كلية الآداب عين الشق بالدار البيضاء تحتفي بأسبوع الفلسفة وتدعو إلى يقظة مرِحة في عالم مضطرب
فور تنمية
احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق، التابعة لجامعة الحسن الثاني، يوم الأربعاء 11 فبراير 2026، لقاءً دراسياً موسوماً بـ”الحاجة إلى الفلسفة في عالم اليوم”، وذلك ضمن فعاليات الدورة الأولى من “أسبوع الفلسفة”، الذي تنظمه الجامعة بشراكة مع المعهد الفرنسي بالمغرب. وتندرج هذه المبادرة في سياق أكاديمي يسعى إلى إعادة الاعتبار للتفكير الفلسفي، في زمن تتكاثر فيه التحولات وتتعمق فيه أسئلة المعنى.
افتُتحت أشغال اللقاء بكلمة تأطيرية للأستاذ أحمد الرياضي، نائب عميد الكلية، رحّب فيها بالحضور من أساتذة وباحثين وطلبة، منوهاً بأهمية هذه التظاهرة العلمية في ترسيخ تقليد فكري داخل المؤسسة الجامعية. وأكد أن “أسبوع الفلسفة” سيُعقد سنوياً وفق رؤية أكاديمية منفتحة، تستجيب للحاجة النقدية التي يفرضها العصر، وتواكب رهانات الفكر المعاصر.
وفي السياق ذاته، قدّم السيد عبد الإله بركسي، عميد كلية الآداب عين الشق، ورقة احتفى فيها بالفلسفة، مؤكداً الحاجة إليها في الفكر والحياة معاً، ومشدداً على عزم الكلية تقوية حضور مادة الفلسفة في التكوين الجامعي، بالنظر إلى دورها المركزي في تنمية ملكة النقد والتساؤل.
أما المحاضرة الرئيسية، فقد ألقاها الأستاذ يوسف مريمي تحت عنوان “مديح الفلسفة، في اليقظة المرحة”، حيث قدّم تصوراً للفلسفة بوصفها يقظة فكرية وفرحة وجودية في آن، أي نمطاً في التفكير والحياة معاً. وحدّد هذه اليقظة باعتبارها رؤية مندهشة وناقدة ومبدعة، تنطوي على تأويل للإقامة في العالم، وتتخذ من المقاومة ملمحها الأعمق، بوصفها وعياً لا يستسلم للسائد ولا ينخرط في عمى الجماعة.
وأكد المحاضر أن الفلسفة تبدع فناً للعيش ينطلق من فكرة بسيطة: الجهل قوة انفعالية تنتج الحزن، فيما اليقظة قوة فكرية تنتج المرح. وفي عالم تختلط فيه المعايير وتطغى الانفعالات والوسائط على التفكير الرصين، تغدو اليقظة الفلسفية مقاومة هادئة للسطحية والابتذال، عبر مساءلة دائمة وإعمال للعقل في وجه الضجيج. لذلك شدد على أن الفلسفة لا تبشر بمدينة فاضلة، لكنها ترفض العمى الفكري؛ ففتح العين هو إعمال العقل، ذلك الذي يظل “أعدل قسمة بين الناس”.
وعقب هذه المحاضرة، تتابعت مداخلات رؤساء شعب علم النفس وعلم الاجتماع واللغة العربية، في لحظة علمية اتسمت بالحوار والتكامل، وأبرزت حاجة مختلف الحقول المعرفية إلى السؤال والنقد الفلسفيين.
ضمن هذا السياق، أكدت الأستاذة فاطمة اليحياوي، رئيسة شعبة اللغة العربية وآدابها، أن الفلسفة تضطلع بأدوار نقدية وإبستيمولوجية أساسية في تأطير المعرفة، موضحة أن الدرس اللساني لا يستغني عن الخلفيات النظرية التي توفرها الفلسفة، سواء في تحديد المفاهيم أو مساءلة المسلمات أو ضبط العلاقة بين اللغة والفكر والواقع.
من جهتها، أبرزت الأستاذة فوزية برج، رئيسة شعبة علم الاجتماع، أن السوسيولوجيا لا تستقيم دون استحضار جذورها الفلسفية، إذ تظل مفاهيم الاجتماع والسلطة والدين والهوية مشروطة بأفق نظري يؤطرها ويمنحها عمقها الدلالي، ويقيها الوقوع في الاختزال والتبسيط. ووصفت الفلسفة بأنها تمرين على العيش وتدبير للمعنى في الحياة اليومية.
أما الأستاذ عبد القادر أزداد، رئيس شعبة علم النفس، فقد استحضر رؤية لويس ألتوسير الذي اعتبر أن لكل علم فلسفته، حتى وإن كانت عفوية وغير مصرح بها. وأكد أن الوعي بهذه الفلسفة الكامنة شرط لتجاوز العفوية وبناء ممارسة علمية نقدية واعية بأسسها المعرفية ومقتضياتها المنهجية.
وشهد اللقاء حضوراً كثيفاً من الطلبة والأساتذة، الذين شاركوا بأسئلتهم وملاحظاتهم في نقاش تميز بالحيوية والتفاعل، ما عكس الاهتمام المتزايد بالفلسفة وقضاياها في الفضاء الجامعي.
ويُرتقب أن يشكل “أسبوع الفلسفة” محطة سنوية تجمع بين الدرس الأكاديمي والنقاش العمومي، في أفق ترسيخ ثقافة فلسفية قادرة على مساءلة الراهن واستشراف الممكن، وجعل الجامعة فضاءً حياً لإنتاج المعنى ومقاومة السطحية الفكرية في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.

