الصحفي حمزة الفضيل يكشف في حوار مع فور تنمية خبايا الإعلام البديل وحراك جيل زد
فور تنمية.حاوره منير الحجوجي
في حوار خاص مع جريدة فور تنمية، يستعرض الصحفي حمزة الفضيل، مؤسس قناة مثلث، تجربته الإعلامية والفكرية، مسلطًا الضوء على المسارات التي شكلت وعيه النقدي منذ الطفولة وحتى انخراطه في النقاش العام والسياسي بالمغرب. يفتح الفضيل ملف الإعلام البديل، ويتحدث بصراحة عن التحديات التي يواجهها في مواجهة السلطة والذباب الإلكتروني، كما يقدم قراءة عميقة لمشهد الاحتجاجات الشبابية، خاصة جيل زد الذي يمثل تيارًا ناشئًا يسعى لإعادة صياغة الحراك الاجتماعي والسياسي في المغرب. الحوار يجمع بين الرؤية الشخصية والاشتباك الاجتماعي، ليكشف عن ديناميات الشباب المغربي وإمكاناتهم في مواجهة الأعطاب المجتمعية والإعلامية.
فور تنمية : الأستاذ حمزة الفضيل، مرحبا بك في مشروع هذا الكتاب الذي يريد تخليد لحظة جيل زيد أكاديميا ان صح التعبير.. في البداية هل لك أن تعرفنا بمسارك قبل إطلاق قناتك الشهيرة “مثلث”؟ بعبارة أخرى، متى حصلت عندك ما يمكن أن نسميها هزة الوعي الاشتباكية مثلما نعاينها في مجموع مداخلاتك؟
حمزة الفضيل: في البداية أشكركم على منحي هذه المساحة الحرة، لأبث فيها رؤيتي للأشياء كما تبدو لي.
فكرتُ مليا في سؤالكم، ووجدتني لاشعوريا أسبح في ذاكرتي، أبحث عن معالم ما أفضل تسميته بالقطائع الكبرى في مساري الصغير.. وأعني بالضبط ما أطلقتم عليه هزات الوعي الاشتباكية.
الهزة الأولى
نشأتُ في بيئة تقليدية محافظة، في حي شعبي يمتح من الموروث الديني في كل مفاصل الحياة اليومية.. في طفولتي المبكرة كانت والدتي هي كل المجتمع بالنسبة لي، وكنت أعتقد أن جميع من يمثُل خارج دائرة أسرتنا الصغيرة يشبهنا، أو على الأقل يؤمن بما نؤمن به.
هذا الجو المحافظ الذي نشأتُ فيه وعشت طفولتي تحت تأثيره، ومن داخله كونتُ أولى تمثلاتي عن العالم، والحكايات الدينية الحُبلى بالمثالية المفرطة، والرسوم المتحركة اليابانية، جعلني كل ذلك أفهم بسذاجة مفرطة بأن الخير دائما ينتصر.. وأن الشر عابر.
سرعان ما يكبر الإنسان، وينتهي به المطاف بين أحضان المجتمع.. المجتمع كما هو، وليس مجتمع والدتي وقيمها المُثلى.. وهنا تحدث أولى القطائع والانعطافات الكبرى.. حين وعيتُ بالمسافة الصارخة والهوة المتسعة بين ما كنت أعيشه في مخيالي، وبين المُتاح، كل المُتاح في الواقع.
هذه الصدمة التي أحدثها عسر فهمي للواقع، ومحاولة التكيف معه، جعلاني أتيقن أن الشر متأصل في العالم.. وبأن السبيل الوحيد لمواجهته هو فعل المقاومة.
الهزة الثانية
بإمكاني القول أن الحراك الذي عرفه المغرب إبان ما سمي بالربيع العربي، سنة 2011، قد نقلني إلى قلب المعترك، ووجدتُ نفسي معنيا بالصراع..
أضفى الحراك على كياني -كما الكثير من أبناء جيلي- أفقا سياسيا، وأرخى علي ظلاله الدافئة..
خلال الحراك وما تلاه لسنوات معدودة، كان المغرب يعيش حالة استثنائية في المستوى السياسي، وكان النقاش العمومي حاضرا بقوة.. تراجعت السلطة مرغمةً وأفسحت المجال لرجل السياسة.
الهزة الثالثة
سرعان ما أهدى القدر قبلة الحياة للسلطوية في المغرب.. إنها سنة الكوفيد، حيث تغولت السلطة بدافع حمايتنا من الطاعون المخيف.
عادت الدولة فملأت المساحات التي تركتها فارغةً، وتحكمت في مداخل الشارع ومخارجه، ووجدت الفرصة متاحة للانقضاض على مكتسبات حراك 20 من فبراير.
نحن إذن نعيش على إيقاع التدافع، والصراع على المساحات الشاغرة..
الهزة الرابعة
شهورا بعد الكوفيد، أجدني منغمرا في قراءة مؤلفين للأستاذ منير الحجوجي، المغرب وسؤال المصير، وإلى أين يسير المغرب.
لقد قفزا بي شوطا عظيما.. فكانا تتويجا لمسار الاشتباك خاصتي.
تمنحك كتابات منير الحجوجي، بالإضافة إلى التشخيص الدقيق والصارم للواقع، الخارطة المثلى لتفعيل عنصر المقاومة وتوجيه الصراع نحو المواضع الحقيقية.. الصراع بين مغرب الفرد ومغرب الجميع.
فور تنمية : نود أن نعرف ان سبق لك أن تعرضت في القناة لضغوط ما، نحن نعرف أن القناة استضافت ضيوفا رفعوا في بعض المرات السقف عاليا؟
حمزة الفضيل: لو سمحتم دعوني أضع بين أيديكم هذه التوطئة قبل الإجابة على سؤالكم..
في المغرب ما تزال صناعة البودكاست في مرحلتها الجنينية، تنمو ببطء شديد، على عكس دول شقيقة حيث عرف البودكاست فيها نقلة نوعية ومسارا متفردا، مثلما يشهد العالم أجمع.
هذا البطء يعزوه الكثير من المتتبعين، إلى العلاقة المتوترة بين السلطة في المغرب والإعلام.. فالسلطة ما تزال تعتبر الإعلام المستقل عنصر تهديد لها، لذلك تحاول بكل الوسائل ضبطه والتحكم فيه، ولما لا إرباكه كخطوة استباقية.
اليوم، لدينا نقص حاد، فيما يتعلق بالبودكاست الحواري السياسي، وعندما خضنا التجربة، وجدنا الساحة شبه فارغة، اللهم من بعض التجارب المحدودة والمعدودة.. أستحضر اللحظة أربعة نماذج لا أكثر.. وبلغة الأرقام فذلك يعني : بودكاست سياسي واحد لكل 9 ملايين نسمة.
توقعنا في البداية أن خوض هذه المغامرة لن يكون يسيرا، خصوصا في سياق لا يسمح لك إلا باجترار الكلام المكرور عند الحديث في السياسة.. وتجرأنا بكل مسؤولية على رفع مستوى سقف النقاش إلى درجة ملامسة المحظورات السياسية.
وإلى حدود اللحظة، لم نتعرض إلى أي شكل من أشكال التضييق من طرف السلطة.. وبكل صدق ليس لدي أي تفسير لذلك.. لكننا في مثلث سعداء بهذا الهامش من الاشتغال بحرية.. نرجو له الدوام.
لا يعني ذلك أننا نعيش عصرا ورديا للحريات، فأنا أتعايش يوميا مع الأخبار المؤسفة التي تردنا عن المضايقات التي يتعرض لها النشطاء السياسيين والحقوقيين بجميع أصنافهم وتلاوينهم.
فور تنمية : على الفيسبوك وغيره من المنصات غالبا ما كنا نصادف تدوينات وتعاليق تريد التشويش على عملك، ولربما على تحركاتك؟ كيف تقرأ الأمور مع انقشاع الغبار الأن؟ وماذا تقول للجيل الجديد أمام هذا النوع من التحرشات؟ ما هي في تقديرك استراتيجية التعامل الجيدة مع غربان الظلام؟؟
حمزة الفضيل: من الطبيعي جدا، عندما تقرر الحديث عن الاختلالات في الخيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة، أنْ تواجه ردود فعل قاسية من طرف ما نصطلح عليه بالذباب الإلكتروني، الذي لا يهمه النقاش الجاد بقدر ما يهمه التبخيس من أي محاولة لفهم ما يجري خارج السردية الرسمية أو المتواطئة مع آلة التخريب.
اليوم نحن على يقين بأن ثمة جيش من الذباب المنظم والمؤدى عنه، يلاحق التدوينات النقدية والخرجات الإعلامية لبعض الفاعلين والنشطاء، ويُثقلها بالسب والطعن والمس بالحياة الخاصة.. ولم يعد خافيا على أحد، الجهات التي تستخدم هذا الذباب وتحاول من خلاله ترويض الرأي العام وتحوير النقاشات الجادة..
ثمة نوعان من هذا الذباب: النوع الأول يختفي خلف حسابات وهمية، يتم تسييرها بطريقة روبوتيكية، ويستطيع بعض المختصين كشف استراتيجية توجيهها.
النوع الثاني، يظهر بوجه مكشوف، مدفوع من جهات معروفة داخل السلطة، ويتتبع على وجه الخصوص الصحافيين المستقلين.
الخطير، في الآونة الأخيرة انتعشت ما يسمى بصحافة التشهير، وهي منابر يفترض أنها ظهرت لتنوير الرأي العام حسب ما تقتضيه أخلاقيات مهنة الصحافة، لكنها مع الأسى والأسف، تمتهن النهش في أعراض الصحافيين المستقلين والمعارضين السياسيين، والنيل من سمعتهم.
بدورنا في منصة مثلث، تعرضنا لحملات مشابهة، قادها بعض المقربين من الاستخبارات (حسب ما يُشاع).. خصوصا عندما استضفنا في بودكاست بصيغة أخرى شخصيات مغضوب عليها.
منذ انطلاق تجربتنا، قررنا أن نعتبرها أصواتا نشازا، واعتبرنا أن أنجع طريقة للتعامل معها هي تجاهلها ما أمكن.. لأن الرد عليها، يستنزف الطاقة التي من المفترض أن تُوجه للصراع الحقيقي ومع الأطراق الحقيقية.
فور تنمية : أنت واحد ممن يتحركون على الأرض ضمن حراك جيل زيد.. ما هي الأمور التي نراها على الأرض ولانراها على الشاشات؟؟ كيف هم شباب جيل زيد فيزيقيا؟
حمزة الفضيل: شاركتُ في احتجاجات جيل زد تلقائيا ودونما تردد أو الحاجة إلى التفكير في اتخاذ هذا القرار، وذلك لأسباب عديدة.. منها إيماني الشديد بأن الشارع يظل الفضاء الوحيد الذي يحتضن غضبنا..
شغفي بالشارع ظل يرافقني منذ حراك 20 فبراير 2011، وطالما عدتُ بذاكرتي بنوع من الحنين إلى تلك اللحظات التي عرفها المغرب والعالم العربي، حيث لا كلمة سوى كلمة الشعب..
شاركتُ كذلك، لأنني مؤمن بأن النخب التقليدية، غدت غير ناجعة، ولا يمكنها أن تكون جزءا من الحل، وأن أي تغيير ينبغي أن يكون جذريا.. لأننا جربنا الترقيع لعقود طويلة، والنتيجة واحدة: مزيدا من الأعطاب.
شباب حركة جيل زد، ليسوا كتلةً متجانسة، هم كما أبناء كل جيل.. خصوصيتهم الوحيدة في نظري، أنهم جاؤوا في وقت أصبحت فيه أدوات التواصل والاتصال أكثر توفرا.. أعني أنهم فتحوا أعينهم على العالم، أكثر من أي جيل مضى.
هذا الجيل يرتبط بالعالمي أكثر أو يساوي ارتباطه بالمحلي.. وهذا معطى حاسم، إذا اعتبرنا أن الشباب اليوم، ينظرون إلى أحوالهم نظرةً مقارنةً بأحوال نظرائهم في العالم الأول، وبالتالي يتسرب اليأس والغضب إليهم، عندما تظهر لهم أن الفجوة كبيرة بين النموذجين (هنا وهناك).. نموذج هناك، حيث يحتل فيه الشاب الأولوية المطلقة في الحياة العمومية، ونموذج هنا، الشاب فيه أكثر المتضررين من سوء تدبير الشأن العام، والأرقام صادمة في هذا الصدد..
فور تنمية : في بداية الحركة خرج البعض يعتبر جيل زيد من صنيعة جهات تريد تفجير النظام بعدما فشلت في ذلك أيام حراك العشرين من فبراير.. وهناك من اعتبر الحراك من تدبير جهات أرادت التشويش على النظام على مقربة من تصويت مجلس الأمن في ملف الحكم الذاتي؟؟ قراءتك؟
حمزة الفضيل:
من المؤسف أن النظام المغربي لا يجدد أدوات التحكم والضبط.. اتهام أي تحرك احتجاجي غير راضٍ عن الأوضاع، بأنه صنيعة خارجية، هو اتهام جاهز وقديم واجهت به السلطة دائما معارضيها.. والهدف هو إحداث أكبر تشويش ممكن في ساحة النضال.
لقد قلت في مناسبات عديدة من باب السخرية، بأن هذه الجهات الخارجية -المُفترى عليها- التي تريد منا إصلاح الصحة والتعليم (وهما المطلبان الأكثر إلحاحا في حراك جيل زد) يجدر بنا أن نستوردها لتخوض الانتخابات، وعلى الأرجح سوف تفوز بالرتبة الأولى باكتساح.
الحقيقة أن هذا الحراك، عفوي وابن لحظته.. إن جميع المبررات التي تدعونا للاحتجاج قائمة.. والمحرك الوحيد الذي حرضنا، هو سوء الخدمات العمومية، والأعطاب المتفاقمة في مجالات الصحة والتعليم وفرص الشغل والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم والغلاء….إلخ
فور تنمية : بعض الفاعلين من قلب المنظومة اليسارية “الراديكالية” اعتبروا أن الحراك تنقصه بوصلة ماركسية/لينينية، اعتبروا أنه حراك عفوي لايغني ولايسمن من جوع، وأنه سينتهي بسبب هشاشة رؤيته، بسبب “مراهقته” السياسية؟
حمزة الفضيل: العفوية أمر مطلوب ومرغوب، لكن في الثلاث ثواني الأولى فقط، لأنها سرعان ما تتحول إلى عشوائية.
ما ينقص حراك جيل زد هو وعيه بحقيقة الصراع أولا، ثم الوعي بضرورة القفز إلى الشوط الثاني ثانيا، وأعني أن يسلك الحراك مسلك التنظيم المحكم.
مشكلة حركة جيل زد، أنها أتاحت الطريق نحو الاستفراد بها وعزلها عن باقي القوى الحية والفاعلة داخل المجتمع..
الشباب لم تكن لديهم التجربة الكافية للذهاب بالاحتجاج إلى مداه الأبعد واستنفاذ ممكناته إلى الحدود القصوى.. وظنوا أن الحماس وحده كافٍ وزيادة، لكن الواقع يقول شيئا آخر، والميدان له قواعده التي لا يجب القفز عليها.
ومن جانبها، فإن القوى الحية/الديمقراطية تتحمل جزءا من مسؤولية فتور الحراك.. من جوانب مختلفة، أبرزها أنها أظهرت فشلها في بناء جسور التواصل بينها وبين شباب جيل زد خلال السنوات الأخيرة.. مما جعل العلاقة متوترةً ومرتبكة.
ثم إن هذه القوى كان ينبغي أن يكون لها السبق في النزول إلى الشارع وتأطيره.. لكن تعثرها وترددها -وربما شروخها الداخلية- جعلها تبدو أنها بعيدة عن هموم وأعطاب المجتمع.
فور تنمية : أنت تعرف أن الاعلام الرسمي ميؤوس منه.. هل تعتقد أن الاعلام البديل الممول شعبيا قد يصمد أمام تموجات المرحلة؟ وكيف ترى الخطوات لجعل هذا الاعلام يتقدم ولم لا ينجح في أن يحكم السيطرة على انتاج المعنى؟
حمزة الفضيل: يجب أن نتفق في البداية على أن الإعلام الرقمي/البديل موجة عالمية، يصعب تجاوزها.. لا يعني ذلك أن وسائل الإعلام التقليدية فقدت مكانتها كليا، لكنها بدأت تتراجع في مستوى التأثير لقاء ما ينتج في عالم الويب.
اليوم صار بإمكان الجميع، أن ينتج موادا إعلامية ببساطة شديدة، يكفي أن يتوفر على هاتف ذكي.. وبالتالي فزمن احتكار قطاع الإعلام انتهى.. وبالخصوص أننا في زمن الذكاء الصناعي.
وقد تنبهت وسائل الإعلام التقليدية في العالم الأول لهذه المعطيات، وبدأت تحاول التأقلم مع الوضع الجديد، بمختلف الإمكانيات، وانفتحت بشكل كبير على العالم الرقمي.
في المغرب ما تزال العقلية المتحكمة في قطاع الإعلام، تعمل وفق نماذج ماضوية، لا تستطيع التلاؤم مع مستجدات الاتصال والتواصل.. ولا زال الإعلام العمومي يعتقد أنه المصدر الوحيد للمعلومة.. ما من شأنه زيادة الفجوة بينه وبين المتلقي والمستهلك.
لا يمكن أن ننفي تأثير الإعلام التقليدي في المغرب على الرأي العام، لكنه يتراجع شيئا فشيئا لصالح الإعلام الرقمي/البديل، خصوصا وأن هذا الأخير يعمل بقواعد مختلفة تماما، تتلاءم مع تطلعات المستهلك الجديد.
إن سقف الحرية الذي تتيحه وسائل الاتصال الحديثة، وسهولة الولوجية، وتكاليف الإنتاج المنخفضة، زيادةً على إمكانية التفاعل الآني للمستهلك مع المحتوى المنشور.. كلها عوامل تجعل من هذا النوع الجديد من الإعلام، أكثر انتشارا وأنجعَ تأثيرًا.
الوعي بهذه المتغيرات، ساهم في هجرة الكثير من الفاعلين الإعلاميين من حقل الإعلام التقليدي إلى حقل صناعة المحتوى.
فور تنمية : في قناة فرنسية شهيرة هي ربما فرانس 2، كان هناك قبل عقود برنامج جميل جدا اسمه arrêt sur images وكان الضيوف يحللون فيه ما يمر في القنوات العمومية خلال أسبوع من منظور نقدي اشتباكي راديكالي في بعض الأحيان.. نتذكر هنا مرور بيير بورديو مثلا في حلقة شهيرة ضمن البرنامج.. ألا ترى أن خلق اعلام بديل مهم لكنه لايكفي وأن النضال يستوجب أيضا الهجوم المضاد، يستوجب تفكيك أليات السيطرة السلطوية؟
حمزة الفضيل: أفترض أن السلطة لن تقف مكتوفة الأيدي، بينما تتنامى تجارب جادة في مستوى الإعلام البديل/الرقمي/صناعة المحتوى.. بل ستحاول التغول لخلق إعلام مضاد للإعلام الجاد.. ولما لا إقبار التجارب الناقدة، كما سبق أن فعلت مع صحف ومجلات ذات نفس نقدي في السابق.. لو جورنال، نيشان، الصحيفة، أخبار اليوم….إلخ.. وكما فعلت مع صحافيين اعتبرتهم صوتا مزعجا.. توفيق بوعشرين، سليمان الريسوني، عمر الراضي، علي المرابط، واللائحة طويلة…
وبالتالي فالأهم اليوم، ليس فقط هو إطلاق تجارب إعلامية بديلة، بل الأهم هو تحصينها اقتصاديا من المحاصرة، وحقوقيا من التضييق، وقانونيا من المتابعات الظالمة.
ومن جهة ثانية، على الإعلام البديل أن يفهم أن الصراع بينه وبين آلة السلطة الإعلامية، هو صراع على الرأي العام، أي من له القدرة على التأثير في أكبر قدر من المتلقين ؟.. هنا يستوجب علينا أن نفهم أننا بحاجة إلى إعلام بديل اشتباكي يخلق البديل قولا وفعلا.. أنْ يطرح أجوبة حقيقية عن الأسئلة الحارقة.
إن الاستقرار والمهادنة اللذان لا يخلقان بديلا عن السردية الرسمية، تجعل من الإعلام البديل مجرد موجة عابرة، بدون أثر.
فالسلطة لا تخاف من الإعلام البديل فقط لأنه بديل، بل تخافه إذا صار يطرح رؤى تناقض السرديات الرسمية، وإلا فإنها (أي السلطة) لا تجد مانعا من تكاثر محتويات رقمية لايت، خفيفة، تنسى كأنها لم تكن ولا تهتم بالقضايا الكبرى.
فور تنمية : ألا تعتقد أستاذ حمزة أن الأسياد هم أسياد ليس لأنهم أقوياء ولكن لأننا نركع؟ وأن مشكلتنا هي “النحن” أولا؟
حمزة الفضيل: من المهم جدا، إلى جانب نقد وتفكيك آليات الافتراس، أنْ نسلط الضوء أيضا على جانب مازال لم يأخذ نصيبه من الاهتمام، وهو نقد وتفكيك الاستعداد المسبق لدى الشعب للانبطاح.
مشكلتنا تتلخص: انشغال الذات بالذات، استهلاكا وترفيها، وإهمال القاعدة الكبيرة : أن هذه الذات لا معنى لوجودها سوى بوجود الآخر.
إن الأسياد، يلعبون على وتر تفكيك العلاقات البين-بشرية.. وتحجيمها إلى الحدود القصوى.. ونجحوا في ذلك إلى مديات بعيدة للأسف.
عندما تعزل آلة الافتراس العالمية الفرد عن محيطه/عالمه/الآخر، يسهل عليها الانقضاض عليه والتحكم في مساراته.
لقد حول النظام العالمي العلاقات التواصلية بين الناس، إلى علاقات توصيلية.. كما تتصل الآلات ببعضها.. ومواجهة هذا المد الجارف لن يكون إلا بالعودة إلى قاعدة : أنا من أجل الآخر والآخر من أجلي.
فور تنمية : في الأخير، كيف ترى مغرب العقد القادم؟ هل تراه قد تخلص من بردغم تبين عبثه العابث؟ بردغم اللهم كثر حسادنا؟ أم أنك تراه يتجه بكامل سعادة العالم نحو نهايته المحتومة
؟
حمزة الفضيل: بكل صدق، لستُ متفائلا بمستقبل الأشياء في المستوى القريب والمتوسط، وقد يبدو في هذا شيء من التناقض، بين تشاؤمي من جهة، وانخراطي في الاشتباك والمقاومة من جهة أخرى.. يبدو للوهلة الأولى أنهما أمران لا يلتقيان.
أقول، أني وإن كنت غير متفائل، لكنني كذلك غير مصاب بالاكتئاب السياسي.. هذا أولا، وثانيا والأهم، هو أنني أنتمي لمدرسة “فعل الواجب لأنه واجب” بصرف النظر عن نتائجه.
فعل المقاومة والاشتباك مع القضايا الحارقة، في ظني هو واجب أخلاقي بالدرجة الأولى.. وأمارس اشتباكاتي من هذا المنطلق، سواء كنت متفائلا إزاء تبعاتها أو متشائما.
من جانب آخر، ينبغي القول أن الخيارات الاستراتيجية الكبرى التي اختارتها السلطة في المغرب، لاوطنية، قولا واحدا.. وستدفعنا قدما نحو الهاوية، في عالم متغول لا يعترف إلا بالقوة.. المغرب اختار أن يكون تابعا، لا متبوعا.. وهذه هي الأزمة الحقيقية في عمقها، أما التالي فهو مجرد تفاصيل غير ذات أهمية في المعادلة.
