عالم السوسيولوجيا عمر الإيبوركي لـفور تنمية: لهذه الأسباب يتصرف جيل Z خارج القوالب الاجتماعية القديمة
فور تنمية : حاوره خالد سلامة
في ظل التحولات العميقة التي تعصف بالمجتمعات المعاصرة، وصعود جيل جديد وُلد في قلب الثورة الرقمية ويعيد اليوم تشكيل خرائط الوعي وأنماط العيش، يبرز جيل Z المغربي بوصفه إحدى أكثر الفئات إثارة للنقاش السوسيولوجي. جيل نشأ بين واقع اجتماعي واقتصادي ضاغط، وعالم افتراضي بلا حدود، فنسج لنفسه قيماً جديدة، وطرائق تعبير غير مسبوقة، من الاحتجاج الرقمي إلى التمرد الميداني، ومن رفض الوصاية إلى المطالبة بالاعتراف والمشاركة.
في هذا السياق، تفتح جريدة فور تنمية هذا الحوار مع عالم السوسيولوجيا عمر الإيبوركي الذي يقارب ظاهرة جيل Z من منظور علمي، متوقفاً عند محددات تشكّل الجيل، وحدود تأثير الأسرة والمدرسة، وطبيعة الوعي الجماعي الجديد المتفاعل مع وسائط التواصل الاجتماعي، إضافة إلى استشراف السيناريوهات الممكنة لعلاقة هذا الجيل بالمجال العام ومستقبل المغرب. حديث معمّق يسلّط الضوء على جذور التحولات، ويشرح ملامح الصراع بين الأجيال، ويكشف عن الأسئلة المعلّقة حول هوية جيل يعيش بين زمنين: واحد يسحبه إلى الوراء، وآخر يدفعه بقوة نحو المستقبل.
فور تنمية : كيف يمكن توصيف جيل Z المغربي من منظور سوسيولوجي، وما الذي يميّزه عن الأجيال السابقة من حيث قيمه ومراجعه الثقافية في ظل العولمة الرقمية، وكيف تفسرون أشكال التعبير الجديدة التي يعتمدها هذا الجيل، من الاحتجاج الرقمي إلى أشكال التمرد الميداني؟
عمر الايبوركي: ان التطرق الى قضايا الشباب كان في الغالب وصفيا ومناسباتيا ولم يرق الى التحليل العلمي، خاصة ان الشباب فاعل اجتماعي مؤثر في عملية التغير الاجتماعي. من هذا المنطلق أصبح من الضروري الاهتمام بالتحولات الاجتماعية التي تعرفها المجتمعات ومعرفة مدى مساهمة الشباب كفئة فاعلة.
قبل تناول هذه القضايا سوسيولوجيا لا بد من تحديد مفهوم الشباب والجيل وضبط حدوده: هل هو فئة عمرية؟ أم شريحة اجتماعية أم حالة نفسية؟ او انه اتجاه في السلوك والتفكير؟
كان الاهتمام بالشباب من طرف التربويين الذين يعتبرون هذه الفترة عبارة عن ولادة ثانية يصاحبها اشتغال الغرائز والأهواء. وكان الاهتمام بها أيضا من طرف المحللين النفسانيين الذي قالوا بمرض “هيبيفرينيا” التي تتشخص بعدم الاستقرار العقلي والجسدي والرغبة في الهروب من البيت والاستقلالية عن الأسرة، وظهور حالات الاكتئاب. كما بدأ البحث الاجتماعي يهتم بقضايا وطبيعة الشباب للوقوف على خصائص هذه الفئة التي تتميز بالطموح والحلم والعاطفة والميل الى اثبات الذات، والرغبة في تغيير المجتمع، والابتعاد عن المثل والقيم التي سادت في الماضي. وتبرز لنا الدراسات السوسيولوجية أهمية الدور الذي يلعبه المحيط الاجتماعي في حياة الفرد، وأنه لا وجود لنمط واحد من الشباب.
فالشباب يشمل مجموعة من الأجيال تختلف من المراهق الى اليافع أو الراشد وتشير الى خصائص جسدية واخلاقية ونفسية ووجدانية. هذه المصطلحات قد لا تحمل المعنى نفسه، فالمراهقة ذات مدلول يشير الى التحولات الجسدية والسيكولوجية التي تحدث بين سني الطفولة والكهولة وخاصة عند بداية الوظائف الجنسية. وأما الشباب فهو الجانب الاجتماعي للمراهقة، والجيل الذي وصل الى اكتمال النضج والقدرات التي تؤهله لإزاحة الجيل الذي سبقه لما يتمتع به من حيوية وحركية. وهنا تطرح علينا مجموعة من التساؤلات:
فما هو الجيل إذن ؟
هل يتغير الجيل كلما تغير المحيط الاجتماعي ؟
هل الصراع بين الأجيال يرجع الى طبيعة الجيل أم الى طبيعة المجتمع ؟
كلمة الجيل ذات أصل اغريقي، وقد تحدث فلاسفة اليونان عن التعارض بين الأجيال وما ينتج عنه من تحولات اجتماعية وسياسية، واستعمل الجيل كمتغير لتحليل الحركات الاجتماعية والفكرية وفهم تحولات المجتمع في فترة تاريخية معينة. ويعرفه السوسيولوجي كارل مانهايم بانه: “وضعية متجانسة للشرائح العمرية المتقاربة في فضاء اجتماعي تاريخي“. حسب هذا التعريف فالجيل ليس مجرد مجموعة من الأشخاص الذين ولدوا في نفس الفترة الزمنية بل هو وحدة ثقافية واجتماعية تعيش نفس التجربة التاريخية التي تترك أثرا على اتجاهاتهم وتفكيرهم وقيمهم، وأسلوب حياتهم، فالتجربة المشتركة تشكل وعيهم وقيمهم المشتركة ورؤيتهم للعالم.
وتتعاقب الأجيال عبر عمليتي:
*التشبيب: بتجديد النخب مثلا.
*الإسقاط: إزاحة فئة لاحقة لفئة سابقة.
ويمكن الحديث هنا عن “الجيل الثقافي”، و”الجيل الرياضي”، و”الجيل السياسي”…
إذا كانت بعض الدراسات تختزل مفهوم الجيل في فئة عمرية ما بين: 15-25 سنة لأجرأته فإنها تفرغه من أبعاده الاجتماعية والتاريخية.
يعتبر بيير بورديو ان الحدود بين الأعمار أو الشرائح العمرية حدود اعتباطية، فنحن لا نعرف أين ينتهي الشباب لتبدأ الشيخوخة مثلما لا يمكن أن نقدر أين ينتهي الفقر ليبدأ الثراء. فالعلاقة بين الشباب والشيخوخة كانت تحكمها ثقافة تربط الشباب بقيم الفحولة والعنف والقوة في حين ان الشيخوخة تتصف بالحكمة والرصانة. هذه الصفات كانت تحرم الشباب من امتيازات تستبد بها فئة النبلاء وهي الثروة والنفوذ أي أن فئة الشباب تعتبر فئة غير مسؤولة، ويتعلق الأمر هنا بتصور أيديولوجي يميز بين فئات المجتمع على أساس النفوذ والجاه، أي مجموعة من الرموز والرساميل الرمزية التي تحدد كل فئة، تمنحها امتيازات وتحرمها من أخرى.
إن فئة الشباب غير دقيقة لأنها ترتبط بالأوضاع والأدوار الاجتماعية، الا أن خصائصها المشتركة تجعلها غير متجانسة ومتضاربة أحيانا على مستوى الفوارق الاجتماعية، والأصول الأسرية. وبذلك يحتمل مجتمع الشباب مجموعة من الأجيال، هي عبارة عن عوالم اجتماعية مختلفة، ومنها آخر الأجيال الذي ولد في حضن الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، أو ما يسمى بجيل “زيد”. ورغم أن السن متغيرة أساسية في تحديد مجموعة من السلوكيات والتوجهات فإنها تخضع لمحددات ثقافية واقتصادية.
ومن هنا فالعلاقة بين الأجيال كمعطى أساسي في النظام الاجتماعي ذات طابعين:
-علاقة تبعية بين الأجيال من خلال ارتباط الأبناء بالآباء ارتباطا اجتماعيا عبر التنشئة الاجتماعية.
– علاقة صراع بين الأجيال المتعاقبة التي تأخذ شكل صراع شخصي داخل الأسرة أو العائلة، أو صراع اجتماعي على صعيد المجتمع ككل.
هنا يمكن فهم دوافع الصراع بين الأجيال وتجلياته وفهم الصدعات التي تظهر وتختفي، وتحتد كلما كان هناك شعور بالتهميش وعدم فسح الفرص للتعبير عن الذات وإبراز المؤهلات لا سيما لفئة المتعلمين والمؤهلين علميا ومعرفيا.
فور تنمية : إلى أي حد يمكن القول إن المدرسة والأسرة فقدتا تأثيرهما التقليدي على تنشئة هذا الجيل؟
عمر الايبوركي: ان المجتمع الذي يلقن معاييره وقيمه للفرد يلجأ الى وسائل متعددة كالتنشئة الاجتماعية التي تشمل ما يتعلمه الأفراد بطريقة أو بأخرى للإندماج في العلاقات الاجتماعية. والتربية أيضا كطريقة منظمة تفرض وجود علاقات بيداغوجية ونية في التعلم تعبر عن أهداف محددة. فالتنشئة من وظائف المؤسسات الاجتماعية كالأسرة والمدرسة والشارع ووسائل الاعلام والاتصال. هناك علاقة بين نوعية التنشئة والمجتمع بكل قيمه وأنساقه الثقافية، ونظامه السياسي، ودرجة انفتاحه على العلوم أو انغلاقه والمحافظة على نسقه التقليدي.
لقد تخلفت الأسرة والمدرسة معا عن ممارسة وظائفها، وتقلصت مهمتها في تلقين الجيل الحالي تلك المهارات والتي توجهه نحو الاندماج المجتمعي والعيش تحت عباءة الآباء، وتوجيه المربين. اتسعت الهوة بين هذا الجيل وبين أسرته ومؤسسته التعليمية التي يأتي اليها محملا بمعارف وأفكار وأجوبة جاهزة لجل قضاياه استقاها من عالمه الافتراضي. وبذلك لم تعد هذه المؤسسات هي التي تلقن الشباب تلك القيم والمعايير لتجعلهم أفرادا اجتماعيين، وكلما اتسعت هوة التباعد بين الطرفين تشكل جيل جديد مختلف في تمثلاته وتصوراته لطبيعة المجتمع المنشود، وشكلت القطيعة مع القيم والعلاقات التقليدية شكلا من أشكال هذا الصراع بين أجيال لا تتكلم لغة واحدة.
إنه جيل الثورة المعلوماتية التي وسعت بيئة الانسان، وأضافت الى بيئته الأسرية والثقافية المحلية بيئة العالم وشساعته بالانفتاح على ما يروج في المجتمع الشبكي المعلوماتي، والذي أصبح في متناول الجميع بدل الإنحصار في مقرر دراسي أو كتاب.
فور تنمية : كيف ترون طبيعة الوعي الجماعي لدى جيل Z في ظل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وعلاقته بالمؤسسات الرسمية والسياسية، وهل يعكس سلوكه غضباً وأزمة تواصل بين الدولة والمجتمع أم يمثل بداية تشكّل وعي جديد ورغبة في الاعتراف والمشاركة؟
عمر الايبوركي: يعيش المجتمع المغربي اليوم كغيره من المجتمعات ظواهر مستجدة، جاءت نتيجة سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي خارج المؤسسات التي عهدناها تنشئ الفرد وتحاول ادماجه ضمن المنظومة الثقافية والاجتماعية السائدة بإكسابه قيم وسلوك هذ المجتمع، وبالتالي ينشأ الفرد في انسجام مع وسطه الاجتماعي والاقتصادي. لكننا اليوم وبحكم هذه التحولات تبلورت أدوار جديدة، وانتقلنا إلى مجتمع تطغى عليه الفردانية والتنافس وعدم التجانس بين مكوناته. هنا يمكن إدراج ظاهرة استغلال وسائل التواصل للوصول إلى تشكل مجتمع شبكي تجاوزت فيه العلاقات التواصلية الحدود المكانية، وتعالت على ما هو قيمي، وهوياتي- ثقافي.
فكيف نفهم هذه الظاهرة؟ وهل دوافعها مادية اقتصادية؟ أم أنها مظهر من مظاهر التغير الاجتماعي؟ وما هي طبيعة هذه التحولات الاجتماعية التي ساهمت في بلورة هذه الفئة الجديدة التي أصبحت تتصدر قنوات التواصل؟
بفعل الثورة الرقمية والتواصلية، سادت المجتمعات ثقافة جديدة، ترتبط أساسا بالنمط الاستهلاكي، وما لعبته وسائل الإعلام في توجيه أفكار واختيارات الأفراد والجماعات عن طريق الإشهار، والماركوتينغ. وانتقلت المجتمعات المعاصرة من الحضارة الصلبة الى الحضارة السائلة على مستوى العلاقات الاجتماعية والانسانية. وتحولت كل فئات المجتمع إلى آليات استهلاكية تساير تجدد الحاجيات، وغابت بعض القيم الثقافية والإنسانية كالتضامن والاكتفاء بالحاجيات الضرورية، والقناعة، والإيثار…
عملت وسائل الاعلام على تأسيس طبائع ودوافع ذات سلطة على الناس، كما تحدد هذه التمثلات نمط الحياة وتتحكم في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين أفراد المجتمع. وعند الحديث عن المجتمع المغربي وما يعرفه من صراعات وتدافع، فإننا أمام مجموعة من التحولات الاجتماعية بدافع مجموعة من المتغيرات، تجلت في: هجمة الحداثة مع اللامساواة، والفقر بكل أنواعه، وارتفاع نسبة الأمية، وفشل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وضغط وسائل الاتصال واختراق التكنولوجيا للمجالات الفردية، والانفتاح على الآخر بفعل العولمة الثقافية، واكتساح مظاهر الحداثة من عقلنة تحاول إزاحة بعض الظواهر والسلوكيات التقليدية، كل هذه العوامل أدت إلى تأزم الذاكرة الجماعية، ومحاولة النكوص إلى الوراء، والانكماش أمام صعوبة مجاراة المجتمعات الحداثية بكل مظاهرها.
من هنا يمكن الحديث عن جيل متأخر يتشكل من فئة متعلمة لها تأهيل معرفي علمي، وهي الفئة الأكثر انفتاحا على الحضارات والمعارف الكونية، والتي عملت وسائل التواصل على تشبيكها، وخلق كثلة ذات ارادة جماعية ترى أنها لا بد من تجاوز الأجيال السابقة من أجل التعبير عن أفكارها ورؤيتها التي قد تتجاوز رؤية المؤسسات التقليدية. ومن خلال حركاتها الاحتجاجية تسعى الى التعبير عن رغبتها في التغيير، والمساهمة في بناء مجتمع تسوده الحريات والحقوق، وتتخلص من الوصاية التي تمارس من طرف الدولة والأسرة وحتى المدرسة. إذا كان الحديث عن جيل جديد يعبر ويحتج ويناقش بوعي ومعرفة تدفعه الى رفض التصورات الايديولوجية التي عاشت عليها الأجيال السابقة اجتماعيا وسياسيا، فلأن هذه الفئة من الشباب متعلمة وذات تكوين علمي يساير التحولات العالمية في إطار المجتمع الشبكي المعولم. كما أن هناك فئة عريضة من هذا الجيل لم تسمح لها ظروفها وامكانياتها أن تتأهل علميا وتنخرط في المجتمع ومؤسساته سواء بالقبول أو الرفض الواعي، بل انها تشكل تلك الفئة التي تمارس العنف كرد فعل على الوصم والتهميش. ويصبح العنف هو لغة التخاطب الممكنة مع الواقع ومع الآخرين، حيث يحس المرء بالعجز عن إيصال صوته بوسائل الحوار العادي، وحين تترسخ القناعة لديه بالفشل في اثبات ذاته، وإقناع الآخرين بالاعتراف بكيانه وقيمته، ينحرف الى سلوك شاذ يتعارض مع قيم مجتمعه وقوانينه. وهذا ما يفسر موجات العنف التي تتخلل الاحتجاجات الاجتماعية، ويدل على فشل وسائل الحوار العادي التي لم تعد كافية لضمان التواصل بين أفراد المجتمع، وفشل قنوات التنشئة الاجتماعية في تزويد الأفراد بالآليات الضرورية للتعبير عن ذواتهم وفرض شخصيتهم دون اللجوء إلى العنف. ففي غياب تنشئة اجتماعية سليمة، وتأهيل علمي أو مهني، وهدر مدرسي متواصل، يعني أن المؤسسات الاجتماعية كالأسرة والمدرسة هي المسؤولة الأولى عن إنتاج هذا السلوك العنيف المكتسب والذي يعبر عن ردة ضد المجتمع نفسه.
وهكذا لاحظنا أن تطور وازدياد وسائل الاتصال والتواصل نتيجة التقدم التكنولوجي، وارتفاع نسبة الاقبال عليها، بقدر ما حققت انفتاح الجيل الحالي على العالم، فإنها لم تنعكس على مستوى خلق فضاء للتسامح والتقارب بين أفراد المجتمع بشكل كبير، بل أحيانا نرى أن وسائط التواصل تصبح مسرحا للعنف وترويج خطابات الكراهية.
هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بالمجتمع المغربي خاصة أو العربي عامة بل هي ظاهرة برزت كتجلي للعولمة في بعدها الاقتصادي والإعلامي، بحيث انتقلت من المجتمع الصناعي إلى ما يسمى مجتمع المخاطرة الذي تغيب فيه أنماط الحياة المستقرة. لقد دمرت هذه التحولات العلاقة بين الإنسان وماضيه التكافلي مع الآخرين، واندثرت القيم الثقافية المستمدة من مبادئ الدين، وبرز نوع من الفردانية المتوحشة. كل شخص يضع نصب أعينه إشباع رغباته وتحقيق مصالحه الفردية، يسعى إلى الاندفاع نحو التنافس مع الآخرين وتدميرهم.
إن العلاقات السائدة اليوم في مجملها هي علاقات تدميرية بين الأجيال، بل بين أفراد الأسرة الواحدة، الكل يعمل على اشباع الحاجيات المتجددة، ويتنافس من أجل الاستهلاك والمباهاة دون اعتبار الآخرين، ولو على حساب كرامته، وذاته كانسان، هنا تضطرب العلاقات الأسرية، وتندثر القيم الاجتماعية. لقد تبين أن المجتمع يتشكل باستمرار ونحن أمام مجتمعات غير متجانسة تعبر عن التعقيد والتداخل، بل يمكن الحديث عن تعايش فئات اجتماعية لا تنتمي لقيم موحدة.
بالنسبة للمجتمع المغربي فهو مجتمع مركب تشتد فيه مجالات الضبط على الأفراد وخاصة الشباب الذي يعيش معاناة وهو يواجه متطلبات الحياة مستقبلا وعوائق المحيط الاجتماعي بحيث لا يستطيع اثبات ذاته. من طبيعة المجتمع المغربي أنه يتميز بتعدد المواقف والقيم تتعايش فيه أنماط تنتمي الى حقب تاريخية بعيدة، فهو مجتمع تقليدي/عصري، يعيش صراعا على مستوى المؤسسات الاجتماعية بين المحافظة والتحرر. ان هذه المراحل الانتقالية مارست تأثيرها على البنية الفكرية للشباب على مستوى الإدراكات والسلوكيات والأحكام، والمواقف ازاء الأجيال السابقة.
لقد حاولت بعض المقاربات السوسيولوجية قياس سلوكيات جيل من الأجيال من خلال تفاعله مع التحولات والأحداث واهمية العوامل الداخلية والخارجية التي تمنح للجيل هويته، ومقارنة بين الأجيال بالمجتمع المغربي خلال العقود السابقة نستنتج تبلور نماذج مختلفة من التصورات الثقافية والأيديولوجية الى ان نصل الى الجيل “المرقمن”.
اختلفت مظاهر الصراع بين هذه الأجيال بسبب انسداد الأفق الذي فرضه المجتمع التقليدي أمام جيل التكنولوجيا المتطلع الى المساواة والعصرنة والى التغيير ليس فقط على صعيد الأسرة بل على صعيد المجتمع ككل. ان الشعور بالتهميش الاقتصادي والسياسي يدفعه الى رفض الوصاية واعتبار مؤسسة الحزب السياسي محافظة تكرس التبعية والوصاية للجيل السابق، وهذه من الدوافع التي جعلت جيل “زيد” ينتفض ضد عقلية يعتبرها متحجرة لا تلبي مطامحه في الديموقراطية وتقف في وجه رغبته في زحزحة النظام الاجتماعي الذي يشكل عائقا أمام آمالهم وتطلعاتهم الى الحرية والتجديد.
فإذا كان التغير الاجتماعي ظاهرة طبيعية من خلال التفاعلات والتبادلات الاجتماعية، فانه يتخذ أشكالا متعددة كالتغير في القيم، وفي مضمون الأدوار الاجتماعية بين الأجيال، وفي النظام الاجتماعي. لقد جعلتنا هذه التفاعلات نعيش في عالم من الفوضى على مستوى الاعلام، وأصبحنا نتأثر بالمشاهد التي تعرض علينا الأحداث أكثر من تأثرنا بالمضمون الحقيقي لهذه الوقائع. وتعمل هذه الوسائط على تأسيس طبائع ودوافع ذات سلطة على الأفراد، كما تحدد هذه التمثلات نمط الحياة وتتحكم في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين أفراد المجتمع، وهكذا تذوب الحياة الواقعية في عالم من التيه والأوهام.
كان الاعتقاد السائد أن المجتمعات البسيطة باردة يمكن دراستها كأنساق ثابتة، إلا أن التغير محايث لكل بنية اجتماعية، ولأنه لا وجود لمجتمع ثابت ثباتا كليا بحكم تفاعل مجموعة من المتغيرات داخل بنياته الاجتماعية، فان كل الأنساق الثقافية تعرف بزوغ علاقات اجتماعية جديدة مما يؤدي إلى خلل في النسق القديم. وهنا لابد من تعيين اللحظات التي تتصدع فيها الأنساق الاجتماعية الراكضة، والبحث عن الشروط الكامنة وراء القطيعة والتصدع الذي ينتج صراعات حادة بين الجيل الحالي الذي يسعى الى الثورة على الأنساق القديمة، والأجيال السالفة التي غالبا ما تركن الى الثبات والإستقرار.
فور تنمية : في رأيكم ما السيناريوهات المستقبلية الممكنة لعلاقة هذا الجيل بالمجال العام وبمستقبل المغرب؟
عمر الايبوركي: إن التغير الاجتماعي الذي عرفته المجتمعات المعاصرة برز عندما انتقل المجتمع إلى القيم الموضوعية مثل العقود والمعاملات المقننة كمصدر للسلطة، بدل النسب والتقاليد في المجتمعات التقليدية، حيث يكون التضامن الآلي يتميز بالانغلاق والتشابه وسيطرة العرف، عوض المجتمع المنفتح الذي يسود فيه التنوع وتقسيم العمل، ويطبعه التضامن العضوي. وكان التباين بين الاتجاهات السوسيولوجية حول العوامل والمظاهر الكامنة وراء التغيرات التي تلحق بالمجتمعات: هل تستند إلى العوامل المادية أم إلى المقومات الثقافية، والقيم الاجتماعية؟
ويقترن التغير الاجتماعي بالزمان والمكان، ولإدراك تحققه لابد من المقارنة بين الفترات والمراحل التي يعرف فيها مجتمع معين تحولات لاإرادية، قد لا يعيها أفراده على مستوى أنماط العيش، أو استبدال التنظيم الاجتماعي السائد، أو تغير في البنية السياسية، والعقليات، والقيم. وهكذا يمكن رصد التغير الاجتماعي على ثلاث مستويات:
– سيرورة التحولات، ونوعية تحققها وتطورها كظواهر.
– النماذج والعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع المدروس.
– الأنساق الحقيقية للنظام الاجتماعي التي تشمل القوى المتحكمة في التغيير أو الرافضة له.
لقد أدت الثورة التكنولوجية إلى نقل الإنسانية إلى مرحلة المعلوميات والتواصل، وحولت المجتمع من الأيدي العاملة إلى مجتمع العقول المبدعة وتبادل المعارف، وأدى ذلك إلى اكتساح الأذواق والأذهان بل وتوجيه الحاجات والسلوك الجماعي مع رفع وتيرة الاستهلاك. انه زمن المثاقفة والانصهار في خضم الحضارة الجديدة. وتشكلت لدى هذا الجيل ارادة جماعية للمشاركة في بناء المستقبل.. ومن التحديات التي تواجهه هو جعل الحياة أكثر ديموقراطية، وحرية، وأمنا. والمجتمع اليوم في حاجة الى رؤية جديدة تنبني على التعاون والتشارك وادماج الأجيال في كل المجالات ذات الاهتمام المشترك.
أستطيع القول ان الشباب المغربي اليوم يعيش مفارقة بين الواقع والتصورات، فهو يعيش على مستوى التطلعات الى آفاق بعيدة ترسمها التطورات التكنولوجية وتحددها الثورة التواصلية التي حطمت الجغرافيا، ووحدت اللغة المتبادلة. وفي نفس الوقت فهو محاصر بشروط اجتماعية واقتصادية وسياسية ضيقة تنتمي الى الزمن الماضي، أو بعبارة أخرى يعيش حقبتين متباعدتين بين زمنين: الأول ثابت والثاني متحرك، بين قوى تحركه الى الأمام، وإمكانيات ضعيفة تشده الى الوراء، بين أسرة عاجزة ومتجاوزة، ومدرسة تحولت الى آلة لإنتاج الحلم. ومن هنا فالشباب المغربي يعاني من غياب التأهيل الحقيقي الذي يجعله قادرا على إثبات الذات، وتحقيق الغايات، لذلك تتولد لديه الممانعة والرفض كوسيلة للتعبير عن التوعك والأزمة. فهو في حاجة الى مناخ من الحرية والديمقراطية في المجالات السياسية والاقتصادية ليفتح المجال أمامه، ويطمئن الى وطنه ومستقبله، وإلا انسد أمامه الأفق، ولن يجد إلا طريق الرفض والتمرد، والاحتجاج.
