كدية المنيب بصخور الرحامنة : نقوش تُعيد كتابة تاريخ الإنسان القديم في المغرب
فور تنمية الباحث الأستاذ:عبد الخالق مساعد
أمودو صخور الرحامنة الأستاذ:عبد الخالق مساعد
لهذا الكوكب الذي نعيش فيه “كوكب الأرض” حياة ضاربة في القدم ، ولا يمكن أن نتعرف عن تاريخ الحياة فوقها إلا بدراسة العصور والأزمنة البعيدة والفترات الزمنية السحيقة التي مرت منها . فما هي عصور التاريخ التي مر منها هذا الكوكب .؟
تنقسم العصور التاريخية إلى عصور ما قبل التاريخ، وعصور التاريخ :
1- عصور ما قبل التاريخ وتقدرب : منذ ظهور الإنسان حتى اختراع الكتابة بحوالي 3500 ق.م .
2- العصور التاريخية وتبتدئ : منذ اختراع الكتابة إلى اليوم .
و تنقسم عصور ما قبل التاريخ إلى حجرية (قديمة، متوسطة، حديثة) ومعدنية.
وتشمل العصور التاريخية القديمة منذ الكتابة إلى سقوط روما 476 م.
والعصور الوسطى من سقوط روما إلى 1453م.
والعصور الحديثة والمعاصرة من 1453 إلى 1945م والى الآن .
وإذا كانت هذه العصور التاريخية تؤرخ لوجود الإنسان وتطور حياته، فهناك زمن جيولوجي يؤرخ لتاريخ الأرض ووالحقب الجيولوجية التي مرت منها ، ويقيس مكونات الأرض: من طبقات وجبال وانهار ووديان، وكلها مجالات وفضاءات ضرورية يتوقف عليها عيش هذا الإنسان .
ولكوننا بصدد الحديث عن إنسان صخور الرحامنة ،الذي جذبه ماء وادي أم الربيع للاستقرار والاستيطان ، فإنه لابد من تناول الحقب التي تكونت فيها هذه الجبال والأودية.
فقد تكونت أودية المغرب عبر مراحل جيولوجية طويلة منذ ملايين السنين، حيث تشكلت الأودية القديمة مع نشأة جبال الأطلس (منذ حوالي 300 مليون سنة وحتى 65 مليون سنة)، نتيجة اصطدام القارات والتقارب الإفريقي الأوروبي.
وأودية المغرب مرت بمراحل وحقب جيولوجية متعددة:
– الحقبة القديمة (حوالي 300 مليون سنة مضت): تشكلت فيها النواة الأولى لجبال الأطلس الصغير، مما أدى إلى ظهور مجاري مائية أولية نتيجة اصطدام القارات.
– الحقبة الوسطى (حوالي 65 مليون سنة مضت) : شهدت هذه الفترة انفصال القارات وتكون سلسلة جبال الأطلس الكبير، مما ساهم في تشكيل مسارات الأودية الحالية وتراكم الرواسب.
– عصر الألب (65 – 1.5 مليون سنة مضت): استمرت عملية التقارب الإفريقي الأوروبي، مما أدى إلى رفع السلاسل الجبلية بشكل نهائي وتعميق مجاري الأودية نتيجة للتعرية والسيول.
وتكون نهر أم الربيع بشكل رئيسي خلال العصر الثالث (الزمن الجيولوجي الثالث : عصر الألب ) ، وتحديداً مع مراحل الرفع والالتواءات التي شكلت سلسلة جبال الأطلس المتوسط، حيث ينبع من عيون صخرية على ارتفاع 1300 متر. وتطور مجراه النهائي بنحته للأودية العميقة التي يمر بها، خاصة في المرحلة اللاحقة، خلال العصر الرابع (الزمن الجيولوجي الرابع).
وعرف أم الربيع تسميات مختلفة وردت في الكتابات الاغريقية واللاتينية ،فقد ذكره حانون القرطاجي في رحلته باسم (أسانا) ، وورد هذا الاسم كذلك عند سكيلاكس نهاية القرن السادس وبداية القرن الخامس قبل الميلاد.
وذكر( بليني أو كايوس بلينيوس سـِكوندوس) الروماني ،المشهور ببيليني الأكبر(ت 79 م)، صاحب كتاب “التاريخ الطبيعي” نهرا باسم “ Anatis“ (أنَتيس) في روايته التي أنجزها على طول السواحل المحيطية لموريطانيا في عام 146 قبل الميلاد. وقد عيِن بلينيوس موضع هذا النهر جنوب نهر اللُّكوس على بعد 205 أميال رومانية بإتباع خط الساحل، أي حوالي 300 كم، وهوما لا يدع مجالا للشك في كونه نهر أم الربيع. وفي الكتابات العربية باسم (م ربيع ) و(أم الربيع) ،وذكره البكري القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي باسم وانسيفن وانسيفن في قوله:(واد وانسيفن الذي يجري في بلاد برغواطة)[1]،وهي تسمية امازيغية نجد لها مقابلا في طوبونيميا المجال، فوانسيفن تعني الوادي الكبير وتانسيفت تعني النهر الصغير، ومجال الرحامنة يقع بين وانسيفن وتانسيفت ، وذكره المؤرخ محمد الشريف الإدريسي القرن الخامس الهجري الثاني عشر الميلادي في “نزهة المشتاق“، وعنده انه سمي على قرية مندثرة كانت تسمى بأم الربيع :(وأم ربيع على واد كبير خرار يجاز بالمراكب سريع الجري كثير الانحدار كثير الصخور و الجنادل و بهذه القرية ألبان و أسمان و نعم رغدة و حنطة في نهاية الرخص و بها بقول و مزارع القطاني و القطن و الكمون و هي في جنوب الوادي و يجاز هذا الوادي إلى غيضة كبيرة من الطرفاء و الأنشام و كثير العليق و هي غابة كبيرة ملتفة و الأسد بها كثيرة و ربما أضرت بالمار و الجائي غير أن أهل تلك النواحي لا يهابونها و قد تمهروا في مقاتلتها بأنفسهم من غير سلاح و إنما يلقونها بأنفسهم عراة يلقون أكسيتهم على أذرعهم و يمسكون معهم قنات من شوك السدرة و سكاكينهم بأيديهم لا غير و قد لقيت الأسود منهم هناك نكايات فلا مهابة بذلك لها عندهم بل تخاف ضرهم و تجتنب طرقهم و ربما هجمت على الضعفاء من الناس ممن يقتاد حمارا أو غير ذلك.) [2]. أما ادموند دوتي فقد نسب تسميته أم الربيع لكثرة ربيعه ،وهي احالة على المرابع المكان الذي فيه الخيرالعميم وتتجمع فيه القبائل
وُنسخ لفظ هذا الاسم بالحرف اللاتيني بأشكال مختلفة، فقد كتبه البرتغاليون في السابق Morbeia، والفرنسيون Morbea وMorbia ، ولا يزال النسخ اللفظي المعاصر للاسم بالحرف اللاتيني يعرف اضطرابا، على أن النسخ الشائع هو Oum-er-rbia.
وأُمُّ الرَّبِيعِ أحد أكبر أنهار المغرب، ينبع من سلسلة جبال الأطلس المتوسط ويتجه غربا ليصب في المحيط الأطلسي عند مدينة آزمور الماثلة على ضفته اليسرى. ويبلغ طوله 555 كم، ويصل معدل تصريفه للمياه إلى 117 متر مكعب في الثانية (م³/ث وهو بذلك يُعدّ ثاني نهر في البلاد من حيث الطول وحجم المياه المُصَرَّفَة. ويعد واديا تساوت والعبيد أهم روافد لنهر أم الربيع، فهما يرفدان من جهة الجنوب من على يساره، وكلاهما ينبع من جبال الأطلس الكبير.
ولنهر أم الربيع دلالة تاريخية مهمة، فقد ظل لقرون يمثل الحدود السياسية بين إمارتي فاس ومراكش، إلى حين بداية الاحتلال الفرنسي، بحيث كانت الأراضي الواقعة جنوب النهر تابعة لمراكش، والأراضي الواقعة شماله تابعة لفاس. كما يشكل أيضا في أسفله حدا فاصلا بين قبائل الشاوية الممتدة على يمينه، وقبائل دكالة والرحامنة والسراغنة الممتدة على يساره، بل ويلعب دورا حتى في التقسيم الإداري الحديث بالمغرب، بحيث يحد جزئيا بين جهتي مراكش آسفي والدار البيضاء سطات.
الماء أساس النشاط البشري:
وخلال الفترة من 4 إلى 19 أبريل من سنة 2023، في إطار برنامج الأبحاث الأركيولوجية في مختلف مناطق المغرب ،تم إنجاز تحريات أثرية في منطقة الرحامنة، مكنت من اكتشاف مواقع أركيولوجية عمرها آلاف السنين، ويبلغ عددها 44 موقعا أثريا جديدا. وقد اشرف وانجزهذه الاكتشافات فريق يتكون من باحثين وطلبة في علم الآثار والجيومورفولوجيا، في إطار مشروع تعاون علمي بين المعهد وجامعة القاضي عياض وجامعة الحسن الثاني، وتوصلوا إلى أن هذه المنطقة عرفت أنشطة بشرية قديمة جدا ويعود عمرها،إلى عصور تاريخية قديمة جدا وصنفوها إلى :
– مواقع تعود إلى أكثر من مليون سنة.
– مواقع تعود إلى العصر الحجري القديم الأوسط والمؤرخ بالمغرب ما بين 300 ألف سنة و 22 ألف سنة.
– موقع تحتوي طبقاته على لقى تنتمي إلى العصر الحجري القديم الأعلى والمؤرخ في المغرب ما بين 22 ألف سنة و7 آلاف سنة.
– مواقع أخرى تعود إلى العصر الحجري الحديث والمؤرخ بالمغرب ما بين 7 آلاف و3 آلاف سنة.
النقوش الصخرية لصخور الرحامنة:
وإذا كان المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث أوضح أن منطقة الرحامنة، التي لم تعرف أبحاثا أثرية منهجية واسعة منذ أكثر من 60 سنة،وتتوفر على تراث أركيولوجي مهم للغاية، كالمواقع المكتشفة في مناطق ابن جرير، وبوشان، وسيدي بوعثمان، ووجدوا أن هذه المواقع تحتوي على لقى تدل على وجود نمط للعيش يميل نحو الاستقرار وممارسة الزراعة، فيما كشف موقعان عن وجود مبان تاريخية، يحتوي أحدهما بمنطقة بوشان على عدد كبير من المطمورات.
لكن هذا الفريق العلمي أغفل موقعا بصخور الرحامنة، يندرج ضمن العصر الحجري الحديث مابين 7 آلاف سنة و3 آلاف سنة، وهو موقع كدية المنيب غرب مركز صخورالرحامنة، هذا الموقع الذي يحتوي على نقائش صخرية تخبرنا عن تاريخ استقرار الإنسان القديم في هذه المنطقة من الرحامنة وعن نشاطاته وانماط حياته وعن تطلعاته ومخاوفه إلى غير ذلك..
وسميت هذه الكدية بالمنيب حملا على صفة العبد الناسك المتعبدالمتامل في ملكوت الله وجاء في القرآن الكريم في سورة ق: ( وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (8) .وسميت هذه الكدية باسم المنيب ، أحد رجال التصوف والزهد الذين عرفوا في هذه المنطقة .
وتعد النقوش الصخرية في المغرب تراثاً أثرياً غنياً يمتد لآلاف السنين، وتوثق هذه النقوش، التي تعود لعصور ما قبل التاريخ تحولات عيش الإنسان من الصيد إلى الرعي، وتصور حيوانات، أسلحة، وعربات، ورسوم لحيوانات اختفت (مثل الزرافات والفيلة) وأخرى مستأنسة، بالإضافة إلى مشاهد القنص، الرعي، والأسلحة. وتتوزع بكثافة في جبال الأطلس، والمناطق الشبه صحراوية، والجنوب المغربي، و من أبرزها مواقع أوكيمدن وياكورت (الحوز)،ومنطقة الجبيلات والرحامنة، ومواقع إقليم طاطا مثل “متكورين”، “إماون”، و”تيغان.
ويعتبر موقع أوكيمدن، الذي يوجد على بعد 72 كلم من مدينة مراكش، إلى جانب موقعي ياكورت وغات، من أهم مواقع النقوش الصخرية بالمغرب. ويعد هذا الموقع متحفا في الهواء الطلق، يعرض مئات النقوش التي خلفها إنسان العصر البرونزي منذ (حوالي 5000 سنة) من خلال رسومات متنوعة، والتي تجسد بعضا من مظاهر حياته اليومية، وقد خلف الإنسان القديم مجموعة من النقوش الصخرية المحفورة على واجهات الصخور، تتضمن تمثيلات لحيوانات من فصيلة الطيور والبقريات، والى جانبها العديد من المدافن وهو ما يصطلح عليه بالكركور.
فن النقش الصخري والتقنيات المستعملة:
يتفرع الفن الصخري في المغرب، المعروف اصطلاحًا ب (l’art rupestre)، إلى صنفين أساسيين:
1- الرسم الصخري (peinture rupestre): وهو شكل نادر نسبيًا داخل المجال المغربي، ويظهر غالبًا في المناطق التي تتسم بظروف مناخية أكثر رطوبة، كما هو الحال في بعض جهات الأطلس المتوسط أو مناطق أروية، حيث تُوفر البيئة الرطبة نسبيًا ظروفًا أفضل لبقاء الأصباغ الملونة.
2- النقش الصخري (gravure rupestre): ويُعد الشكل الأكثر شيوعًا وانتشارًا في المغرب، ويتميّز بقدرته العالية على مقاومة التآكل بفعل العوامل المناخية، وذلك بفضل طبيعة الصخور الصلبة التي نُقشت عليها، إلى جانب مناخ المنطقة الجاف الذي ساعد على حفظ تفاصيل هذه الأعمال عبر قرون طويلة .ومن التقنيات التي استعملها الانسان القديم في هذه النقوش:
1- تقنية النقر (Piquetage)::
تعتمد هذه الطريقة على نقر سطح الصخرة بأداة حادة (حجرية أو معدنية) لإنشاء سلسلة من الحفر الصغيرة، تُشكل في النهاية المعالم العامة للرسم المنقوش (كما يظهر في الصورة 11. وتختلف أساليب النقر باختلاف التقاليد الثقافية للمجموعات البشرية
2- تقنية الصقل (Polissage)::
تتمثل في نحت خطوط غائرة مصقولة مباشرة على الصخر باستخدام أدوات خاصة، إما بالطرق (Martelage) أو النقر المتكرر (Percussion) بأدوات حادة مثل القدوم. وتُعد هذه التقنية بارزة في موقع “ايش” بشكل خاص.
3- تقنية الخدش: تعتبر الأبسط تقنيًا، إذ لا تحتاج لأدوات متخصصة، حيث يمكن تنفيذها باستخدام أي شظية حجرية أو قطعة معدنية حادة لإحداث خدوش على السطح الصخري.
وتتطرق هذه النقوش لمواضيع مختلفة من أبرزها الحيوانات بأحجام وأشكال مختلفة، والأشكال الآدمية إلى جانب مجموعة من الرسوم الهندسية وأخرى تمثل الأسلحة، كالخناجر والدروع والأقواس ورموز توحي بمعتقدات وممارسات يومية . إلا أن العوامل والأسباب التي دفعت بإنسان العصر البرونزي للنقش على الحجر تبقى غامضة، وقد تكون تعبيرا فنيا أو تجسيدا لشعائر عقائدية.
موقع نقوش صخور الرحامنة وتوصيفها :
على بُعد حوالي 130 كيلومترًا جنوب الدار البيضاء، ترتفع التلال الصخرية لصخور الرحامنة وتنبت فجأةً من السهل،يقع موقع النقوش الصخرية على إحدى هذه النتوءات، كودية المنيب، على بُعد حوالي 7 كيلومترات جنوب قرية صخور الرحامنة ، و3 كيلومترات غرب طريق الدار البيضاء – مراكش ، أبلغ عن أكبر تجمع للنقوش في كودية المنيب، من قِبل جان مارك لانجر[3] عام 1986. و خلال عام 1987 أجرى فريق من مجموعة الدار البيضاء للآثار والأنثروبولوجيا مسحًا للموقع،وأسفرت هذه الدراسات عن اكتشاف نقوش جديدة، حيث تم تسجيل 141 شكلاً. وقد نُفذت جميعها بتقنية النقر. وتشمل المواضيع المنقوشة التي تم تحديدها أشكالاً بشرية، وفرساناً، وخناجر منحنية،وأخرى مزودة بأحزمة، وسيوفاً، وعمال صقل، وحيوانات رباعية غير محددة. وعلى الرغم من وجود بعض أوجه التشابه مع مجموعة النقوش المعروفة باسم “الليبية البربرية”، ولا سيما الفرسان، فإن رسومات فنون الصخور في كودية المنيب أحدث عهداً، ومن المرجح أنها تشهد على وجود عصر المزارعين الرعاة العصرالذين حافظوا على تقليد النقش بعد ظهور الإسلام في سهلي الحوز والرحامنة.

و تُعد هذه الرسوم من بين أقصى المواقع شمالًا في المغرب، فقد أبلغ جان مارك لانجرمن مجموعة الدار البيضاء للآثار والأنثروبولوجيا عام 1986، عن وجود حوالي عشرات النقوش . بدأ مسح الموقع في العام نفسه واستمر العمل الجماعي خلال عام 1987. وتم العثور على أشكال جديدة، وكان عددها كبيرًا. حيث تم تصويرها وتسجيلها جميعًا، باستثناء الكتابات التي اعتُبرت حديثة جدًا، وبعض المجموعات التي كانت متضررة أوغير واضحة، وبذلك، تُشكل النقوش الـ 141 المسجلة مجموعةً شاملةً للموقع.
تهيمن النتوءات الصخرية التي تضم معظم الأعمال الفنية على السهل جنوبًا وغربًا إحداها، وهي أعلى نقطة في كودية المنيب، التي ترتفع 581 مترًا. أما الأخرى، فتقع على بُعد عشرة أمتار تقريبًا من الأولى، وهي أقل ارتفاعًا بقليل. وتوفر كلتاهما إطلالة بانورامية بزاوية 360 درجة تقريبًا، وعلى ارتفاع 400 متر تقريبًا، تحتل مجموعة ثالثة من النقوش على خط التلال موقعًا بارزًا أيضًا. في المقابل يتمتع ملجأ يضم مجموعة رابعة شمال القمة، بإطلالة محدودة فقط على الهضبة المحيطة[1]. وهذا يدل على أن إنسانا قديما عاش في هذا المجال المسمى صخورالرحامنة خلال ال 1000 سنة قبل الميلاد، وهذا ما أكدته هذه النقوش الصخرية المحفورة على صخور كدية المنيب .

صورة لكدية المنيب من على شمال الطريق القريبة منها

نقوش ل: فرسان، خناجر منحنية، خناجر بحزام، سيوف،شظايا

خنجر بسيط، خنجر بحزام ، فارس

وكل هذه النقوش محفورة في الصخور بخط عرضه ما بين (10الى 15 ملم ) وبعمق ما بين (3 إلى 5ملم) ومقاييس ارتفاع هذه الأشكال تتجاوز 30 سنتيمتر.
يقع أقرب موقع لهذه النقوش الصخرية على حافة كتلة جبال الجبيلات ، على بعد حوالي 80 كيلومترًا جنوب كودية المنيب وعلى بعد حوالي 30 كيلومترًا من كودية المنيب وعلى بُعد كيلومترات شمال مراكش.
وقد قارن الفريق هذه النقوش بمواقع أخرى فوجدها تتشابه مع نقوش موقع الجبيلات التي تبعد بحوالي 80 كلم، وكان التشابه كبيرا فيما يتعلق بنقوش الخيول، والتي تعود إلى العصر (الليبيكو بربري)، الذي يتحدد في القرون الخمسة الأولى من تاريخ ما بعد الميلاد. وفي محاولة تاريخ هذه النقوش عن طريق طبقات الصدأ،فقد أسفرت النتائج أن تواريخ هذه النقوش متفاوتة بمعنى إنها لم تنقش في زمن واحد.
وتخيل الفريق سكان المنطقة وهم يتسلقون إلى هذه المواقع الأربعة، التي يصعب الوصول إليها نسبيًا، لصقل أو شحذ هذه الرسوم مما يسهل رؤيتها كنتيجة لشحذ أداة ربما معدنية، استُخدمت في نقشها على الأحجار. فقد وجدوا تشابها بين الفرسان المنقوشة في موقع كدية المنيب ونقوش الفرسان في موقع الجبيلات ، وتشابها في الخناجر المنحنية ،بخلاف الخنجر بالحزام الذي لايوجد في موقع الجبيلات شمال جبال الأطلس، أحدها في كودية المويسيرة[1] الذي يشبه كودية المونيب إلى حد كبير في مواضيعه، و يقع على بُعد 12.5 كم جنوب غرب مراكش. وقد سجّل ج. مالهوم 66 نقشًا في الموقع، من بينها أربعة خناجر مزودة بأحزمة وثمانية عشر خنجرًا بسيطًا منحنيًا، وكلا النوعين يُشبهان إلى حد كبير تلك الموجودة في موقع كدية المنيب . وتردد ج. مالهوم طويلًا قبل تسجيل هذه النقوش، نظرًا للإضافات الحديثة التي قام بها الرعاة، ولم يُسجّل إلا الأشكال ذات الطبقة المشبعة (الكاملة) أو تلك التي تشكلت بخطوط حفر عميقة.وتوصل الفريق إلى أن هذه الأعمال من العصر الليبي البربري ((libyco-berbère [2] ، وقدروا أنها في القرون الخمسة الأولى الميلادية.وهو ما يجعل هذا الموقع الاركيولوجي يصنف ضمن العصر الحجري الحديث والمؤرخ بالمغرب ما بين 7 آلاف و3 آلاف سنة.وقد قارن الفريق بين الإحصاء السريع الذي أُجري في موقع مويسيرة ، حيث وجدوا أن ستين خنجرًا مزودة بأحزمة وثمانية وعشرين خنجرًا منحنيًا، وقد رأى ج. مالهوم نفسه أن أعمارها متفاوتة للغاية، بحيث لا تسمح باستخلاص أي معلومات مفيدة منها، ومن الخطورة بمكان تحديد تاريخ هذه النقوش. وعُثر على خناجر منحنية بسيطة في مواقع بجبال الأطلس الكبير، لا سيما في لالة مينا حمو وياغور.[3]وتُعدّ الخناجر المنحنية المزودة بحزام كتف، كتلك الموجودة في كودية المنيب، نادرة في جبال الأطلس الكبير، وربما لا يتجاوز عددها اثني عشر خنجراً من بين آلاف النقوش المكتشفة، وتُوفّر طبقات التآكل وسيلةً للتأريخ النسبي، إلا أن دراستها تنطوي على العديد من الصعوبات والقيود، ومع ذلك تسمح طبقات التآكل بتقسيم زمني مُعيّن بين النقوش في الموقع نفسه.كما تُظهر طبقات التآكل أن جميع الأعمال في كودية المنيب ليست من نفس العصر، ويندمج عدد كبير من الدوائر وأنصاف الدوائر في الملجأ الصخري مع الصخر الداعم، ولا شيء يُشير إلى أن خطوطها السوداء ناتجة عن تقادم مُبكر، لأن نقوشًا أخرى في نفس الموضع والاتجاه لها طبقة تآكل أفتح، ولذلك يبدو أن هذه الأخيرة هي الأقدم وبعض الرسوم حديثة العهد، دون إمكانية تحديد فترتها، وطبقة التآكل الخاصة بها خفيفة جدًا، وأحيانًا بيضاء. وتفتقر هذه النقوش إلى الصلابة، وينطبق هذا على “الشخصيات” التسع في موقع المنيب بصخورالرحامنة ، التي يختلف أسلوبها وتقنيتها عن بقية المواقع .

صورة لخمسة أشخاص منقوشة فوق الفارس الأول
يبقى هناك مجموعة كبيرة من النقوش، ذات طبقة داكنة تشبه جلد الشامواه، والتي يُرجح أن تاريخ تنفيذها يقع بين فترة “مبكرة” وفترة “حديثة”. ويشير تجانسها إلى أنها معاصرة تقريبًا. كما يُشير موضوعها إلى عمرها، فقد كان استخدام الخيول معروفًا في شمال إفريقيا، على الأقل منذ القرن الثالث قبل الميلاد.وحسب سترابو فقد كان فرسان موريتانيا القدامى يستخدمون لجامًا من القصب، لكنهم كانوا يمتطون خيولهم دون سرج. ويمكننا على الأرجح استنتاج أن الفرسان المرسومين في كودية المنيب يعودون إلى فترة لاحقة لوصول العرب إلى المغرب في القرن السابع الميلادي، إذ أنهم جميعًا يحملون سرجًا، وهو من مستلزمات الفروسية التي جلبها العرب. كما أنهم لا يحملون الدرع المستدير والرمح اللذين ذكرهما سترابو[1]. وتُنسب الخناجر ذات النصل المنحني أيضًا إلى العرب. وينطبق الأمر نفسه على نقش الاسم “لحسين” بالخط العربي والذي يتميز على أي حال، بطبقة بيضاء ناصعة. أما الحيوانات الكبيرة – وحيد القرن والفيل والزرافة – التي تُشير أيضًا إلى عمر مواقع الصحراء ، فهي غائبة هنا،ولا تُقدم الحيوانات القليلة المرسومة أي معلومات، الجمل غائب أيضًا. وتُذكّر بعض الرموز البسيطة بشكلٍ مبهم بالأبجدية الليبية القديمة “تيفيناغ”، لكن تأكيد وجود هذا الخط هنا يتطلب قدرًا كبيرًا من الخيال.هل يمكننا الاستعانة بالتاريخ المغربي لتحديد تاريخ النقوش؟ تشكل جبال الرحامنة حاجزًا طبيعيًا، إذ تقع على الطريق المتجه شمالًا من سهل الرحامنة المؤدي الى عبور نهر أم الربيع. و القيمة الاستراتيجية للموقع تتجلى بوضوح، فقد حكم البرغواطيون المنطقة من القرن السادس إلى القرن الثاني عشر. وهليمكن القول أنهم تصدّوا لأعدائهم المرابطين، عندما قدموا من الجنوب في القرن الثاني عشر؟ مما يطرح الفرضية أنه قد يكون لنقوش الخناجر والفرسان صلةٌ ما بهذه المعارك الضارية؟إن هذه الفرضية تواجه صعوبةً كبيرة، فالفرسان المصوّرون يبدون مسالمين، علاوةً على ذلك، يُخبرنا البكري أن فرسان المرابطين كانوا مسلحين بدروعٍ مستديرة ورماح. و من الصعب تصوّر أن البرغواط، المتحصّنين على قمم الجبال، قد نسوا نقش هذه السمات. لذا، يصعب تأييد هذه الفرضية، التي كانت تتمتّع بميزةٍ مزدوجةٍ تتمثّل في تحديد زمن الشخصيات وتفسير وجودها.أخيرًا، إذا نظرنا إلى الأسلوب، فقد لاحظنا أن فرسان صخور الرحامنة يُشبهون فرسان الجبيلات . وعليه فان هذه النقوش تنتمي إلى عائلةٍ كبيرةٍ من النقوش “الليبية البربرية” التي تطوّرت خلال الألفية الأولى قبل الميلاد. ومع ذلك، فإن تحديد نقطة النهاية قبل الموعد النهائي لا يزال مستحيلاً .الخلاصة:لقد أسفر المسح الذي أجراه فريق الباحثين للآثار والأنثروبولوجيا على موقع كدية المنيب، عن اكتشاف هذه النقوش المحددة في 141 شكلاً. وقد تبين للفريق أنها نُفذت جميعها بتقنية النقر، وتشمل المواضيع المنقوشة التي تم تحديدها أشكالاً بشرية، وفرساناً، وخناجر منحنية بغير أحزمة ، واخرى مزودة بأحزمة، وسيوفاً، وحيوانات رباعية غير محددة.[2]وعلى الرغم من وجود بعض أوجه التشابه مع مجموعة النقوش المعروفة باسم “الليبية البربرية”، ولا سيما الفرسان، فإن رسومات فنون الصخور في كودية المنيب أحدث عهداً. ومن المرجح أنها تشهد على وجود الرعاة أو المزارعين الذين حافظوا على تقليد النقش بعد ظهور الإسلام في سهلي الحوز والرحامنة .وعلى أي حال، يشير تركز دوائر الصدأ الداكنة إلى استخدام شعب الرحامنة لحجر الصخور قبل ظهور الخناجر والسروج المنحنية الأولى . فإلى أي فترة زمنية تعود هذه الدوائر؟ من المستحيل علينا الإجابة على هذا السؤال ، ومع ذلك يمكننا تحديد تاريخ الخناجر والخيول ذات السروج بعد القرن السابع الميلادي. فمن المحتمل أن يكون البربر في المغرب قد تعرفوا على هذه الابتكارات من خلال التجارة قبل أن يُدخلها العرب، ولكن مرة أخرى لا يوجد ما يثبت ذلك.ومهما كان عمرها، فإن هذه النقوش شاهد على اهتمامات ومعتقدات ورغبات أو مخاوف هؤلاء الفلاحين في الماضي، حتى وإن كنا لا نعرف الأسباب التي دفعتهم إلى ابتكارها، إنها تظهر استمرار تقليد في المغرب يعود إلى العصر الحجري الحديث، ويتجلى في العديد من مواقع نقوش الصخور في جميع أنحاء البلاد.
ان العنصر الأكثر ترددا في هذه النقوش هي الخناجر القصيرة المنحنية والتي لاحظ مالهوم بالفعل أنها شبيهة جدا بالخنجر الأمازيغي الشائع لدى القبائل الأمازيغية وسط المغرب المسمى ب” لكوميت” أو الكومية، يبدو أن الحزام الذي يصاحب الخناجر قد تمت إضافته لاحقًا إلى نقش السلاح نفسه، أما الكوميت فهي بالأصل كانت سلاحا شخصيا يستعين به الرجال أثناء سفرهم أو خروجهم للرعي لاتقاء شر اللصوص و الحيوانات البرية، أما اليوم فهي تعتبر رمزا من رموز الثقافة الأمازيغية و كذلك حلية خاصة بالرجال، و لها حضور ضمن الزي الرسمي الذي يقام به موروث رقصة أحواش.
لكن الملاحظ ان نقوش كدية المنيب تتشابه مع نقوش من موقع كدية المويسيرة التي تنتمي لسياق عصر البرونز[3]، وكذلك نقوش الأطلس الكبير، فهل تشكل نقوش كدية المنيب سياقا فرعيا لهذا العصر البرونزي ؟ كما أن نقوش الخناجر في الرحامنة توجدفي مواقع أخرى على المنحدرات الجنوبية للأطلس، كموقع “تيغرمت ن’اوزديدين“.
يصعب إعطاء تأريخ دقيق ، لكن بما أن نقوش كدية المويسيرة تنتمي لهذا السياق الثقافي البرونزي، فمن الممكن إرجاعها للفترة الممتدة بين 800 قبل الميلاد و 200 قبل الميلاد،والأمر نفسه ينطبق على نقوش كدية المنيب حيث التطابق في نقوش الخنجر المنحني ،الذي من المؤكد أنه يقدم لنا نماذج بدائية للخنجر الأمازيغي الذي لا يزال يحافظ عليه أهل سوس حاليا. والذي لم يلحقه الحزام إلا متاخرا.
كما أن غياب السروج التي دخلت مع العرب عند وصولهم إلى هذا المجال مع نهاية القرن السابع الهجري، ينفي أن هذه النقوش تعود إليهم وهي سابقة على زمان وصولهم،كما أن غياب الجمل الذي استعمله البرغواطيون كما ذكر البكري يسمح لنا بالقول إن هذه النقوش سابقة عليهم .
على أن نقوش كدية المنيب لم تتضمن رسوما للغزلان أو حيد القرن أو الفيلة أو طائر النعام وكذلك البقر هذه الحيوانات الضخمة التي عاشت في المناخ الرطب، لكنها تأقلمت مع المناخ الجاف وتواجدت جنوب المغرب وفي الصحراء، وتواجدها في هذا المكان انعكس على البعد الطوبونيمي حيث هناك تسمية شعبة الفيل وكلتة الفيل – Chabat el-Fil – gueltat alfil .
ورغم أن طوبونيميا الصخور تتضمن تسميات بأسماء الحيوانات (كمكيل لبكر وكهف النسر وغار السبع) ، فانه لا توجد هذه الحيوانات ضمن هذه النقوش ،وهذا يسمح لنا بالقول إن هذه الطوبونيميا أعطيت لهذه الأماكن بعد وصول العرب، وان هذه النقوش سابقة على زمن وصولهم ، لكنهم أضافوا إليها كتواجد اسم لحسن منقوشا وهو اسم عربي .
وإذا كان تحليل النقوش الصخرية يسمح لنا بإمكانية تصنيف مضامينها إلى مجموعات رئيسية، تختلف من حيث الأساليب التقنية التي اعتمدها علماء الاركيولوجيا ، وسمحت لهم بتحديد الفترات الكرونوثقافية التي تنتمي إليها:
– المجموعة الأولى : رسوم تضم تمثيلات لحيوانات برية تنتمي إلى ما يُعرف بـ”الوحيش الإثيوبي”، وتشمل الأبقار البرية والظباء، إلى جانب طيور مثل النعام،وتظهر هذه الرسوم أحيانًا مرفقة بنقوش مكتوبة بالحرف الليبي الأمازيغي، ما يُضفي عليها طابعًا رمزيًا وثقافيًا غنيًا، وهذه لايوجد منها شيء في موقع كدية المنيب.
– المجموعة الثانية: رسوم تضم أشكالا لحيوانات مستأنسة مثل الأبقار والأغنام والماعز ورباعيات الأرجل، والتي تشير إلى مرحلة لاحقة في تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتتميز هذه النقوش بزنجرة داكنة، على خلاف النقوش المتأخرة التي تتسم بلونها الفاتح الناتج عن انكشاف السطح وتعرضه لعوامل التعرية، وهذا ينطبق على نقوش كدية المنيب.
إن نقوش كدية المنيب بصخور الرحامنة تنتمي إلى مرحلة من أبرز الفترات التي عرفت فيها نقوش البقريات كثافة واضحة، حيث أنها ارتبطت بعملية تدجين الإنسان لهذا الحيوانات وتزايد أهميتها في حياته اليومية، وتُعرف هذه المرحلة بـ”المرحلة الرعوية”، ويؤرخ لها بحوالي 4500 سنة قبل الوقت الحاضر، حيث أبدى الإنسان خلالها اهتمامًا بالغًا بالبقر ومختلف فصائل المواشي، سواء من خلال النقوش أو الرسومات، حيث جسّدها في مشاهد متعددة تعكس الرعي، الصيد، أو العلاقة اليومية التي تربطه بها كالركوب والامتطاء والحلب وغير ذلك من الاستخدامات .
الجنوب المغربي وخاصة جبل باني، والمجالات المحاذية للأودية والسهول المعروفة محليًا بـ”الفيجات”، من أغنى الحقول الأثرية التي تحتوي على هذه التمثيلات. هذا الانتشار المكثف لا يبدو اعتباطيًا، بل يعكس اختيارًا واعيًا للمواقع، وهو ما يُبرز تطورًا في الوعي الجمالي والرمزي لفناني تلك المرحلة.
كما انه من الناحية الفنية، يمكن تصنيف نقوش كدية المنيب بانتمائها إلى حقل التعبيرالبصري، والأسلوب الطبيعي والواقعي .
أما من حيث التقنيات المستعملة في حفر هذه النقوش ورسمها ، فان تقنية النقر هي المعتمدة بوضوح كبير وتام ، وأنها لاتنتمي إلى مرحلة الصقل التي هي مرحلة سابقة معروفة عند الانتربولوجيين بـ”مرحلة الجاموس الطبيعي” التي هيمنت فيها تقنية الصقل، التي تميزت بتقنيات متعددة مثل الخطوط المصقولة، والخط المنقّط، والخط المحزوز، إلى جانب الصقل الجزئي أو الكلي للمساحات الداخلية للأشكال المرسومة،هذه التقنية الأكثر انتشارا في مواقع جنوب المغرب.
إن نقوش كدية المنيب بصخور الرحامنة تركزت في موضع صخري جبلي ونقشت على ألواح وصفائح من الحجر بالقرب من المروج الرطبة وينابيع أم الربيع، وتضمنت صورا للماشية التي يشغلها آنذاك رعاة المواشي،لأكثر من أربعة آلاف من السنين، وتحدثت عن استمرارية ممارسة مجتمعية أصلية – الرعي الجماعي – التي تعبّر عن القيم الأساسية للمجتمع الرعوي القديم ،الذي يعتقد بثنائية المطر والخصوبة بشكل خاص ، كما يبحث عن الأمن والاستقرار من خلال تامين السلامة بوسائل السلاح المتاح آنذاك وهو الخنجر بمختلف أشكاله .
وعليه فان نقوش موقع كدية المنيب تنتمي إلى حقبة الرعي والاستقرار: التي شهدت تحولاً جذرياً في التمثيلات الفنية نحو تصوير الأبقار ثم الماشية الصغيرة، مما يدل على بروز اقتصاد رعوي متكيف مع التصحر المتنامي.
تمثل الرسوم الصخرية في المغرب بشكل عام، لوحة فسيفسائية ثقافية فريدة، تجسد حواراً تاريخياً بين التأثيرات المتوسطية شمالاً والإرث الصحراوي جنوباً، هذا التنوع الموضوعي لا يقتصر على كونه تعبيراً فنياً فحسب، بل يشكل أرشيفاً أنثروبولوجياً شاملاً يوثق التحولات البيئية والمناخية عبر العصور، مما يجعله مصدراً لا غنى عنه لفك شفرات أنماط العيش والتفاعلات الإنسانية في المنطقة.
تكمن الأهمية العلمية لهذه النقوش في كونها تشكل مصدراً رئيسياً لإعادة كتابة تاريخ ما قبل الكتابة في شمال إفريقيا، حيث تملأ الفراغ الذي خلفه غياب الوثائق المكتوبة، فهذه الشواهد البصرية إلى جانب الأدوات الحجرية المصاحبة، تحفظ بين طياتها ذاكرة مجتمعات ما قبل التاريخ وتكشف عن رؤيتها للعالم وسبل تكيفها مع التحديات البيئية.
يبقى السؤال المطروح منذ اكتشاف هذه النقوش في بداية القرن الماضي: كيف يمكن الحفاظ على الفن الصخري في ظلّ تعرّضه للعوامل الطبيعة نظراً لوجوده في مناطق مفتوحة على الهواء الطلق وضمن مساحات شاسعة جداً؟ على الرغم من أهميتها التاريخية، تواجه هذه النقوش مخاطر التآكل الطبيعي، والتخريب البشري.
وصنّف علماء الآثار المغرب، من بين أغنى الدول العربية والإفريقية من حيث التراث الصخري، واعتبروا أن الموقع الجغرافي الفريد للمغرب الذي يوجد بين الصحراء الكبرى وغرب البحر المتوسط جعله منطقة تقاطع ثقافي منذ عصور ما قبل التاريخ. لأنها تغطي مراحل تاريخية تمتد من أواخر العصر الحجري القديم العلوي إلى العصر الحالي، حوالي 12 ألف سنة، وتعد الصخور الحديثة منها شهادة حية على التطور الحضاري في المغرب.
وهذه الفنون الصخرية المغربية تتميز بإمكانية دراستها من الناحية المادية، في الوقت الذي تشير طبيعتها غير المادية إلى محتواها الأيقوني الذي يمثل مرآة ثقافية واجتماعية للمجتمعات القديمة في المغرب. والفن الصخري في المغرب جمع مابين:
1- أسلوب ما قبل العصر الحجري الحديث، والذي يعد أحد أقدم الأساليب في الفن الصخري بالمغرب، وإن كان نادرا وموثقا بشكل سيء، وهو يتميز برسومات صغيرة محفورة أسفل رسومات يسمونها علماء لحفريات بـ “تازينا”[4]، الذي يعتقد أنه أقدم فن صخري معروف في المغرب، وينسب إلى الصيادين في العصر الحجري الحديث ويعكس وعيهم الجماعي، وتنتشر مواقع هذا الأسلوب في جميع أنحاء المنطقة الواقعة جنوب جبال الأطلس العليا، كما يتميز هذا الأسلوب بتمثيله للحيوانات البرية الضخمة، منها الفيلة ووحيد القرن والزرافات.
2- وبالإضافة إلى نماذج الرسومات الصخرية السابقة، تتميز النقوش الصخرية المغربية بأسلوب “بوفيديان”[5]، وهو أسلوب يمثل ثقافة رعاة الماشية في المغرب خلال العصر الحجري الحديث وبداية العصر البرونزي، وينتشر في جميع أنحاء المغرب من جبال الأطلس إلى الساقية الحمراء، ويتميز بكثرة رسومات الماشية، كما يتضمن علامات على تدجين الأبقار والثيران.
3- كما تتميز الحفريات المغربية بأسلوب وأخير يسمى الأسلوب “الليبي الأمازيغي”[6] الذي يمثل ثقافة رعاة الماشية الرحل في شمال إفريقيا، الذين يعتقد أنهم أحفاد رعاة العصر الحجري الحديث وبداية العصر البرونزي[7]، وهي رسومات تبرز المزيج من مختلف المؤثرات الفنية للفنون الصخرية في شمال إفريقيا، وهو الأسلوب الذي تدخل ضمنه نقوش موقع كدية المنيب بصخور الرحامنة.
الهوامش
[1] – نهر ام الربيع الذاكرة والتاريخ لحسن رهوان منشورات روافد للابحاث والفنون والاعلان بخنيفرة 2022
2- الشريف الادريسي نزهة المشتاق في اختراق الآفاق -ج1- ص 236
[03] – جان مارك لانجر عالم آثار معروف باكتشافه في عام 1986 وجود تركيز كبير من النقوش الصخرية في كودية المنيب، الواقعة على بعد 130 كيلومترًا جنوب الدار البيضاء بالمغرب. وقد خضعت هذه الاكتشافات، التي شملت أشكالًا بشرية وأسلحة، للدراسة لاحقًا من قبل فرق بحث محلية.
04] – سوزان سيرايت (التي يشار إليها غالبًا باسم سوزان سيريت- مارتينيه) هي باحثة وعالمة آثار مشهورة، متخصصة في عصور ما قبل التاريخ وفن الصخور في المغرب.
[05] – تواجد موقع كدية المويسيرة على بعد عشرة كيلومترات جنوب مراكش، على تلة ارتفاعها 570 مترا فوق سطح البحر، تم توثيق هذا الموقع لأول مرة على يد الفرنسي جون مالهوم في الفترة الممتدة ما بين 1959 و 1961، دليل أثري على أن الكومية “لكوميت” تعود للعصر البرونزي.
[06] – تشير الفترات الليبية البربرية إلى العصر القديم لشمال إفريقيا، والذي تميز باستخدام خط مميز (ليبي) من القرن السادس قبل الميلاد حتى القرون الأولى الميلادية. وقد تطورت هذه الثقافة خلال العصر البوني (بتأثير قرطاج) واستمرت تحت الحكم الروماني، الى تطور التيفيناغ.
[07] – كان جان مالهوم في البداية مُعلمًا في مدرسة ابتدائية، ثم أصبح أستاذًا جامعيًا.عاش ودرّس في المغرب (47 شارع بانليفيه، المدينة القديمة بمراكش)، وكان مهتمًا بتاريخ البلاد وما قبل تاريخها،على مدى خمسة عشر عامًا تقريبًا، وبشغفٍ لا حدود له، استكشف جبال الأطلس الكبير، حيث اكتشف ووثّق آلاف النقوش الصخرية في أوكايمدن، وياغور، وتيزي نترس. وكان قد فعل الشيء نفسه سابقًا في كوديات المويسيرة بالقرب من مراكش. وواصل أبحاثه حتى وفاته. وقد شجّعه على ذلك ليونيل بالوت والأب برويل.كتب العديد من المقالات والملاحظات، لكن إسهامه الأكبر كان تجميع اكتشافاته في مجلدين من “مجموعة النقوش الصخرية في الأطلس الكبير”، التي نشرتها “منشورات دائرة الآثار المغربية” بمقدمة للأب برويل…. وهو عضو في جمعية الدراسات والبحوث ما قبل التاريخ – Les Eyzies (SERPE)، 1951.
08] – سترابو مؤرخ وجغرافي يوناني (60 ق.م. – 20 م). اشتهر بعملين: التعليقات التاريخية والجغرافية. في كتابه ، ذكر بابل وساهم في قائمة عجائب الدنيا السبع
09] – Bulletin de la Société préhistorique Ariège Pyrénées : préhistoire ariégeoise
نشرة جمعية Ariège-Pyrénées لما قبل التاريخ: ص 235- 248 سوزان سيرايث
[10] – العصر البرونزي (تقريباً 3300-1200 ق.م) هو حقبة تاريخية انتقل فيها الإنسان من استخدام الأدوات الحجرية إلى سبائك البرونز الأكثر صلابة، مما أحدث ثورة تكنولوجية. تميز هذا العصر بظهور الحضارات الحضرية، الكتابة، صهر المعادن (نحاس وقصدير)، وتطور الزراعة والتجارة، قبل أن ينتهي بانهيار حضاراته وبروز العصر الحديدي
[11] – موقع “تازينا” يقع في منطقة جنوب وهران . تم تعريف “مدرسة تازينا” في الموقع الذي يحمل الاسم نفسه من قبل هنري لوت (1970: 1972)، وإحدى سماتها الرئيسية – الأرجل الطويلة التي تنتهي بنقطة وبدون أي تمثيل للحوافروقد استخدم عدد كبير الاركيولوجيين مصطلح “أسلوب تازينا” لوصف بعض النقوش، بحيث يكتسب القارئ، من خلال انغماسه في أعمالهم، تمثيلاً ذهنياً معيناً لهذا الأسلوب، والذي يمكنه بعد ذلك تطبيقه على أعمال أخرى دون استخدام أي حجة معينة.[1] – تُعدّ فترة بوفيديان ،La période bovidienne مرحلةً رئيسيةً من العصر الحجري الحديث الصحراوي (حوالي 5000-2000 قبل الميلاد)، وتتميز بظهور تربية الماشية المستأنسة، وتتميز هذه الفترة بوفرة الفنون الصخرية (الرسومات والنقوش) التي تصور قطعان الماشية ومشاهد من الحياة الرعوية، بتفاصيل دقيقة مثل القرون التي تشبه القيثارة.
[12] – المجيدي عبد الخالق “الجنوب المغربي و إشكالية عصرالبرونز من خلال النقوش الصخرية” ،2013 دراسات مجلة كلية الآداب و العلوم الإنسانية بأكادير،المغرب… وعبد الخالق المجيدي، عالم آثار وممثل الاتحاد الدولي لمنظمات الفنون الصخرية في شمال إفريقيا .
[13]- العصر البرونزي (حوالي 2300 إلى 800 قبل الميلاد في أوروبا) هو فترة ما قبل التاريخ محورية تميزت بإتقان صناعة البرونز (سبيكة من النحاس والقصدير). وقد أعقب العصر الحجري الحديث وسبق العصر الحديدي، الذي تميز بتكثيف التجارة، وتخصص الحرف، وتزايد التراتبية الاجتماعية..
