستثمار في الاستقرار الراهن، وإظهار السيطرة الفورية على الأوضاع، لتجنب التكلفة السياسية العالية للإصلاح، بدلا من تحمل آلام التغيير الهيكلي العميق الذي يقتضي زعزعة شبكات المصالح، ومواجهة القوى المستفيدة من الوضع، مما يجعل التدبير الفوري آلية لـتجميد المشاكل بدلا من حلها الجذري.
فور تنمية: كباحثة في علم اجتماع الإعلام، ألا ترين أن الأهم ليس الحرب على الإعلام الرسمي ولكن خلق إعلام بديل قد يستلهم نموذج الإعلام الممول شعبيا؟ في حالة الإيجاب بنعم، كيف تتصورين إعلاما حرا؟
بنراضي: يقتضي الحديث عن الإعلام تجاوز التصنيفات السطحية والأسماء التداولية، للوصول إلى تفكيك بنيوي لوظيفته وطبيعته المؤسساتية. في جوهره، يبقى الإعلام بجميع أنماطه، مؤسسة تحكمها منطق المقاولة وشروط الربح والخسارة.
نظريا، يُفترض في الإعلام العمومي، المُموَّل من المساهمات الضريبية للمواطنين، أن يجسد صفة الإلزامية في الخدمة العمومية. يتوجب عليه العمل وفق مقتضيات دفاتر التحملات والمواثيق القانونية لتقديم خدمة قائمة على الشفافية في الإخبار، الموضوعية في الطرح، وإبراز تعددية الآراء. وهذا يجعله ظاهريا نموذجا للنزاهة، لأنه لا يخضع مباشرة لضغوطات التمويل التجاري ومنطق المُستشهرين. إلا أن الملاحظة النقدية تُثبت أن هذا الإعلام تحوّل إلى إعلام رسمي، إذ انعرج عن أهدافه الأساسية ليصبح مواليا لسردية السلطة. هذا الانحراف الوظيفي يُفسر تحوله إلى أداة لإعادة إنتاج الشرعية القائمة، بدلا من كونه أداة للرقابة والمساءلة، مما يجعله محلا للانتقاد اللاذع من طرف الأفراد، الذين يشعرون بـاغتراب عن الخدمة التي يُموّلونها.
أما بالنسبة لمصطلح “الإعلام البديل”، فهو مفهوم مُلتبس وينقصه التحديد الدقيق: بديل عن ماذا؟ عن الإعلام الرسمي، أم عن إعلام رأس المال الخاص؟ إن هذا “البديل”، أيا كان شكله، يخضع أيضا لاكراهات تنظيمية، وأبرزها شروط التمويل. تشير نظرية الحتمية الاقتصادية إلى أن مصدر التمويل يحدد بالضرورة رهانات المضمون، ووجهة النظر المهيمنة التي ينتصر لها هذا الإعلام في نهاية المطاف. وبالتالي، فإن فكرة وجود كيان إعلامي عالمي يمارس الحياد المطلق، بمعزل عن أيديولوجية الممول هي فكرة نظرية صعبة التحقق في الواقع.
يظل الهدف المنشود هو تأسيس “إعلام حر” كما جاء في سؤالكم، وهو ليس حالة مطلقة، بقدر ما هو سياق يتوفر فيه هامش كاف من الحرية لنقل الحقيقة، والانتصار لمبدأ المسؤولية الاجتماعية كما نظرت لها أدبيات الإعلام، والتي تقتضي المساهمة الفعالة في التغيير الاجتماعي والتنوير، ودعم القضايا العادلة. يتطلب تحقق هذا النموذج توفر شرط بنيوي أساسي: مناخ سياسي واقتصادي حر ومُنظم، يُحرّر المؤسسة الإعلامية من أن تتقلص لمجرد أداة للبروباغندا، أو لتكوين النجومية العابرة، ويجعلها بدلا من ذلك أداة للتنوير وللتنشئة السياسية والاجتماعية السليمة.
فور تنمية: أين ترين الآلام الكبرى للمغرب؟ أنت الآن في مركز القرار ولك كامل الصلاحيات.. ما الذي ستقومين به؟
بنراضي : إن التموقع في صميم القرار يستدعي تبني “أخلاق تدبيرية”، تتمحور حول المساءلة والشفافية كـمبدأ مؤسس للعمل، قبل الانخراط في أي ترويج للإنجاز. إن الألم الأعظم يكمن في إخفاق منظومة العدالة الاجتماعية، الذي لا يقتصر على كونه عجزا في التوزيع الاقتصادي، بل هو بنية هيكلية تُنتج وتُعيد إنتاج اللامساواة وتُعمّق التهميش المجالي والطبقي. هذا الإخفاق يعني تآكل رابط المواطنة التعاقدية، حيث يُحرم الفرد من محيط عام يكفل له صون كرامته الإنسانية، ويضمن له الولوج المتكافئ إلى الحقوق الأساسية. وعليه، فإن تواجد أي كان في مركز القرار، سيجد أمامه هذه الضرورة الإصلاحية المُلحة وهي تطبيق المساواة الفعلية أمام الفرص لجميع الفئات، والتي تستوجب تحويل وظيفة الدولة من سلطة بيروقراطية، إلى ضامن وحام لحقوق المواطنين كافة، مما يعيد تأسيس الثقة في المؤسسات ويحقق العدالة.