سلوك المتعلمين بين وطأة الضغوط النفسية وضعف التحصيل الدراسي

فور تنمية : فدوى هاشم

يشهد الواقع التربوي المعاصر تحولات متسارعة تمس مختلف أبعاد العملية التعليمية، وفي مقدمتها الجانب النفسي للمتعلم. فالمدرسة لم تعد فضاءً معرفيًا محضًا، بل أصبحت مجالًا يعكس بصورة مباشرة آثار الاضطرابات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الطفل داخل الأسرة والمجتمع. ومع ازدياد حدة الضغوط اليومية، وتراجع الروابط الاجتماعية الداعمة، بات من الضروري دراسة السلوك المدرسي كمنظومة دلالية تعبّر عن الحالة الوجدانية للمتعلم، لا كمجرد تصرف عرضي أو انحراف سلوكي.

تُظهر الملاحظة الصفية أن أشكال السلوك غير التوافقي – من عدوانية، انسحاب، لامبالاة، أو تشتت – غالبًا ما تكون استجابات دفاعية أمام ضغوط نفسية غير مفهومة من طرف المتعلم نفسه. فالتلميذ الذي يُظهر رفضًا للتعلم، قد لا يعارض المدرسة بقدر ما يعبر عن خوف أو قلق متجذر من الفشل أو التوبيخ أو المقارنة.

وقد أثبتت المدرسة الإنسانية في علم النفس التربوي، كما صاغها كارل روجرز (Rogers, 1969)، أن التعلم الحقيقي لا يتحقق إلا في بيئة يسودها القبول غير المشروط والتفهم الوجداني. فحين يشعر المتعلم بالأمان والانتماء، ينفتح على المعرفة بدافعية داخلية قوية. ويتقاطع هذا الطرح مع نظرية ماسلو (Maslow, 1943)، التي اعتبرت الأمن النفسي حاجة أساسية تسبق الرغبة في التعلم، إذ لا يمكن للطفل القلق أو الخائف أن يستوعب أو يبدع مهما كانت قدراته المعرفية.

وفي السياق ذاته، يرى فيغوتسكي (Vygotsky, 1978) أن التعلم فعل اجتماعي وجداني في آنٍ واحد، وأن النمو المعرفي لا يتم بمعزل عن السياق الاجتماعي الانفعالي للطفل. فالتفاعل الإنساني الداعم هو الذي يخلق “المنطقة القريبة من النمو” التي من خلالها يتطور المتعلم معرفيًا وعاطفيًا.

أما الدراسات الميدانية، فقد أكدت هذا الارتباط بين البعد النفسي والتحصيل الدراسي. ففي دراسة مغربية أنجزتها فاطمة الزهراء العلوي (2020) حول الضغوط النفسية المدرسية وأثرها على التحصيل الدراسي في التعليم الابتدائي بمديرية عين الشق، خلصت النتائج إلى أن القلق المدرسي والشعور بالإهمال من أكثر العوامل تأثيرًا في ضعف الأداء الأكاديمي لدى التلاميذ.

كما أشار تقرير اليونيسف (UNICEF, 2022) إلى أن ما يقارب 40٪ من المتعلمين في العالم العربي يعانون من ضغوط نفسية مدرسية متفاوتة، تتراوح بين الخوف من الفشل والشعور بانعدام التقدير الذاتي، مما ينعكس سلبًا على التحصيل والاندماج المدرسي.

وفي السياق الدولي، أبرزت تجارب التعليم في فرنسا وكندا نجاح نموذج المرافقة النفسية التربوية (Ministère de l’Éducation nationale, 2019) الذي يعتمد على التعاون بين الأخصائي النفسي والمعلم والإدارة لتوفير دعم شامل للمتعلم، وهو ما بدأت بعض الأكاديميات المغربية، كأكاديمية الدار البيضاء سطات (2023)، في تبنيه تدريجيًا من خلال إحداث خلايا للإنصات والتوجيه النفسي بالمؤسسات التعليمية.

كما تؤكد الباحثة الفرنسية إيزابيل فيليو (Filliozat, 2017) أن “كل سلوك غير منضبط هو في جوهره نداء للمساعدة لا تحدٍ للسلطة”، وهي عبارة تلخص جوهر المقاربة الإنسانية في التربية: الإصغاء قبل الحكم، والفهم قبل التصحيح.

وتتلاقى هذه المعطيات النظرية والدراسات الميدانية مع ما توصلتُ إليه في بحث التخرج الخاص بي خلال الموسم الدراسي 2024/2025 حول موضوع «تأثير المرافقة النفسية في تجويد التعلمات لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم».
إذ بيّنت نتائج البحث الميداني أن الأطفال الذين استفادوا من مواكبة نفسية تربوية منتظمة أظهروا تحسّنًا واضحًا في مستويات التحصيل الدراسي والسلوك الاجتماعي داخل القسم، مما يؤكد أهمية التكامل بين الدعم النفسي والبيداغوجي كمدخل فعّال لتجويد التعلمات.

إن المتعلم الذي يجد في قسمه بيئة آمنة ومتفهمة يصبح أكثر استعدادًا للتفاعل والمشاركة، ويستعيد ثقته في ذاته وفي قدرته على النجاح. لذلك، لا يمكن عزل التحصيل الدراسي عن الحالة النفسية، ولا تقييم التعلم بمعزل عن المناخ الوجداني الذي يحتضنه.

لذلك ارتأينا اقتراح مجموعة من التوصيات التي من شأنها المساهمة بشكل إيجابي في التخفيف من وطأة هذه الضغوط النفسية التي تنعكس سلبا على عملية التحصيل الدراسي وهي كالتالي:

إدماج حصص للمرافقة النفسية ضمن الزمن المدرسي، خاصة في التعليم الابتدائي، باعتبارها أداة وقائية وعلاجية تسهم في تحسين المناخ المدرسي.

تكوين الأساتذة في علم النفس التربوي والتواصل الوجداني، لتمكينهم من فهم السلوك التلاميذي وتأويله تربويًا بدل التعامل معه بعقاب مباشر.

تفعيل خلايا المرافقة النفسية داخل المؤسسات التعليمية بشكل دائم، مع ضمان تعاون فعّال بين الأخصائيين النفسيين والإداريين والمدرسين.

تحسين البيئة الصفية من حيث الجماليات والإضاءة والألوان، لما لها من أثر مباشر على الحالة الانفعالية للمتعلم (جامعة محمد الخامس، 2021).

تعزيز التواصل بين الأسرة والمدرسة لضمان استمرارية الدعم النفسي للطفل في المنزل كما في المدرسة.

تشجيع المقاربات التحفيزية القائمة على الثقة والتقدير بدل المقاربات العقابية، لترسيخ الدافعية الذاتية نحو التعلم.

وأخيرًا، لا يمكن الحديث عن تجويد التعلمات دون الحديث عن الراحة النفسية. فالتعلم ليس عملية عقلية بحتة، بل تجربة إنسانية تتطلب قلبًا مطمئنًا قبل عقل متفتح. المعلم الذي يعي هذه الحقيقة يتجاوز حدود المقرر، ليصبح مرشدًا للطفل في رحلته نحو ذاته.

وحين يجد المتعلم في مدرسته من يصغي له، لا يعود السلوك تحديًا، بل وسيلة تواصل، ولا تعود الصعوبات الدراسية علامة ضعف، بل بداية طريق نحو الفهم والنمو.
التربية الحقيقية، في جوهرها، هي فنّ الإصغاء إلى الإنسان الصغير داخل كل متعلم، قبل تلقينه دروس الحياة

 

المراجع المعتمدة

ماسلو، أبراهام (1970). الدوافع والشخصية. نيويورك: دار هاربر أند رو للنشر.
(Maslow, A. H. (1970). Motivation and Personality. New York: Harper & Row Publishers.)

فيغوتسكي، ليف (1978). العقل في المجتمع: تطور العمليات النفسية العليا. كامبريدج: مطبعة جامعة هارفارد.
(Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Cambridge, MA: Harvard University Press.)

روجرز، كارل (1969). الحرية في التعلم. كولومبوس: دار تشارلز ميريل للنشر.
(Rogers, C. R. (1969). Freedom to Learn. Columbus, OH: Charles Merrill Publishing Company.)

فيليو، فيليب (1996). التربية بين الطموح والواقع. ترجمة محمد الدريج. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.
(Meirieu, P. (1996). Pédagogie : Le devoir de résister. Paris: ESF Éditeur.)

العلوي، فاطمة الزهراء (2020). المرافقة النفسية والتربوية للمتعلمين في ضوء المقاربة الديداكتيكية الحديثة. الرباط: دار إفريقيا الشرق.

هاشم، فدوى (2025). تأثير المرافقة النفسية في تجويد التعلمات لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم. بحث لنيل الإجازة في علم النفس، كلية عين الشق – الدار البيضاء.

اليونسكو (2021). تقرير رصد التعليم العالمي 2021: التعليم من أجلu التنمية المستدامة. باريس: منشورات اليونسكو.
(UNESCO, 2021. Global Education Monitoring Report 2021: Education for Sustainable Development. Paris: UNESCO Publishing.)

Comments (0)
Add Comment