OCP

في حوار مع فور تنمية الفيلسوف عزيز لزرق :المدينة في محكّ المسخ وجيل زيد في مواجهة الواقع المأزوم

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية : حاوره منير الحجوجي

يندرج هذا الحوار مع الفيلسوف المغربي عزيز لزرق ضمن مساءلة فكرية نقدية لمآلات المدينة في زمن التحولات العميقة والعولمة، انطلاقًا من كتابه الأخير «مقامات المدينة في محك المسخ»، حيث يقارب اختلالات السياسة والثقافة والقيم، ويكشف كيف انتقلنا من نفي المدينة إلى مسخها، بما أفقد الحلم المديني معناه الإنساني.
ويكتسب هذا الحوار راهنيته من تقاطعه المباشر مع حراك جيل Z (جيل زيد)، الذي يراه لزرق تعبيرًا عن قلق مديني عميق ورفضٍ شبابي للاستمرار في واقع مأزوم، ومحاولةً لاسترجاع الحق في الحلم، خصوصًا في قضايا مركزية مثل التعليم والصحة والكرامة. بين الفلسفة والسياسة، وبين نقد المسخ واستشراف إمكانات التغيير، يفتح هذا الحوار أفقًا للتفكير في المدينة كرهانٍ إنساني، وفي جيل زيد كأحد أصواتها الجديدة الباحثة عن معنى وبديل.

 

سؤال: أستاذ عزيز لزرق، مرحبا بك في هذا التأمل حول حراك جيل زيد.. في البداية هل لك أن تعرفنا بأخر أعمالك المعنون ب مقامات المدينة في محك المسخ.. لماذا هذا الهوس الجميل في النهاية بالمدينة؟.. ثم، هل مدينة المقامات هي نفسها التي فككت تضاريسها قبل ربع قرن تقريبا في كتاب شهير هو العولمة ونفي المدينة؟

الأستاذ عزيز لزرق: في كتاب العولمة ونفي المدينة (2002)، كان الهاجس هو التفاعل مع مستجد العولمة، على مستوى الثقافة التي جاءت تبشر بها، وما ترتب عن التحولات الكبرى والنظام المعرفي الجديد الذي كان بمثابة إنجيل جديد، يؤسس لنظلم عالمي ومعرفي جديد، لذا كان غرضي هو نقد هذ الخطاب بالمعنى الفوكوي لكلمة النقد: “رفض أن نحكم بهذه الطريقة”، وبالتالي الكشف عن الكابوس وراء ادعاء حلم جديد بمستقبل البشرية، والوقوف على تجليات الصراع الثقافي، الذي يريد فرض طريق واحد وخالد للنظام الليبرالي والرأسمالي، بحيث سعيت إلى إبراز تداعياته على الوضع الثقافي المغربي، وعلى موقع الانتلجنسيا، التي بعد انكسار الخطاب اليساري انحنت أمام هيمنة الخطاب التقنوقراطي، بحيث أبرزت انعكاسات ذلك إن على مستوى المنظومة التعليمية ككل أو على مستوى الحضور الفلسفي على الخصوص. في هذا السياق حاولت التنبيه إلى مخاطر العولمة، بما هي نفي للمدينة، كما أرست معالمها الفلسفة، وبما هي مدينة قوامها العقلانية والديموقراطية، أو بالأحرى مدينة المعرفة والعدالة، المدينة التي حلم بها المثقفون واليساريون، مبينا أن هكذا مدينة تتعرض لخطر النفي والإقصاء.
فما الذي يبرر العودة إلى الكتابة من جديد عن المدينة في كتاب مقامات المدينة في محك المسخ؟ يبدو أن تغول الرأسمالية، واكتساح العولمة، لم يكتف فقط بنفي المدينة، بل عمل على الانتقام من حلم أجيال الستينات والسبعينات بالمدينة، وبما كانت تحمله من يوطوبيا مشبعة بالفضيلة، بحكم ما أدخله من متغيرات تدل على مسخ ممنهج لمدينة المعرفة والثقافة والحرية والعدالة.
لقد خرجت المدينة من مقام اليوتوبيا (المدينة الفاضلة)، لكي تقع في مطب الديستوبيا (المدينة الفاسدة). أصيبت المدينة بالمسخ. وها نحن نجتر خيبة الماضي الحالم، وبؤس الحاضر المفرط في واقعيته، وسديمية المستقبل، المفتوح على كل الاحتمالات. من هنا يمكن أن نتفهم السياق الذي ظهر فيه GenZ وكأنه بمثابة رفض للاستمرار في الواقع الممسوخ، واسترجاع الحق في الحلم بالإصلاح، وعلى رأسه التعليم والصحة.
في كتابي مقامات المدينة في محك المسخ، سعيت إلى اختبار معنى لكل مقام مقال، لكي أقف على خطورة اختزال المدينة في البعد الواحد والمقام الوحيد: المكاني واليومي، وفي تقلص حجم حضورها في المقامات الأخرى، الثقافية والفكرية والسياسية، حيث خفوت المقالات، فلم يعد لكل مقام مقالا، وأصبح للمقام الوحيد الاقتصادي والاستهلاكي، مقالات متعددة…بل بدت باقي المقامات لا ثلة مقالات لها…
في كتابي مقامات المدينة حاولت الربط بين المقامة والمسخ، حاولت أن أحكي عن المدينة الإنسانية وما تتعرض له من وحشية. كانت المدينة وعدا وغاية مثالية، وكان الكوني عبارة عن فكرة، وعندما تحققت في العولمة، تم نفي المدينة وانتحرت الفكرة، كما يقول بودريارد، وضاعت الغاية المثالية، أو انتهى زمن العلة الغائية…. لقد انتصر الإنسان المهيمن والقوي، والآن يقود مجرى التاريخ.
أردت أن أحكي عن المدينة السياسية التي أعيش داخلها وما تعج به من أحداث لا تخلو من دلالات سياسية من فرح جماعي وفزع جماعي، وعما تتعرض له من مسخ جراء الإحباط الفردي والخيبة الجماعية. لقد انهزم السياسي لصالح الاقتصادي، الذي يقود حياة الناس.
أثرت أن أحكي عن المدينة الثقافية وكيف كنا كجيل نحلم بها كمدينة للمعرفة، عن الحاجة للفيلسوف والأديب، وكيف انمسخت في منطلقاتها وغاياتها. وكيف هيمنت النزعة الفليستينية (الترفيه)، وتبعات اندحار المثقف، وظهور وسطاء جدد (الرويبضة)، يؤثرون على المشهد الاجتماعي. تحتاج المدينة إلى الشجاعة، في مقاومة المسخ، والدفاع عن الحقيقة وعن الحرية. هل نهاية الشجاعة تعني نهاية المدينة؟
من نفي المدينة إل تعرضها لمحك المسخ، تظهر الحاجة الملحة إلى تجديد آليات الصراع الحيوي من أجل الوضوح، وتجديد نفس الاشتباكات مع قضايا المدينة، وبالتالي نحتاج بالضرورة إلى حركة اجتماعية جديدة، تنطلق من هذا القلق الذي يسكننا تجاه ما نعيشه سياسيا واجتماعيا ونفسيا، وتعبر عن الغضب والسخط تجاه من يقودون سفينتنا نحو المزيد من الغرق، ولعل هذه هي الأرضية التي أنبتت حركة جيل زيد.

سؤال: ان كان هناك شيء يميز كتاباتك فهي أنها تحلم بمدينة البعض يرى أنها لم/لن توجد أبدا.. المدينة، أستاذ عزيز، تحتلها ميليشيات المسخ..

جواب: إن المدينة ليست على ما يرام، إنها تتعرض للمسخ وللاستنزاف، بشكل لا يمكن حصر تداعياتهما، لقد فقدنا قياس القياس، لم يعد بالإمكان تصنيف ما يحدث هل هو تقدم أم تقهقر، أو بتعبير دريدا هل هو شباب أم شيخوخة، لقد أصبح للمدينة أكثر من عمر…أنتمي إلى جيل كان يحلم بالتقدم، ولازال يحمل الفكر التقدمي، لكنه لم يعش بعد مرحلة التقدم، أنا وريث الفكر التقدمي وريث هذا الوعد الفريد بالمدينة العادلة والفاضلة، إنه وعد سيظل خالدا، مادام لم يتحقق، يمكن تجاهله ولا يمكن محوه، يمكن أن نشعر بالحداد تجاهه، ولكن لا يمكن إنكاره…إنه إرثنا ومسؤوليتنا، “فلا إرث بدون مسؤولية…وكل إرث هو دائما تأكيد على دين”…كنا نرى سعادتنا في تحقق مدينتنا الفاضلة والعادلة، هل أصبحنا مجانين السعادة؟ أو لم يقل نيتشه إن المجانين بالسعادة خير ممن يجنون بالشقاء، والراقص متثاقلا، أفضل ممن يتعارج في مشيته…كما أن الاعتقاد بوجود خير أسمى أكثر جنونا من الاعتقاد بوجود شر أسمى (بارت)؟..
ليس أمام شرفاء هذا البلد سوى المقاومة والصمود، على الأقل لكي لا يطالهم المسخ. نعم أنا حالم بمدينة فاضلة وعادلة، ولا يحق لأحد أن يسلبنا حتى حق الحلم. فإذا كان باسم الواقعية علينا أن نطبع مع مظاهر القبح والمسخ، فأنا أفضل أن أبقى حالما بالمدينة، ضد كل ما تقوم بها ميليشيات المسخ. إنه حلمنا وأملنا الذي إن تخلينا عنه، فستتغول الميليشيات أكثر، وسنصل إلى مرحلة ما بعد المسخ، إنها مرحلة سيديمية لا يمكن التكهن بملامحها. أشعر بأننا وصلنا إلى الأسوء، هل هناك ما هو أسوء من هذا الأسوء؟ علينا ألا نكف عن التعبير عن أنه أسوء، فعلى الأقل هذا يفسد على المفترسين فرحة الافتراس…وفي هذا السياق تكمن أهمية الحراك الشبابي ل GenZ.

سؤال: في كتاب تاريخي هو الملكية والنخب السياسية (1972) كتب الجميل جون وتربوري جملته الشهيرة: “ان كل شيء يتغير في المغرب حتى لا يتغير أي شيء”.. قراءتك في هذه النبرة القدرية Fataliste..

جواب: مع الأسف يبدو أن الأمر كذلك. لا يتعلق الأمر بنزعة قدرية، بل بتشخيص مفجع للوضع السياسي بالمغرب. فالإصلاحات التي قامت بها الدولة منذ الستينات، لم تكن إصلاحات نابعة من الإرادة السياسية في إحداث التغيير، بل كانت إصلاحات بمثابة ردود أفعال ضد دعاة التغيير، الحركات اليسارية، والحركات الإسلامية، والحركات الأمازيغية، والحركات النسائية، والحركات الشبابية. حيث كان يقوم النظام بقمع هذه الحركات، والاستيلاء على مطلب التغيير، واختزاله وشويهه، وتفصيله حسب المقاس، بشكل لا يمس تغيير السلطة الميالة إلى الهيمنة. وبالتالي نحن أمام غياب إرادة سياسية حقيقية تروم التغيير وحتى الإصلاح.
ثم إن كل الإصلاحات التي أقدمت عليها الدولة، تنسجم مع ما يريده أسياد العالم، وليس بامكانها أن تكون إصلاحات سيادية، بهذا المعنى تحدثت في كتاب مقامات المدينة في محك المسخ عن انفصال السياسة عن السلطة: فالحكومات المتعاقبة تفتقد للسلطة، التي غدت معولمة. وبالتالي تمارس السياسة بدون سلطة. بما هي القدرة على اتخاذ القرار وحل الأزمات والمشكلات، لأن الأمر يتجاوزها. هكذا إذن صار المجتمع عرضة لسياسات عولمية ولقوى اقتصادية مهيمنة على العالم، باعتباره سوقا حيث يتضخم حجم قوة وسلطة وتأثير الشركات، بشكل يتجاوز السلطة السياسية للدولة، إذ ستعمل هذه الشركات على تقزيم موارد الأمم، والتحكم في اقتصاداتها وسياساتها، وأقصى ما تطمح إليه الحكومات هو البقاء في الحكم، لذا من الصعب جدا تصديق فكرة الدولة الحامية. إن المهمة الصعبة حاليا والتحدي الأكبر الذي يواجه المدينة هو توحيد السلطة والسياسة، كما قال زيغمونت بومان.
تمة مظهر آخر موجع عن التصدي لكل مطلب جدي بصدد التغيير. فإذا كان النظام السياسي سابقا يواجه بنفسه الأصوات التي تصدع بالتوق إلى التغيير، وإذا كان في السابق الحدود واضحة بين مجتمع سياسي يهاجم ويتصدى لمطلب التغيير، ومجتمع مدني يناضل من أجل العيش الكريم، ومن أجل حرية التعبير والتفكير، وبالتالي كان الفساد مشخصا في المجتمع السياسي، وفي من يمارسون السلطة السياسية، فإن الخطير اليوم هو اختراق المجتمع المدني، واستنبات عدوى الفساد داخل بعض أجهزته الأساسية، فإذا كانت العولمة قد ابتلعت الدولة (والمجتمع السياسي تحديدا)، فإن المجتمع السياسي يكاد ينجح في ابتلاع المجتمع المدني. سأستعير من جون زيغلر عبارة “إمبراطورية العار” في توصيف الأسياد الجدد الذي يقودون العالم الرأسمالي إلى أقصى درجات الوحشية، لكي أتحدث عن “سلطة العار”، التي لا يمارسها فقط المجتمع السياسي، بل أصبح يمارسها أيضا بعض الفاعلين في المجتمع المدني. لنستحضر هنا ما حدث مؤخرا في المجلس الوطني للصحافة: لقد زادت قضية حميد المهداوي في نسختها الأخيرة المتعلقة باجتماع لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية بالمجلس الوطني للصحافة، في خيباتنا وفي غور إحساسنا بالعار. فمن ذلك أن مشكلة الديمقراطية ليست مشكلة الدولة وسياساتها فقط، بل مشكلة الأفراد والهيئات والمؤسسات غير الحكومية. هل أصبحنا أفرادا وجماعات حاملين لفيروس متحور اللاديموقراطية؟ هل ترسخت لعنة الحفاظ على البقاء في الواجهة في جيناتنا؟ هكذا يتم التشكيك في كل الهيئات والمؤسسات غير الحكومية، على اعتبار أننا مجرد محكومين، لا نرقى إلى مستوى الفاعلين. أليس هذا مظهر من مظاهر المسخ؟ كيف تتحول السلطة الرابعة إلى سلطة تابعة؟ كيف يتحول المعقل الأبرز في الدفاع عن حرية التعبير وحرية الرأي إلى معتقل لهما؟ ثم إن الطعن في القيم الأخلاقية من طرف من يفترض فيهم تجسيدها وتمثلها يؤدي إلى خلط الحابل بالنابل، وتسربل الحق بالظلم، وتساوي اليمين واليسار، وهلم جرا. فلم يعد الهاجس الأكبر هو معارضة ونقد السلطة السياسية للدولة، بل إن الوجع الكبير الآن هو كيف يمكن إيقاف مد سلطة العار، الذي بدأ يخترق الهيئات والمجالس المستقلة…
لعل صوت شباب GenZ، هو كوة وإن كانت صغيرة فهي على الأقل تقوم بخلخلة هذه النزعة القدرية، وحلحلة إمكانية التوق نحو التغيير، والتصدي لسلطة العار.

سؤال: أين ترى الأخطار التي تحوم حول المدينة، دوليا، محليا؟ كتاباتك توحي بأن هناك دوما إمكانية لتحويل قواعد اللعبة.. ما هي في نظرك مداخل السير في فكرة أخرى للمدينة/المغرب/العالم؟

جواب: على الصعيد الدولي، يمكن القول إن الكوسموقراطيين أو أسياد العالم حاليا هم أعداء المدينة. سأعود لزيغلر[ قام محاوري بترجمة حوارات مع هذا الرجل الكبير وأخرجها لدى دار بصمة للنشر للأستاذ توفيق البيض سنة 2021 تحت عنوان: جذر الشر..]، كي أردد معه: “لقد أصبحت الوحشية الكوسموقراطية تتقدم بخطى جبارة”. ذلك أن حفنة صغيرة من الأسياد وبالتالي الشركات الكبرى، تتحكم في أزيد من نصف الثروات المنتجة في كوكبنا. وهذا ما يجعل البؤس والفقر والقهر أكثر فأكثر استفحالا. وبالتالي فإمبراطورية العار، لا تكتفي بقهر وتفقير أغلب ساكنة العالم، بل تسعى إلى إلحاق العار بالجميع عندما تحولهم إلى متفرجين على معاناة بني جنسهم، وتجعلهم يطبعون مع الظلم والتركيز على عالمهم الفردي. ولكن الإحساس بالعار على الأقل هو مدخل أساسي في إيقاظ ضميرنا الخلقي: هل يجب علي أن أكون مدافعا عن الإنسانية، أو في صف وحشية الأسياد؟ إن الكوسموقراطيين، لا يتوقفون عن تغول هيمنتهم على النظام الاقتصادي والمالي الكوكبي، لذا فهم مصممون على التصدي لكل معارضة ولكل محاولة ساعية نحو التحرر من قبضتها، في أي بقعة من العالم، لذا فهي تدعم الأنظمة المستبدة، مادامت تصون مصالحها وتخدم غاياتها.
أما على الصعيد المحلي، فقد انكشف الغطاء عن مدبري شؤون المدينة، الذين بدأوا يفصحون عن أنفسهم كفاسدين وكاذبين، وبالتالي ضاعت الثقة، والتي هي أساس كل عقد اجتماعي. لم يعد بالإمكان الحديث عن السياسيين كنواب وممثلين للشعب، بل أصبحوا عبارة عن وكلاء للنظام، هناك تماهي مع النظام، وهذا ما أدى إلى حجب الشعب، الذي تحول أفراده إلى مجرد حراس يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة، كما قال مانويل كاستلز.
علاوة على ذلك تعيش المدينة حاليا خلطا، يساهم في تعميق المسخ، إذ لم تعد المدينة تحيل على مرجعية الساحة العامة، وما تحمله في رمزيتها من التداول في تدبير الشأن العام، بل أصبحت مخترقة بما كان يحدد كشأن خاص له فضاءه الخاص (الأسرة)، بل أكثر من ذلك أصبح الخاص يطغى على العام في المدينة. وتطغى الخدمة الذاتية على المشترك. وهذا ما يتجلى بشكل بارز في المدينة الرقمية، التي عوضت المدينة السياسية، وعوضت العقل السياسي بالعقل الإعلامي، وعوضت الجدال العمومي بالجدال العامي. تمتح المدينة الرقمية غايتها من البعد الاقتصادي والاستهلاكي، لذا فهي تنشغل بهناء الفرد لا بسعادته، إنها مدينة تقتل في الفرد الحلم بالتغيير، وتدفعه دفعا إلى تأمين ما لديه، أو السعي نحو التأمين ضد ما يمكن أن يلحقه من تغيير، إنها تدجن الفرد حينما تحوله من فرد حالم إلى فرد خائف. لم تعد المدينة تجمعا سياسيا، ولم تعد دالة على العيش الجماعي، بل أصبحت مدينة الأفراد…
لا يتعلق الأمر فقط بالاعتراف بمشهد مأساوي، بل بالوعي بمدى فظاعة هذا المشهد المأساوي، لذا فالأمل الوحيد هو استحضار ما لم يتحقق في المدينة، والدفاع عن طيفها، كما فعل دريدا في كتابه أطياف ماركس، أو التشبث بفرضيتها، حتى و إن لم تتحقق، كما ورد في كتاب باديو الفرضية الشيوعية[ ترجمه عزيز لزرق ومنير الحجوجي، دار توبقال، البيضاء، 2011..]. ينبغي أن نستمر في الاعتقاد بإمكانية مواجهة قوى السوق، والدفاع عن الديموقراطية، وفضح الفساد. وبالتالي الثقة بأننا ليس فقط ضحايا بل فاعلين ممكنين، قادرين على التكتل في حركات اجتماعية يمكن أن تمارس الضغط من أجل تحقيق الإصلاحات اللازمة.
لقد أوضحنا في كتابنا جروح الذات جروح العالم أننا في حاجة أكثر إلى إنتاج فكر شامل عن العالم ككل، فكر يسمح بحصر ومواجهة المشكلات المطروحة، وإيجاد حلول جذرية لها، لا تغطيتها بمساحيق تخفي العيوب والاختلالات والمخاطر، إنه فكر يضعنا في صلب أزمة رواية العالم: أزمة العالم الذي لم يستطع بعد أن يكون عالما، وأزمة الإنسان الذي لم يعد قادرا على أن يكون إنسانا، وبالتالي أزمة الإنسانية التي فقدت إمكانية تجسيدها في شكل إنسانية حقة. وبالتالي لازال بإمكان الإنسان استرجاع “وضعه من جديد في قلب رواية العالم الكبرى”…
في كتابه عن دروس كورونا فيروس لنغير الطريق، يتحدث إدغار موران كيف أن كورونا فيروس وضعتنا في لج أزمة ضخمة غير مسبوقة (megacrise)، وهي من جهة علامة فاجعة على أزمة حياتنا الأرضية، في علاقتنا مع الطبيعة والبيئة عموما (الحياة الإيكولوجية)، ومن جهة ثانية علامة فاجعة على أزمة حياتنا الإنسانية، في علاقتنا مع ذاتنا ومع الغير. إننا أمام أزمة برديغم الحداثة المختزلة في التنمية التقنية، الاقتصاديةـ الصناعية، إننا نشهد انهيار هذا البرديغم، حيث تتسارع كل قواه من أجل السباق نحو الهاوية. لكن هذا لا يمنعنا حسب إدغار موران، من الحلم ومن إمكانية تأبط اليوطوبيا الإنسانية، ليس في نسختها “السيئة” التي تدعي إقصاء كل الصراعات وكل الاختلالات، وتبحث عبثا عن تحقيق الانسجام المستحيل والكمال المفقود، بل في نسختها “الجيدة”، التي تعتمد على ما هو متاح من إمكانات في حاضرنا، والتي يكفي توفر الإرادة فقط لتحقيقها.
وهذا ما يدعونا إلى فتح أعيننا على إمكانية تغيير سيرنا متى غيرنا طريقنا، وخضنا في السير في الطريق الجديد السياسي-الأيكولوجي-الاقتصادي-الاجتماعي. إنه طريق تجديد السياسة وتجدد النزعة الإنسانية. إن الخطوط العريضة للطريق الجديد تقوده الحاجة إلى تجديد السياسة، الحاجة إلى أنسنة المجتمع، وبالتالي الحاجة إلى نزعة إنسانية جديدة.
إن الحراك الشبابي GenZ هو دعوة ممكنة لتغيير الطريق، و فتح المجال أما سردية مغايرة لرواية العالم كما هي سائدة اليوم.

سؤال: سؤال حراك جيل زيد هو أيضا سؤال المدينة بامتياز. أين ترى التعالقات؟

جواب: من رحم وضع محتقن ولد الحراك الشبابي يتأبط اسما كثيف الدلالة: جيل z (زيد) يرغب في التقدم وحلحلة الوضع وانتزاع مآله المعتم من قبضة نخبه من الجيل السابق، التي لم تتوقف عن اغتنام الفرص لتعميق الفوارق الاجتماعية، ولتوسيع دائرة القهر الناعم. إنه احتجاج شبابي أراده أصحاب حراك جيل z ، أن يكون في منطلقه مسترشدا بصراع الأجيال، لأنهم يعيبون على الجيل السابق من القادة السياسيين تأزيم الوضع بشكل متفاقم، ويؤاخذون على الجيل السابق من المعارضين قلة حيلته، وخفوت صوته. إنه جيل يريد أن يعيد للسياسة بريقها، ويعيد للصراع السياسي معناه. إنهم يحتجون ضد السلطة السياسية، وطريق تدبيرها لقضايا حارقة: التعليم والصحة.
أراد الشباب أن يقول إن جيل z ليس كله جيل تافهين وضباع، وأنه جيل لم يبتلعه العالم الافتراضي، فلازال قادرا على سبر غور دروب الواقع، ولم تتفهه منزلقات الفضاء الأزرق، فلازال بإمكانه الانخراط الجدي في الدفاع عن القضايا المشروعة، التي لا يخطئ وجهته إليها…
تظهر فصاحة الاحتجاج الشبابي، في كونه أماط اللثام عن ماوراء الصمت، وأن الصمت ليس دائما علامة على الرضى، فأحيانا يكون الصمت سخطا دفينا، وأن الصمت ليس دائما دالا على العزوف بل قد يكون عزفا حزينا. وبالتالي فالصمت إزاء وضع متأزم، وأمام قهر اجتماعي، قد ينفتح على كل الاحتمالات، وينذر بانفجار لا يمكن التكهن بتداعياته.
سلط الحراك الشبابي الضوء على الشباب كقيمة معلومة، لفك مجاهيل المعادلة السياسية، وإعادة التفكير بمنطق مغاير في إبداع حلول جديدة للمستقبل. وأبان عن عدم ملاءمة آليات السلطة السياسية الحالية مع طبيعة الجيل الجديد الذي كان فقط يريد “أخذ الكلمة”، والتبليغ عن صوته والتعبير عن رأيه.
يتعلق الأمر بحركة اجتماعية، خرجت من أمان الفضاء السيبيراني، وسعت إلى احتلال الفضاء الحضري، من أجل عرض وعيها الذاتي بصدد غطرسة السلطة، والتعبير عن الإذلال المستفز. إنها حركة اجتماعية غاضبة، خرجت عن صمتها، متحررة من الخوف، العمل الجماعي آلية نفسية للتغلب على الخوف، لكي تحول الغضب إلى أمل في مستقبل بشري أفضل (مانويل كاستلز).

سؤال: البعض يرى في الحراك زوبعة مراهقين غير واعين بخطورة ما يقومون به على الدولة/الإطار “الوحيد” الذي لنا للاستقرار الفردي/الجماعي.. رأيك؟

جواب: هذا كلام متحامل، لأن الأمر يتعلق بحراك شبابي آخر يتسربل بالحرف الأخير z ، وكأنه يريد أن يقول كلمته الأخيرة، وصوت حاله يقول لا شيء يمكن أن يقال بعد هذا البوح، انتهت أبجدية الكلام، ولم يعد ممكنا تأجيل الفعل. لقد خرج الشباب من الفضاء الرقمي، الذي دأبوا فيه على تبادل التعبير عن آمالهم وطموحاتهم، وعلى تقاسم تدوين آلامهم وإحباطاتهم، إلى الفضاء العمومي، الذي أرادوا أن يجسوا فيه نبض الدينامية، وقياس درجة الإنصات. لقد أرادوا لاحتجاجهم أن يكون “احتجاجا علنيا”، فلماذا حولته السلطة إلى طقس من طقوس “العشاء السري”، وتعاملت معه بالصد والاعتقال؟ هل مرد ذلك إلى العمى السياسي، لأنه في اعتقادها ليس هناك ما يدعو للاحتجاج؟ أم مرده إلى القمع السياسي، لأنها لا تقبل الاحتجاج قطعا؟ أم مرده إلى الوصاية السياسية، لأنها لا تستسيغ أن يحتج الشباب عليها هي الدولة الراشدة والرشيدة؟
إن الحراك الشبابي لجيل زيد، هو جزء من الحركات الاجتماعية التي شهدها التاريخ، والتي تنتج عن أزمة الأوضاع المعيشية التي تجعل الحياة اليومية لا تطاق بالنسبة إلى معظم الناس، لقد شكلت دائما الحركات الاجتماعية أدرع التغيير الاجتماعي…

سؤال: البعض الأخر يرى على العكس بأن جيل زيد برهن على وعي حقيقي، بل متقدم حتى على النخب التي لم تعد قادرة على إخفاء حساباتها الصغيرة حتى لانقول المشبوهة.. من أين جاء هذا الجيل بهذا النفس الاشتباكي؟ علما أنك كثيرا ما انتقدت أنساق التنشئة ومنها المدرسة واعتبرت أنها لم يكن لها أن تنتج الا أجيال منسحبة، مستقيلة، ممسوخة، مستلبة؟؟

جواب: لكل زمان شبابه ونخبه التي تشكل أمل التغيير وحلحلة الأوضاع، نعم لعب مسار إفراغ المنظومة التعليمية من مهامها التربوية والإنسانية ما لعبه من دور تخريببي، كما أن الإجهاز على المنظومة القيمية، سهل اختراق القيم الاستهلاكية والليبرالية الجديدة، واكتساحها لجيل شبابي يخضع لإكراهات العصر وتشويه نمط العيش، ثم إن انكسار صوت المعارضة وخفوت اليسار، وما ترتب عن ذلك من فقدان الثقة، والانسحاب من المشهد السياسي، كل هذا من شأنه أن يعطل فقط انبثاق الحركات الاجتماعية، لكن الظلم والقهر لا يمكن إلا أن يبقيها حية وحيوية، لكي يعود طيفها إلى الفعل من جديد، بقواعد جديدة، وهذا ما حدث مع جيل زيد.
لقد قدم الحراك الشبابي احتجاجا فرجويا بالمعنى الإيجابي للكلمة، إذ خرجوا من الفضاء الافتراضي، هم المتمرسون على التعبير بالصورة، فقدموا حجاجهم بإخراج سينمائي مبهر، تحولت فيه السلطة إلى موضوع للتصوير، بدا فيه رجال السلطة مرتبكين أمام الكاميرا، بفعل قوة المشهد، وعدم ضبطهم للسيناريو. كان الشباب يحتجون بحبكة يتحكمون في تشخيصها، ويحاججون بقوة يستحيل مقارعتها أو مضاهاتها.

سؤال: ما هي في تقديرك نقاط قوة/نقاط ضعف جيل زيد؟ هل تعتقد أن الجيل مسلح بالعدة النظرية الكافية لإحداث القطائع الضرورية؟ ما هي “النصائح الفلسفية” ان جاز التعبير التي يمكنك أن تقدمها للحراك حتى لاينتهي به الأمر الى الذوبان في الضوضاء الكبرى/المسخ الكبير للمغرب؟

جواب: إن قوة حركة زيد، تكمن في كونها حركة محلية تبدأ في سياقات محددة، وتنشئ شبكاتها الخاصة، وتبني فضاءها العام بواسطة احتلال الحيز الحضري، والارتباط بشبكة الانترنيت، وعالمية في الوقت نفسه، لأنها متصلة في أنحاء العالم كله…. يحمي الأنترنيت الحركة من القمع والمنع والتحكم، لأنها تستطيع الحفاظ على التواصل وهذا ما يجب أن تحافظ عليه، ليس فقط في علاقة الأفراد مع بعضهم البعض المنضوين تحت لواء الحركة، بل مع المجتمع ككل من أجل فك حصار السلطة السياسية، ورسم أفق ممكن للتغيير الاجتماعي.. فما تقترحه هذه الحركة الشبابية، من خلال آلية الانترنيت، وفي قلب ثقافة مجتمع الشبكة، هو بمثابة ممارسة يوتوبيا جديدة: الحق في مدينة فاضلة في مواجهة مؤسسات فاسدة، حسب تعبير مانويل كاستلز.
لقد أكد الشباب على أن الاحتجاج ليس ظرف زمن ماض، ممنوع من الصرف، وبالتالي أن الاحتجاج ليس حكرا على الأجيال السابقة، بل إنه سمة مميزة للجيل الحالي، بل نبهوا إلى أن دواعي الاحتجاج قائمة، وأن إمكانية تصريفه في الحاضر واردة. لكن شتان بين شباب يحتجون ويحاججون من أجل الإصلاح، وبين فئات عريضة محتاجون ومهتاجون، بغرض الانتقام العشوائي.
فالشريحة الجديدة قاعدتها شبابية. علينا ألا ننسى أن الجيل السبعيني وحتى الثمانيني يحمل في أحشائه بذرة التغيير والحلم بالمدينة وبالديموقراطية. لكن طبيعة المرحلة الآن تغيرت جعلت الشباب لا يؤمنون بالتغيير الجذري للمجتمع، ولا يطرحون الثورة كرهان تكتيكي سياسي لانتزاع المطالب، إنهم مثقلون بالاستياء النضالي وبكساد اليوطوبيات، لكن هذا لم ينقص من جذوتهم النضالية، لذا اختاروا إطارا آخر، مادامت الأجهزة الحالية لا تتلاءم مع مطالبهم المباشرة والملموسة، يتعلق الأمر بالتزام حر، بعيدا عن أية وصاية أو صرامة تنظيمية. إنهم يؤمنون بقدرة الفرد والأفراد، أكثر من قدرة الجماعة والإطار، ويعتبرون التنسيق بين الأفراد، أهم معبر للتأثير في الجماعة، وليس العكس كما كان سابقا، إنهم جيل شبابي بارع في تقنيات التواصل والتكنولوجيات الجديدة، لذا يأخذون القرار بسرعة ويمرون إلى الفعل، بنوع من المقاربة التشاركية، التي تسمح لكل واحد وللجميع التعبير عن رأيه والمشاركة الفعلية في اتخاذ القرار اللازم.
دعم هذا المسار الحراكي الشبابي، يمكن تعميق التفكير معه في النقط التالية:
إن مسار كل حراك اجتماعي عموما، وشبابي على الخصوص، مطبوع بنوع من الانفعال الجماعي المبرر، يتمثل في تبني أشكال نضالية تصعيدية بوتيرة سريعة، مما يوحي بخنق الأفق النضالي، وبالوصول إلى الباب المسدود… إن الدرس الذي يمكن استخلاصه ما بعد كل حراك شبابي، مثلما وقع مع الحراك التعليمي، ومثل ما هو عليه واقع حال جيل زيد، هو الجواب عن الأسئلة الموجهة للمبادئ الثلاثة لكل حركة اجتماعية، كما أشار إلى ذلك آلان تورين:
باسم من يصارع هذا الحراك الشبابي؟ هل هو مجموعة ضغط تدافع عن تحقيق مطالب ومصالح خاصة وسينتهي فعلها ومفعولها بتحقيق تلك المطالب والمصالح، أم أنه حراك يدافع عن المدينة؟ وضد من يخوض الصراع؟ هل هو قوة تظاهرية محدودة في الزمان والمكان يخوض الصراع من أجل الصحة والتعليم فقط، أم يخوض الصراع من أجل الحد من هيمنة السلطة السياسية ومن أجل الدفاع عن الكرامة الإنسانية؟ ما هو مجال صراع حراك جيل زيد؟ هل هو مجال صراع جيلي أم مجال صراع شمولي مجتمعي وسياسي؟ وبالتالي هل يمكن أن يتحول حراك زيد إلى حركة اجتماعية ترسم تصورا معينا لممكنات التغيير، وتطرح أفقا محتملا لمطلب المدينة؟
على مستوى التسمية، كنت أفضل أن تأخذ هذه الحركة الاجتماعية الاحتجاجية اسما آخر غير “جيل زيد”. فالاسم يوحي بصراع اجتماعي: صراع أجيال، و صراع ثقافي ومعرفي، منظومة كلاسيكية ومنظومة تكنولوجية جد متطورة، أكثر مما يوحي بصراع سياسي ضد السلطة.
يختزل الاسم واقعا مركبا، لأنه يضفي نوعا من التجانس على شباب متنوع في انتماءاته واشتباكاته ولامبالاته وعلاقاته بوسائل التواصل الاجتماعي. وبالتالي فالتسمية تحجب الاختلافات الطبقية والفكرية والسياسية.
فالجيل كما يعرفه كارل مانهايم، ليس فقط مجموعة من الأفراد ينتمون إلى نفس الحقبة (كما تشير إلى ذلك التسمية جيل حقبة زيد)، بل الأمر يتعلق بجماعة تتقاسم تجربة مشتركة، موسومة بأحداث جماعية، وهي جماعة يكون بإمكانها تحديد رؤية للعالم مشتركة. لهذا أنا أميل بحجم الإحباط المعمم أن أسمي جيل هذا الشباب “بجيل الأمل”، عوض “جيل زيد”. فالحركات الاحتجاجية السابقة، كانت ترتبط بالمكان: كمونة باريز، ربيع براغ…أو تحيل على سياق الزمان، “أحداث مايو 68″، الربيع العربي، حركة 20 فبراير…الخ. لكن لأول مرة ستحمل حركة اجتماعية احتجاجية اسم الانتماء للجيل. تتحدد الحركة الاجتماعية بثلاث أنواع من المطالب كما أشار إلى ذلك تشارلز تلي: مطالب البرنامج من دعم أو اعتراض على التحركات الفعلية للمستهدفين من المطالب. مطالب الهوية وما يجعلها تشكل قوة موحدة يعتد بها، ومطالب المكانة، باعتبارها تتقاطع وتتشابه مع فاعلين سياسيين آخرين. هكذا يرى آلان تورين أنه لكي تكون الحركات الاجتماعية ذات فعالية على مستوى إعادة تاريخ الأنساق الاجتماعية، عليها أن تتميز بالتنظيم والاستمرارية. وهذا يشترط توفر ثلاث مبادئ: مبدأ تحديد هوية المجموعة والوعي بالدفاع عن مطالب محددة، ومبدأ التعارض ومن تم تحديد هوية الخصم، وبالتالي الوعي بالصراع. ثم مبدأ الشمولية، المحددة للوعي الجمعي لا الفردي أو الفئوي، الذي يتجلى في الرؤية المشتركة.
وهذا ما يفتح على التساؤلات التالية: ما هو برنامج جيل زيد: هل هو برنامج ذو مطالب سياسية أو اجتماعية فقط؟ هل هوية جيل زيد مستمدة فقط من الهوية الرقمية، أم ذات هوية فكرية وإيديولوجية؟ ما هي رؤية جيل زيد للعالم وللمجتمع وللسلطة السياسية وللديموقراطية؟ وهل مكانة جيل زيد امتداد لإرث سياسي معين وامتداد لحركة اجتماعية سابقة، أم أنها تقطع مع الجيل السابق مطلقا؟ من هو خصم جيل زيد، وهل لديها تصور واضح عن الصراع الذي تريد أن تنخرط فيه؟ هل هي صراع مع جيل سابق أم مع طريقة تدبير الجيل السابق للصراع؟ هل تصارع لإثبات وجودها والاعتراف بها، أم لإحداث تغيير سياسي ملحوظ؟
صحيح تبني حركة جيل زيد وجودها على قدرتها على الاحتجاج بعد جمود المرحلة، وتبني مشروعيتها من قدرتها كذلك على إثارة النقاش العمومي بعد مرحلة كساد، أو ضعف في حدة الجدال العمومي، وسيادة الجدال العامي بين السياسيين. وهذا ما يؤهلها لكي تكون حركة موجهة للرأي العام، ومصدرا للتعبير عن مشاعر السخط والغضب. وبالتالي فنقطة قوتها تكمن في كونها عبارة عن “نداء مفتوح على مصراعيه”، كما يقول مانويل كاستلز، يمكن أن يكون نداء كل واحد، دون أن يكون نداء أي أحد محدد، لأنها لا تعتمد على برنامج محدد، وذلك مصدر ارتباكها.
ثم إن تسمية الحركة الشبابية بجيل زيد، هو إعادة إنتاج لتسمية سياقها هو الليبيرالية وحاضنها هو السوق والتسويق. فجيل Z (1997-2012) تسمية تحيل على جيل اتصالي ولد وتمت تنشئته داخل بيئة رقمية. كل هذه التسميات هي تسميات إعلامية واقتصادية، أطلقت ووظفت لاستهداف سلوكيات استهلاكية، ولا وجود لحركة اجتماعية سابقة، قبل جيل زيد، أدرجت نفسها في هذا التصنيف. وبناء عليه أفضل أن تتجاوز الحركة تسمية الانطلاقة، وتختار تسمية الاستئناف: “جيل الأمل” أو “جيل الوثبة”.
إن ربط الحراك الشبابي بجيل زيد، قد يوحي بسرعة التشكل وسرعة الاندثار، باعتبار التجدد المفرط في كل شيء هو سمة الجيل الحالي. وهذا ما يجعلها تبدو وكأنها حركة عابرة. فعلى الرغم من أنها تثير الأمل في إمكانية التغيير، فهي عفوية من حيث تكوينها، تعبر عن شرارة غضب، وعن سخط عارم تجاه السلطة السياسية، لكنها تعطي الانطباع أنها حركة لحظية، تهتم بشكل دعوتها أهم من تأثير الرسالة على الجمهور المستقبل، وهي أبعد من أن تجد لها امتدادات لدى “الشعب”، أو حتى لدى النخب المعارضة السابقة. ثم إنها تكون عبارة عن نشاط متقطع، بحكم وجودها داخل عالم افتراضي، فهي ليست قوة تحويلية، وتحتاج إلى حيز مكاني لإثبات وجودها الفعلي، وهذا ما يفسر نزولها إلى الشارع واحتلال مكان ما.
لهذا ينبغي على الحراك الشبابي “جيل زيد” أن يحرص على تعزيز موقعه في الفضاء العام، بالتعبير عن مواقفه المتواترة تجاه ما يقع في المشهد السياسي، وتجاه ما يعج به الوسط المجتمعي من أحداث. كما يتعين عليه أن يتفاعل بكثافة مع مكونات المجتمع السياسي والمجتمع المدني، لكي تخرج من دائرة الجيل “الرافض والمقاطع”، لأن ذلك سيعمل على إضعافه أكثر، وتحويله إلى حركة متقوقعة على ذاتها، أو بتعبير مانويل كاستلز حركة انعكاسية-ذاتية، تدخل في تفاعل مع أعضاءها فقط.

سؤال: لم يعد من الصعب أن نرى كيف أن مشتغلين بالعلوم الاجتماعية/الفلسفية، المفروض فيهم التموقع يسارا، اختاروا جهة السلطة معتبرين أنها حسمت اللعبة، وأنها هي من تصنع المعنى، من ترسم قواعد السير، وأن كل محاولة لزعزعة الخطوط لاتعدو أن تكون لعبا غبيا على الهامش، عدم فهم “عميق” للمغرب “الجديد”، وأن الذكاء أن “نعيش”، أن نقضم حصتنا من المغرب/العالم؟…

جواب: لقد تحول التعليم إلى حرفة، و أصبح مبنى وليس مسكنا، ولأنه أصبح مجرد مورد رزق، وليس قضية، ولأنه تحول إلى مجرد وسيلة وليس غاية في ذاته، ولأنه أفرغ من حمولته الفكرية والثقافية، ومن جذوره الممتدة إلى قضايا المجتمع والإنسان… فقد نتج عن ذلك أن أصبح الأستاذ مجرد أجير يتخلى تدريجيا عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالتربية، وبالمدينة وبالإنسان.
ما معنى أن يصبح الأستاذ الجامعي، خريج الجامعة، خارج الجامعة وتصوراتها ومنتظراتها؟ ألم تعد استقلالية الجامعة، الوجه الآخر لاستقالتها تحت ذريعة التخصص…؟؟ وهذا بالضبط ما عبر عنه بيير بورديو بفصاحة عندما قال: “كما لو أن العلماء يعتقدون بأنهم علماء بشكل مضاعف بسبب انهم لا يفعلون أي شيء بعلمهم”.
إن التقوقع داخل البحث الأكاديمي الخالص، تجعل علاقة الأستاذ الجامعي بالبحث تختزل في الراتب. وبالتالي أصبح مجرد موظف ينتج كلاما ودروسا، عوض الالتزام والمسؤوليات، حيث الهاجس الأكبر هو البحث عن الرفاهية والبيروقراطية.
يعيش المشتغلون بالفلسفة وبالعلوم الإنسانية في جامعاتنا في عزلة عن الأسئلة الحارقة، وكل استثناء يؤكد القاعدة، فهم لا يساهمون في تنوير الرأي العام، أو في تعميق النقاش العمومي، أو في دراسة شبكات السلطة والبنيات الاجتماعية الحالية، أو في تحليل انعكاسات العولمة والرقمنة على المجتمع والأفراد، أو في توطين الوعي الكوكبي والإيكولوجي.
منذ أزيد من عقدين ونحن نتابع مسلس إفلاس الجامعة، عن قصد أو عن تهاون: تراجع مكانتها ومرتبة شواهدها، وبخس قيمتها الاجتماعية، وتدني مستواها التحصيلي، وضعف تكوينها وعدم أهلية بعض أساتذتها، وسوء تدبيرها وفوضى تسييرها. لكن عجلة هذا السقوط الحر، الذي لم تنفع معه بعض أشكال المقاومات اليتيمة وبعض التأثيرات الاستثنائية، ستتعرض لتسارع في الزمن حيث تبدو المهاوي سحيقة ولا مستقر لها، بسبب ظهور فطريات الفساد في أرجاء الحرم الجامعي، وما ترتب عنها من عدوى وتداعيات: الغش والتملق، الاستبداد والقهر، الابتزاز المالي والجنسي، التزوير والتزييف…
لقد وقع تحول في البرديغم الجامعي المغربي، انتقلنا من مركزية الطالب داخل الجامعة، إلى مركزية الأستاذ، كان الطالب حارس الجامعة الأمين، يعترض على القرارات السياسية ويناضل من أجل تغييرها، لكن بعد الانتكاسة الطلابية، خفت بريق الطالب وتم قهره وتدجينه، وسطع نجم الأستاذ وامتدت مملكته بعيدا عن أرض المعرفة والسياسة….

سؤال: دائما على هذا المستوى، مستوى الخطاب “العلمي”، قيل كلام كثير حول الكوتشنغ باعتباره “علما” أضاف طبقة مشوشة أخرى على فهمنا للعالم.. هل تتفق مع هذه القراءة؟ أم أنك ترى أن الكوتشنغ بإمكانه أن يلعب أدوارا أخرى..

جواب: لقد أجبت عن السؤال بتفصيل في كتابي مقامات المدينة في محك المسخ، حيث وضحت أنه على الرغم من تنوع خطابات “التنمية الذاتية”، فهي تلتقي في كونها تنخرط في سيرورة خطاب مهتجس بالتطور داخل وعث الحاضر، فنزوع الشخص نحو التطور الدائم، يبدو ضرورة لخلق التوازن، لكنه تطور داخل عالم متغير باستمرار، شبيه برمال متحركة، تهدد كل من يكون في قبضتها بالغرق. لقد أصبح إيقاع الحياة سريعا، كما أن الاستقرار في المكان والزمان غدا نوعا من الموات، خضعت الحياة للتبضيع والاستهلاك، التجدد المستمر أو الابتئاس والحرمان، لقد أصبح التغيير غاية في ذاته، لم يعد الانشغال منصبا على تغيير الحاضر، تغيير المجتمعات، تغيير الأنظمة السياسية (فشل الثورات)، بل أصبح الهاجس الأكبر هو تغيير الذات.
يقوم خطاب التنمية الذاتية على ممارسة مهنية جديدة، أصبحت تتغلغل داخل أحشاء المجتمعات المعاصرة، بتلاوين مختلفة، ونقصد هنا “الكوتشينغ” كممارسة مهنية، وكخدمة تحت الطلب، والتي أفضل تسميتها بخدمة المرافقة، وتسمية الممارس بالمرافق عوض “الكوتش”، وهي تندرج في نظري ضمن مهن المساعدة، وهكذا ينبغي أن نقوم بمأسستها.
لقد تشكل نوع من الإنسان الرخو، الذي يحتاج إلى من يقوده، ليس فقط في بناء مصيره، بل حتى في تفاصيل حياته الشخصية، يتعلق الأمر بسيرورة تطفيلية، تمجد الكسل المعرفي، وتدمن على التسلية وتعضد القصور، إننا أمام إنسان قابل للانجراح بسهولة فائقة، لا يريد الموت، لا يتوقف عن الرغبة، لا يستطيع الخروج من الاستهلاك المتجدد، لا يتقبل الألم، لا يقدر على المعاناة، لا يستحمل الحزن، تهزمه الوضعيات الصعبة، يبحث عن الحلول الجاهزة…إنه إنسان يرى في خطابات “التنمية الذاتية”، نوعا من التنقية الذاتية من كل هذه الجروح.
لقد كان دائما الإنسان في حاجة إلى وسطاء سواء كانوا حكماء Sages، أو كانوا مجرد مرشدين Mentors أو كانوا ملهمين Inspirateurs .. كل هؤلاء يلعبون دور “المؤثرين” في المسارات والمصائر الفردية والجماعية. لكن نحن الآن نعيش زمن نزع الوسائط، أو تحديدا خلخلة الوسائط السالفة الذكر التي كان يقوم بها الكاتب والمدرس والمفكر والعالم، ولأنه لا يمكن الاستغناء عن الوسائط، فقد تم تعويض الوسائط السابقة بوسائط رقمية، أنفوديمية، بل تم خلق شخصية مفهومية، “المؤثرون” الجدد في جمهور المستهلكين، ومرجعيتهم الوحيدة هي صورتهم وعدد المشاهدات لديهم.
في هذا السياق يمكن أن نفهم ظهور “الكوتش” كوسيط جديد، بما هو امتداد لحضور الحكيم، أو المرشد أو الملهم، وبالتالي المؤثر الإيجابي. إن الحاجة تقتضي حضور هكذا توجه، لكن من يقوم بهذه المهمة؟ من المفروض أن يقوم بها من يملك الحكمة والمعرفة، من يتميز بتجربة غنية وناجحة، من يمتلك بالفطرة الحسنى والقدرة على التأثير.
لقد كان الطبيب والمدرس والمهندس وغيرهم من الفاعلين في المشهد المجتمعي، ليسوا فقط مجرد مهنيين أو حرفيين، بل حاملين لمشروع إنساني حول الصحة وحول التربية وحول المدينة وحول المجتمع وحول الإنسان. لكن أمام “نهاية المجتمع”، ونهاية المشاريع الكبرى، في اعتقادي أغلب المهن تعيش أزمة هوية، وتغييرا في معنى الوظيفة، وتحولا في دلالة الفعالية، لقد أصبح الهاجس التنفيذي والتقنوي هو المتحكم في هذه المجالات، لذا فظهور المرافقة (الكوتشينغ)، مرتبط بهذا السياق، حيث أصبح الكوتش مجرد مهني، مهووس بتطبيق التقنيات، أكثر من الانشغال بالإنسان.
إن المرافقة غدت منفذا بالنسبة للإنسان المعاصر الجريح، لا يمكن أن نكون ضدها، ولا يمكن أن نوقف مدها، ولكن يمكن أن نرفض تسيبها ونفضح سطحيتها وننتقد فراغ محتواها.
إن إفراغ الإنسان من بعده الاجتماعي، وإغراقه في ذاته، واختزاله في الفرد، وقصفه بكل أنواع الإغراءات، واستغراقه في الإشباعات وتزايد أنواع الحرمان وبحثه عن السعادة الموعودة (يتم تعويض السعادة بالهناء) جعله يعيش وضعية سيزيفية.
إنه وضع عبثي سيزيفي، فلنترك سيزيف المعاصر يستعين بمن يتوهم أن يساعده على حمل صخرته، علينا أن لا نحرمه من حقه في الحلم، فليس المطلوب تغيير واقع سيزيف المعاصر، بل تغيير واقع الممارسة المهنية لمرافقي ومساعدي سيزيف…
“الكوتشينغ” أو مهن المرافقة والمساعدة، يمكن أن تعتمد على مرجعيات علمية، لكنه ليس خطابا علميا. إن التموقع في مع أو ضد الكوتشينغ، يفتقر للحذر في إرساء الحقيقة، فثنائية الرفض أو القبول، لا تنتج خطابا موضوعيا، بل هي أقرب إلى الخطاب الانفعالي. لذا علينا أن نكون حذرين تجاه رفضه وتعميم الحكم عليه، دون تمييز بين أشكال الخطابات، فكل العلوم حاليا يتم توظيفها في خدمة الليبيرالية المتوحشة: العلوم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والعلوم البيولوجية والرياضية والتكنولوجيا….فهل ينبغي رفضها جملة وتفصيلا، ونعتها بأقدح النعوت كما يفعل البعض، بصدد الكوتشينغ، بدون أي حذر إبستيمي؟. يتعين أن نميز بين الوسيلة والغاية، وبالتالي بين النظرية-الممارسة وبين التوظيف الإيديولوجي، الذي يتحول فيه الخطاب إلى وسيلة للتبرير والتلاعب. لا ينبغي لمن يرفض الوصاية، أن يكون وصيا على الآخرين، الحق في السعادة قد يكون وهما، ولكننا لا ينبغي أن نمنع الناس من البحث عما يحقق سعادتهم أو تجويد أسلوب عيشهم، إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا، حتى ولو توسلوا بخدمات الكوتشينغ، صحيح هناك الكثير من التهافت والدجل والتسطيح، لكن هناك الكثير من الطلب ومن الحاجة، المطلوب الآن أن تلعب الفلسفة والعلوم الإنسانية دورا في إرساء فكر نقدي لأنواع الخطابات السائدة، والدفع في تجاه وضع سياق إبستيمي واضح المعالم لممارسة الكوتشينغ، لكي تكون حقا في خدمة الناس، لا في خدمة الأنساق…

سؤال: أنت من القلائل الذين كتبوا بعمق حقيقي في مأزق تدريس الفلسفة بالمغرب.. كثيرا ما دافعت على تصور “ديناميكي” ان صح التعبير لتدريس الفلسفة بالثانوي.. أين ترى عطب تدريس الفلسفة في مدارسنا؟ في دردشة خاصة، أسرت لي أنك تأمل في تدريس “أيديولوجي” للفلسفة، تدريس يعيد للدرس الفلسفي حرارته الفلسفية، التي هي في نهاية المطاف حرارة مدينية/سياسية؟

جواب: أنا أنتمي إلى جيل مدرسي الفلسفة الذين كانوا شاهدين على ربط تدريس الفلسفة بالإيديولوجيا (في مرحلة السبعينات، عندما كنت تلميذا)، وأصبحوا في الثمانينات كمدرسين للفلسفة، فاعلين في المشهد التدريسي، وذلك إن على مستوى المضامين، وربطها بالمرجعيات الفلسفية، وبنصوص الفلاسفة، أو على مستوى طرق التدريس. لقد انشغل مدرسو السبعينات، وحتى الثمانينات بطرح عميق لسؤال هوية مدرس الفلسفة، مع الحرص على الانخراط الفلسفي في قضايا الفلسفة والمدينة.
صحيح قطع تدريس الفلسفة مع التوظيف الإيديولوجي اليساري في السبعينيات، لكنه الآن مهدد بخطابين إيديولوجيين مضادين، إيديولوجية الحياد المطلق (الخطاب التقنوي)، وإيديولوجية المرجعية الدينية (الخطاب الفقهي). فالحياد خدعة، يحول مدرس الفلسفة إلى مجرد مبرمج للمعنى، بينما المطلوب أن يكون منتجا له. لذا أقول إن ما يخسره تدريس الفلسفة اليوم في التغني بوهم الحياد، أكثر مما خسره في التوظيف الإيديولوجي…
إن الدرس الفلسفي الذي لا يشتبك مع قضايا الفرد والمجتمع والعالم والأرض، بعيد عن أن يكون وفيا للفلسفة، قد يكون في أحسن الأحوال جزء من تاريخ الفلسفة، لكنه بالتأكيد غير فاعل في المدينة وفي حاضرنا الذي يعج بالمآسي وبأشكال غير مسبوقة من التدهور والمسخ….

سؤال: أنت من خريجي جامعة الثمانينات.. مياه كثيرة مرت تحت الجسر.. هل لك أن تقول لنا كيف ترى جامعة اليوم؟ البعض يقول بأن الجامعة تم افراغها من مهامها الأفلاطونية، مهمة التفكير في المدينة، وأنها تم إخراجها نهائيا من الصراع، وأنها حولت الى بؤرة لإنتاج/تدوير الخواء؟ وأن النخب الجامعية هي هنا والأن مسيطر عليها بشكل تام؟ رأيك؟

جواب: كانت الجامعة قبل زمن المسخ مدينة المعرفة، مدينة داخل المدينة. تنظيم جغرافي مستقل، لها سكانها وأحياؤها، يتعلق الأمر بالإقامة في المعرفة…كما أن رواد هذه المدينة هم نخبة، تدخل إلى مدينة المعرفة، كي تخرج وتعود من جديد إلى المجتمع لذا لم تكن مدينة المعرفة أبدا مدينة مفصولة عن المجتمع، بل كانت قلبه النابض داخلها تترجم الصراعات الفكرية والإيديولوجية، كما كانت مقصدا لمختلف الرهانات السياسية.
كانت الجامعة توفر فضاء أرحب للإحساس بمعنى الحرية، داخلها يجرب ويعيش مرتادوها إمكانية خلق فضاء عمومي، وما يؤثثه من جدال عمومي. بل إن الجامعة عملت على خلق بالقوة فضاء مدنيا متميزا عن الفضاء السياسي الذي يجثم على واقع المدينة.
ومع ضياع الجامعة كمدينة للمعرفة ذبلت الحياة الثقافية في المجتمع، تقزم حضور الفعل الثقافي. إن تقهقر الجامعة لا يمكن فصله عن تردي التعليم ككل، ومع تآكل وتقهقر مدينة المعرفة، لم يعد بإمكانها إفراز حتى النخب السياسية، فالجامعة تحولت إلى مكان غير مرغوب فيه، بسبب المعاناة والظلم والإحباط، مكان لا يمكن الإقامة فيه والسكن في روحه. بل تحولت إلى مجرد غيتو جماعي لا يفرز نخبا بل جمهورا من المحبطين…
فمنذ سنوات عديدة بدأ مسار ممنهج لتدجين المتعلم، التلميذ والطالب عبر مجموعة من الآليات، تتمثل في المحاربة الشرسة لتسيس المتعلم، ومحاصرة وعيه المدني، وتضييق الخناق على فعاليته الاجتماعية، وإبعاده ما أمكن عن الانشغال السياسي، وإطفاء جذوة الثقافة بداخله، من خلال سجنه داخل بانوبلية الامتحان، حيث التركيز على الشحن والترديد، وإيجاد موطئ قدم في سوق الشغل.

سؤال: هذا السؤال الأخطر في النهاية – وكل الأسئلة هي خطرة.. هل أنت متفائل بمستقبل الأرض؟ نحن هنا نطرق منطقة الرعب، باب الشروط ذاتها للبقاء..

جواب: بالتأكيد لست متفائلا بمستقبل الأرض، فقدرنا التاريخي أننا نعيش في كنف الرأسمالية المتوحشة التي تكتب في الحاضر رواية العالم وتضع خريطة العيش. وبالتالي فالاقتصاد هو الإبستيمي المهيمن، إنه بلغة فوكو البرديغم الذي يقود قاطرة المعرفة والعلوم والتكنولوجيا. ومن تم علينا إعادة التفكير في موقع الاقتصاد وفي علاقة الحياة بالموت، أو بعبارة أخرى تعميق التفكير في العلاقة التي وطنتها الرأسمالية مع الاقتصاد. إنه تفكير غايته الاختيار بين اقتصاد يراهن على الحياة واقتصاد يفضي إلى الموت: يعني إما اختيار الاستمرار في جعل الحياة في خدمة الاقتصاد، منظورا إليه باعتباره اقتصاد المراكمة والاستغلال أو كما يمكن نعته “اقتصاد الموت”، وهو الذي قاد الكوكب إلى الطريق المسدود على المستوى الإيكولوجي، مع ظهور الأمراض والأوبئة والاختلالات المناخية، وعلى المستوى الإنساني، مع الاستلاب ووهم الحرية. أو القطع مع اقتصاد الموت واختيار في المقابل منظورا آخر، يمكن نعته ب”اقتصاد الحياة”، وهو الذي يجعل الاقتصاد في خدمة الحياة، إنه الاقتصاد المشترك الذي يحترم الإيكولوجيا ويصون كرامة الإنسان.
وبلغة بيونغ شول هان، نحن نعيش في مجتمع الاحتراق النفسي، حيث تحول الإنسان إلى مستوطن للأرض، يقطع الصلة من الآخر ومع العالم، ومع الأرض، لأنه متمركز حول ذاته، لذا تحول من مزارع في الأرض إلى صياد فيها ومحتل لها. فهو مهووس بفكرة البقاء، وليس بالحياة الطيبة، يتوهم بأن المزيد من الرأسمال ينتج المزيد من الحياة وهذا ما يجعل الحياة عارية بدون سردية إنسانية واجتماعية. حيث تم التجرد من كل القيم المتعالية، لصالح الوظائف الحيوية..
هل يمكن تصور غد أفضل؟ هل يمكن أن تتغير رواية العالم، وبالتالي عودة الإنسانية إلى العالم؟.. قد يبدو ذلك نزوعا حالما وفكرا مثاليا، لكن كم نحن في حاجة إلى هكذا مثال، فالخوف من إبادة الإنسانية وفناء العالم وحده يمكن أن يمنح الثقة في إمكانية ميلاد وتحقق فكرة ومثال الإنسانية. وهذا ما يضعنا على تخوم الاختيار: إما الاستمرار في السير نحو الفناء والإبادة، أو الانتصار للحياة، بكل ما يقتضيه ذلك من مقاومة فكرية وسياسية وشخصية ضد التيار الجارف لعالم يستنزف ذاته.
لا يتعلق الأمر بوعي فرح وتفاؤل ساذج، بقدر ما يتعلق الأمر بالتطلع نحو نزعة إنسانية، تضعنا في صلب تراجيديا العالم، التي قادتنا إليها أسطرة سيطرة الإنسان على عالم الأرض، وتدعونا إلى التشبع بوعي كوكبي، يحمل رواية أخرى عن إمكانية عالم يجعل من “الأرض الوطن” بلغة إدغار موران، القدر المشترك لنسج رواية العالم الإنساني، في أصله ومآله، في بقائه أو فنائه، في موته أو حياته. يتعلق الأمر بعدم فصل عالم العيش عن عالم الأرض، وعدم فصل عالم الفرد عن عالم الجماعة، ذلك أن تراجيديا العالم الحالي، تكمن في عزل كل فرد عن العالم ككل، وفي استغراقه في عالم الاستهلاك، وابتلاع الذات، إلى درجة إلغاء الروابط التي تشده بالحياة اليومية وبالحياة العامة، وبالأرض، وبالتالي الابتعاد عن جذوره الإنسانية.
وعطفا على ما سبق، يمكن القول إن تعليمنا وجامعتنا بعيدين عن هذا الهاجس المؤرق، حيث يتم غض الطرف عن مسار ومصير العالم والأرض والمدينة. لماذا لم تنتج منظومتنا التعليمية قلاعا فكريا للدفاع عن الإيكولوجيا؟ لماذا تغيب فيها الإيكولوجيا السياسية؟ و في هذا السياق أعتبر ما يقوم به صديقي منير الحجوجي عملا استثنائيا بامتياز، إنه يستحق صفة المفكر الوحيد في معضلة “الأرض” بالمغرب، أريد أن أختم بما قاله في كتابه الأخير و الجميل من الإيغو إلى الإيكو: استراتيجية إنقاذ الأرض: “نحن نعتبر أن الأرض هي هنا لأجلنا…جذر الشر باختصار، هو هذه الشوفينية البشرية….نحن مدعوون للتفكير في أفق آخر، لإيجاد توازن دقيق بين المصالح البشرية والقوانين الطبيعية، نحن مدعوون للخروج من استراتيجية الإعدامات الإيكولوجية إلى جمالية التفاوضات الإيكولوجية. المهمة أن نحول رؤيتنا لذاتنا، لموقعنا داخل الأرض”.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.