OCP

ادغار موران: “نحو عولمة بديلة”[ من كتاب عنف العالم.– ترجمة منير الحجوجي–

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية .ترجمة .منير الحجوجي

في هذا الحوار، يرصد ادغار موران إمكانية استثمار الفكر المركب في تحليل واحدة من أعقد القضايا: رهان التغيير في عالم حوله الغرب الى سجن أنتروبولوجي كبير.. لنتابع..

سؤال: هل منطق النظام الرأسمالي كما وصفتموه (منطق الاستعلاء والاستغلال) هو منطق لامفر منه، يتجاوز ويفلت لأية إرادة بشرية للإصلاح؟..

إدغار موران: إن المنطق الرأسمالي، وهـــو ما أكده التاريخ، يولد قوى مضادة. في السابق، أتى هذا المنطق للدول الأوروبية بتدابير حدت من التسلط. كانت الرأسمـــــالية مهيـــــــمنة في دول الرعــاية الاجتماعية، وكانت هذه المجتمعات قائمة على علاقة حوارية بين عالم الرأسمال والعالم المدني. ثم دُمر هذا النظام بسبب انفجار السوق العالمية منذ 1890. وبسبب إفراطاته وعيوبه، سيجد المنطق القدري للرأسمالية نفسه وجها لوجه أمام العناصر والقوى التي ستعارضه وتعمل لغير صالحه. حاليا، تم طرح اقتراحات وبرامج كالاقتصاديات المتعددة، ومنها الاقتصاد التعاوني والتضامني حتى تكون بدائل ممكنة لاقتصاد السوق. هناك صيغ للتحكم تم فرضها على الصعيد العالمي، إلا أنها ما زالت عبارة عن فرضيات. إن المنطق الرأسمالي هو من القوة ما يجعله يكتسح مجالات كثيرة. وهذا ما جعل مثلا مجالا كالبحث البيولوجي خارج الاهتمام، ويخضع كليا للمنطق الاقتصادي للربح والصناعة. مع ذلك، أعتقد أن المنطق الرأسمالي هو ظاهرة متحركة. أنا لست متشائما على هذا المستوى. فاحتمال الانتصار المطلق للرأسمالية ليس بالنسبة لي شيئا أكيدا بعد، ولكنه احتمال كبير. ضد هذا الاحتمال، يتزايد عدد القوى التي ترتفع وستستمر في الارتفاع. والحال أن الحركات المطالبة بالخصوصية والتي لاتنظر سوى لمشكلها الخاص هي مشتتة جدا وبالتالي عاجزة على خلق رد عالمي على مشكل عالمي. يجب السير اليوم نحو البحث عن جواب أو جواب متعدد عالمي لمشكل يمسنا جميعا، وهذا هو الدرس الذي نستخلصه من مؤتمر سياتل (عند بداية الألفية. المترجم)..

سؤال: يبدو أن العولمة هي مشكل يخص الغرب، لأن العالم الذي نتحدث عنه هو عالم من صنع الإنسان الغربي الذي يرى نفسه الساكن/المالك الوحيد للعالم. لقد استشهدت بهيدغر. يعرف هذا الأخير الحيوان باعتباره كائنا فقيرا بالعالم pauvre en monde، في حين أن الإنسان هو كائن غني بالعالم Riche en monde . يشكل مفهوم العالم عنصرا إنسانيا بامتياز. عندما ينظر الإنسان إلى الآخرين، فإنه يفعل ذلك دائما باختزالهم إلى صورته. والمشكل الذي يطرح هو أنه من الصعب حصر حدود الغرب، لأن النموذج الغربي تم تصديره الى مجموع جغرافيا العالم.

جواب: نتجت العولمة عن توسع بعض القوى الصغرى لأوروبا الغربية، وهي تظهر في عملية تغريب جزئي للعالم. وفي غضون سيرورة التغريب والهيمنة هاته، حدثت تبادلات صدرت على إثرها بعض مناطق العالم البطاطس والذرة والطماطم نحو أوروبا التي بادلتها بالحبوب والخيول والأسلحة الأكثر فتكا. لقد تغربن العالم بالنظر إلى هذا السعي نحو التقنية. وإذا كانت بعض الدول/الأمم قد اتخذت الغرب نموذجا لها، فإن نموذج الدولة/الأمة الغربي هذا سمح، وبشكل مفارق، بوجود معارضة في وجه الغرب نفسه. نحن إذن أمام مظهر ديالكتيكي ومفارق. بالنسبة للعالم الذي يستعمل تقنيات وسلطات الغرب، فإن ذلك يشكل طريقة في الوقوف في وجهه (الغرب). هناك أيضا رؤية متمركزة على الذات الغربية محايثة للعولمة. إن إحدى طرق الإفلات منها هي القول بأن الغرب ليس مالكا للعقلانية، وأنه داخل كل حضارة هناك أشكال من العقلانية. لم يقضي الغرب تماما على الأسطورة، بل خلق أساطيره التي هي العلم والعقل والتقدم. أنا شخصيا أسعى، في إطار من العالمية، إلى خلق تعايش حضاري بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب. لقد أصبحت متيقنا من أن تاريخ العالم الغربي توصل إلى الوعي بوجود نقص بداخله. فزحف القوة التقنية يؤدي إلى عيوب بدأت بعض الساكنة الغربية تعي بها ولو بشكل لاواعي. فضد ضيق العيش، بدأ الناس يتحدثون عن مختلف صنوف الحكمة، أصبحوا يبحثون عن انسجام أو ملء فراغ داخلي، أصبحوا يسعون نحو المذهب اليوجي في الهند أو المذهب البوذي/الزن. إن ميزة الحضارة الصينية بالمقارنة مع الغرب أنها لم تعرف النزعة التوحيدية لأسباب تاريخية، علما أنه كانت هناك أيضا أشياء رهيبة (في الحضارات الشرقية). لقد طور الشمال وبشكل مفرط تماما طريقة في التفكير تقوم على الحساب والتقنية والكم قادت إلى تدهور فكرة الجودة ذاتها. أما الجنوب، المعروف بتأخره أو تخلفه في بعض المجالات، فإنه لم يخضع للغزو المتسلط للشمال واحتفظ ولازال باحتياطي بالمعنى الإيجابي: أفكر هنا في جنوب المتوسط. ومع ذلك لا يجب منع الجنوب من دمج التقنية والحساب. من المفيد محاولة فضح كل ما هو غربي النزعة تحت غطاءات الكونية، حتى بالنسبة للغربي ذاته. يمكننا اذن أن نوظف القدرة على النقد الذاتي التي ولدت داخل هذه الحضارة، وهذا ما جعلني أستشهد بمونطاني ومونتسكيو، كما يمكنني أن أستحضر كلود ليفي شتراوس، أو باحثا في الإسلام كجاك بيرك أو أيضا هنري كوربان. إن مظاهر العقل عديدة. لايوجد العقل فقط بمنطقه الصارم وقدرته الاستنتاجية أو الاستنباطية. إن العقل يتضمن أيضا قدرة نقدية لايجب أن تحصر في نقد الآخرين. فالقدرة على نقد الذات أكثر وجاهة حتى وإن ظلت هامشية جدا في الغرب: وهذه هي أحسن هدية يمكن أن نقدمها لكل القارات الأخرى.

سؤال: أجدكم متفائلين جدا عند حديثكم عن صعود قوى معارضة، إذ تحاولون إعادة الثقة في النفوس، إلا أني أجد صعوبة في استيعاب هذا الأمر. ما تبين لي هو أنه حتى وإن برزت بعض القوى المعارضة، فإن ذلك لن يفيد في شيء. إني خائف من الغد، وأعتقد أن السلطة، كلها، توجد في يد الولايات المتحدة الأمريكية.

جواب: أعتقد أنك لم تفهمني جيدا وسقطت في خطأ فيما يتعلق بتفاؤلي. لقد تعلق الأمر بالمحتمل واللامحتمل. لو كنت متفائلا لقلت بأن التفاؤل هو الذي سيتحقق، والحال أني لم أدعي ذلك أبدا. أكدت أن الأمر سبق وأن حدث في التاريخ. من كان بإمكانه التنبؤ بانهيار الاتحاد السوفياتي؟ لا أحد في تلك الفترة كان بإمكانه أن يتصور أن حدثا من ذلك النوع سيتحقق. بالطريقة ذاتها، لا توجد الولايات المتحدة بمعزل عن التناقضات الداخلية، ولا حتى عن الضغوط التي تمارسها الاكراهات الداخلية. ليس كل شيء في قبضة الهيمنة الأمريكية. هناك قوى مقاومة يمكن أن تتطور، مثلا في أوروبا. عندما تتحدثون عن النزعة الأمريكية كشكل متطور جدا للنزعة الغربية فيجب أن نعلم أن الولايات المتحدة هي البلد الذي تطور فيه اقتصاد مدهش ورأسمالية وقوة تقنية وعسكرية. والحال أن لا شيء يمكنه أن يبقى كما هو للأبد. إن خطابي ليس متفائلا. حتى في فرنسا هناك قوى تقاوم الغزو المتسلط، وإلا فإن مكدلنة العالم (إضفاء الطابع المكدونالدي/السلعي على العالم. المترجم). كانت ستزحف على كل شيء. ما أقوله دائما هو التالي: لست متيقنا أبدا، انتظروا حدوث اللامتوقع. أعتقد أن المستقبل غير قابل للتنبؤ، وأن الأسوأ قابل لأن يحدث. على كل حال، فلقد أنهيت خطابي بشكل متشائم عندما قلت بأن الشعوب ليست ناضجة.

سؤال: هل يوجد فرق بين فكرة الهوية الإنسانية عند إدغار موران ومبدأ الإنسانية لدى فرانسوا غيلبو (.F. Guillebaud. مفكر مفصلي لايتحدث عليه الا في ما ندر.. المترجم)؟..

جواب: أنا أقر بوجود تباعد وتقارب في نفس الوقت بين هاتين المقولتين. فأنا أعرف الإنسان انطلاقا من تعقيده الخاص، طبيعته البيولوجية والميتابيولوجية، في حين أن غيلبو في كتابه يدافع عن الإنسان اللابيولوجي ضد مختلف تقدمات العلوم. بالنسبة لي، تكمن الأخطار عند غيلبو في تطبيق المنظومة العلمية على الإنسان. وعلى عكس غيلبو، أعتقد أننا آلات سينيرجيتيكية تشتغل بدرجة حرارة هي37. نحن عبارة عن آلة عجيبة بقلب ينبض ورئتين تتنفسان.. الخ.. كما أن الآلة الإنسانية ليست لا بسيطة ولا جبرية. كل الوجوه التاريخية ليست بسيطة: عيسى، محمد، دوغول. وعموما، أتفق مع غيلبو في كوننا لسنا آلات تماما. ومع ذلك، فإن مفهوم الهوية الإنسانية يدمج داخله بشكل أفضل الطبيعة الإنسانية المزدوجة التي تخص، من جهة، الوعي والعقل، ومن جهة أخرى العالم الفيزيائي والبيولوجي. في الواقع، إننا، أنا وغيلبو، نتفق مع وجود اختلافات، وهي أحسن طريقة لنكون متفقين.

سؤال: ألا تمر العولمة المرغوب فيها عبر المحلي؟..
جواب: نعم، هذا صحيح تماما، لكني لست متفقا مع القول بأنه يجب التفكير بشكل شمولي والفعل بشكل محلي. لا يمكن فصل الشمولي عن المحلي: فلدينا حالات حيث يمكن لتحولات محلية أن تؤثر في العالمي والعكس صحيح. أعتقد أنه مع المشكل البيئي بدأنا نعي أهمية المحلي، بدأنا نعي فعالية كل عمل مواطن ممكن. إن المشكل الكبير هو أنه يستحيل تفادي فكرة سياسة عالمية ضرورية، أي ما أسميه في نهاية المطاف سياسة الحضارة أو سياسة الانسان. في هذا الصدد كتبت مؤلفين: مدخل نحو سياسة للإنسان ومدخل نحو سياسة للحضارة، وكل هذا حتى أعثر على بديل للتنمية. أعتقد أن المحلي أصبح نموذجا للاحتذاء. مثلا في مناطق كثيرة في فرنسا تشتغل منظمات جمعوية لتعيد الحياة لبحيرة ملوثة أو لقرية عبر تشجيع إقامة تجارات عبر تقديم إعانات. كما تتشكل جمعيات للعاطلين لإيجاد فعل جديد للتضامن أو المساعدة. إذن، هناك مبادرات عديدة ولكنها لا تعرف بعضها البعض. لا يوجد أي حزب سياسي يهتم بهذه المبادرات أو يحاول تجميع لائحة بمعطيات حول هذه المبادرات. يلعب المحلي دورا مهما في الحث على فعل شيء يتجاوز المحلي، شريطة أن توجد هذه الحياة، هذه الدينامية المحلية.

سؤال: ونحن نأخذ بعين الاعتبار هذا التوصيف الخطير الذي تقدمونه لواقع قريتنا الكوكبية، هل يمكن أن نغفل قوة الاعتقاد والإيمان وقدرتهما على حل الكثير من المشاكل؟..

جواب: إن الديانات ذات النزوع الكوني – المسيحية والإسلام والبوذية – تتوجه إلى الجميع، كيفما كان أصل المؤمنين. إنها ديانات ألحت كل واحدة على حدة على قيمة العلاقة بالآخر، سواء تعلق الأمر بقيمة حب الناس، القوية جدا في الإنجيل، أو فكرة المغفرة، القوية جدا في الإسلام. لهذه الديانات فضائل هائلة جدا، وعيوبها تمثلت بشكل أكثر في نزعتها التوحيدية أو في انغلاقها ونزعتها الطائفية وفي رفضها للديانات الأخرى: لقد رأينا نتائج الحملات الصليبية التي من المحتمل أن تعود من جديد. في تصوري، يمكن لهذه الديانات أن تتوحد انطلاقا من نقطتها المشتركة الكونية: التضامن، الكرم، المعنى العميق لكلمة “فضيلة”، أي ما ينبع من القلب، والتعاطف الذي يمكن أن يلعب دورا خصبا جدا بالنسبة لكوكبنا. ألا تخاطر الديانات اليوم بأن تظل كل واحدة منغلقة داخل نزوعها لأن تكون هي المطلق؟..

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.