فور تنمية : حاوره خالد سلامة
في هذا الحوار، يفتح الباحث الأكاديمي المغربي مصطفى غلمان عدداً من الملفات الشائكة التي باتت تؤرق المشهد الثقافي والفكري المغربي والعربي على حدّ سواء، وعلى رأسها سؤال موقع المثقف في زمن التحولات المتسارعة. فاليوم، لم يعد المثقف ذلك الصوت المركزي الذي يحتكر إنتاج المعنى وتوجيه النقاش العمومي، بل أصبح واحدًا من بين مئات الأصوات المتنافرة داخل فضاء رقمي شديد السيولة، يتغير كل دقيقة، وتُعاد فيه صياغة الحقائق والرموز والمرجعيات وفق إيقاع الصورة واندفاع الخوارزميات.
ومع بروز جيل جديد يتحدث بلغة مختلفة، ويستقي وعيه من شبكات التواصل أكثر مما يستقيه من الكتب، يطرح السؤال بقوة: هل ما زال المثقف قادرًا على التأثير؟ وكيف يمكن لصاحب الفكر العميق أن يجد لنفسه موطئ قدم وسط هذا الضجيج الهائل، حيث تتحول الأفكار إلى مقاطع قصيرة، والقضايا الكبرى إلى لحظات عابرة، والوعي الجمعي إلى تدفقات سريعة تفتقر أحيانًا إلى التأمل والعمق؟
في هذا السياق المعقّد، تزداد الحاجة إلى قراءة نقدية للمشهد، وإلى إعادة التفكير في وظيفة المثقف ضمن عالم تتقاطع فيه السلطة الرمزية للمؤسسات مع سطوة المنصات الرقمية، وتتنازع فيه الأجيال حول طرق تمثّل الحقيقة، وصناعة الرأي العام، وموقع المعرفة في زمن تتراجع فيه المسافة بين المتخصص والعابر.
من هذا المنطلق، يأتي حوار فور تنمية مع الأستاذ مصطفى غلمان ليعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول مستقبل الفكرة، ودور المثقف، ومسؤولية النخب، وحدود التأثير في زمن تتراجع فيه الثوابت وترتفع الضوضاء.
فور تنمية : هل ما زال المثقف المغربي قادراً على أداء دوره التاريخي كضمير نقدي للمجتمع في زمن يقوده “جيلZ” بخطابه الجديد، أم أنه فقد صلته بالواقع وتحول إلى مراقب حذر لعالمٍ لم يعد يفهم لغته؟
غلمان : في ظل التحولات الاجتماعية والمعرفية المتسارعة، يجد المثقف نفسه محكومًا بين نزوعه إلى مشروع يوتوبي إصلاحي، وبين قيود الواقع اليومي والممارسة المواطِنة. هذه الثنائية تكشف عن فجوة منهجية بين ما يرومه المثقف وما يستطيع فعليا تحقيقه، فتظهر مخاطره، في انعزاله الرمزي واستعلائه الأخلاقي، وأحيانا انحيازه الأيديولوجي الذي يحوّل النقد إلى تعصب معرفي. لكن الزمن الجديد، الذي يشكل وعي أجيال جديدة مثل جيل Z وما بعده، يفرض إعادة قراءة دور المثقف. ليس بوصفه مرجعًا وحيدا، بل شريكا في إنتاج المعرفة، وساعة قياس للممارسات اليومية، وميسرا للتجارب القابلة للتحقق.
وفي هذا السياق، لا تتحقق شرعية المثقف بالاستعلاء أو بالخطابات النخبوية، بل بالقدرة على تحويل اليوتوبيا إلى ممارسة محدودة، قابلة للتجريب، ومتواصلة في فضاءات المجتمع المتعددة. ووفق ذلك، يصبح الخطاب الثقافي أداة للتمكين والمساءلة، واللغة وسيلة للتواصل بين الاختصاص والجمهور، والمؤسسات الميدانية فضاءات لإعادة إنتاج الأفكار بطريقة متدرجة وواقعية. وبذات السمة، يتحول المثقف من شاهد منفصل إلى فاعل مشارك، لا يتنازل عن نقده ولا عن طموحه الإصلاحي، لكنه يضعهما ضمن حدود قابلة للتطبيق، متجاوزًا وهم السلطة الرمزية، ومتوافقًا مع دينامية المجتمع الحية، ومتفاعلًا مع تنوع تجاربه واحتياجاته المتغيرة.
فور تنمية : في زمن تتكاثر فيه المؤسسات وتتقلص فيه مساحة الحرية، كيف يمكن للمثقف أن يحافظ على استقلال وعيه دون أن يتحول إلى كيان معزول عن المجتمع؟
غلمان : إذا اعتبرنا المثقف نموذجًا محوريا للأخلاقية وفق مقاربة كانط، فإنه يتعين أن يكون فاعلا ووسيطا أخلاقيا ومصلحا اجتماعيا، أي صوتا للآخرين، يرفع لواء القيم العليا التي ترشد الفعل البشري. لكن وضعية المثقف اليوم معقدة، لأنه يتعامل مع مجتمع متعدد الطبقات والقيم، حيث تتشابك الحرية الشخصية مع التنازع القيمي، وتتصادم المبادئ الأخلاقية مع المهاترات الاجتماعية والضغوط الرمزية.
وفي هذا السياق، تصبح استقلالية المثقف في الفكر والمنهجية شرطا مفصليا لفاعليته: فهو بحاجة إلى حرية اختيار أدواته النقدية، والمواضيع التي يتناولها، والصيغ التي يستخدمها في الإصلاح، دون أن يكون مقيدا بالتوجهات الأيديولوجية أو بالمعايير الاجتماعية الضاغطة، لأن أي تقييد من هذا النوع يقوّض مصداقيته أمام الجماعة ويحد من تأثيره العملي.
من جهة أخرى، إذا ظل المثقف منعزلا داخل عتمة أخلاقياته الخاصة، أو محصورًا في دائرة افتراضية من المبادئ الجامدة، فإن وجوده لا يثمر نتائج حقيقية. الانعزال في هذه الحالة يؤدي إلى انفصال الذات عن المجتمع، بحيث تتحول المعرفة الأخلاقية من أداة إصلاحية إلى تمثيل رمزي بلا أثر، ويصبح الخطاب الثقافي حكرا على ذاته، غير متفاعل مع المشكلات المعيشية والاحتياجات الفعلية للآخرين. فإذن، المثقف لا يستطيع تحقيق دوره إلا من خلال تفاعل واعٍ ومتوازن بين استقلاليته الفكرية والتزامه بالمجتمع، وهو ما يفرض صياغة منهجية نقدية تراعي كلًا من حدود الحرية الفردية ومتطلبات الإصلاح الجماعي.
بالإضافة إلى ذلك، تؤكد التجارب التاريخية والمعاصرة أن تسارع تأثيرات الثقافات المتعددة واستفحال الكيانات المؤثرة (سياسية، اقتصادية، إعلامية) يضاعف من صعوبة دور المثقف. فهو لا يواجه مجرد نقاش أخلاقي أو اجتماعي محلي، بل شبكة معقدة من المصالح والتأثيرات التي قد تعيد تشكيل أو تحريف خطابه. لذا، فالنقد الفلسفي لدوره، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار دينامية السياق الاجتماعي والثقافي، بحيث يصبح المثقف ليس مجرد مرشد أو مصلح نظري، بل وسيطًا واعيًا بين المبادئ الأخلاقية العليا ومتطلبات الواقع المعيش، قادرًا على تكييف خطابه وممارساته لتكون فعالة ومؤثرة، دون التخلي عن جوهر استقلاليته الأخلاقية والفكرية.
فور تنمية : إذا كانت المؤسسة ـ كما تقول ـ لا تكتفي بتنظيم الأفعال بل تصوغ طريقة تفكيرنا، فهل يمكن فعلاً بناء وعي من خارجها؟ أم أن التحرر منها مجرد وهم جميل؟
غلمان : إذا اعتبرنا المؤسسة منظومة إنتاج للوعي، كما تناولها ميشيل فوكو في تحليله للسلطة والمعرفة، فإن تأثيرها يتجاوز الرقابة على الأفعال إلى صياغة طرائق التفكير وبنى الإدراك التي يتحرك ضمنها الأفراد. فالمؤسسة، بحسب فوكو، لا تمارس السلطة فقط عبر القوانين والأنظمة، بل عبر آليات داخلية لتشكيل العقلية والوعي الجماعي، بحيث يصبح التحرر الكامل من تأثيرها صعبًا ويحتاج إلى وعي نقدي وتأمل مستمر.
في هذا السياق، يمكن الاستعانة بتصوّر بيير بورديو حول رأس المال الرمزي، الذي يوضح كيف تملك المؤسسات القدرة على تنظيم الحقول الاجتماعية وتحديد من يمتلك الشرعية الثقافية. أي مشروع فردي للتحرر أو نقد المؤسساتية لا يمكن أن ينجح إلا إذا أدرك الباحث أو المثقف هذه الآليات، وعمل على تطوير قدرته على تقرير المصير العقلي ضمن شبكة من القوى الرمزية، بدل الانعزال أو المقاومة الصورية.
هناك تصور آخر لتشارلز تايلور يتحدث فيه عن الهوية والوعي الاجتماعي، فيذهب إلى أن الوعي الذاتي يتشكل دائما في تفاعل مع الآخرين والسياق الاجتماعي، ما يعني أن الانعزال العقلي في عتمة المبادئ الأخلاقية لن يثمر وعيًا فعالًا، لأن الذات لا تنفعل إلا بالمجتمع الذي تتشكل فيه. وعليه، يصبح التفاعل الواعي مع المؤسسة والمجتمع شرطًا أساسيًا لإنتاج معرفة حقيقية وفعالة، بحيث يمكن للفرد أن يؤثر في القيم والمعايير، ويعيد صياغة فهمه للحرية والممارسة الأخلاقية في ضوء التحديات المعاصرة.
بناءً على ذلك، يتضح أن الوعي الحرّ والإصلاح المؤسسي لا يتحققان عبر الانفصال عن المؤسسة، بل عبر ممارسة نقدية متأملة، مفتوحة على التشارك، ومجهزة بالقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والمعرفية. فالمؤسسة ليست فقط تحديا ناجزا، بل مساحة للفعل العقلاني، يمكن للفرد استثمارها لإطلاق إمكانياته الفكرية والأخلاقية، بما يخدم نموه الشخصي والمجتمعي على حد سواء.
فور تنمية : إلى أي حد يستطيع المثقف المغربي تحويل لحظة الاحتجاج إلى فعل ثقافي نقدي يُعيد بناء المعنى، بدل أن يظل أسير التبرير أو الصمت؟
غلمان : السؤال يبرز ازدواجية وضع المثقف بين الكمون والتوثب، بين الصمت والاحتجاج، بين الانعزال والتفاعل الاجتماعي. المثقف في لحظة الكمون ليس غائبا، بل يكون في مرحلة تجميع الفكر وتحليل الواقع بعناية، كما لاحظها هانا أرندت في مفهومها عن “تفكير ما بعد الفعل” ، حيث يشير النقد إلى أن الفعل السياسي أو الثقافي لا ينشأ في الفراغ، بل بعد فترة تأمل وإعادة تقييم للمعطيات الأخلاقية والاجتماعية
الفعل الثقافي، يحتاج إلى مساحة للتفكير والتراكم، وهو ما يوافق ميشيل فوكو حين يشدد على أن المعرفة والسلطة متشابكتان. أي أن أي موقف نقدي للمثقف لا يتحقق إلا بعد إدراك شبكة المؤثرات الرمزية والاجتماعية المحيطة، وما يصفه بـ”تقنيات الذات” التي تشكل وعي الفرد وقدرته على الفعل ضمن السياق المؤسسي. لذلك، فالكمون ليس خمولا، بل إعداد للفعل المدروس الذي يمكن أن يتحول إلى احتجاج أو إنتاج نقدي متراكم.
في المقابل، الصمت الخانع أو التبريرية الناشزة التي يُتهم بها المثقف، كما تلاحظ، لا تنتج منطقا معرفيا أو فعلا مؤثرا. إن ذلك يذكّرنا بما طرحه جورج باتاي حول “اللامعقولية في الفعل”؛ إذ أن الفعل الثقافي لا يمكن أن يكون مجرد تبرير للمكانة أو الدفاع عن الذات، بل يجب أن يظل موجهًا نحو تغيير أو تحريك وعي الآخرين. وإلا فإنه يتحول إلى مجرد رمز بلا قوة، أو إلى ما قد يسميه تايلور “وعي مقيد” لا يستجيب للاحتياجات المجتمعية ولا للتحديات الواقعية.
الفلاسفة المحدثون، مثل بيير بورديو، يذكّرون بأن المثقف كفاعل اجتماعي يقع ضمن حقل رمزي محدد. أي أن قوته أو ضعف تأثيره مرتبط بتوزيع رأس المال الرمزي بين الفاعلين الآخرين والمؤسسات. لذا، الكمون الثقافي لا يجب أن يكون انعزالا تاما عن المجتمع، بل فضاء لتجميع الأدوات الرمزية والفكرية التي تمكّن الفعل لاحقا من أن يكون مؤثرا وشرعيا.
من هذا المنطلق، يمكن القول إن المثقف يحتاج إلى تناغم بين الكمون والحركة، كمون للتأمل وتراكم الفكر، وحركة لإطلاق فعل نقدي أو احتجاجي يستند إلى مصداقية معرفية وأخلاقية. إن الخطر يكمن حين يتحول الكمون إلى صمت خانع، أو حين تصبح الحركة مجرد جلبة بلا استراتيجية أو تأثير، ما يفقد المثقف شرعيته الرمزية والفعلية في آن واحد.
فور تنمية : هل يمثل “جيلZ” تحديًا وجوديًا للمثقف المغربي التقليدي، أم فرصةً لإعادة تعريف دوره ووظيفته في المجتمع؟
غلمان : يمكن القول إن المثقف، وفق هذا التصور، يمتلك ثباتا جوهريا في قيمه الأخلاقية والتربوية، ما يجعله غير مرتبط بتقلبات الأجيال أو التغيرات الزمنية. هذه الرؤية تتناغم مع ما ذهب إليه هانز جورج غادامير في فلسفة التأويل، حين شدد على أن التقاليد والمعاني الكبرى لا تُعيد صياغتها مجرد تغير الأشخاص أو الأزمنة، بل تُستعاد وتتفاعل مع الواقع عبر وعي الإنسان الذي يتلقاها ويعيد تفسيرها ضمن سياق الحياة.
المثقف في هذا التصور ليس تابعا للتيارات العصرية أو مطالب الجمهور، بل هو حارس للقيم الخالصة التي تُشكل جوهر المشروع الأخلاقي والثقافي. هذا يذكرنا أيضا بما طرحه توماس ناغل حول “الثوابت الأخلاقية”، إذ أن الوعي الإنساني لا يمكن أن يلغى أو يتبدل بمجرد التغير الاجتماعي، بل هو ملتزم بمبادئ عليا تُحدد المعايير الفعلية للأخلاق والفكر.
كما أن فكرة المثقف كـ”فورة متحركة” ونظام كينوني متواصل تتقاطع مع رؤى ميشيل فوكو عن الذات كـ”تقنيات ذاتية”، حيث الفعل الثقافي ليس انعكاسًا مؤقتا للضغوط الاجتماعية، بل استمرارية متجددة للوعي والقيم التي يُمثّلها. المثقف هنا يعمل على مستوى كينوني، أي كوجود متواصل يحافظ على وحدة الرسالة الأخلاقية، ويستثمر في الفعل النقدي كممارسة دائمة، وليس كاستجابة ظرفية لتحديات الأجيال الجديدة أو لموجات الرأي العام.
بناء على ذلك، يمكن القول إن المثقف التقليدي، في جوهره، لا يحتاج لإعادة تدوير وظيفته الأخلاقية والتربوية، لأنه متجذر في قيم متعالية على التحولات الاجتماعية العابرة. دوره لا يتقادم لأنه مبني على ثوابت كينونية وأخلاقية، تضمن استمراريته وفاعليته عبر الأزمنة، وتحوّل أي فعل ثقافي إلى استمرار لرسالة معرفية وأخلاقية تتجاوز التغيرات العرضية، مع الحفاظ على استقلاليته الفكرية ومصداقيته وسط المجتمع.
فور تنمية : هل تملك الثقافة المغربية اليوم القدرة على مرافقة التحولات الاجتماعية التي يصنعها الجيل الجديد، أم أنها ما تزال حبيسة الزمن البطيء للتحليل؟
غلمان : إن المراقبة النقدية لدور المثقف في المجتمعات المنغلقة والمتوترة تجاه الآخر تكشف عن ازدواجية التحدي. من جهة، المثقف مطالب بمواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية والنفسية، ومن جهة أخرى، هو مقيد بسياق هذه المجتمعات الذي يفرض قيودا على حرية الفكر والتغيير. كما لاحظ بيير بورديو في تحليل الحقول الاجتماعية، فإن كل جيل يولد في حقل رمزي محدد، حيث يراكم منظروه وخبراؤه التربويون والتفاعلات الاجتماعية والتوجسات التاريخية، لتشكل شبكة معقدة من المعايير والقيم التي يتحرك ضمنها الأفراد، بما في ذلك المثقف.
هذا الصراع الأزلي، كما يصفه سؤالكم، لا يمنع تجدد المثقف وحداثته وتنوعه، إذ يشبه ما طرحه هانا أرندت في مفهوم “القدرة على البد”” ، حيث يتمثل جوهر الفعل الإنساني في القدرة على إحداث الجديد ضمن إطار التاريخ والخبرة الموروثة، أي في التفاعل النقدي مع التراث الاجتماعي والثقافي، دون الانغماس الكامل في قيوده.
وفي السياق، يرى تشارلز تايلور أن الهوية والوعي الذاتي يتشكلان دائما في تفاعل مستمر مع الآخر والمجتمع، ما يعني أن المثقف لا يعمل في فراغ، بل ضمن شبكة علاقات وتفاعلات، وهذا يضفي على الفعل النقدي صفة تراكمية. فكل جيل يضيف إلى تجربة المجتمع تفاعلاته الخاصة، وتظل قدرة المثقف على التأثير مرتبطة بقدرته على الاندماج في هذه الدينامية المتغيرة دون أن يفقد جوهره الأخلاقي والمعرفي.
وبذلك يتضح أن المثقف يعيش توترا دائما بين ثبات القيم والتفاعل مع التغيرات، بين استقلالية الفكر ومرونة التعامل مع الواقع، وبين التراكم الاجتماعي للخبرات والتحدي النقدي المستمر. هذا التوازن بين الثبات والتجدد، بين الكمون والفعل، يشكل قلب الفعل الثقافي المستدام، حيث لا تتحقق جدوى المثقف إلا بقدر ما يستطيع المواكبة النقدية للتحولات، مع الحفاظ على وحدة رسالته الأخلاقية والفكرية.
فور تنمية : كيف يمكن للكاتب أن يعيش داخل النظام الرمزي القائم، ويكتب في الوقت نفسه ضده، دون أن يقع في فخ التناقض أو الازدواجية؟
غلمان : السؤال حول حق المثقف في المناورة داخل النظام الرمزي أو السلطة المهيمنة يطرح إشكالية جوهرية حول التوتر بين الاستقلالية الفكرية والالتزام الأخلاقي. كما يشير ميشيل فوكو في تحليله للسلطة والمعرفة، فإن السلطة ليست مجرد قوة قسرية، بل شبكة معقدة من القيم والمعايير الرمزية التي تتحكم في ما يُعتبر مشروعا أو مقبولا. وفي هذا السياق، يتعين على المثقف أن يوازن بين القدرة على النقد والاستقلالية، وبين ضرورة التفاعل مع الواقع الذي تتحكم فيه السلطة، دون أن يتحول إلى تابع أو مجرد صوت مسموع بلا فعالية.
المثقف، كما تراه، لا يحتمي بالسلطة ولا يتراجع خوفا من تأثيرها المادي، وهو ما يذكرنا بما ذهب إليه برنارد ويلسون وغيره من مفكري الحرية الفكرية، بأن القوة الحقيقية للفكر لا تأتي من الالتزام بالظرف أو التكيف مع المعايير، بل من استقلالية العقل وجرأة الكلمة. فهو لا يغرد خارج سياق ذاته إلا بعد تحرر كامل من الأيديولوجيات والانتماءات، ليظل قادرا على الحكم النقدي الموضوعي، ويجعل من الأخلاق قيمة للمعنى وليست أداة للشكل أو التمثيل الرمزي.
هذا يجعل المثقف كائنا أيقونيا، يمتلك القدرة على تحويل الفعل الثقافي إلى تأثير مستمر، لا يحتاج للافتعال أو المناورة لحماية موقعه، لأنه يمتلك الشرعية الأخلاقية والمعرفية داخليا، وليس عبر التبعية للسلطة. وهنا تتجسد فكرة فوكو عن التحرر من السلطة الرمزية عبر ممارسة الحكمة والقدرة النقدية، وليس عبر التظاهر بالاستقلالية أو التكيف الظاهري. الكلمة تصبح بذلك أداة تأثير ورافعة استمرارية، حيث تتلاقى الأخلاق والفعل والوعي، لتشكل منظومة دائمة تمكن المثقف من لعب دوره دون تناقض أو ازدواجية، بل بروح راسخة للحرية والالتزام الأخلاقي.
فور تنمية : في ظل هيمنة الصورة والخطاب السريع، هل فقد الفكر قدرته على التأثير في الرأي العام؟ أم أن الأمل ما زال قائمًا في تجديد لغتنا النقدية؟
غلمان : قطعا عصرنا يتسم بتسارع الصورة والخطاب، فيه تهيمن الرموز والقطائع البصرية على الإدراك العام، فيه أصبح الوعي البشري المبدع هو الضامن الفعلي لفهم هذه العلامات وتفسيرها. الصورة، في هذا السياق، ليست مجرد أداة نقل للمعلومة، بل جزء من مشروع صيروري واعٍ يترسخ في العقل العصري، حيث تولد العلامات والرموز معانٍ متعددة تتجاوز القدرة التقنية للآلة على استيعابها بالكامل. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين المعالجة الآلية والقدرة البشرية على الابتكار، فالعقل الإنساني قادر على قراءة البنى الرمزية للصورة وتفسيرها وفق سياقها الثقافي والاجتماعي والفلسفي.
هذا يضع اللغة النقدية في موقع مركزي، فهي أداة تتيح مراجعة نظرنا للصورة، ليس فقط على مستوى معرفي أو تحليلي، بل كفعل واعٍ يمكنه إعادة توجيه الرؤية العامة وتحويلها إلى فهم أعمق. وكما يشير رولان بارت في تحليله للأساطير والإشارات الرمزية، فإن الصورة تتجاوز مجرد المحتوى، لتصبح حقلًا للمعنى الذي يُنتج داخل العقل البشري. وهنا تتجلى أهمية النقد، ليس فقط كأداة تحريرية، بل كفعل واعٍ يستدعي معرفة متخصصة للرموز والقطائع والمراحل الصيرورية التي تمر بها الصورة.
ومن هذا المنظور، فاللغة النقدية لا تعمل بمعزل عن الأدوات الأخرى، بل تتكامل معها لتشكل منظومة تفسيرية متقدمة، قادرة على إعادة تركيب المعنى وتوجيه الفعل الاجتماعي. إنها وسيلة لإعادة الاعتبار للعقل الإبداعي أمام سيطرة الصورة والخطاب السريع، حيث لا يمكن لأي آلة أو تقنية، مهما كانت متطورة، أن تعيد إنتاج القدرة البشرية على الابتكار، ولا أن تحل محل الفعل النقدي الواعي الذي يتيح للفكر الإنساني أن يوازن بين السلطة البصرية والوعي الاجتماعي.
باختصار، الصورة والخطاب السريع جزء من نظام متغير، لكن العقل الإبداعي واللغة النقدية يمثلان الرافعة الإنسانية لفهمه، وإعادة صياغة إدراكه، وتوجيهه نحو معرفة واعية وحرّة، قادرة على المساهمة في تشكيل الرأي العام والمجتمع بشكل أعمق وأكثر استدامة.
فور تنمية : ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المثقف اليوم في إعادة تعريف الحقيقة، بعدما أصبحت تُصنع أكثر مما تُكتشف؟
غلمان : الحقيقة، كما نتصورها هنا، ليست مجرد معطى ثابت أو مسلَّم به، بل عملية اكتشاف متواصل، تتعدد لغاتها وتتنوع رموزها بحسب السياق والمحيط الاجتماعي والثقافي. المثقف في هذه الرؤية، هو الفاعل الرمزي الذي يشهر هذه الحقيقة كواجهة لدوره الأخلاقي والمعرفي، بحيث تصبح سلطته الرمزية مرتهنة بقدرته على كشف المعاني، وليس بمجرد الادعاء أو الادعاء بالمعرفة. هذا ينسجم مع ما ذهب إليه هانز جورج غادامير في فلسفة التأويل، حيث الحقيقة تتكشف دائمًا ضمن أفق فهم متجدد، عبر الحوار والتفاعل مع المجتمع والآخر.
المثقف، إذن، لا يحفظ الحقيقة فحسب، بل يكوِّنها ويُصوغها من خلال الفعل الأخلاقي والإبداعي، أي أنه يربط بين معرفته ووعيه بالقيم وبين علاقته بالمحيط الاجتماعي، بما يجعل من الحقيقة وعاءً يجمع فيه نمط العلاقة بين الذات والمجتمع والآخر. هنا تكمن خصوصية الدور الاعتباري للمثقف. فبدون هذا البعد الأخلاقي، تتحول الحقيقة إلى آلة نسخ فارغة، تنتج العلامات بلا معنى، وتعكس الفوضى أو الرداءة أو العشوائية التي تحكمها المصلحة الضيقة أو السلطة الرمزية المهيمنة.
وبذلك، يصبح المثقف حارسا للمعنى الأخلاقي والمعرفي، القادر على تحويل التجربة الإنسانية إلى فهم واعٍ للحقيقة، لا مجرد إعادة إنتاج رموز ومظاهر سطحية. فالحقيقة في هذه الرؤية هي مسار مستمر من الاكتشاف والمساءلة والتأمل، والمثقف هو المسؤول عن إبرازها وتوجيهها، وتحويلها إلى فعل مؤثر في المجتمع، بحيث تتجسد سلطته الرمزية في خدمة الإدراك والوعي العام، وليس في السيطرة أو الإيهام بالمعرفة.
فور تنمية : ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المثقف اليوم في إعادة تعريف الحقيقة، بعدما أصبحت تُصنع أكثر مما تُكتشف؟
غلمان : الكتابة، نقيض سؤالكم تماما، ليست مجرد نقل للأفكار أو تسجيل للوقائع، بل تمتلك سلطة رمزية، قادرة على التأثير الأفقي والعمودي في المجتمع. أفقيا، تنبع قوتها من كونها معنى ثقافي وقيمي، يربط بين الأفراد والجماعات ويخلق مساحة مشتركة للفهم والمساءلة. وعموديا، تستلهم هذه السلطة قدرتها على التحرر من الأفعال اليوتوبية أو من أي ممارسة مثالية منفصلة عن الواقع، لتصبح ممارسة مستمرة، متحررة من كل سلطة تقليدية، سواء كانت دولاتية أو مؤسساتية، دون أن تفقد صلتها بالمحيط الاجتماعي.
إنها سلطة حركية ودينامية، تراهن على التجذر القيمي كأساس، وعلى القدرة على بناء علاقات قائمة على التوازن والإنصاف والمبادرة الجريئة. وهنا يتقاطع الدور الرمزي للمثقف مع ما أكده بيير بورديو حول “الرأسمال الرمزي”، حيث تكمن قوة الفرد في قدرته على توظيف رموزه ومعانيه ضمن الحقل الاجتماعي، بحيث يمكن للكتابة أن تصبح فعلًا حيويًا ينقل القيم ويعزز المصداقية الأخلاقية والمعرفية للمثقف.
ومن هذا المنطلق، السلطة الرمزية للكتابة ليست هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة مستمرة لممارسة الحرية والفعل الأخلاقي، تجمع بين عمق التجذر وجرأة الابتكار، لتظل الكلمة أداة للتأثير والوعي، والفعل الثقافي وسيلة للحفاظ على التوازن بين الاستقلالية الفكرية والتفاعل الواعي مع المجتمع.
فور تنمية : كيف يمكن للفكر النقدي أن يظل أخلاقيًا في عالم يتساهل مع الزيف ويكافئ التكرار؟
غلمان : السؤال هنا، باعتباره مفككًا أو تفكيكيًا براغماتيًا، يسلط الضوء على قدرة الفكر النقدي على الاستقلالية الأخلاقية والمعرفية. الفكر النقدي، في جوهره، أخلاقي قبل أن يكون معرفيا أو سياسيا، فهو لا ينساق وراء صيرورات القوة أو تداخلات السلطة، ولا يتأثر بتقاطع مصالحها أو تضاربها، كما لاحظ ميشيل فوكو في تحليله للسلطة والمعرفة، حيث أشار إلى أن السلطة تحاول دائمًا اختراق فضاءات الفكر، لكن الفكر النقدي يظل مستقلًا طالما ظل واعيًا لآلياتها.
وفي هذا الإطار، الفكر النقدي يصبح مساحة بيضاء حقيقية، أي فضاء حر للإبداع والتأمل والمساءلة، يتيح للفاعلين الاجتماعيين والأخلاقيين، القيمين على الضمير والمناضلين في سبيل تحسين إيقاع العيش مع القيم، أن يتجمعوا حوله، بعيدا عن الضغوط الهيكلية والسياسية. وهذا يتقاطع فعلا مع رؤية هانا أرندت حول “القدرة على البدء” ، حيث الفعل الإنساني الحقيقي ينبع من قدرة الفرد على ممارسة الفكر النقدي بجرأة ووعي، خارج دائرة الطاعة والخضوع للسلطة.
والفكر النقدي، بهذا المعنى، ليس مجرد تحليل أو مراقبة، بل فضاء عملي وفعال لمواجهة التباسات العنف والتحليق خارج السرب، حيث يصبح النقاش الأخلاقي والمعرفي أداة للتغيير الاجتماعي والارتقاء بالقيم، لا مجرد خطاب نظري بلا أثر. إنه صراع دائم بين ما هو ممكن أخلاقيًا وما يُفرض من واقع، لكنه صراع يظل منفتحًا على الحوار والمبادرة والقيم المستقلة، ما يجعله الركيزة التي ترتكز عليها كل محاولة جادة لإعادة تنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع، بين الحرية والالتزام، بين الفعل والمعنى.
فور تنمية : في النهاية، ما معنى أن تكون إنسانًا حرًا في عالم يطالبك دومًا بالانتماء والامتثال؟ وهل الحرية الفكرية ممكنة حقًا دون أن ندفع ثمنها؟
غلمان : المعنى الابستمولوجي التداولي للحرية، أو ما يمكن تسميته “الإنسانية المستوعبة لفكر الحرية”، يتماهى مع البحث عن الحقيقة، كما سبق وأن تناولنا. الإنسان الحر بطبيعته، يحتفي بهويته الثقافية والأخلاقية، دون أن يتنازل عن جزئياتها النظرية أو معرفتها الدقيقة، بل يمارسها عبر الرضا الذاتي والتصحيح المستمر والتأمل والتسامح، والانفتاح على نبض الآخر واستماع المجتمع. هذا الفهم يضع الحرية في قلب المشروع الإنساني، حيث يصبح الفكر الحر وعاءا للمعقولية، ومنصة للعقل، ومساحة للتحرك الواعي ضمن الواقع.
وفي المقابل، فمفهوم الشرطية، الذي يكرس تقاطعات الانتماء والامتثال والطاعة، يقيد الفكر الحر ويحد من إمكانية العقلانية والتفكير النقدي. وتحت تأثير هذه الشرطية، يصبح الفكر مجالاً مشتتًا، عاجزا عن استيعاب المعقولية، وغير قادر على إنتاج الحركة الحرة الملائمة، ما يؤدي إلى ترسيخ التخلف وتوسيع هوة المجتمع.
هذا التحليل يتقاطع مع ما ذهب إليه جون راولز في نظريته عن العدالة والحرية، حيث يشدد على أن الحرية لا تتحقق إلا في سياق مؤسساتي وأخلاقي يتيح للفرد ممارسة تفكيره النقدي دون قيود تعسفية، ويذكّرنا أيضًا بما ذهب إليه برنارد ويليامز حول الاستقلال الأخلاقي للفرد، الذي يظل أساسًا للوعي والقدرة على الحكم الرشيد. وبالتالي، فالفكر الحر ليس مجرد حالة فردية، بل مشروع معرفي وأخلاقي متواصل، يتيح للإنسان أن يوازن بين هويته الفردية وواجباته الاجتماعية، وأن يمارس حرية البحث عن الحقيقة في إطار عقلاني ومنطقي، بعيدًا عن هيمنة الانتماءات المشروطة أو الطاعة المفرطة، بما يجعل من الحرية والإنسانية ركيزة للمعقولية والتحول الاجتماعي وليس مجرد شعار بلا فعل.