منير الحجوجي يكتب .. صناعة الانسان المضاد للأرض.

فور تنمية

وأنا أفكر في هذا الموعد الجميل (المؤتمر الدولي حول المناخ لسنة 2024 في باكو بأذربيجان والذي انتهى الى فشل كبير بفعل كما توقعت وتوقع الكثيرون من حملة المقاومة البيئية وقوف الشركات/المافيات العابرة للقارات في وجه أي اتفاق قد يشوش على تخريباتها الربحية)، تذكرت حادثة وقعت لي منذ مدة مع طلبة في السنة الأولى من تخصص “علوم الحياة والأرض” بالكلية “العلمية” التي أعمل بها.. أتذكر جيدا أني كنت قد سألتهم – في سياق مناقشة عرض كان قد تقدم به طالب حول كبرى المشاكل البيئية للعالم– قلت سألتهم حول أهم الملفات/المشاكل البيئية لمدينتهم.. وبعدما لاحظت اندهاشهم، سألتهم مرة أخرى بشكل رجوت منه الاستفزاز المباشر: “ألا ترون أن جرائم بيئية ثابتة ترتكب في حق مدينتكم، جرائم هي من الفداحة مما لا يمكن أن تخطئه عين علمية”؟.. وأمام استمرار ذات الاستغراب، حاولت مساعدتهم مرة ثالثة طالبا منهم أن يرفعوا أعينهم أبعد قليلا من أسوار كليتهم والنظر إلى ما “يحدث” في المناطق الشاسعة شديدة الخصوبة المحيطة بهم على مستوى طريق ايموزار وطريق عين الشقف وطريق صفرو لعلى وعسى أن “يروا” ما قصدته ب “الجرائم البيئية” المترامية (ومنها ذلكم الاجتثاث الحربي لآلاف أشجار الزيتون[ أكد لي صديق مختص في المجال أن منطقة طريق ايموزار عرفت قتل 80 ألف زيتونة في العشرين سنة الأخيرة.. أكثر مليون مرة مما أعدمته إسرائيل في فلسطين المحتلة..]).. في الحقيقة، لقد صدمت لجهل الطلبة بما يحدث أمام أنوفهم.. لكن الكارثة ليست هي هذه.. أو ليست هذه فقط.. ففي اللحظة التي كنت أحاول أن أجرهم نحو التأمل حول مخلفات هذه الحرب على المنظومات الايكولوجية على مستقبل الحياة البشرية والحيوانية والنباتية بالمنطقة، تدخل طلبة عديدون في نوع من الرد الحازم المتيقن من ذاته قائلين بالحرف: “ولكن يا أستاذ، كيف يمكن أن يحصل كل واحد منا على سكن إذا لم نقتلع الأشجار؟؟ !!! “.. تصوروا طلاب “علوم حياة وأرض” يدافعون بعفوية شرسة عن سياسات مضادة للحياة والأرض..
اسمحوا لي الأن بهذا التعليق.. ما حصل مع هؤلاء الطلبة يشير بقوة الى فشل النظام التعليمي وعلى كل المستويات في منح الطلبة معرفة بيئية.. إن من أكبر مشاكل التعليم عندنا ربطه لكل “التكوينات” بحاجات السوق وحده، في تغييب واضح للأنساق الأخرى.. اللعبة مشبوهة جدا في وضوحها: يجب منع أية معرفة قد تشوش على سياسات الحكامة.. على السياسات التنموية الشهيرة.. على استراتيجيات الربح/التخريب السعيد..
وإذا كان النظام الأولي/الثانوي المفروض فيه أن يكون فضائنا الأول لتدريب أطفالنا على المبادئ البيئية يتحرك خارج الفكرة البيئية، خارج أي هم بيئي، فان أقصى ما نعثر عليه في بعض “تخصصات” التعليم العالي هو مادة تحت عنوان محيط Environnement لا تتجاوز تدريس فتاتات/تفاهات معرفية تحت مسمى تطهير[ سأفاجأ بما قالته لي صديقة ناقشت مؤخرا أطروحة في الجيولوجيا حول “الايكولوجيا” التي درسوها لهم في الماستر.. تفاهات خطيرة.. خارج الايكولوجيا.. مصيبة..] Assainissement.. يمنح التعليم العالي (أي بعبارة أخرى الدولة، المالكة الجذرية للمؤسسة التعليمية) الوهم بتبنيه لرؤية بيئية، لكنها رؤية كما هو واضح بلا ملامح بيئية.. ان جذر الشر هو هذا: مدرسة/جامعة/دولة/مركب من اللوبيات الصناعية/العقارية لايمكن أن تسمح بانبثاق وعي بيئي جذري قد يعري على ألعابها الملغومة..
الخطر، كل الخطر، في سياسات “تربوية” تفصل سؤال التربية عن سؤال البيئة.. إن مدرسة لا تدرس/تفتح على القضايا البيئية ليست بمدرسة.. إن مهندسا بلا نظرة شمولية للأرض، للحياة، للمستقبل ليس بمهندس، هو مهندس أمي، Anegénieur لا Ingénieur.. ستكون كل سياسة “تربوية” بلا أية قيمة إن لم يكن هدفها، رهانها هو الأرض، الدفاع عن الأرض في وجه الغباءات “التنموية”.. مستقبل البلاد، مستقبل حضورنا في مغرب/عالم مهدد ب”تحولات” بيئية/سياسية غير مسبوقة مستحيل خارج غرس الفكرة البيئية الاستراتيجية داخل عقولنا.. هناك استعجال تربوي، أي سياسي: أن ننبه بقوة الى فداحة الاستمرار في أوهامنا “التنموية”.. الى فداحة وهم أنه من الممكن الاستمرار في القضم الى ما لا نهاية.. إن الاستمرار في “التجاهل” هو لا أقل ولا أكثر تواطؤ مع الكارثة.. نحن نعلم أن الرأسمال الدولي/المحلي يهمه جدا أن يعتقد الناس أن الفعل الإنتاجي يحدث في فراغ، أن لا أثر للفعل الإنتاجي على الإطارات الحيوية، كما لو أن الأرض كتلة ميتة، شيء بلا هوية، بلا وجه، بلا شعور، بلا حياة، “شيء” تافه، شيء هو هنا نأتي لنضع فوقه “مشاريعنا”.. شيء، بداهة، يتحمل الى ما لا نهاية..
في الختام هذه الحادثة.. قبل أشهر استدعيت لتنشيط ورشة مع مهنيين حول بعض النظريات التواصلية.. طلبت في أول لقاء أن يقوم كل واحد (ة) بتقديم حلمه الأكبر في الحياة.. أتذكر جيدا أن أحدهم تقدم معلنا عن صفته باعتباره يشتغل في إدارة/قطب بيئة في مصنع كبير لإنتاج الاسمنت.. أعجبت بكون مؤسسة مهمة تضع الأرض ضمن أجندتها.. سألته عما يقوم به فعليا.. قال لي بالحرف “لا شيء تقريبا”.. وعندما طلبت رأيه في ذلك الاجتثاث الرهيب لألاف أشجار الزيتون تحت أعينه بالمنطقة، أجاب:
HHHHH… C’est notre mission. Bah oui…..Comment voulez-vous qu’on vende notre produit……..”..
الهمج الذين نتنفس معهم هواء الأرض..

Comments (0)
Add Comment