OCP

الخوف في التجربة التعليمية: حين يتحول الانفعال إلى عائق تربوي

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية. بقلم ذ فدوى هاشم

 

يمثل الخوف أحد أكثر الانفعالات حضورا في التجربة التعليمية، وإن ظل في كثير من الأحيان غير معلن، متخفيا خلف الصمت أو التردد أو ضعف المشاركة. فالمدرسة، بما تفرضه من تقويم وانتظارات ومعايير مقارنة، قد تتحول من فضاء يفترض فيه أن يحتضن التعلم إلى مجال مولد للتوتر والانقباض النفسي. ومن هذا المنطلق، يصبح الخوف قضية تربوية بامتياز، لا يمكن اختزالها في بعدها النفسي الفردي، بل ينبغي قراءتها ضمن سياقها التعليمي والاجتماعي.

لا يرتبط الخوف في السياق التربوي غالبًا بتهديد جسدي مباشر، وإنما يتخذ أشكالا رمزية أعمق، مثل الخوف من الفشل، أو الوقوع في الخطأ، أو التعرّض للسخرية، أو فقدان القبول داخل الجماعة الصفية. ويؤكد علم النفس التربوي أن هذا النوع من الخوف يمسّ صورة المتعلم عن ذاته، ويؤثر في ثقته بكفاءاته، مما يجعله عاملا معيقا للتعلم بدل أن يكون دافعا له. فحين يهيمن الخوف، يدخل المتعلم في حالة دفاع نفسي تتأثر فيها قدرته على التركيز، وتضعف ذاكرته العاملة، ويقل انخراطه الفعلي في بناء التعلمات.

وقد أبرزت أعمال دافيد أوزوبل حول التعلم ذي المعنى أن بناء المعرفة يستلزم مناخا انفعاليا آمنا نسبيا، يسمح للمتعلم بربط المعارف الجديدة ببنياته المعرفية السابقة. في المقابل، يؤدي الخوف إلى تحويل التعلم إلى ممارسة آلية قائمة على الحفظ المؤقت، دون فهم عميق أو استيعاب وظيفي. كما تشير تصورات جان بياجيه إلى أن الخطأ يشكّل عنصرًا أساسا في النمو المعرفي، غير أن الممارسات التربوية التي تعاقب الخطأ أو تجرمه تزرع الخوف في نفوس المتعلمين، وتمنعهم من التجريب والاكتشاف، وهما من ركائز التعلم الحقيقي.

ويبرز الخوف من التقويم والامتحان بوصفه أحد أكثر أشكال الخوف المدرسي شيوعًا، حيث بيّنت دراسات سبيلبرغر حول قلق الامتحان أن الأداء الضعيف لا يكون بالضرورة انعكاسا لقصور معرفي، بل نتيجة مباشرة لحالة القلق المرتفعة المرتبطة بتصورات سلبية عن الفشل والعقاب. ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة يصبح فيها الخوف سببا في تراجع الأداء، ويغذي تراجع الأداء بدوره مزيدا من الخوف وعدم الثقة بالنفس.

وفي هذا السياق، يضطلع المعلم بدور محوري في تشكيل المناخ الانفعالي داخل الفصل الدراسي؛ إذ يشير عبد الكريم غريب في كتابه بيداغوجيا النجاح إلى أن الممارسات التربوية القائمة على التهديد، أو الزجر، أو المقارنة المستمرة بين المتعلمين، تسهم في إنتاج الفشل بدل تجاوزه. في المقابل، يؤكد أن التعلم الفعال يستلزم مناخا تربويا داعمًا، قوامه التشجيع، والتقويم التكويني، وإشراك المتعلم في بناء تعلمات ذات معنى، بما يعزز الشعور بالأمان النفسي ويجعل النجاح ممكنا للجميع.

ولا ينبغي النظر إلى الخوف بوصفه انفعالا سلبيا خالصا، بل يمكن اعتباره مؤشرا تربويا يكشف عن اختلال في العلاقة التعليمية. فحين يخاف المتعلم، فهو يعبّر ضمنيا عن حاجة غير مشبعة، قد تكون حاجة إلى الفهم، أو الاعتراف، أو الدعم النفسي. ومن ثم، يصبح التعامل الواعي مع الخوف مدخلا لإصلاح الممارسات التربوية، لا مجرد معالجة سطحية لأعراض نفسية معزولة.

إن التعليم الذي يراهن على الأمان النفسي، ويعيد الاعتبار للخطأ كرافعة للتعلم، ويضع المتعلم في قلب العملية التعليمية، هو تعليم يحرّر المعرفة من منطق الخوف، ويفتح أمام المتعلم أفق الفهم والنمو. وعليه، فإن الاستثمار في مناخ تعليمي آمن ليس ترفا بيداغوجيا، بل ضرورة تربوية لضمان جودة التعلمات وإنصاف المتعلم إنسانيا ومعرفيا.

المراجع

بياجيه، جان (1985). علم النفس والتربية. ترجمة: عادل العوا، القاهرة: دار المعارف.

أوزوبل، دافيد (1983). التعلم ذي المعنى: الأسس المعرفية للتعلم المدرسي. ترجمة عربية، القاهرة: دار النهضة العربية.

سبيلبرغر، تشارلز (1992). قلق الامتحان. ضمن: دراسات في علم النفس التربوي، ترجمة عربية، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.

غريب، عبد الكريم (2003). بيداغوجيا النجاح: مدخل نظري وتطبيقي. الدار البيضاء: منشورات عالم التربية.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.