في حوار مع فور تنمية… الباحث بلخير بومهاوت يفكّك صعود جيل Z وأسئلة الجامعة المغربية.
فور تنمية: حاوره منير الحجوجي
في سياق الجدل المتصاعد حول وضعية الجامعة المغربية، ومستقبل الفلسفة والعلوم الإنسانية، ووسط التحولات الاجتماعية والسياسية التي تعيشها البلاد خصوصا مع بروز جيل Z كفاعل احتجاجي جديد، تستضيف جريدة فور تنمية الباحث والكاتب المغربي بلخير بومهاوت، المعروف بحدة تحليلاته وجرأته النقدية وسجالاته التي تثير الكثير من النقاش داخل الأوساط الفكرية والجامعية.
بومهاوت، الذي راكم تجربة أكاديمية وشبابية داخل الجامعة المغربية، يُعد من الأصوات التي لا تتردد في تشريح أعطاب الحقل التعليمي والبحث العلمي، وربطها بالبنية السياسية والثقافية التي تحكم البلد منذ عقود.
في هذا الحوار، نحاول الاقتراب من خلفيات هذه المواقف النقدية، ومصادر الوعي السوسيولوجي والسياسي الذي يظهر بقوة في كتاباته ومداخلاته، كما نفتح نقاشاً حول وضعية الفلسفة، وموقع المثقف، وأصل الداء في علاقة المجتمع بالدولة.
فور تنمية : أستاذ بلخير بومهاوت.. مرحبا بك.. نود في البداية أن تقول لنا كيف حصلت عندك هزة الوعي النضالية التي تظهر بشكل واضح في كتاباتك ومداخلاتك؟
بومهاوت : لا شك أن لدى كل طالب من طلبة الجامعة قصة فريدة عن مسار تكوينه وطبيعته والروافد التي ساهمت في ذلك. لا أشك، خصوصا في ظل ضعف التكوين في جامعاتنا نتيجة اخراج الجامعة من مهمتها التاريخية، أن الكثير منهم كونته قراءاته وطبيعة الأشخاص الذين كان يلتقي بهم. دخلت الجامعة بعد سنة من أحداث عنف دامية بين فصيلي الطلبة الصحراويين والحركة الثقافية الأمازيغية، هذه الأحداث بالنسبة لي لا تختلف كثيرا عن الأحداث السابقة بين فصيل جماعة العدل والاحسان وفصائل اليسار. أحداث كان مهندسها الأول هو السلطة نفسها، هي صناعة محكمة للسلطة تحضيرا للتخلص من الجامعة باعتبارها المؤسسة التي كانت من المفروض أن تأخذ بزمام الأمور وتلعب دورها التاريخي بعد أن تم التخلص من الأحزاب السياسية، بمعنى قامت السلطة باعتبارها العدو الأساسي لليسار بإلهائه بعدما صنعت له معارضين وهميين، حتى تخرج من الصراع وتنصب نفسها كطرف ثالث، ليسهل عليها هؤلاء الأطراف مهمة إتمام مشروع اخراج الجامعة من التاريخ.
لا أخفيكم وحتى أكون صريحا أن السنوات التي قضيتها في الدراسة الجامعية لم تقدم لي خلالها الجامعة المغربية سوى الشهادة، شهادة زور بأنني تلقيت تكوينا جيدا في السوسيولوجيا، شهادة تشهد لي على أني قضيت هناك في “الحرم الجامعي” ثلاث سنوات. بينما هي في الحقيقة لم تقدم لي شيئا يذكر على المستوى الفهم المعرفي والسياسي والسوسيولوجي الجيد والعميق لما يجري في المغرب والعالم. كنا ندرس شيئا آخر، سوسيولوجيا لا تطرح الأسئلة الراهنية الحارقة، سوسيولوجيا مخصية، بلا رؤية سوسيولوجية. صحيح كان بعض الفضل لبعض أساتذتي مشكورين في فهمي لبعض الأمور المهمة، أقصد الذين لم يدخلوا حتى تلك اللحظة لتلك الحضيرة الشهيرة. أما الذي له الدور الأكبر أيضا في هذا التكوين كان قراءاتي، خصوصا وأني كنت أتعاطى كثيرا لكتابات بيير بورديو ولوي ألتوسير وميشيل فوكو وألان تورين وجورج غورفيتش… ثم الفضل يرجع أيضا إلى بعض الطلبة الأصدقاء النجباء الذين كانوا يقرأون لرواد لاهوت التحرير، حيث تأثرت بأفكارهم وقراءاتهم لأنهم كانوا يقرأون لعبد الرزاق الجبران وصادق النيهوم وعبد الجواد ياسين ونصر حامد أبو زيد وغيرهم. لا زلت أتذكر كتابين قرأتهما وتركا أثرا عميقا على مواقفي وتصوراتي أقصد كتابي “لصوص الله” و”الحل الوجودي للدين” و“انقلاب المعبد” للمفكر العراقي عبد الرزاق الجبران.
فور تنمية : أنت من القلائل الذين يعتبرون بأنه يجب القيام بثورة كبرى على مستوى تدريس الفلسفة بالمغرب وترى أن مشكل تدريس الفلسفة هو مشكل سياسي لا بيداغوجي؟ هل لك أن توضح الأمر أكثر؟
بومهاوت: سأجيب عن هذا السؤال من خلال الحديث عن العلوم الانسانية ككل. إن القارئ والمتمعن جيدا في حوارات السوسيولوجي المغربي الفرنسي الكبير بول باسكون سيدرك جيدا أصل الداء في ما يخص البحث العلمي في العلوم الانسانية عندنا، حيث لم تكن أبدا أزماته أزمات علمية من داخل العلم نفسه، لأن الأزمات الداخلية لم تكن في تاريخ العلم سواء الطبيعي أو الانساني عوائق تعيق تقدم العلم، وإنما مفيدة له لأنها تقوم بتثويره، بينما مشاكل وعوائق البحث العلمي عندنا سياسية و ثقافية ترتبط بطبيعة مصالح النخب التي تسير شؤون البلد منذ الاستقلال إلى يومنا هذا. من هنا سنفهم لماذا كل هذا الرهط من السوسيولوجيين والمفكرين الذي لم يعودوا يقومون بمهمة الفضح والتأسيس لتغيير النسق الاجتماعي السائد، بل انسحبوا من مهمة الدفع بالعلوم الانسانية إلى الامام، بعد أن أصبحت مهمتهم البحث عن الولائم بدل البحث في المشاكل والفضائح التي تعيق تقدم المجتمع. على مستوى السوسيولوجيا مثلا يعتبر بورديو أن السوسيولوجي هو ذلك الذي تأتي الفضيحة على يديه، بينما سوسيولوجيونا أصبحوا هم الفضيحة نفسها. لقد انتقلت السوسيولوجيا المغربية من سوسيولوجيا الفضح الى “سوسيولوجيا” الهمزة، لقد نجح المهيمن أو اللاعب الوحيد في الحياة السياسية بالبلاد في التخلص من الجامعة ومن العلوم الانسانية وذلك عبر دفع التافهين إلى الأعلى ليقوموا بالمهمة بدلا عنه، ومن تم الانتقام من السوسيولوجيين الكبار كباسكون وكسوس و الخطيبي… وكذلك المفكرين الكبار كمحمد عابد الجابري… أول عنوان في قصة الإنتقام هذه هي عندما تم إغلاق معهد السوسيولوجيا سنة 1970 بعد عشر سنوات من تأسيسه، هذا المعهد الأول من نوعه في شمال افريقيا آنذاك، والنواة الأولى لمشروع ضخم وواعد سيقبر قبل أن ينضج، والتهمة كانت تافهة بل إنها مضحكة، حيث اتهم طلبة المعهد بالإلحاد، والتهمة هنا سياسية محضة، لأن المقصود بالإلحاد هنا هو أن المعهد ينتج الأفكار المزعجة للسلطة. هذه البروفايل من التهم ليس بجديد في تاريخ الفكر والعلم عموما منذ اليونان الى الفترة المعاصرة، نفس التهمة اتهم بها سقراط عندما اتهمته محكمة أثينا بأنه أنكر آلهة أثينا وأنه يفسد أخلاق الشباب، فالتهمة الثانية تبين أن المحاكمة لا علاقة لها بإنكار الألهة، حوكم سقراط لأنه أزعج السلطة. نفس التهمة ألحقتها الدولة الموحدية بابن رشد الفيلسوف ونفس الشيء بالنسبة لغاليلي في علاقته بالكنيسة.. قال الملك الراحل الحسن الثاني: “ذاك المعهد غير خليه يتسد جامع غير الملحدين”. بعدها تم الحاق السوسيولوجيا بكلية الآداب، ومن تم إعلان نهاية البحث العلمي السوسيولوجي بالمغرب.
هنا يمكن أن أقول بأن انفراد السلطة بشؤون البلد عجل بنهاية مشروع جامعة مغربية مستقلة، تلك الجامعة التي كان يحلم بها الرواد الأوائل كالمهدي المنجرة وغيره. كما عجل بنهاية البحث العلمي في العلوم الانسانية أيضا. إن النخب التي تحتاجها السلطة هي تلك النخب المعزولة عن الشعب والمجتمع، التي تعيد إنتاج خطاب السلطة نفسها.
عودة إلى بول باسكون هذا الرجل الذي آمن باليوتوبيا لأنها تلعب دور المحرك للواقع، حاول جاهدا فهم العالم الاجتماعي المغربي علميا ساعيا إلى العمل على تغييره. فالقارئ كما قلت لنصوصه وأبحاثه وحواراته سيفهم أن مشكلة تخلف العلوم الانسانية عندنا سواء على مستوى مراكز الدراسات أو على مستوى الجامعات، مشكلة سياسية بالدرجة الأولى، لأن خيارات الدولة منذ البداية كانت خيارات مضادة لمصالح المجتمع، ولأن البنية التقليدية للسلطة تتناقض والمستجدات أو الخيارات السياسية الاقتصادية التكنولوجية المعاصرة. ظلت الدولة متعالية على المجتمع تحتكر القرار، وقراراتها لم تكن غالبا في صالح المجتمع، إنما تتجه لخدمة مصالح الأوليغارشية، لذلك ظل التحالف بين الدولة والمجتمع من أجل مستقبل البلد بعيد المنال، والذي وقع هو التحالف ضد مصالح المجتمع. غير ما مرة صرح بول باسكون أن السلطة عرقلت الدراسات السوسيولوجية الجدية، فدائما ما تعطي الأولوية للإعداد التقني على التحليل الاجتماعي، وظلت تعارض كل تغيير ممكن، وبالتالي ظلت عاجزة عن حل مشاكل البلد المتفاقمة. قال باسكون وهو يصف العراقيل التي واجهته عندما كان مشرفا على المكتب الوطني للري خلال ستينيات القرن الماضي: “كانت هناك إدارات وظيفتها هي الحفاظ على النظام الاجتماعي وإدامة الوضع على ما هو عليه. عمل المكتب لم يكن مفهوما دائما في إطاره الحقيقى، وغالبا ما كانت السلطات المحلية تتساءل عما إذا لم يكن عملنا الهادف إلى التنمية مجرد تحريض سياسي”…
فور تنمية : كيف تقرأ صمت ما يمكن أن نسميهم ديناصورات الفلسفة بالمغرب حول كل هذا الذي يجري؟ أحدهم وهو عبد السلام بن عبد العالي وله باع طويل في “متابعة” تموجات الحاضر ورط نفسه في نص عن جيل زيد استعرض فيه عضلاته “التقويضية” أكثر مما عبر عن موقف “سياسي” واضح…
بومهاوت: منذ 2011، أي منذ المنعطف التاريخي الكبير غير المسبوق الذي دشنته تونس وامتد إلى بقية بلدان شمال إفريقيا والشرق الاوسط، هذه البلدان بدون استثناء تعيش على وقع احتجاجات وانتفاضات سنوية، لكن فهم المثقفين لها كان مختلفا حسب الجهة التي يقف فيها كل مثقف وحسب قربه من السلطة أو بعده عنها. يمكن أن نقدم ملاحظات بخصوص مثقفي هذه البلدان وبعض مثقفي المغرب. أغلب مثقفي هذه البلدان كتونس مثلا لم يلتزموا الصمت، بل كان لهم الدور الريادي في تنوير المواطنين.. أخص بالذكر لا على سبيل الحصر فتحي المسكيني من خلال مقالاته وكتابه المشترك مع زوجته أم الزين بن شيخة المعنون ب”الثورات العربية سيرة غير ذاتية”. وعلى عكس بعض مثقفي المغرب المعروفين جدا سواء المؤرخين كعبد الله العروي والمتفلسفة كعبد السلام بن عبد العالي وغيرهم، مواقفهم اتسمت إما بالرفض لهذه الحركات الاحتجاجية والاصطفاف إلى جانب السلطة من خلال ما يسمى بالحياد، أو الصمت إزاءها وإزاء المنعطفات التي يعيشها المغرب، وكأن الأمر لا يعنيهم، مثلا اعتبر العروي أن حركة 20 فبراير لا تحمل إلا الأوهام، وفي حواره مع مجلة “زمان” في قلب الارتجاجات الفبرايرية دافع عن ضرورة امتصاص الغضب الشعبي وتقوية الدولة على حساب المجتمع، قائلا “الحركة ردة فعل على المواعيد الضائعة”. نفس الشيء بالنسبة لعبد السلام بن عبد العالي من خلال مقاله الأخير حول احتجاجات جيل Z. .. ان القارئ لما كتبه عبد السلام بن عبد العالي سيستنتج أن الرجل يعتبر أن هذه الجيل مدفوع بردود فعل لحظية وليست إشارات تحول تاريخية، بدأ مقاله بالحديث عن علاقة الاجيال بالأحرف اللاتينية جيل الفا/جيل x / جيل z. دون أن يربط بين احتجاجات هذا الجيل والمطالب الاجتماعية المشروعة التي رفعها هؤلاء الشباب، وكأن الاحتجاجات ترف اجتماعي.
حتى أدلي بدلوي في موضوع الأحداث، يقول سارتر في كتابيه العمدة “الوجود والعدم” و”الوجودية نزعة انسانية” أن الانسان محكوم عليه دوما أن يكون حرا. هذا القول في نظري يختصر تاريخ الإنسان المتمرد على الأغلال، أي قدرته اللامحدودة على التمرد. هذه الطبيعة غير قابلة للتنازل لأنها غريزة ترفض كل مخططات من يريد السيطرة علي الانسان واستعباده؛ بتعبير آخر كان سارتر يقول أن الانسان محكوم عليه دوما بالتمرد/الاحتجاج/الثورة/الصراخ في وجه المافيا… إذا أردنا تعريف الانسان سنقول أنه ذلك الكائن المتمرد الذي يقول لا في وجه من يريدون طحنه/افتراسه. يمكن القول أن الاحتجاجات لا يمكن لأي سلطة أن تضع حدا لها، إنها تعبير عن جوهر الانسان ككائن فرض عليه أن يتمرد على من يلغيه. إن طبيعة الاحتجاجات وشكلها وغايتها تتغير بتغير الازمنة والامكنة وحسب السياقات التاريخية، إضافة الى طبيعتها الفجائية لأنه لا يمكن تطويع ما هو غير قابل للتطويع. احتجاجات جيل Z لا تخرج عن هذه القاعدة، هي جزء من تاريخ الاحتجاجات والانتفاضات والثورات التي ترفض منطق الوصاية على البشر باسم أية شرعية تتعارض مع جوهر الانسان عامة. على سبيل المثال لا الحصر احتجاج سقراط وتلامذته على أثينا، الرسول محمد على قريش، و لوكريسيا على ملك الروم، و ابن رشد على الموحدين، غاليلي على الكنيسة، و لشعب الفرنسي على الملكية، والشعوب المستعمرة على الاستعمار، الشعب التونسي على الدولة الأمنية التي أسسها بن علي، وغزة على الصهيونية، وحركة 20 فبراير وجيل Z على المخزن،…كلها أشكال من احتجاجات لكن دائما ضد طرف واحد هو المافيا….
فور تنمية : نحن نلاحظ كيف أن كثير من المشتغلين بالفلسفة تأليفا وتدريسا لجأوا الى التصورات الرواقية حلا لمشكل الذات وسط عالم كل المحارق الكبرى.. ألا ترى أن هذا التوجه هو “افراز” سوسيولوجي أو على الأقل يتقاطع سوسيولوجيا وفي النهاية سياسيا مع النظام الذي يهمه بقوة أن تعم مثل هذه التصورات الباردة سياسيا؟ بعبارة أخرى، ألا ترى أن دفع النظام بالوجوه الرواقية الى الواجهة قد يكون هو محاولته لتحويل الرواقية الى الايديولوجية الجديدة للدولة، الشكل الناعم، الجميل لضبط العقول؟
بومهاوت: سأنطلق من تجربة سارتر، عندما وصل سارتر الى سن السبعين قال: “إن الحرب قد شطرت حياتي إلى نصفين.. قبل الحرب كنت غارقا في الذاتية، وبعدها انتقلت إلى الماركسية الثورية”، هناك في الحقيقة فلسفتان فلسفة يمينية وفلسفة يسارية، الفلسفة الأولى هي تلك الفلسفة التي تقول لك لكي تتفلسف عليك أن ترتد إلى ذاتك إلى ما يمكنك من الضفر بالطمأنينة والهدوء والسكينة مديرا ظهرك للخراب/للدمار/ للمحارق الكبرى… هذا النوع من الفلسفات هي تلك التي تربط الفرد إما إلى ذاته أو إلى السماء، لتعزله عن أية امكانية الاشتباك مع الشر، مع السلطة، والتفكير في آلام البشر. ولعل هذا واضح من خلال أهم مبدأ في الفلسفة الرواقية هو قبول ما لا يمكن تغييره، معناه أن تعزل نفسك عن العالم ثم تنظر اليه وكأنه سرك. هذه هي الفلسفات التي يحبها أسياد البشر لأنها لا تزعجهم. قال سارتر وهو يصف الكتاب الذين يعتنقون هذه الفلسفات في محاضرته حول مسؤولية الكاتب “إنهم رأوا الكارثة الأكبر للعالم وظلوا صامتين”. لهذا تدفع الدولة بالوجوه التي تعتنقها لأنها تساهم في عملية التعتيم على الجرائم الكبرى. الفلسفة الرواقية تقوم على تصور معين للمثقف حيث تعتبره ذلك الذي لا يتدخل فيما لا يعنيه، أي ذلك المكتفي بذاته والمنكفئ على ذاته، أي على المرء أن يشتغل على نفسه ليعزلها عن أهواء “القطيع” لأن الواقع الذي نعيشه بالنسبة لهم ليس هو المعيق لسعادتنا وإنما التصورات التي نكونها عنه؛ بمعنى آخر علينا أن نقبل بالواقع كما هو ونتركه وشأنه ثم نبحث عن سعادتنا في اللامبالاة ازاء هذا الواقع، إنها فلسفة المسايرة لا فلسفة المقاومة، إنها ايديولوجيا التواطؤ مع الشر. هذا ما يفسر اعتناق كثيرا من الكتاب وأساتذة الفلسفة لهذه الفلسفات لأنها تمكنهم بالظهور بمظهر الفيلسوف، وفي نفس الوقت تمكنهم من الاستفادة من إغراءات السلطة. ينكبون على دراسة هيدغر ويتجاهلون ما يجري في الشارع، وكما يقول الأستاذ منير الحجوجي “إن أغبى أنواع المثقفين والسياسيين أولئك الذين يقرأون الانعطافات التاريخية بعين لا تريد أن ترى”. عشية الاحتجاجات وأنا أتصفح وسائل التواصل الاجتماعي أصادف أحد مثقفينا وهو ينشر مقالا عن ديوجين الكلبي والمدرسة الكلبية.
أحب كثيرا ذلك الفيلسوف/ المفكر/ المثقف المحشو بالمتفجرات زارع الألغام.. لا يكون الفيلسوف من هذه الطينة إلا عندما يفهم جيدا كيف يدار العالم. لكنه أيضا يوتوبي ومتفائل. هذه هي الفلسفة الثانية، الفلسفة اليسارية. إن كل من يقف في الوسط مدعيا الحياد، إنما يقف الى جانب الشر.
فور تنمية : لو كنت صانع مقررات فلسفية، ما هي الخطوط العريضة التي ستضعها في باب الأولويات؟ وكيف يمكن إعادة الفلسفة الى جذرها الأول، كتفكير في المدينة، في الفاعلين/الرهانات/التلاعبات الكبرى والصغرى؟؟
بومهاوت: في نظري الاختيارات السياسية هي مشكل التعليم العالي وهي نفسها مشكل التعليم الأساسي والثانوي، وهي نفسها المشكل الذي تعانيه كل المواد المدرجة في البرامج والمناهج. الفلسفة هنا ليست استثناء بالعكس هي التخصص/الشعبة/ المادة الأكثر تعرضا للتطويع والتزوير حتى يتم إخراجها من الدور الذي بنبغي أن تقوم به. إن من يعتبر أن مشكلة الفلسفة في المغرب مشكلة ديداكتيكية أو بيداغوجية أو مشكلة برنامج دراسي إما أنه يجهل مكمن المشكل أو أنه يسعى إلى الظفر بنصيبه من الريع. لطالما سمعت أساتذة ومفتشين يرددون كلاما من قبيل لقد استنفذ هذا المقرر لابد من تجديده/ المقرر مر عليه الأن 25 سنة علينا تجديده/ أي ديداكتيك يصلح للمادة؟ و أية مقاربة؟/ …. إن من يدعو إلى تغيير المقرر الدراسي في نظري يريد أن يرسل رسالة إلى المعنيين بالأمر أنني هنا من أجل خدمتكم/ من أجل البريكولاج في الأعطاب التاريخية للمدرسة المغربية. من بين الدروس/ المفاهيم المقررة في البرنامج الدراسي مفاهيم الوعي والتكنولوجيا والدولة والعدالة والعنف والحرية…. هل هذه المفاهيم خاضعة لمنطق التقادم حتى نغيرها بدروس أخرى؟ هل المشكل في مفهوم الوعي أم في أي وعي نريد؟ في مفهوم الدولة أم في أية دولة نريد؟ في مفهوم الحرية أم في أية حرية نريد؟… بمعنى هل المشكل في الأستاذ والتلميذ أم في أي أستاذ وأي تلميذ نريد؟ أظن أن المشكل أكبر وأعمق من الاختيارات البيداغوجية والديداكتيكية. المؤسسة التعليمية والجامعات محاصرة سياسيا حتى تنتج النموذج الذي ترغب فيه القوى المهيمنة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. ليس المقرر هو الذي استهلك وإنما الرؤية السياسية للمقرر هي التي يجب أن نعي جيدا أنها مستهلكة لأنها لم تجعلنا نرى إشكالات ومفاهيم ومضامين المقرر رؤية مضادة للرؤية المؤسساتية، لقد فكر سقراط وأفلاطون في مشاكل المدينة، لكننا نحن تركنا مشاكل المدينة وذهبنا للتفكير في أفلاطون متناسين مشاكل المدينة. قام ديكارت بالانكباب على المشاكل العلمية والفكرية والسياسية التي عاشتها أوروبا مطلع العصر الحديث، لكننا ذهبنا إلى التفكير في ديكارت متناسين المشاكل العلمية والفكرية والسياسية التي نتخبط فيها. قام ماركس بتفكيك بنية المجتمع الرأسمالي المعاصر الذي نعاني الآن ويلاته وذهبنا نحن إلى ما إذا كان ماركس مؤمنا أم ملحدا.
فور تنمية : أين ترى المشاكل الجذرية للمغرب؟ أحدهم وهو عبد الله العروي يضع المشكل في مجتمع “غير قادر على السير بإيقاعات الدولة”.. بل ان هذا هو تصور الأغلبية الساحقة للجامعيين وقد تم ادخالهم الى الحضيرة الشهيرة.. بل هناك سوسيولوجيون -تخيلوا- لايتوقفون عن وصف المجتمع ب”الأمي”، “الوسخ”، الذي يستحيل القيام بأشياء دالة معه.. سوسيولوجيون بورديوزيون – تخيلوا مرة أخرى – يعتبرون أنه لايمكن منح الديموقراطية لشعب همجي في…… جيناته.. وأن القبضة الأمنية هي الحل حتى “ينضج الشعب” !!!!!!!!!!..
بومهاوت: جذر المشاكل في المغرب يمكن في نخبه، هذه النخب التي لم/لا تريد يوما أن تكون مغربية. أومن دوما أن مشكلتنا ليست مع مافيا الخارج بل مع مافيا الداخل. الاستقلال الأعظم ليس فقط عندما تتخلص من عدوان خارجي، عندما تتخلص أيضا أساسا من العدوان الداخلي، من مستعمري الداخل. لا ينعت المجتمع ب”الأمي” أو “الوسخ” أو “القطيع” إلا الذي يجهل قوانين التاريخ، ذلك الذي يضع ثقته في المسؤول الاول عن ما آلت اليه أوضاع المجتمع. مشكلة النخب تفطنت لها الفلسفة منذ بداياتها الأول.. لماذا اعتبر أفلاطون أن الفلاسفة هم الذين يجب أن يقودوا الدولة أو المدينة؟ هنا حتى نفهم قصد أفلاطون، إن المشكلة الكبرى التي يروم فيلسوف أثينا الكبير هذا الاشارة إليها هي مشكلة النخب. إن معضلة المدينة-الدولة أو الدولة منذ أفلاطون إلى اليوم هي مشكلة طبيعة النخب التي يسند لها تسيير أمور المواطنين، فالنخب إذا كانت فاسدة سقطت الدولة وأصبح مصيرها كمصير الدول التي أتاها التفكك من الداخل.. هنا أفلاطون يشير الى أن العدو دائما داخلي قبل أن يكون خارجيا. ما وقع يفصح على أننا نعيش تحولا في بنية الفعل الجماعي.. فمن الملاحظ أن الاحتجاجات، سواء التي انطلقت من القرى والمناطق الشبه حضرية كأيت بوكماز، أو التي عرفتها أغلب المدن المغربية مؤخرا كاحتجاجات جيل Z، خرجت إلى الشارع بلا ملامح شخصية أو بلا قيادات معلنة، على عكس احتجاجات سيدي إفني 2008 والريف 2017 التي انتهت بقمع قياداتها. هذا يعني أن الشعوب تتفطن في كل مرة لأخطائها حتى لا تكررها، بمعنى بدأ الشباب يفهمون ويعون شيئا فشيئا أنهم يجب أن يفوضوا أمرهم لعقولهم وليس لجهة أو شخص أو حكومة تفكر وتفعل بدلا عنهم.. هنا يمكن أن أعود إلى ما قاله الأستاذ عبد السلام بن عبد العالي في حواره عندما قال “إن احتجاجات جيل z تفتقر إلى المرجعية الفكرية والدوافع السياسية” وكأنني أفهم من قوله أنه يفهم الانفلات فهما أمنيا وليس فهما ثوريا. ليس الانفلات إلا رد فعل عن استفحال السرطان، تخريب المناعة. كل من لا يفهم الانحراف أو الانفلات فهما سياسيا فهو يصطف الى جانب جذر الشر. يحق للسلطة أن تكون طائشة ولا يحق للمسحوق/ للمنسي / للمظلوم أن يكون طائشا. يفهم الأستاذ بن عبد العالي النمط الجديد من الاحتجاجات فهما تقليديا، وكأن الحركة الاحتجاجية لا تكون كذلك إلا إذا كانت مؤطرة أيديولوجيا.. احتجاجات جيل Z ليست ردود أفعال متسرعة كما يدعي بن عبد العالي، وليست حبا في الظهور حسب أحد اساتذة السيكولوجيا بالمغرب، بل ردة فعل عن يأس الشباب والمواطنين عموما من طول الانتظار/ الكذب. إن الذي جعل الاحتجاجات خلال السنوات الأخيرة مكثفة والأحداث متسارعة هو كون المواطنين لم يعودوا يتحملون العيش في ظل الأوضاع الحالية، واستشعروا السرعة التي يسير بها المغرب نحو الارتطام بالحائط. إن المتتبع للبرامج واللقاءات التي أجرتها منابر اعلامية مع شباب جيل z سيكتشف أن الجهاز المفاهيمي الذي تستعمله نخب وصحافيي ومثقفي السلطة الذي يستمد مرجعيته من الدولة الأمنية (الاصلاح/الاستثناء المغربي/الاستقرار/ الأمن/ الفتنة/ القناعة/ لبسالة/ الشبعة/ المؤامرة الخارجية/ الجفاف / الله يجيب الشتاء/ إعادة الثقة في المؤسسات/ الأمل/ المغرب زوين/ تامغربيت/ الأمة …) لم يعد مقبولا لدى هؤلاء الشباب.
فور تنمية : أين ترى أعداء التقدم مغربيا ولكن أيضا عالميا؟ اعطينا لو تفضلت لائحة بهؤلاء الأعداء حسب “أهميتهم”… ثم كيف تقرأ أطروحة النضال من داخل المؤسسات؟ هل أنت معها؟ ضدها؟ في هذه الحالة، ما هو مدخلك من أجل تغيير فعلي في المغرب؟؟؟
بومهاوت: أعداء التقدم عالميا ومغربيا هم مافيا كونية/محلية لديها مصالح مشتركة، مافيا لا حدود لغطرستها، إنهم أسياد البشر ومرتزقتهم من المؤسسات الدولية، إضافة إلى “العطاشة” الذين يعبدون الطريق لتمرير خطط هؤلاء المفترسين الكبار، انهم هؤلاء مثقفي السلطة صيادي الغنائم/ الريع. المرء بالنسبة لي لا يعرف إلا بطبيعة أعدائه ومن خلالهم يكشف جهة اصطفافه.
بالنسبة للمدافعين عن أطروحة النضال من داخل المؤسسات، دعني أعود الى الوضع الذي أفرز هذا النقاش الذي هو بالمناسبة ليس نقاشا جديدا.
من المعلوم أن المجتمعات تتطور وتتقدم ومستحيل بالتالي أن تعود إلى الوراء، لأن التاريخ لا يعيد نفسه، الا على شكل مأساة بتعبير ماركس، يقصد هنا أن المجتمعات مفروض عليه دوما أن تتطور وتتقدم، وهي تتطور تطور معها وسائل التواصل ووسائل وأشكال وطرق الاحتجاج والمقاومة. لذلك أقول بأننا مقبلون على أنواع غير مسبوقة من الاحتجاجات. احتجاجات جيل Z الفريد فيها أنها ليست مغربية محلية فقط بل عالمية ايضا، بدأت بالمراكمة على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، وانتهت بالخروج إلى الشارع في النيبال والبيرو ثم المغرب، وسيأتي الدور على بقية البلدان. هذا يعني أن مواقع التواصل الاجتماعي فتحت أفقا جديدا ليس للتواصل فقط، وإنما للتفكير في توحيد أفكار وطرق وأشكال النضال والاحتجاج، يمكنها أن تؤثر في مستقبل الإنسانية عامة، وبالتالي فان كل حكومة أو نظام سياسي كيفما كان في أي مكان على هذا الكوكب يدعي أنه قادر على مصادرة قدرة شعب ما على حرية المصير فهو واهم. الحركات الاحتجاجية دائما تحمل مفاجآت لا يمكن افقادها الوعود التاريخية الكبرى. بالأمس “نجحت” السلطة في قمع أو احتواء حركة 20 فبراير، اليوم نشهد عودة الاحتجاجات في شكل جديد واسم آخر، مثلا حركة جيل Z، وبعد غد ستظهر حركة أخرى وهكذا دواليك. الذي يجب أن يفهم هنا هو أن الشعوب لا يمكن أن يفعل بها في كل مرة، وواهم من يعتقد أن الشعوب تكتفي بحياة كسولة، أو أن باب التاريخ يمكن أن يغلق متى تفطنت الأنظمة المستبدة أن مصالحها في مهب الريح. منذ 2011 والحركات الاحتجاجية تثبت تخلف الأحزاب السياسية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات… عن السقف الرمزي بتعبير فتحي المسكيني للذهاب بعيدا في صناعة التاريخ، فالأحزاب مثلا ليست لديها مشاريع تاريخية. حتى أعود الى ما قلته عن معهد السوسيولوجيا الذي تم إغلاقه لأسباب سياسية، كان رواد المعهد يساريين لأن أدوات التحليل الماركسية تمكننا من النظر في ما وراء الحجاب، إلا أن الأحزاب اليسارية في المغرب بدل أن تتحالف مع المجتمع تحالفت مع عدوها التاريخي فأصبحت متواطئة مما أفقدها ثقة المجتمع. واهم من يعتقد أن التغيير يمكن صناعته من داخل المؤسسات، أو يجب الاشتغال من داخل المؤسسات لإحداث التغيير. كل المؤسسات تم إفراغها من مهمتها التاريخية، واخراجها من إمكانية قيادة أي تغيير ممكن، وتم اغراقها بالتفاهة والتافهين.. يقول فتحي المسكيني “لا تنتظر من الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني أي شيء غير السكوت العمومي”. على سبيل المثال لا الحصر هناك مشروع قانون يتداول الآن أنه يعاقب كل من يشكك في الانتخابات. كل المغاربة صغيرهم وكبيرهم يعلم أن الانتخابات لم تكن يوما نزيهة، ولا يمكن أن تكون كذلك في ظل بنية سياسية تقليدية تحكم بمنطق القرون الوسطى. إلى حد الأن لم تحرك أية مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني ساكنا تجاه هذه الفضيحة غير المسبوقة في تاريخ البلد، نفس الشيء وقع مع قانون الإضراب الذي تم تمريره بدون أن يدق أي حزب ناقوس الخطر، بالعكس تم التصويت لصالح تمريره في صفاء روحي تام.
فور تنمية : في الأخير، هل ترى في جيل زيد الفاعل الذي سيغير قواعد اللعبة؟ وما هي وصيتك لهؤلاء الشباب؟.. ما هي النصوص الفلسفية التي تنصحهم بها هنا والأن؟
بومهاوت: إن قواعد اللعبة ليست أبدية إن لم يغيرها جيل Z سيغيرها جيل آخر.. المهم أن هذا الجيل أرسل رسالة للفاعل التاريخي أن اللامتوقع هو جوهر التاريخ، ولأن هذا الأخير لا يسجل إلا خيبة أمل السلطة لأن ماهية اليوتوبيا هي ماهية مضادة لماهية السلطة. فالأمل موجود مادامت الشعوب موجودة، لأن الشعوب أقدم من السلطة، واليوتوبيا صديقة الشعوب، إنها دائما ما تخلق منافذ من خلالها تخلق إمكانات لا حصر لها لقلب الطاولة على من يعتقدون أن بين أيديهم كل شيء ولا يمكن أن يتركوا للشعوب إمكانية صناعة البديل. الانسان لا يولد إلا ممن هم دون الانسان. أنا لا أثق إلا في الشعوب.
أعجبني كثيرا تحليل المفكر التونسي فتحي المسكيني لهذا الشكل الجديد للاحتجاجات والثورات في كتابه الأول “الثورات العربية سيرة غير ذاتية” والثاني “الثورة البيضاء“، وهي أعمال الى جانب أخرى للمسكيني أنصح بقراءتها. إن ما حدث منذ ثورة 1789 إلى ثورة الياسمين من ثورات واحتجاجات وانتفاضات، وما نتج عنها من منعطفات غير مسبوقة تنم عن شيء واحد هو أن كل الشعوب سواسية أمام ضمير الإنسانية.
نزول جيل Z إلى الشارع يجعلنا نلاحظ أولا أنهم نزلوا بلا ملامح شخصية كما قلت فيما قبل، حتى أنهم نزلوا بدون أن يسموا أنفسهم حركة، لقد كسروا المألوف من خلال كلمة جيل، لأنهم تعبوا من الأشكال/ التجارب القديمة التي لوثتها السلطة.
نزل هؤلاء الشباب لأنهم يؤمنون بقدرتهم على إمكانية اختراع شكل جديد للحياة المناسب للمستقبل بعد أن استنفذت كل الأشكال السابقة. انظر الى ما يحدث في هذا البلد على المستوى السياسي: نفس النخب يتم تدويرها بدون فائدة ولا أفق يذكر. هذا الجيل لمست فيه نوعا من تقدير الذات، لأنه احتج على الحالة الرديئة التي أصبحت عليها القطاعات الحيوية، لأن الدولة منذ أزيد من نصف قرن وهي تعمل على تنزيل مخططات البنك المفترس الدولي التي تستهدف هذه القطاعات. وكما هو معلوم إن عملية التخطيط لبيع القطاعات الحيوية بدأت مع إدخال البنك الدولي إلى المغرب وفتحه لمكتب بالعاصمة خلال ستينيات القرن الماضي، والشعب المغربي كان يعلم جيدا السم الذي أدخلته النخب الفاسدة إلى البلد، هذه النخب التي انخرطت في الرؤية المافيوزية للبنك الدولي كرؤية لا تفكر إلا في مصالحها وليس في مستقبل البلد، إلا أن الشعب لم يبقى مكتوف الايدي، وإنما ندد ولا زال يندد، واحتج ولا زال يحتج على ما يحدث في البلد.
كيف أفهم ما يحدث؟ يمكن أن أختم هنا بالتصور التالي: منذ اكتشافات نيلز بور وشرودينغر وهايزنبرغ في فيزياء الكم تبين أن لا شيء يمكن ترويضه مطلقا، اذا كانت السلطة تعتقد أنها تستطيع بشكل مطلق مراقبة المواطنين وقياس سلوكياتهم ومن تم التحكم فيهم وتوجيههم وكأنهم جسيمات، فإن التاريخ أثبت أن فاعلية الإنسان في التاريخ كالموجات تنفلت دوما من المراقبة. مهما حاصرت كل الفضاءات ومررت سمومك من خلالها وقمت بتعليب الفكر وإغراق المجتمع بالمشاكل الصغيرة حتى تنفرد بالاغتصابات الكبرى، فهناك دوما منافذ أخرى للمجتمع لن تخطر لك على البال ليعبر عن طبيعته، لا يمكن تعليب ما لا يعلب. لن تستطيع أية قوة السيطرة على الطبيعة الانسانية، لأنها مثل التاريخ لا يمكن تعليبها لتأخذ المسار الذي حددته لها خصوصا إذا كنت تخطط ضدها. روسو كان على حق عندما افتتح أحد فصول كتابه “التعاقد الاجتماعي” بالعبارة التالية “لن يضمن الاستبداد الحق”. من الذي دفع جيل Z للتظاهر؟.. أكيد أن المافيوزي والمستبد والخائن والمرتزق والفاسد والعميل ومثقف السلطة سيقولون إنها مؤامرة خارجية /أعداء الخارج / الشيطان/ الفتنة… لكن الحقيقة أن إحساسهم الطبيعي بأنهم أناس فقدوا حقهم في أن يكونوا كذلك أو سرقت منهم إنسانيتهم بالمعنى الكوني للإنسان، هو الذي دفعهم إلى ذلك. يمكنك أن تتحايل على الانسان اليوم عن طريق النقابة والحزب والمدرسة والجمعية والجامعة والاعلام…، لكنك لن تقدر على التحايل دائما لأنه ليس طبيعة دائمة، الحقيقة بنت التاريخ لن تقدر أي قوة على طمسها أو تغييبها.
إن الذين يقولون أن الاحتجاج لا يكون إلا من داخل المؤسسات، لا يفهم طبيعة الانسان ولا طبيعة الفكر. في التاريخ تأكد أن الدولة كمؤسسة أنقدها الشارع بعد أن تم السطو عليها (الثورة الفرنسية نموذجا) ولم يكتب العكس، نفس الشيء بالنسبة للمدرسة، لم تنقذ المدرسة المدرسة عندما تمت محاصرتها سياسيا لإنتاج العبيد إلا نادرا، لكن الشارع هو الذي أنقذ المدرسة، قس على ذلك بقية المؤسسات.
المافيا لا تفهم أن الطبيعة البشرية لغز لا ينكشف إلا عندما تنضج شروطها، فالمنتظر لا يتحقق دوما. كان علماء الطبيعة خلال عصر الحداثة كلما اقتربوا من الطبيعة تأكد لهم أنهم تمكنوا منها، لكن خلال القرن العشرين فما فوق تبين أنه كلما اقتربوا منها ازدادت غرابة وسحرا، نفس الشيء بالنسبة للطبيعة البشرية، كلما اعتقدت المافيا أنها أمسكت بالإنسان لتتحكم فيه إلا وانفلت منها.
