من نقد التجربة إلى بناء الأفق .في الدفاع عن تجربة تحالف اليسار (2)
فور تنمية. بقلم محمد رقيي
ما يثير الأسف أكثر من الانتقادات الصادرة عن خصومنا السياسيين هو أن بعض الأصوات التي تشاركنا الانتماء إلى المشروع الديمقراطي والتقدمي، وتجمعنا بها محطات طويلة من النضال، اختارت أن تسخر أقلامها ومواقفها للنيل من تجربة تحالف اليسار.
إننا نتفهم اختلاف التقديرات، وندرك أن اليسار المغربي راكم خلافات سياسية وتنظيمية وفكرية عميقة، لكننا لا نفهم كيف يمكن أن تتحول هذه الخلافات إلى عائق دائم أمام كل مبادرة جديدة، وكيف يصبح استحضار صراعات الماضي أهم من التفكير في شروط المستقبل.
لقد دفع اليسار المغربي ثمناً باهظاً للتشتت والانقسامات، وخسر بفعل ذلك كثيراً من إمكاناته التنظيمية والجماهيرية، وتراجعت قدرته على التأثير في موازين القوى وفي توجيه النقاش العمومي.
ولا يمكن أن نستمر في إعادة إنتاج الأسباب نفسها التي أضعفتنا، ثم ننتظر نتائج مختلفة.
إن الوفاء للتاريخ النضالي لليسار لا يكون بإعادة إنتاج خلافاته، ولا بتحويل الذاكرة المشتركة إلى ساحة لتصفية الحسابات، وإنما باستيعاب دروسها، والاحتفاظ بما راكمته من قيم التضحية والصمود والاستقلالية والالتزام بقضايا الشعب.
لقد جمعتنا معارك كثيرة في الجامعة، وفي النقابات، وفي حركات المعطلين، وفي النضالات الحقوقية والاجتماعية، وفي مواجهة الاستبداد والفساد، وفي التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضايا التحرر الوطني.
وكانت هذه المعارك أكبر من خلافاتنا التنظيمية، وأعمق من الحسابات الظرفية التي كثيراً ما استنزفت طاقاتنا.
ومن المؤسف أن يصبح بعض رفاق الطريق أكثر انشغالاً بمراقبة تعثر تجربة يسارية جديدة من انشغالهم بتقوية مواقع اليسار في المجتمع.
إننا في حاجة إلى شجاعة سياسية وأخلاقية تعترف بالأخطاء المتبادلة، وتتجاوز منطق الاصطفاف الضيق، وتعيد الاعتبار للمشترك النضالي باعتباره أساساً لأي بناء يساري جديد.
المحور الثالث: تحالف اليسار.. تجربة فتية ومسؤولية سياسية متجددة
إن تجربة تحالف اليسار لا تدعي امتلاك الحقيقة، ولا تقدم نفسها باعتبارها بديلاً مكتملاً عن كل تجارب اليسار المغربي، وإنما هي محاولة سياسية وتنظيمية تستحق أن تمنح فرصتها في التطور والتراكم.
لقد أفرزت التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في بلادنا حاجة متجددة إلى يسار قادر على تجاوز التشتت، واستعادة الثقة لدى الفئات الشعبية، والتفاعل مع انتظارات الشباب والنساء والعمال وصغار الفلاحين والمهمشين.
ومن هذا المنطلق، فإن وجود ثمانية نواب يمثلون التحالف داخل البرلمان يضع على عاتقهم مسؤولية مضاعفة:
– تحويل المؤسسة التشريعية إلى منصة لفضح الفساد والريع وتضارب المصالح.
– الدفاع عن الحريات والحقوق الديمقراطية، وعن استقلال القضاء وربط المسؤولية بالمحاسبة.
– الترافع عن القضايا الاجتماعية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والشغل والقدرة الشرائية والعدالة المجالية.
– جعل قضايا الشباب والنساء والطبقة العاملة والفئات الهشة في صلب المبادرة البرلمانية.
– ربط العمل البرلماني بالحركة الاجتماعية والنقابية والحقوقية، وعدم تحويل التمثيل المؤسساتي إلى غاية مستقلة عن المجتمع.
– تقديم حصيلة منتظمة للرأي العام، بما يتيح التقييم والمساءلة وتصحيح الاختلالات.
إن نجاح هذه التجربة لن يقاس فقط بما ستقدمه داخل قبة البرلمان، وإنما بمدى قدرتها على المساهمة في إعادة بناء الثقة في السياسة، وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية، وخلق جسور جديدة بين العمل المؤسساتي والنضال المجتمعي.
وهنا تكمن مسؤولية التحالف، وليس فقط مسؤولية نوابه، في أن يجعل من هذه التجربة فرصة لتقوية العمل الجماعي، وتطوير آليات التنسيق والتواصل والتقييم والمحاسبة.
محمد رقيي
يتبع
