في حوار مع فور تنمية: التشكيلي رضوان شقرون يقرأ الفن والسلطة وجيل Z
فور تنمية. حاوره منير الحجوجي
في هذا الحوار، يفتح رضوان شقرون دفاتر انشغاله الفلسفي والفني على مصراعيها، متنقلًا بين هايدغر، فيبر، دولوز، فيريليو، وبودريار، دون ادعاء أكاديمي أو استعراض نظري، بل بوصفهم أدوات لفهم عالم مأزوم، يتآكل فيه المكان، ويتحول الزمن إلى سلطة، ويغدو الفن فعل مقاومة، لا ترفًا جماليًا. كما يقارب بأسلوب نقدي حاد حراك جيل Z، لا باعتباره ظاهرة عابرة أو موضة رقمية، بل كتحول أنثروبولوجي عميق في علاقة الإنسان بالمعرفة، والمؤسسة، والسلطة.
فور تنمية: أستاذ رضوان شقرون، أنت من المتتبعين الجيدين لما يحدث في المغرب وفي العالم.. أنت مقل في الكلام والكتابة لكن خرجاتك على ندرتها تكون دوما على درجة عالية من الدقة والعمق.. حدثنا أولا عن الخطوط الكبرى لانشغالاتك الفكرية؟
رضوان شقرون: في الحقيقة، ليس لي اهتمامات فكرية محددة بعينها. أعتقد، بالأحرى، جازمًا أن ما يحدد علاقتي بالمعرفة والفكر عمومًا هو حالة الذهول الفكري التي تعتريني وأنا أقرأ لهذا المفكر أو ذاك، وأنا أُتلمّس طريقي لفهم وتفكيك هذا الخطاب أو ذاك، هذا النسق المعرفي أو ذاك. إن الأمر أشبه، بالنسبة إليّ، بلحظة البدء أو الأصل Anfang بتعبير مارتن هايدغر (Martin Heidegger) : البدايات الكبرى، الولادات المؤسسة لرؤى جديدة، لحيوات جديدة، ولمفاهيم جديدة هي ما يشكل وعيي الذاتي ويحدد علاقتي، يوميًا، بالوجود والعالم.
بهذا المعنى، تجدني – على سبيل المثال – أتأمل فكرة نشوء الرأسمالية الحديثة في أوروبا عند ماكس فيبر (Max Weber) في كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، والتي لم تكن حتمًا نتيجة تطور اقتصادي محض كما اعتقد كارل ماركس (Karl Marx)، بل كانت، بالأحرى، ثمرة أخلاق العمل في صيغتها الكالفينية الممجِّدة للنجاح العملي والمهني، باعتبارهما مؤسسة ربحية وخلاصًا إلهيًا في آنٍ واحد. هذه الأخلاق شكلت الجذور التاريخية واللاهوتية لما يسمى بـ “شعب الله المختار”، أو ما سيُعرف لاحقًا بـ “الصهيونية العالمية” في صيغتيها المسيحية واليهودية، كما فصّل ذلك لاحقًا مفكرُنا العربي الفذّ، أستاذُ التاريخ الاستقصائي الدكتور منير العكش، في مجمل كتاباته.
وبالقدر نفسه، أتأمل – منتشيًا – فكرة الزمن عند لويس بورخيس (Luis Borges) : الزمن هذا النسيج الذي يشكّلنا نحن معشر البشر كشَبَكةٍ من المتاهات المتفرعة واللامتناهية، حيث تتعايش الأحداث المتعددة والشخوص أنفسهم وفق دورة أبدية متزامنة، راهنة، لا ماضي لها ولا مستقبل، لا بداية لها ولا نهاية، بحيث يبدو هذا الزمن وكأنه اختراع إنساني لا يختلف، فيما يبدو، عن أحلامنا، وهَوَاماتنا، واستيهاماتنا، حياتنا البائسة، وموتنا البهيمي.
وبهذا المعنى، ووفقًا لهذا المنوال، تجدني تارة أخرى أتأمل فكرة السرعة Dromologie لدى بول فيريليو (Paul Virilio) في مشروعه الفكري النقدي الفذ، باعتبارها أساسًا لفهم العالم الحديث، مؤكدًا أن الفضاء العمومي لم يعد محكومًا بالأرض والحدود، بل أضحى مسرحًا مغلقًا بتكنولوجيا المراقبة والتحكم، وأن الحرب ذاتها، على سبيل المثال، ليست حدثًا منفردًا أو استثنائيًا، بل هي حالة دائمة في نسيج التقنية والاتصال.
إن ما يُغريني في فلسفة بول فيريليو – كما هو الشأن عند جان بودريار (Jean Baudrillard) في مفهومه حول “الانهيارات الكبرى” و”التبددات الهائلة”، وكذا نظريته حول “الواقع الفائق” و”الجنس الفائق” – هو نظرته إلى الفضاء العمومي لا كبنية هندسية مجردة، بل أساسًا كبنية سياسية وتقنية محكومة بسرعات معينة هي ما يحدد، في آخر المطاف، طرق العيش وأنماط السلطة. لقد تحولت هذه السلطة ذاتها، مع التقدم الهائل في التكنولوجيا ووسائل التواصل، من الهيمنة على المكان إلى الهيمنة على الزمن والحدث، بعدما صار الفضاء بنية من الموجات والإشارات التي لا عمق لها ولا مسافة، فضاءً فوريًا، زمنيًا لا ماديًا، يُنذر بما يسميه فيريليو نفسه “الاختفاء الجذري للمكان” La disparition du lieu..
إن ما يشغلني، سَيرًا على نهج معلمي جيل دولوز (Gilles Deleuze) واقتداءً بطريقته، هو قوة المفاهيم وقدرتها على اجتراح المعنى، وعلى إحداث الشقوق في الأمكنة الصلبة التي نعتقد أنها عصية على الفهم والإدراك، في عالم الفكر الواحد والإنسان الواحد. إن قوة المفاهيم تكمن في قدرتها على التفكير والإبداع معًا، بهدف إعادة تشكيل الذات والوجود والعالم. إنه فعل مقاومةٍ، وعملٌ سياسيٌّ بقدر ما هو عمل فكريٌّ مناوئ للسلطة، حقيقةً ومجازًا، متصدٍّ لكل استراتيجيات التماثل والثبات، التزييف والتبسيط، الخفية منها والمعلنة.
سؤال: القليلون الذين يعرفون اشتغالك بالفن التشكيلي من منظور خاص جدا.. هل لك أن تقدم لنا بعض المفاتيح لولوج أعمالك؟ وأين ترى الدور الذي يمكن أن يلعبه الفن بشكل عام في فهم ما تسميه المحارق القيامية لعصرنا؟
جواب: في بداياتي، كنت أميل، بطريقة لا واعية وكحال كثير من أصدقائي العصاميين الذين تعلموا من تجاربهم الخاصة، إلى ما يعرف بالتجريدية التعبيرية L’expressionnisme Abstrait التي منحتني بعضا من الحرية الغير المشروطة في التعامل مع المواد والتقنيات محاولا، في نفس الوقت، أن أعطي لأعمالي معنى ولفني أفقا فنيا وفكريا جديرا بي. لقد أردت أن أكون ملما بتفاصيل عملي، ولو بشكل لا واع في أحايين كثيرة بالرغم من أنني كنت أشتغل وأنا استحضر تاريخ الفن، (بحكم معرفتي الجيدة به لاحقا)، وأتساءل عن ماهية أعمالي، راهنها وأفقها، عما يجعل منها فنا أصيلا، عما يجعلها منخرطة في هذا العالم وملتصقة به. لقد استهوتني تقنية التقطير action painting لجاكسون بولوك Jackson) (Pollock باعتبار الإمكانات الهائلة التي تتيحها حينما تجعل من الفضاء أفق اللون ومن الحركة التشكيلية le mouvement plastique حيزها الوجودي، بالرغم من أنني لم أكن أعلم بها وبصاحبها لولا أن أحد الأصدقاء، رحمة الله عليه، نبهني إلى ذلك. هكذا أضحت أعمالي مع مرور الوقت أكثرا تجريدا هو أقرب إلى نوع من الإرتجال الإيقاعي، التلقائي والحدسي، وذلك باستخدام شبكات لونية (رموزا، علامات أو شخوص) عمادها الظل والضوء بشكل متكرر أو أحادي يضفي على التركيب La composition طابع الحركة والطاقة الممزوجة ببعض الغموض والالتباس. لقد كان هاجسي إبان تلك الفترة أن تكون أعمالي مسكونة بفضاءات/ شبكات لونية متعددة، مسطحة أو ثنائية الأبعاد بقدر ما كنت متحمسا بأن تكون هذه الفضاءات مسكنا لشخوص، أشباه شخوص أو ما تبقى منها وهم عالقون بين نتوءات الرسم وسديم اللون، ربما بسب عشقي لمحمد القاسمي، لفرنسيس باكون Francis Bacon)) أو جوستاف كليمت (Gustave klimt) ، لا أدري. لقد أضحت هذه الفضاءات لاحقا، بعدما شرعت في استعمال تقنيات الفن الرقمي وخصوصا ما يسمى بالصباغة الرقمية La peinture numérique، ذات بناء بصري هندسي يستلهم بعضا من عوالمه من أعمال ماليفيتش (Maliviche) وموندريان (Mondrian)، ربما لأنني وجدت في هذه الأعمال ما يعينني على فهم بنية الفضاء عموما كبنية متعالية وجوهرية في آن من خلالها يمكن تحديد العلاقة بين الخطوط والمسطحات اللونية، ليس كصورة بصرية une présentation picturale، بل كجزء من نسق خارجي لفضاء كلي متوازن يمكن إسقاطه على مدننا، شكل عمارتها وبنيتها الهندسية. (ربما بحكم امتعاضي من بنية فضاءاتنا العمومية الهشة والمترهلة، الغير النسقية، المثيرة للاشمئزاز والتقزز).
قد يتساءل البعض لماذا لم تعرض أعمالك ولما لم يسبق لك أن أقمت معارض تظهر فيها فنك. سأجيب بكل بساطة، ولو كنت لا أعرف ما إن كنت محظوظا أو عكس ذلك، أن كل ما أنجزته يرتكز على مبادئ جمالية principes esthétiques ، كحال مجمل الفن الحديث وما قبله في صيغته الكانطية، الهيجيلية والنتشوية، وليس كتمثلات بصرية أو لا بصرية l’art invisuel للواقع الإجتماعي والسياسي أو يرقى إلى تصورات فلسفية ومفاهيمية. إنني أشتغل على مشاريع جديدة حيث العمل الفني فيها ليس شيئا ماديا بالضرورة بل هو فكرة أو مفهوم مؤسس لتجربة ذهنية، لفعل معاش أو مدرك، لقضية ما أو موقف ما. إنها بالضبط آليات اشتغال ما يسمى بالفن المعاصر (أو فن عصر مابعد الحداثة) كما مورس عند جوزيف كوزوت (Joseph Kosuth) ، جوزيف بويز (Joseph Beuys) أو ماوريتسو كطلان (Maurizio Cattelan) رجل الفنانين المفهوميين المعاصرين، وسيلتي في ذلك الكتابة، على اعتبار أن الخطاب هو جزء من العمل الفني المعاصر أو ربما هو العمل نفسه، وغايتي أن أكون منخرطا ومعبرا عن قضايا عصرنا، اهتماماتي الفلسفية والأدبية ومواقفي السياسية.
إني أعتقد جازما أن فنون ما بعد الحداثة باعتبارها برديغما un paradigme خالصا له قوانينه وسننه الخاصة، التي تختلف جذريا عن تلك المتعلقة بفنون الحداثة أو العصر الكلاسيكي على حد سواء، هي القادرة بالفعل على ملامسة القضايا الكبرى الراهنة لعالمنا. تشكل فنون ما بعد الحداثة قطيعة جذرية مع كل التعميمات الكبرى، المحكيات الكبرى للتاريخ، عبر سعيها إلى إنتاج الواقع بطريقة مركبة حد التناقض وساخرة حد الجنون. بعبارة أخرى، إن ما يميز فنون مابعد الحداثة هو قدرتها على اللعب بالأنظمة الرمزية – خصوصا السياسية والإجتماعية منها- وإعادة تدويرها مفهوميا كنوع من النقد الرمزي للهيمنة بكل أشكالها. إن الفن عمل سياسي بامتياز، ولا يمكنه إلا ان يكون كذلك، انطلاقا من كونه قادرا على مساءلة النظم السياسية، الإجتماعية والأخلاقية وفق ما يحدد قدرتنا على استشراف مستقبلنا، قدرنا ورغبتنا في ان نكون أحرارا متساوون.
أنظر، على سبيل المثال، كيف ينبني المشروع الفني للفنان الصيني المعاصر آي وايوي(Ai weiwei) على إعادة تفكيك الرموز السياسية للنظام الشيوعي الصيني باعتباره نظاما شموليا، وذلك عبر منح الهامش مكانة مركزية يغدو الفن فيها مساحة للمقاومة ورفضا للرقابة، للإضطهاد والظلم الإجتماعي، شهادة سياسية وإنسانية تجعل من الفنان ذاتا فعالة بشكل علني بارز. إن الفن عند أي وايوي، باختصار شديد، هو أداة مواجهة ومقاومة بواسطتها يمكن للفنان كشف مستويات العنف الرمزي والمؤسسي في عالم يميل إلى التشيئ والصمت. ففي عمله الشهير “بذور الذرة”Sunflower Seeds قام آي وايوي بمساعدة من عدد كبير من حرفي الخزف الصينيين المحترفين، بإنتاج آلاف البذور من مادة الطين la porcelaine حين قام بطلائها ورسم خطوط دقيقة عليها ليتم عرضها على أرض قاعة المتحف على شكل سجادة توحي بأن ثمة فضاءا لا متناهيا من الحبيبات الفريدة بالرغم من تشابهها الظاهر. يطرح هذا العمل فكرة التكرار والإختلاف باعتباره موقفا سياسيا بالأساس مهمته الوقوف في وجه كل سلطة تزعم امتلاك الحقيقة، موقف رافض لكل الأنماط الأحادية في التفكير والعيش والسلطة. إن منطق السلطة هنا هو منطق التكرار/الخضوع الذي يسعى إلى خلق جماعة موحدة مطيعة مفصولة سياسيا عن واقعها وغير مرئية Invisible (البذور المتشابهة ظاهريا). يغدو فيها هذا التكرار رمزا فاضحا لإنتاج وإعادة إنتاج مواطنين خانعين ومطيعين وفق أنموذج رسمي محدد سلفا، مقزز ومثير للغثيان. بهذا المعنى يأتي الإختلاف ليكون صوت الفرد فعلا مقاوما Un acte de résistance ، بحسب تعبير معلمي جيل دولوز، صوت يجد صداه، في هذا العمل الفني، في كل بذرة ( في كل أنسان وكل مواطن) فريدة في شكلها وفي نقشها. إن الاختلاف هنا هو هوية سياسية وحق انساني مقاوم ضدا على كل أنواع التدجين السياسي وضدا أيضا- إن ذهبنا بالتحليل إلى أبعد من ذالك- على كل أنواع الإستيلاب والتسليع الرأسمالي.
لدي إيمان راسخ، في هذا الصدد، بأن نظرية جوزيف بويز (Joseph Beuys) حول الفن كفيلة بتفسير وفهم المحارق القيامية لعصرنا باعتبار أن الفن بالذات عملية اجتماعيةune action sociale (كما هو الحال عند فناننا المغربي حسن الضرسي وثلة من الفنانين المفهوميين Conceptualistes الشباب المغاربة أمثال محمد العولي ومحمد أرجدال) وسياسية قادرة على إحداث الشقوق اللازمة لتغيير العالم. أعتقد أن إستيطيقا التمثيل Esthétique de la représentation، في شقيها التشخيصي والتجريدي على حد سواء، والتي شكلت أساس الفن الغربي منذ اليونان وحتى القرن العشرين، قد انتهت إلى غير رجعة. لم يعد الفن شيئا ماديا خالصا في ذاته un objet d’art يوضع في المتاحف من أجل التأمل الجمالي، بل أداة لترميم العالم وتغييره، لم يعد الفن حرفة، بل أداة العدالة والحكمة في مواجهة الكارثة، ليس الفن ملك الفنان وحده، بل هو ملك لكل إنسان حر وشرط وجوده. إن سر أزماتنا المعاصرة- التغيير المناخي، الفوارق الطبقية الصارخة، العنصرية والشعبوية، التعليم، الصحة، الرأسمالية المتوحشة في صيغتها الليبيرالية الجديدة…إلخ- لا يكمن في كونها أزمات تقنية عابرة تستوجب موظفين تكنوقراطيين ببدلة أنيقة وربطة عنق باهرة، بل هي نتيجة نقص une déficience (بالمعنى المرضي) في الخيال السياسي والاجتماعي لدى صناع القرار والنخب الحاكمة. إن الفن في نظر جوزيف بويز نحت إجتماعي une sculpture sociale بأبعاد سياسية وأخلاقية، إنه تلكم الشرارة الأولى لأي تغيير وأي مقاومة بدونه ستستمر الأنساق التدميرية التي تحكم عالمنا، وما أكثرها، في إنتاج محارقنا بشكل مستمر ولا نهائي.
سؤال: لك قراءة خاصة لحراك جيل Z؟ هل لك أن تقرب القارئ من الخطوط الكبرى لهذه القراءة؟
جواب: أعتقد أن الكل متفق على أن حركة جيل Z ، بغض النظر عن كونها شريحة عمرية، هي ظاهرة اجتماعية وسياسية سعت إلى إعادة تشكيل علاقة الناس عموما، كمواطنين أحرارا متساويين، بالذات والعالم والسلطة. لقد ولد هذا الجيل في ظل أزمات بنيوية مستمرة هي نتاج ما يشكل عالمنا الراهن وفق خط زمني لحظي متسارع يكشف عن نوع من الواقعية التي لا تنتظر التغيير بل تسعى إلى تحقيقه. وإن كانت جل مطالب الحركة، وهذه هي المفارقة الكبرى، سياسية، اقتصادية واجتماعية بالأساس، فليس لأنها تعكس انتماءات سياسية أو أيديولوجية ذات بعد حركي تنظيمي أو برامج حزبية، بل لكونها فضاءا وجوديا السياسة فيه رد فعل يومي (ديوجين الإيلي) وموقف أخلاقي يتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي أداة فعالة هدفها تعديل السياسات، فردية كانت أم جماعية، بغض النظر عن مكانة صانعها أو رمزيته، مساءلة المبادئ التي تنبني عليها هذه السياسات ومدى شرعيتها وفعاليتها على المستويين الإقتصادي والإجتماعي.
غير أن ما يميز حقيقة حركة جيل Z ، وهذا أمر أشاهده في الشارع والمدرسة بشكل يدعو أحيانا للخوف والهلع، هو تفكيك رمزية السلطة، أو علاقات السلطة بشكل عام بما فيها سلطة الأب، المدرسة، المجتمع والإعلام، جهاز الأمن وسلطة رجال السياسة وصانعو القرار السياسي أنفسهم. كل هذا ليس لأنهم متمردون بطبعهم بل لكون الفوارق الوجودية المؤسسة لعلاقتهم بالذات والمعرفة والسلطة نفسها قد تبددت بشكل جذري على أساس أن عالمنا المعاصر هو عالم متصل connecté بعضه بعضا، المعلومة فيه (سياسية، اقتصادية كانت أم اجتماعية) متاحة لكل فرد. إن قيمة العمل السياسي، الذي ربما تتوقف عليه حياة ملايين البشر، لا تأتي من كون أن من أسس له صاحب مكانة سياسية، اقتصادية أو رمزية، بل من أثره على المنفعة العامة في الحياة اليومية للناس ومعيشهم اليومي. يسعى جيل Z ، في هذا الصدد، إلى تأسيس نوع من الديموقراطية اليومية une démocratie du quotidien – أو فلنقل يسعى إلى إعادة تركيب العالم- يكون العيش المشترك فيها مساحة للعدالة الإجتماعية، للحقوق الفردية والتسامح الإنساني المبني على الحق والقانون كوعي عميق بالمخاطر التي تهدد كوكبنا على المستوى الإقتصادي والسياسي والبيئي. إن ما يحرك جيل Z هو منطق الاختلاف المتعدد وليس منطق الهويات الثابتة، مشروع مفتوح لا يحيل إلى أي انتماءات محددة بعينها، مشروع يعكس في جله تحولا انتروبولوجيا عميقا في المجتمع، في علاقة الإنسان بالعالم والسلطة، او في جملة واحدة، في علاقة الإنسان بالذات والمعنى في عصر ما بعد اليقين، عصر السيبرنيطيقا la cybernétique، تلكم المقاومة الناعمة soft resistance التي قد تغير وجه العالم من الداخل.
لكن، وبالرغم من ذلك، يبقى حراك جيل Z ، وإن كان يعبر عن هموم وقضايا حقيقية تهمنا جميعا، بشكل صادق نابع من حب هذا الوطن، إلا أنه يبقى حراكا نخبويا بامتياز، كما هو حال حراك الريف وجميع الحراكات التي عرفها المغرب منذ الإستقلال إلى الآن، لأنه لا يشمل جميع الفئات العمرية، جميع الطبقات أو الأنسجة المجتمعية. إن الأمر أشبه بقسم مكون من أربعين تلميذا جلهم كسالى خاملين إلا واحدا شغوفا بالدراسة والبحث وله قدرة هائلة على التحليل والإستنتاج بوعي كامل وأفق نظر. إن هذا التلميذ (حراك جيل Z) هو الذي يسعى إلى التغيير وينادي به بينما الآخرون، بحكم وعيهم الزائف وكراهيتهم الشديدة للثقافة والسياسة والفكر وبحكم أن ليس لديهم أي أفق فكري أو سياسي يهم مستقبلهم إلا من رغبتهم في إحداث الفوضى وتدمير كل شيء (وهذا بالضبط ما يرعبني كلما تأملت حاضر مغربنا ومستقبله). إنهم بطبيعة الحال صنيعة نظام/مصفوفة une matrice جعل منهم أناس بلا هوية، بلا وعي وبلا إيمان وبلا أخلاق (لعبت فيها هشاشة نظامنا التعليمي وفشله الذريع دورا حاسما)، إنهم أشبه بالضباع المتشردة التي يمكن أن تفترس أي شيء في طريقها، وهي في ذلك أشبه بالنظام عينه إن هو أحس بخطر يهدد بقاءه. إن الساحة فارغة بالرغم من الأصوات التي تتعالى هنا وهناك، تكفي مباراة كرة قدم واحدة لتضيع هذه الأصوات بين لجج صياح المشجعين ومؤثري الصحافة الصفراء في أجمل بلد في العالم.
إن كل ما أود أن أقوله هنا، علاقة بهذا الموضوع، هو أن ملامح التغيير بادية في الأفق على اعتبار توفر شروطها الموضوعية التي من أهمها وجود أزمة عميقة تنخر بنية النظام ذاته يوازيها في الآن نفسه بروز وتشكل سردية كبرى تعبر عن آمال وتطلعات الناس في الحرية والعدالة والعيش الكريم. وبالرغم من أن وسائل التواصل الرقمي كانت أداة للتعبئة والتأطير وطرح المطالب المشروعة عبر تقديم المقترحات والحلول إلا أن قدرة حركة جيل Z على الاستمرار والحضور في نظري تبقى ضئيلة -اللهم ما أحدثته من شقوق في البنية السياسية والاجتماعية لمغرب القرن الواحد والعشرين- لكونها أولا، كما أسلفت، تبقى حركة نخبوية بامتياز، وثانيا، لأنه بمثل ما تنتشر بعض السرديات بلمح البصر، تتفتت بسهولة إما بفعل التظليل والمكر السياسي للنظام أو نتيجة خلافات داخلية قد يكون لمثيري الفوضى والعنف دور فيها (كما حدث من عنف وشغب في كثير من مدننا)، وثالثا، لأن النظام لديه ما يكفي من أدوات المراقبة الغير المسبوقة لضبط الجماعات البشرية تارة بطرق استباقية تبدو في ظاهرها شرعية وتارة بطرق غير شرعية في أحايين كثيرة.
سؤال: ألا تعتقد أن من تسميه العنصر الثوري المعزول هو دوما من حول اتجاه التاريخ؟ وأن الشرارة تطلقها دوما أقلية مؤمنة بقوة بعالم أخر؟
جواب: يحيل سؤالك إلى نقطة أساسية شكلت مركز جدال في الفكر السياسي والفلسفي برمته حول طبيعة الفعل الثوري وعن مدى قدرة الأقلية الثورية على إحداث القطائع/التحولات الكبرى وكذلك عن مكانة العنصر الثوري ودوره في اجتراح سيرورات جديدة للتاريخ والحدث. يبدو، في هذا السياق، أن ماركس وهيجل هما من أكدا على أن “التاريخ تصنعه الأقلية التي تمتلك وعيا أسبق من زمنها”. إن اتجاه التاريخ هو في الحقيقة – أو الأقل على ما يبدو- اتجاه القوى المهيمنة وأن الأقلية الثورية هي من تسعى إلى دحض النسخة الرسمية منه عبر توجيه مساره من جديد وإعادة بنائه لأنها ترى فيه من التناقضات ما يمكن أن ينذر بكارثة محققة قد تمس بنية التعاقدات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لمجموعة معينة من البشر.
لقد أكد لنا التاريخ أن جل الثورات ابتدأت بأقليات ونخب صغيرة معزولة هنا وهناك، فلاسفة ومثقفين، عمالا وفلاحين. كان هذا حال الثورة الفرنسية كما كان هذا حال الثورة الروسية التي قادها بضعة من البلاشفة المتحمسين المناوئين لنظام القيصر نيكولا الثاني. كان هذا كذلك حال جل حركات التحرر في إفريقيا وآسيا التي ابتدأت معزولة ومحاصرة كحال من قادوا الربيع العربي نفسه حين خرجوا مدفوعين برغبة عميقة بالتغيير، مطالبين بالحرية والعدالة والمساواة الاجتماعية. إن الأقلية الثورية هي التي تمنح دائما تلكم الشرارة الأولى المحركة للتاريخ والتي بدونها وبدون تمثلاتها داخل النسيج المجتمعي- لا كنزعة نخبوية أو تعبيرا عن وعي طبقي ما- تغدو معزولة عن سيرورتها المحتملة والممكنة.
علينا التمييز، في هذا الصدد، بين نوعين من الأقليات الثورية حتى نتمكن من فهم قيمة الفعل الثوري ودوره: فمن جهة هناك أقلية ثورية هامشية لديها بطبيعة الحال رؤى ثورية لكن ليس لها صدى اجتماعي ولا قدرة لها على الربط بين مطالبها الثورية وتطلعات، آلام وآمال جماهيرها الشعبية، ومن وجهة أخرى هناك أقلية ثورية طليعية Avant garde، لديها من الحس التاريخي ما تلتقط به التناقضات البنيوية، سياسية كانت، اقتصادية أم اجتماعية يمكن بواسطتها تشكيل وبناء تلكم السرديات الكبرى التي تتسع لأحلام الجماهير وتطلعاتها والتي ربما، بتوافر عوامل داخلية أو خارجية، تاريخية، اقتصادية أو حتى بيئية، تتحول بواسطتها من أقلية إلى حركة اجتماعية تجد صداها عند النخب والطبقات وعامة الشعب. تمتلك الأقلية الثورية الطليعية، في هذا الصدد، من أدوات الفهم والتحليل والتفسير ما يمكنها من ابتداع خيال سياسي يمكن بواسطته كشف تهافت الأنظمة السياسية وعجزها التاريخي بل قصورها عن فهم مقتضيات الراهن السياسي من تغيرات جذرية وذلك بتقديمها نموذجا أوليا للفعل وحلولا لمعضلات بنيوية، تهم عمق النظام ذاته، كانت تبدو لوقت قريب مستحيلة وغير ممكنة التحقق.
يمكن للفعل الثوري، أخيرا، في عصر الوسائط الرقمية، ان يتخذ شكل حدث هائل بتداعيات غير متوقعة بحكم أنه ليس فعلا راهنا في المكان والزمان فقط، بل إنه، كذلك وخاصة، فعل مضاعف يجمع بين الراهن والافتراضي. وإذا كانت هذه الوسائط تشكل بديلا قادرا على بناء شبكات تضامن ثوري تتجاوز حدود الرقابة والتضليل، بل وفضاءا عاما افتراضيا موازيا ومساحة للوعي والتكتل، إلا انها تبقى، في نظري، بديلا هشا إلى حد ما في مواجهة جبروت الدعاية الرسمية ونهجها في تشتيت الانتباه وزرع الريبة بهدف عزل كل السيولات الثورية وتهميشها أو ربما قمعها والقضاء عليها.
سؤال: على ذكر المدرسة.. أنت من المدرسين الذين لم يعودوا يومنون بالمدرسة، بقدرتها على هز الأشياء.. أين ترى الحل اذن؟ ما هي في تقديرك مداخل انتاج أجيال قادرة على الاشتباك مع أوغاد العالم، على الوقوف في وجه تقدم الألة الصهيوتلموذية، هذا السرطان الرهيب الذي يلتهم الأخضر واليابس؟
جواب: يعد كتاب المعارف السبع الضرورية للتربية على المستقبل[ ترجمه عزيز لزرق ومنير الحجوجي، دار توبقال، البيضاء، 2002..] لصاحبه إدغار موران (Edgar Morin) من أبرز النصوص الفلسفية والتربوية، إن لم يكن أبرزها على الإطلاق، التي حاولت إعادة التفكير في مفهوم التربية والتعليم في علاقته بعالمنا المعاصر، بكل ما يحمله هذا العالم من تعقيدات وتغيرات دائمة ومستمرة. تكمن أزمة نظامنا التعليمي بالأساس في غياب إرادة سياسية حقيقة تتغيى بناء مدرسة مغربية وطنية – هي ملك لكل أبناء هذا الوطن بغض النظر عن إنتماءاتهم الطبقية – وليس إلى تعثر الإصلاحات البيداغوجية/التكنوقراطية التي لم تكتمل بعد، إصلاحات ما فتئ أهل الحل والعقد يطبلون لها في كل مرة يخرجون علينا بنسخة منها، منقحة ومزيدة، متوسمين فيها منقذنا من الظلال وملاذا لنا من الكارثة. يأتي استحضار ما قدمه إدغار موران، في هذا العمل الفريد من رؤى وتصورات مفهومية كمطلب مشروع وراهني من حيث كونه يؤسس لنظرة استشرافية مستقبلية محددة بمنهاج معرفي وفكري مركب، إن تم تطبيقه، على ما يبدو في سياقنا المغربي الراهن وبإرادة سياسية، قد يكون ربما له دور حاسم في النهوض بمدرستنا العمومية الوطنية واجتثاثها من براثن الإنحطاط الحضاري والتبعية الخارجية.
يرتكز المشروع التربوي لإدغار موران، كما هو مبين في عنوان الكتاب، على سبع منطلقات أساسية تندرج ضمن سياق اعتبار أن المعارف التي تدرس في المدرسة الحديثة قائمة على مبدأ التجزيء والفصل وغير قادرة، تبعا لذلك، على صناعة إنسان القرن الواحد والعشرين في مواجهة تعقيد العالم وتغيراته. إن المعرفة لا يمكنها أن تكون معطى جاهزا أو يقينا ثابتا، بل إنها بالأحرى بناء هش يحتمل الصواب والخطأ، به من الوهم وسوء الفهم ما يجعل الوعي بتناقضاتها شرطا أساسيا لكل معرفة نقدية. من هنا، يغدو التعليم دعوة إلى إعادة التفكير في ادوات التفكير ذاتها وفي شروط المعرفة ذاتها باعتبارها مرآة الثقافة واللغة والإنسان عينه أي من حيث كونها تتيح له نقد معرفته لا مجرد استهلاكها. إن عالمنا المعاصر هذا، عالم السرعات الفائقة التي تتجاوز قدرتنا على التفكير والتنبؤ، لا يمكن أن يكون عالم اليقين المطلق، إنه بالأحرى عالم غامض وغير مستقر يستدعي مبدأ اللايقين كمبدأ ابستمولوجي قوامه الشك في الأسس والثوابت مهما كانت حدة مصداقيتها أو مشروعيتها العلمية.
يعتقد صاحب” المعارف السبع” أن التربية والتعليم لا يمكن لها أن تتأسس إلا عن وعي عميق بأبعاد الإنسان المتعددة، بمستوياتها البيولوجية والنفسية والثقافية، لكونه، أولا، كائن مركب وإشكالي وبحكم أن إرادته، ثانيا، تتوزع مابين العقل والغريزة، ما بين الحرية والمسؤولية، ما بين فردانيته الفذة وولائه لجماعة معينة، ثم إن هذا الوعي هو ما يحدد في نهاية المطاف قدرته على تأسيس علاقة تصالح مع الذات، مع الآخر والعالم. يشدد إدغار موران، في هذا السياق، على ضرورة ابتكار أخلاق جديدة في التعامل مع الطبيعة والإنسان أساسها وعي الإنسان بنفسه وبانتمائه إلى هذه الأرض، كوكبنا وطننا المشترك، عبر شبكات من الترابط الحضاري والإقتصادي والبيئي (غير القائم على الهيمنة) هو دليل على أن مصيرنا واحد، ومستقبلنا واحد وأننا ولدنا أحرارا متساوون وبملامح بشرية واحدة متشابهة. إن الفكر النقدي المبني على قيم الإنفتاح والتسامح الكونيين هو السبيل الوحيد إلى تجاوز سوء الفهم الذي هو منبع صراعاتنا، نحن البشر، وبؤرة انحطاطنا. تحتاج التربية على المستقبل، وفقا لذلك، وعيا بأخلاق كونية قوامها إلتزامنا بمسؤولياتنا تجاه ذواتنا، مع من نتشارك نفس الملامح والوجوه، إيماننا بأن العدالة هي ما يمنع عنا ظلم المستبد وطغيان الجبابرة وبأن مصيرنا المشترك هو ما يحدد بقاءنا على هذا الكوكب، تلكم النقطة الصغيرة في بحر هذا الكون الفسيح.
قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا التصور هو إلى حد ما مثالي، طوباوي، صعب التحقق خصوصا في ظل هيمنة قوى (رأسمالية، صهيو-تلموذية تعتقد انها شعب الله المختار وخليفته في الأرض…إلخ) لا تسعى إلا إلى إخضاعنا بكل ما أوتيت من جبروت ومكر وخداع، تارة عبر سياسات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وما شابههما وتارة أخرى بقوة السلاح والقمع السياسي والبوليسي. هذه أيضا هي حال الأنظمة السياسية الفاسدة، بطبقتها الأوليغارشية الفاحشة الثراء، الساعية إلى الحفاظ على مصالحها على حساب الفقراء والمستضعين، ولا يهمها، بل وليس في مصلحتها، ان تقدم لهم تعليما جيدا ببرامج دراسية فعالة بل، بالأحرى، ببرامج هي في عمقها أداة إخضاع وضبط جماعي. إن الطوباوية سلاح استراتيجي مقاوم، هوية أرضية ببعد نقدي هدفه كشف ما هو مفقود في تعليمنا، ما نحتاجه فعلا في مواجهة منطق الفصل الطبقي الذي تمارسه الأنظمة السياسية، بالمدرسة ومن خلالها، في حق شعوبها.
سؤال: جيل زيد خرج من المدرسة.. انها اذن مفارقة.. مدرسة منهارة تنتج جيلا اشتباكيا حقيقيا.. كيف تفسر المفارقة؟ وعموما كيف يتشكل الوعي في زمن الانقلابات/الانكسارات الوجودية الكبرى؟
جواب: أعتقد أن جيل Z خرج من المدرسة لكنه انقلب عليها بوصفها مؤسسة رمزية فقدت سلطتها ومشروعيتها الإجتماعية والأخلاقية. لم تعد المدرسة تنتج وعيا بل فراغا عاما وشاملا بحكم أنها لم تعد منبع المعرفة وأفق الفكر، كحال المنهاج الدراسي نفسه الذي غدا منفصلا عن واقعه بل وعالما موازيا بلا قيمة وبلا معنى. إن هذا الفراغ بالضبط هو المؤسس لوعي جيل Z ، إنه وعي جديد خارج نظام المؤسسات ونظم المعرفة وأنساق القيم، وعي ليس له من بديل سوى ذلكم العالم الإفتراضي بشبكاته ومواقعه حيث صناع المحتوى لا يتوانون عن تجاوز الخطوط و طرح الأسئلة / القضايا المشروعة التي تهم عالمنا بلغة مباشرة، ساخرة، عنيفة ونقدية مبنية أساسا على سرديات جديدة مناوئة للسلطة ولخطابها الرسمي. إن هذا العالم الذي سكنه هذا الجيل هو عالم التواصل الأفقي الذي لا وجود لتراتبية سلطوية فيه، إنه بالأحرى ملاذ التجربة اليومية العارية من أي مساحيق وتعبير عن واقع هش وحياة بلا أفق.
إن الثقافة الرقمية في نظري هي رد فعل سريع على صدمات مستمرة ودائمة بسبب هذا الكم الهائل من الصور والرموز والدلالات التي تخترق ذاكرة هذا الجيل، أحلامه وتطلعاته بشكل يستدعي وعيا طبقيا جديدا يرتكز على مساءلة التمثلات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية للسلطة بلغة مكثفة تعيد صياغة المعنى وتركيبه. يتشكل الوعي هنا، ويا للمفارقة، لحظة انهياره بالضبط على شكل شروخ ثاوية في قلب المعنى: عدم الثقة في مصداقية الدولة ومؤسساتها، تراجع دور المدرسة بل وغيابها عن ساحة الوعي، تحييد سلطة الأسرة ونموذجها التربوي، ضياع المعنى نفسه بهوياته المتآكلة. هذه اذن أهم الإنقلابات الوجودية الكبرى التي تنتج وعيا هشا شديد الحساسية لا تهمه قيمة الحقيقة وجدواها، بل مدى قدرتها على إثارة التساؤلات والإشكالات، حول أثرها وما تحيل إليه في الواقع المعيش واليومي. إن فشل مدرستنا ونظامنا التعليمي هو من حرر هذا الجيل من الهيمنة الرمزية للدولة التي لم تعد ذات جدوى على أي حال، بل إن هذا الفشل/ الوعي الهش هو الذي يتموقع فيه جيل Z بمنأى عن أي مؤسسة حاضنة وفي اشتباك دائم مع الواقع وتقلباته.
سؤال: تعيش المدرسة المغربية على إيقاع خريطة معرفية تنتمي لزمن أخر.. لازالت تومن بالتقسيمات/المضامين الموروثة عن القرن التاسع عشر.. دول كثيرة سارت في اتجاه بلورة خرائط تدريسية جديدة.. أفكر هنا في فنلندا التي تدرس التعاطف كمادة في الابتدائي.. أو الصين التي أدخلت الذكاء الاصطناعي الى السنوات التعلمية الأولى.. أو مملكة بهوتان التي بدأت تتكلم عن تدريس السعادة.. الخ.. ألا ترى أن مشكل المدرسة هو أولا معرفي؟ وأن تثوير الخرائط كافي لإحداث التحولات الضرورية؟ أم أنك ترى أن المشكل أكبر من أن يحصر في المعرفي/البيداغوجي/الديداكتيكي؟
جواب: لقد قلت سابقا أن مشكلة التعليم ببلادنا مشكلة سياسية بالأساس ومرد ذلك إلى أن الإرادة السياسية تظل، في نظري، الشرط المؤسس لكل إصلاح حقيقي وفي غيابها تكريس عميق لأزمة ما فتئت تتفاقم يوما بعد يوم وعلى جميع الصعد. إن هذه الإرادة السياسية المغيبة هنا هي التي لا ترى في التعليم ضرورة استراتيجية نابعة من مشروع تنموي وطني تقدمي، بل إنها ترى فيه عبئا اقتصاديا وماليا وأداة سياسية وأمنية هدفها ضبط الأفراد والجماعات خدمة لأجندات ومنظمات سياسية واقتصادية دولية. إن الدول التي قدمت كنموذج يتحدى به ما كان لها أن تصل إلى ما وصلت إليه بتغيير المناهج أو المقررات بل برغبة جادة في بناء مشروع الدولة الوطنية بقرار سياسي و سيادي همه توفير تعليم جيد ومجاني لجميع الطبقات بدون تمييز أو إقصاء، تعليم بهوية ثقافية أساسه المعرفة والبحث العلمي وغايته بناء مجتمع مؤمن بأن المدرسة هي مستقبل الأمة و أمل ابنائها.
إني أعتقد في رأيي المتواضع، وبشكل مقتضب جدا، ان الإصلاح البيداغوجي لا يمكن أن يُثمر في بيئة مختلة فقدت فيها المدرسة هيبتها ووضعها الإعتباري/المعرفي، فما لم تحلّ مشكـلة الاكتظاظ البنيوي التي هي أخطر المشاكل التي تواجه منظومة التعليم على الإطلاق، تبقى أي طريقة، مهما كانت فعّالة نظريًا، محدودة حتى لا أقول منعدمة الأثر عمليًا. يجب إعادة النظر في الزمن المدرسي الذي يشكل عقبة كبرى لدى المتعلمين، إذ لا يعقل ان يدرس التلميذ صباحا ومساءا دون مراعاة لقدراته العقلية والبدنية، زد على ذلك ساعات الدعم الليلية المدفوعة الأجر (الدعم والتقويم) خصوصا بالإعدادي والثانوي. الأحرى، العمل بتوقيت واحد مستمر (من 8 والنصف إلى الساعة 3 والنصف)، تقليص البرنامج الدراسي الى الحد الأقصى الممكن (التعلمات الأساسية) مع إعطاء الأهمية البالغة للأنشطة المدرسية، الفنية والرياضية بعد الواحدة زوالا. يجب الأخذ بعين الاعتبار ضرورة أن يكون أساس أي تعلمات قائما على مبدأ كلي غير مجزأ، مرتكزا على قانون الوصل وليس الفصل والتقسيم. لا يجب أن تكون هذه التعلمات، تبعا لذلك، معطى جاهزا أو يقينا ثابتا بل أساسا معرفيا نقديا بوعي إنساني كوكبي عام وشامل. هذا النوع من الإصلاح يحتاج إلى إرادة سياسية بطبيعة الحال: موارد اقتصادية وبشرية ربما قد تشكل ضعف ما هو متوفر لدينا الآن، أطر تربوية وإدارية، مؤسسات ومدراس جديدة، بنية تحتية موازية تشمل مطاعم مدرسية، ملاعب رياضية، فضاءات للمسرح، الموسيقى، الفنون البصرية، الأدب وتاريخ الأفكار. باختصار شديد، يجب إعادة النظر في المنظومة التعليمية برمتها إن أردنا أن نظمن تعليما جيدا لأبنائنا وحتى نكون في مصاف الدول التي نهضت بالتعليم لا بشيء آخر.
سؤال: من تعتبره الفاعل الأول في انتاج محارقنا/ألامنا المغربية؟ الكودزيلات الدولية؟ الضباع الداخلية؟..
جواب: في الواقع لا يمكن الفصل بين هذين الفاعلين عن بعضهما البعض لكون علاقتهما علاقة عضوية بنيوية مرتبطة أساسا بنزعة متبادلة للهيمنة هي أساس نظام نيوليبرالي متوحش هدفه الإستيلاء على مقدرات البلاد ونهب خيراتها. تستفيد الأوليغارشية، ومن لف لفها، من النفوذ الدولي بنفس استفادة هذا النفوذ من وجود نخبة محلية تتماهى مع مصالحه الإقتصادية والسياسية. يلعب هذا الوضع المركب دورا حاسما في إنتاج أزماتنا/ محارقنا على اعتبار أن تركيز السلطة والثروة لدى قلة معينة دون غيرها وعدم وجود آلية رقابة حقيقية، دستورية وأخلاقية متعاقد عليها بقوة القانون هو الذي يؤدي إلى كثير من الأزمات الإجتماعية والإقتصادية التي تجد صداها في بنية الدولة والمجتمع : الفساد المالي والسياسي، الريع والإحتكار، التقسيم غير العادل للثروة، ضعف الخدمات الإجتماعية من صحة وتعليم، الفقر والهشاشة الإجتماعية …إلخ. بمثل هذا المنطق، ترتبط هذه الأوليغارشية بعلاقات اقتصادية وسياسية مع قوى كبرى، منظمات ومؤسسات تمويل دولية تملي عليها، دون اعتبار لقرار سيادي ما (إن كان موجودا اصلا)، سياسات تخدم مصلحة هاته الدول والمنظمات عبر فرضها نماذج في التدبير والتخطيط قد تكون وبالا على المواطنين خصوصا إن كانت تهم قطاعات اجتماعية واقتصادية حيوية كالزراعة والصناعة والخدمات.
شخصيا، إن أكثر ما يثير اشمئزازي، إضافة إلى ما قلته أعلاه والذي هو في الحقيقة معروف لدى الكل ولا يحتاج إلى كثير من الذكاء والفهم، هو شرعية هذه الكودزيلات وهذه الضباع الأخلاقية.
والسياسية وعما الذي يبرر نزعتهم الإستعلائية العنصرية التي تجعلهم يعتقدون أنهم ولدوا بملامح لا تشبه ملامحنا (كما تقول دائما صديقي)، شعب الله المختار في أرضه، هؤلاء الجبابرة الذي يبررون حقهم في الإستيلاء كل شيء، الإستحواذ على كل شيء، ما يجعلهم كائنات فوق البشر، فوق التاريخ وفوق الأخلاق والقيم. أنا أتساءل دائما عن أصل التفاوت بين البشر وكيف تشن النيوليبرالية، بأنظمتها المتواطئة، حربا لا هوادة فيها على المستضعفين في العالم. إن إيديولوجيا هذه الضباع والكودزيلات هي بلا شك أيديولوجيا صهيو-تلموذية لا تختلف عن نازية هتلر أو عنصرية كو كلوس كلان المقيتة، على سبيل المثال لا الحصر، إلا في درجات عنفها الرمزي (أو الفعلي)، بتعبير بيير بورديو، الذي يجعل من اللامساواة “قدرا طبيعيا” ومن الإستغلال شريعة ومن النهب قوة واستحقاقا.
سؤال: أستاذ رضوان، أنت ابن مدينة سلا.. وأنت تعرف مأساة مدينة القراصنة.. هل يمكن تحقيق أشياء دالة ومدننا تحتلها مليشيات حزبية معادية لأتفه حركة تغييرية؟
جواب: أعتقد أن مدينة سلا نموذج صارخ، يدعو إلى التأمل العميق، لفشل جل السياسات التنموية بالمغرب منذ الاستقلال إلى الآن. في شوارعها الصاخبة وأزقتها الضيقة تستشف عمق الحاضر المتأزم وضبابية مستقبل لا ينذر إلا بكارثة مضاعفة. إن سلا فضاء مفتوح على الخراب والعدم، تركيبة من الاختلالات البنيوية، الاقتصادية والسياسية بأبعاد اجتماعية ونفسية وحضارية خطيرة هي ما يشكل راهنها، حاضرها وهويتها المسلوبة. لقد ولدت ونشأت وعشت حياتي فيها وأنا أرى بأم عيني كيف تم تدمير هذه المدينة بشكل منهجي وعلى مستويات عدة همت أساسا عمرانها، بنيتها الطبيعية (تم تدمير أنساقها البيئية من غابات وشواطئ) وعلاقة سكانها الوجودية المأزومة بالأرض والفضاء. لقد ولدت مدينة القراصنة هاته بالرغم عنها وعنا، ضدا على ارادتنا، إنها ليست أفقا لما نحن عليه وما نريد ان نكون. ليست عالما للسكن، بل محطة للترحال أو فلنقل، انها الترحال ذاته، أفقا لماض لم يكن وحاضر لم يولد بعد، فلا هي بمدينة ولا بقرية، مكانها، فضاءها مسلوب منها، من ذواتنا وأحلامنا وما أردنا أن تكون عليه.
إن جل الأحزاب السياسية التي تعاقبت على تدبير هذه المدينة كرست، وبإصرار عنيد، هشاشتها البنيوية كنتيجة طبيعية لثقلها الديموغرافي وتوسعها الأخطبوطي السريع مقارنة ببنيتها التحتية البدائية، العشوائية والمترهلة التي مست بشكل مخيف جودة الحياة، طرق العيش ونظم الأخلاق والقيم. لم تستطع هذه المدينة/الشبح أن تتم مرحلة انتقالها الحضري، منذ الإستقلال إلى الآن ولم تحاول ان تبحث عن نموذج مدني يحفظ لها تاريخها وثقافتها، بل عاشت دائما على هامش الآخر، رباط الفتح، مدينة الحكم ومركز السياسية. لقد أسست الاختلالات الهيكلية، المجالية والعمرانية التي تعاني منها المدينة (سكن عشوائي، طرق ونقل حضري غير فعالين، مساحات خضراء نادرة، مرافق صحية، اقتصادية، ثقافية وترفيهية ليست في متناول الجميع) لفضاء عمومي مسلوب وغائب عن ساكنيه هو دليل على علاقتنا المأزومة بالذات والعالم وعن تصورنا القاصر عن فهم أبجديات التحضر ومستلزمات العيش المشترك.
أعتقد في نظري أن هناك ترابطا عضويا بين هذه الاختلالات الهيكلية / المجالية وبين نظيرتها الاجتماعية على اعتبار أنهما يؤسسان لكل أنواع اللامساواة الممكنة، لغياب العدالة، لغياب ديموقراطية حقيقية في التدبير والتسيير وعن فشل ذريع للسياسات العمومية نفسها. إن أثر هذه الاختلالات على المعيش اليومي هو ما يبعث على الإمتعاض والتقزز، إذ يكفي وأن تتجول في شوارعها لترى حجم العنف اليومي، الرمزي والحقيقي، حجم التوترات الفردية والجماعية، داخل الفضاء العام، وعن هوة عميقة تنخر جسد مجتمع قائم على صراع البقاء وعن اختلاف جذري بين أعضائه في فهم وتمثل طرق، انماط وقيم العيش المشترك.
إن تحقيق أشياء دالة لمدننا لا يمكنه ان يكون بمبادرات فردية (اللهم ما كان من فضح المفسدين وناهبي المال العام والمستفيدين من الريع والصفقات العمومية) ذات أثر محدود بطابع ترقيعي لا يرقى إلى إصلاحات بنيوية. تحتاج هذه الإصلاحات، بالطبع، إلى رؤية عامة وشاملة، إلى مشروع وطني تقدمي بخطط إستراتيجية وطنية حقة، إلى خيال سياسي فذ يأخذ بعين الإعتبار أن السياسة هي أولا وأخيرا تدبير المدينة وفق ما تمليه المصلحة العامة، ووفق ما تقتضيه العدالة من روح التعاقد.
سؤال: استشرافك لمغرب 2030؟ هل ترانا وقد ولجنا التاريخ؟ أم ترانا على نفس الطريق الانتحارية؟
جواب: هذا سؤال صعب جدا ربما لا أملك الإجابة عليه. كل ما يمكنني أن أقوله هو أنني لست متفائلا جدا فيما يخص مستقبل بلدنا بحكم أنني لا أستشف أي أفق للتغيير في المنظور القريب، وبحكم أيضا أن إرادة التغيير الحقيقي ذاتها غائبة عند أهل الحل والعقد ولا نية لديهم للإنصات إلى ذلك الآخر، المنذر بالكارثة. لست عدميا كذلك لأن كل ما يتبقى لي هو أحلامي: إني أحلم بوطن يتسع لجميع ابناءه، أحرارا متساوون، وطنا نملكه ويملكنا، لا نحس بغربتنا ونحن في مقامه، نبنيه بسواعدنا ونتقاسم جميعا ما تمنحنا أرضه من حبها لنا، لأبنائنا ولمن سيأتي من بعدنا من الأجيال القادمة.
