من نقد التجربة إلى بناء الأفق في الدفاع عن تجربة تحالف اليسار، وتجديد المشروع الوحدوي للقوى التقدمية(1)
فور تنمية .محمد رقيي
تقديم: حين تتحول التجربة إلى موضوع للمساءلة
إن دخول ثمانية مناضلين ومناضلات من تحالف اليسار إلى مجلس النواب ليس مجرد حدث انتخابي عابر، ولا ينبغي اختزاله في عدد المقاعد أو في طبيعة الحضور الإعلامي للنواب، بل هو محطة سياسية ونضالية تستحق التوقف عندها، بما تتيحه من إمكانات جديدة لإعادة الاعتبار للعمل السياسي اليساري، وفتح واجهة إضافية لمواجهة الفساد والاستبداد والاختلالات الاجتماعية والاقتصادية.
لم نكن، ونحن نضع مناضلينا في المؤسسة التشريعية، ننتظر استقبالاً بالورود، ولا كنا نجهل أن هذه الخطوة ستثير قلقاً وانزعاجاً لدى أطراف اعتادت احتكار الحديث باسم اليسار، أو لم تستوعب بعد أن تجديد الفعل السياسي يقتضي الاعتراف بتعدد التجارب والمبادرات.
لقد دخلنا هذه التجربة بوعي كامل بصعوباتها وحدودها، وبإدراك أن البرلمان ليس غاية في حد ذاته، وإنما موقع إضافي من مواقع الصراع الديمقراطي والاجتماعي، وأن الحضور المؤسساتي لا يعوض النضال الجماهيري، بل ينبغي أن يتكامل معه ويستمد مشروعيته منه.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الذي رافق الأسابيع الأولى من هذه التجربة يستدعي منا موقفاً سياسياً واضحاً، لا يقوم على الانفعال أو الردود الشخصية، وإنما على النقد المسؤول، والدفاع عن حق التجارب اليسارية الجديدة في أن تتطور، وأن تخطئ وتصيب، وأن تخضع للتقييم الموضوعي دون أن تتحول إلى هدف لحملات التشكيك والتبخيس.
المحور الأول: نقد النقد.. من أي موقع تتم مساءلة التجربة؟
من حق كل مناضل وكل مواطن أن ينتقد أداء النواب، وأن يناقش تصريحاتهم ومواقفهم وتقديراتهم، بل إننا نعتبر النقد والمساءلة جزءاً من الثقافة الديمقراطية التي ينبغي أن تسود داخل اليسار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من أي موقع تتم ممارسة هذا النقد؟ وما هي الغاية السياسية منه؟ وهل يستهدف تصحيح المسار وتطوير التجربة، أم يتحول إلى ممارسة تستهدف إضعافها وإجهاض إمكاناتها قبل أن تتاح لها فرصة الفعل والتراكم؟
إن الملاحظة الأساسية التي ينبغي تسجيلها هي أن بعض المنتقدين يتعاملون مع تجربة تحالف اليسار من خارج موقع الفعل والمسؤولية المباشرة، ومن دون تحمل أعباء خوض هذه التجربة أو مواجهة تعقيداتها اليومية.
فمن السهل إصدار الأحكام من موقع المتفرج، ومن الأسهل تحويل هفوة أو تصريح غير موفق أو سوء تقدير إلى مادة للتشهير والتشكيك، لكن الأصعب هو الانخراط في معركة سياسية حقيقية، وتحمل مسؤولية الاختيار والمبادرة والتدبير والمواجهة.
إننا لا ندعو إلى إعفاء نوابنا من النقد، ولا إلى بناء حصانة سياسية أو أخلاقية حولهم، بل نؤكد أن النقد الذي لا يميز بين الخطأ والتجربة، وبين التقدير الفردي والاختيار السياسي، وبين التعثر الظرفي والاتجاه العام، يفقد وظيفته التصحيحية ويتحول إلى أداة للتبخيس.
لقد قدم رفاقنا، في حدود الإمكانات المتاحة، مواقف ومبادرات في مواجهة الفساد وفضح اختلالات التدبير والسياسات العمومية، وأظهروا وعياً بطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتقهم. كما أن حضورهم في وسائل الإعلام والتواصل لم يكن خروجاً عن الالتزامات النضالية التي أعلنها التحالف خلال الحملة الانتخابية، بل كان جزءاً من محاولة استثمار كل المنابر المتاحة لإيصال صوت المعارضة الديمقراطية والاجتماعية.
ولا ينبغي أن ننسى أن التجربة ما تزال في بدايتها، وأن الحكم عليها يتطلب متابعة حصيلتها، ومساءلة ممارستها، وقياس مدى وفائها لبرنامجها والتزاماتها، وليس الاكتفاء باقتناص لحظات عابرة لتأسيس أحكام نهائية.
إن الفارق كبير بين النقد الذي يساعد التجربة على التقدم، والنقد الذي يتمنى لها التعثر حتى يثبت صحة مواقفه السابقة.
يتبع
