المفكر المغربي حسن أوزال لـ”فور تنمية”: شباب اليوم لا يرفضون الدولة… بل يريدون علاقة أكثر عدلاً وشفافية
فور تنمية
مع بروز جيل Z كصوت جديد داخل المجتمع المغربي، تتعاظم الأسئلة حول ملامحه القيمية، ومصادر وعيه، وأشكال التعبير التي يعتمدها في مواجهة واقع يتغير ببطء. فهذا الجيل الذي نشأ داخل الثورة الرقمية وتراجع الأطر التقليدية، بات يقدم رؤيته الخاصة لمعاني الحرية والعدالة والكرامة، ويعلن حضوره بقوة في الفضاء العمومي، سواء عبر المنصات الرقمية أو من خلال أشكال احتجاجية مبتكرة.
وفي محاولة لاستقراء خلفيات هذا التحول، تستضيف جريدة فور تنمية الباحث والمفكر المغربي حسن أوزال، الذي يقدّم قراءة تركيبية لخصائص جيل Z المغربي، وللفجوة القائمة بين انتظاراته الواسعة وإمكانات الواقع المؤسساتي، مسلطاً الضوء على الإمكانات التغييرية التي يحملها هذا الجيل إذا ما أُتيح له فضاء أرحب للمشاركة.
فور تنمية : جيل Z يعيش داخل الشاشات أكثر مما يعيش في الواقع؛ كيف يمكن للفلسفة، في نظركم، أن تستعيد الإنسان من داخل هذا “الافتراضي الكلي” دون أن ترفضه أو تمجده؟
حسن أوزال: اسمحوا لي بداية وقبل الرد على سؤالكم بأن أشكركم على اهتمامكم بالفكر عموما وكرم استضافتكم لي شخصيا.. أما ما تفضلتم به من إشكالية تُخوِّل الفلسفة مهمة استعادة اﻹنسان من هيمنة العالم التقني فهي ما بوسعنا أن نتناوله من وجهتي نظر إثنتين على اﻷقل. اﻷولى تتعلق بماهية الفلسفة بذاتها وماتكونه؟ بينما الثانية فتتعلق بالتقنية ومدى تأثيرها على هذا الكائن الذي هو نفسه من أبدع وابتكر التقنية بكل تلاوينها. وهاهنا وجب التوكيد على أن الفلسفة تاريخيا قد سبقت التطور التقني من حيث تاريخ ميلادها، ما أن وجد الإنسان نفسه في صحراء الوجود وشرع يتساءل ويمارس فضيلة السؤال بدل اﻹكتفاء بشقاء الجواب. ذلك أن ممارسته للسؤال مكنته من أن يحيا بآفاق منفتحة على اللامحدود بدل اﻹنغلاق في عالم ضيق آسر للتأمل والتفكير. لنقل باﻷحرى أن الفلسفة نزعة عضوية Organique قوامها سؤال الحياة حيث الربح مقرون بالخسارة والصحة مرهونة بالمرض والقوة ممزوجة بالضعف والغنى مقرون بالفقر بينما التقنية نزعة “لاعضوية” Inorganique بامتياز، شأنها شأن العالم الرأسمالي المعاصر الذي ينهض على منطق الربح دون الخسارة وسياسة اﻹدخار القائمة على المصلحة والمال. على هذا النحو نلاحظ أن التقنية بقدر ما تمارس عبر عالمها اﻹفتراضي نوعا من اﻹستيلاب الذي تجسدت روحه في أبشع صور تناسل المنتجات الصناعية، المكفول أتوماتيكيا بفضل نهج عملية متسلسلة Les objets produits en série بقدر ما توحي بنوع من الخلود؛ خلود ما فتئت تعِد به لا الأشياء المنتَجة فحسب، بل تعِد به أيضا الإنسان الذي صار يعيش نوعا من اﻹغتراب وهو إزاء ما صارت تحظى به المنتجات من أحقية في الخلود، متعيّنة وملموسة، وذلك في الوقت الذي يجد فيه نفسه، بخلافها، مقصيا كليا من هذه الحظوة. لعل عملية اﻹستنساخ اللانهائية La duplication التي هيمنت بفضل “النزعة اﻷفلاطونية الصناعية” Le platonisme Industriel على حد تعبير غونتر أندرس، لم تؤدي فحسب إلى تخليد اﻷشياء، بل أدت أيضا إلى مضاعفة رغبة الخلود لدى اﻹنسان، فخلقت لديه بالتالي نوعا من اﻹلتباس الذي بموجبه لم يستطع أن يميز بين أمرين إثنين في غاية اﻷهمية بمكان، هما الخلود واﻷبدية. ذلك أن اﻹنسان المعاصر تحت سطو التقنية وبعيدا عن الفكر عموما والفلسفة بالخصوص لا يستطيع على اﻹطلاق أن يدرك الفرق الكامن والدقيق بين اﻹثنين، خاصة في عالم “هوس الصورة” L’iconomanie وانتشار عدوى “اﻹيماغولوجيا” بتعبير ميلان كونديرا. بديهي إذن بعد هذا البسط أن نتلمس طبيعة الصراع الذي تخوضه التقنية بقيادة العالم الليبرالي ضد الفلسفة التي تكاد لا تكترث لهذه الدسائس لا لشيء إلا لأنها تنشغل بقضايا مغايرة تدور أساسا حول” تشخيص صيروراتنا الراهنة” Diagnostiquer nos Devenirs Actuels بتعبير دولوز. لنقل توضيحا لهذا اﻷمر أن الفلسفة تهتم بسؤال اﻷبدية والراهن واللاراهن كما الشأن عند سبينوزا ونيتشه وبيغي وفوكو ودولوز بينما التقنية تنشغل بوهم الخلود المتعين في الأشياء التي لاتنفك تنتج ضمن سلسلة. ومن ثمة حق لنا القول على أن الحاجة للفلسفة هي سعي للأبدية من حيث هي الراهن تحيينا لمسألة “اﻷهم” في الحياة؛ إنها بتعبير آخر اشتغال على الذات وبناء لها على نحو يغدو فيه الحيز المتعلق باﻷجزاء الداخلية المشتدةLes parties intrinsèques intensives أكبر من الحيز الخاص باﻷجزاء الخارجية الممتدة Les partiess extrinsèques extensives، قوام ماهيتنا باعتبارنا درجات قوة Des degrés de puissance على حد تعريف سبينوزا.
فور تنمية : تتحدثون عن الفلسفة كـ”فن للعيش” وليس كـ”تجريد نظري”؛ فهل يمكن لجيل وُلد في الفضاء الرقمي أن يجد في الفلسفة طريقًا لتجربة ذاتية حقيقية وسط هذا الكمّ من المحاكاة؟
حسن أوزال: الحق أنني لا أستطيع والحالة هاته أن أصدر أحكاما، لا لشيء إلا لأن مسارات الناس أكبر وأعقد من أن تخضع لتقويمات متهافتة. وكل ما يمكنني أن أقوله في هذا الباب هو عطفا عما سلف، أن رهان الفلسفة رهان فردي وشخصي قبل أن يكون رهانا جماعيا. آيتي في ذلك أن المعرفة تكاد أن تغدو مجرد وهم إن لم تكن مفيدة للحياة؛ فنحن لا نحيا لكي نعرف أكثر ما ننقب في المعرفة ارتقاء بحيواتنا ونحتا لأسلوب يخصنا. لنقل بتعبير نيتشه أن الثقافة عموما قد تصلح لأي شيء، عدا أن تكون “ديكورا” للحياة وواجهة للتزيين والتباهي أو أداة للاحتيال والحربائية؛ لأن كل نزعة ديكورية لا تسعى من حيث هي كذلك إلا إلى أن تتستر على الفظاعة التي تثوي في كنه الحقارة. تبدو الفلسفة إذن أسلوب حياة قبل أن تكون رزنامة أفكار، لا لشيء إلا لأنه، لا فكر لمن لا حياة له؛ لذلك أيضا كان صاحب “المعرفة الجدلية” يوجز هذا اﻹشكال بقوله: “امنحوني الحياة أوّلا وسأصنع لكم منها ثقافة”، مستعيضا عن الكوجيطو الديكارتي: “أنا أفكر إذن أنا موجود” بكوجيطو بديل صاغه كالتالي: “أنا أحيا إذن أنا أفكر”. بناء عليه حاولت في كتابي “العيش بصحبة الفلسفة” أن أؤكد على أنه لا فكر ولا فلسفة لمن لا أسلوب له في الحياة؛ ذلك أن اﻷسلوب هو اﻹنسان. ومضيت أبعد من ذلك لاختبار مدى قدرة المرء على أن يعيش على نحو ما يفكر به، لا سعيا إلى تطابق مزعوم بل خوضا لغمار تجريب فلسفي برغسوني بامتياز حيث نستطيع أن نفكر عمليا وأن نعمل فكريا il faut penser en agissant et agir en pensant.
فور تنمية : هل تعتقدون أن سرعة الزمن الرقمي التي تحكم جيل Z، ألغت إمكانية التأمل الفلسفي البطيء، أم أن الفلسفة يمكن أن تتجدد داخل هذه السرعة؟
حسن أوزال: لنقل أن السرعة على نحو ما يتورط فيها الناس اليوم تقنيا، هي قتل للحياة ومن ثمة فهي أيضا قتل لمتعة التفكير كما حددناها سالفا. وهذا ما يلاحظ في اﻷجيال الحالية بما فيها جيل زيد، حيث خلق العالم اﻹفتراضي كائنات تميل إلى العنف والعجلة أكثر من ميلها للطمأنينة والبطء. إنه عصر الحرمان من لذة البطء على حد تعبير ميلان كونديرا، حيث أصبحت السرعة هي شكل النشوة التي خلعتها الثورة التكنولوجية على اﻹنسان. فهذا الجيل الذي يجهل تمام الجهل لذة البطء مستسلما تمام اﻹستسلام لنشوة اﻹنخطاف، جيل عمَّق جرح الخصام التاريخي مع الجسد على كل المستويات وغدا كائنا مستلبا، لا يقيم أدنى وزن يُذكر للمتعة، فكرية كانت أو شهوانية غريزية؛ ولم يعُد يؤمن جنسيا حتى بعقيدة “هزة الجماع” حيث تقترن الكفاءة بالتراخي والسعادة بالمرح والصمت بالتأمل. لم يتبق لهذا الجيل سوى الضجر والصخب المقرونيْن بالملل والتوتر والتقزز حدّ التأفف من الحياة. أن تختفي لذة البطء من قاموسك معناه أن الحياة بالنسبة لك أشبه ما تكون ببندول يتأرجح كما قال شوبنهاور ما بين الملل واﻷلم؛ وهو ما صار يحدث مع جيل استسلم للأسف لسرعة “لا جسدية” و”لا عضوية” مكفولة أتوماتيكيا بموجب الكوجيطو التقني الجديد الذي حل محل باقي الكوجيطوهات في صيغة “أنا سريع إذن أنا موجود” الذي حاولت تمحيصه قدر المستطاع في كتابي “تضاريس فكرية، نحو فلسفة محايثة” منذ عام 2012.
فور تنمية : في كتابكم “منطق الفكر ومنطق الرغبة”، تؤكدون على ضرورة فهم الرغبة خارج منطق النقص. كيف يمكن لجيل Z، الذي يعيش تحت إكراه الاستهلاك والمقارنة المستمرة، أن يتصالح مع رغباته ويحوّلها إلى قوة إبداعية؟
حسن أوزال: بعيدا عن كل تعميم بوسعي القول بأن اﻹنسان المعاصر وبخاصة منذ أن ظهر جهاز التلفاز والراديو، هو من وقع في فخ لم يكن له نظير بحيث أن التلفاز مثلا، قد أفلح عبر تقنية الصور التي يعرضها على اﻷنظار في خلق عالم افتراضي سرعان ما حل محل الواقع الفعلي. ويكفينا التفكير في الشاشة بشكل خاص لنلاحظ كيف نجحت في الزج بالناس وهم في عقر بيوتهم، في سلسلة لامتناهية من الصور القابلة للاستهلاك بشكل حميمي كمنتوج صرف وعلى نحو جماعي وفوري تماما كما تُستهلَك باقي السلع المنمَّطة. وهكذا يتبدى جليا أن التلفاز ليس مجرد أداة مرصودة لخدمة غاية نبيلة من الغايات الحيوية كما قد يخال البعض، بل هو وسيلة جهنمية، تُحدِّد من حيث هي كذلك، أسلوبنا في الحياة وطريقتنا في التفكير وسلوكاتنا اليومية. الظاهر إذن أن التلفاز وهنا خطورته، لم يعمل فحسب على إعفاء الناس من عناء التنقل، كما اعتادوا سابقا، إلى قاعات السينما والمسارح، كلما أرادوا اقتناء البضاعة، بل هو من تكلَّف أيضا، منذ ظهوره فصاعدا، بتوزيعها عليهم في قلب منازلهم، ليُيسِّر بالتالي عليهم عملية استهلاكها كيفما شاؤوا، عائليا أو فردا فردا. لنقل أن هذا المنعرج هو ما يؤرخ لتحوُّل خطير، أصبح فيه المشاهدون، بمحض إرادتهم، ضحايا استعبادهم ما أن اشتروا جهاز اﻹستقبال Le récepteur. جهاز قلب حياة البشر رأسا على عقب بحيث أن إنسان الجموع لم يشرع حينها في استهلاك البرامج القطيعية التي تعرض عليه فحسب، بل صار “يَدفعُ الثمن ليُباع؛ مادام أن عبوديته التي يساهم في إنتاجها هو بنفسه، ينبغي عليه أن يستعيدها باقتناءها، ما أن غدت هذه العبودية عينها، بضاعة”. لنقل باﻷحرى أن المستهلك هو من أصبح مشاركا في عملية إنتاج عبوديته، ولم تعد اﻷنظمة المستغِلة بحاجة إلى أدلجة العقول كما كان شائعا في عهد الديكتاتوريات الحاكمة؛ ذلك أن مجتمعات الرقابة المعاصرة غدت تحرص كل الحرص على صيانة حريات اﻷشخاص وحفظ حقوقهم، إذ لم تعُد بحاجة إلى خرق المنظومة الحقوقية منذ أن أصبح الفرد بموافقته، خاضعا سياسيا ونافعا اقتصاديا على حد تنبيه فوكو، في خضم عملية محبوكة تقنيا. يبدو أن تاريخ البشرية لم يسبق له أن عرف نظير هذا اﻹستعباد الجديد، الذي يستقبله كل الناس بأريحية تامة في بيوتهم، استقبال المرء الكريم لضيفه؛ وبذلك نكون بلا رجعة قد ولجنا عهد العبودية الطوعية بامتياز على حد تعبير إتيان دو لابويسي، أو لربما مزرعة الحيوان إن استعرنا عنوان رواية جورج أورويل.
فور تنمية : كثيرون يرون أن جيل Z يرفض السلطة الرمزية والتقليد، لكنه بالمقابل يعيش في سلطة “اللايك” والتفاعل الرقمي. كيف تفسرون هذه المفارقة من منظور فلسفي؟
حسن أوزال: لنقل بداية أن جيل زيد، جيل متمرد بطبعه لأسباب عدة. أولها أنه تلقى تربية عائلية انعدمت فيها سلطة اﻷب المادية والرمزية على حد سواء. فهذا الجيل لم يتعرض لنظير العنف اﻷبوي الذي تعرض له جيلي على سبيل المثال لا الحصر وذلك سواء في البيت أو في المدرسة. ثانيا أنه جيل ولد في أزهى فترات الشاشة بدءا من التلفاز وانتهاء بالهاتف النقال مرورا باللوحة المسطحة والحاسوب بنوعيه الثابت والمتنقل. كل ذلك لم يسمح له فحسب، باﻹندماج الفوري في العالم اﻹفتراضي بكل ممكناته واحتمالاته، التي تيسر له الولوج السريع والمباغث إلى كل فضاءات العالم الرقمي واستكشاف ما يجري هنا أو هناك بكل حرية ودون وساطة أو وصاية من أحد، بل أتاح له أيضا فرصة مقارنة وضعه اﻹجتماعي بوضع غيره من الناس؛ بحيث سرعان ما تبدو له الهشاشة اﻹقتصادية التي قد يتخبط فيها بعضهم، مستفزة وتنم عن جور لا يطاق، مما يحفزه على التحرك الفوري وعلى نحو فجائي، طلبا لبدائل ناجعة وحلول آنية لمشاكله، دون أدنى شكل من أشكال المساومة والتماطل. ولربما هذا ما يؤيد تصور أولئك الذين ما فتئوا يؤكدون على أن التقنية سيف دو حدين، فهي من ناحية أولى وكما أسلفنا، أداة للتطويع والهيمنة ومن ناحية أخرى أداة للتحرر وقلب موازين القوى كيفما كانت. ينبغي إذن فهما لهذه الظواهر أن نقيم نوعا من المسافة الضرورية معها وأن نتأملها بعين مخالفة لعين القمع والتحكم، حتى لا تزيغ اﻷمور إلى ما لا تُحمد عقباه، كما يجري اليوم لا في بلدان العالم الثالث فحسب، بل أيضا في البلدان اﻷوروبية نفسها، وبالخصوص ألمانيا وإنجلترا وبلجيكا وفرنسا، حيث ظهرت مؤخرا، تيارات تنادي بالخلافة اﻹسلامية بدلا من اﻷنظمة العلمانية وتطالب باستبدال الدساتير العلمانية بالشريعة اﻹسلامية. لعل هذه التيارات لم تنشأ في الشارع أكثر ما نشأت بين أحضان الأنترنيت وشبكات التواصل بزعامة قياديي اﻹسلام السياسي المسالم الذين استطاعوا على مدى سنوات ربما أن يُجيِّشوا عقول الشباب وأن يملؤوا فراغا شاغرا في أذهانهم، بعقيدة بقدر ما تمنحهم نوعا من السكينة النفسية واﻹرتياح الهوياتي ذي الجدور الدينية، بقدر ما تدفعهم إلى اﻹحتجاح مطالبين بإلحاح بتعويض الدستور الدنيوي بالشريعة اﻹسلامية. هكذا وجدت اليوم البلدان اﻷوروبية وهي معقل التنوير والحداثة وحقوق اﻹنسان نفسها أمام وضعية محرجة ومربكة قد تهدّ وتخرِّب بشكل لا رجعة فيه صرح ما تم إنجازه على مدى قرون من قناعات تقدس الحرية وتؤمن باﻹنسان. لعل منطق اﻹيمان العقائدي الديني الذي يعشعش في أذهان الشباب اليوم هو منطق آسر يعمي البصيرة ويجعل هؤلاء الشباب في تأهب دائم للتمرد انتصارا وهو الخطير لتيارات إسلامية تشتغل في الخفاء وتُبطِن غير ما تظهره على اعتبار أن همّها اﻷول واﻷخير إنما هو الوصول إلى السلطة. لذلك وجب التنبيه إلى أهمية الفلسفة خصوصا والفكر عموما، ما داما يزرعان في الإنسان حب الحياة وروح النقد البناء والحوار المُجدي بعيدا عن العنف والتقتيل ومعاداة المختلف الذي تُروِّج له التيارات اللاهوتية وسائر الحركات الدوغمائية المغلَقة، مستغلة اﻹغتراب المزدوج الذي ما فتئ يؤسس للهويات القاتلة، على حد تعبير أمين معلوف، لدى شباب يعاني سواء على المستوى الروحي أو المادي.
فور تنمية : في سياق نقدكم لـ”المثالية” و”الفلسفة المتعالية”، كيف يمكن لجيل Z أن يؤسس فلسفة محايثة للحياة اليومية، تتكئ على الجسد والتجربة المعيشة بدل المفاهيم المجردة؟
حسن أوزال: لعل الحديث عن الجسد هو بشكل من الأشكال حديث عن القوة والمقدرة؛ وفي ارتباط بما تفضلت به، بوسعي التوكيد على أن ما يميز الشباب وجيل زيد على الخصوص هو ما ينطوون عليه من مؤهلات وقدرات ليست بالهينة؛ يحضرني والحالة هاته، مثال شعبي أورده شارل بيغي يستحق أن نعتمده توضيحا لهذا اﻷمر وهو كالتالي: “ليت الشباب يَعرِف وليت الشيوخ يقْدرون Si jeunesse savait, Si vieillesse pouvait”. يعلق بيغي على هذا القول المأثور، متهكما على أولئك الذين يُروِّجون له، لأنهم بحسبه يريدون أن يجعلوننا نعتقد على أن الشيوخ يعرفون؛ وهم بذلك إنما يُبجِّلون الشيوخ بالرغم من أن الشيوخ في الحقيقة لا يعرفون ما داموا مؤرخين، خلافا للشباب الذين يعرفون لأنهم يَقْدرون. لنقل بتعبير آخر أن الشيوخ لا يعرفون لأنهم لا يقدرون بينما “جيل زيد” وهذا ما تبيَّن واقعيا، قد فاجؤوننا حيثما وجدوا، نحن الشيوخ والعجزة الذين ما فتئنا ننتصب كواصايا وذوو الخبرة والسبق في الفهم الشامل في كل المجالات. لعل المعرفة كيفما كان نوعها علمية أو تاريخية تكاد أن تكون بلا معنى وبلا جدوى إذا كانت لا تخدم الحياة؛ وهذا ما كرسته الفلسفة المثالية منذ قرون خلت، فحالت دون أن تتشكل الثقافة كأسلوب فني ينعكس في التعبيرات الحيوية لإنسان ما، وشعب ما، تبديدا للتوحش والبربرية وانعدام اﻷسلوب.
فور تنمية : يعيش هذا الجيل أزمة معنى في عالم مفتوح على كل شيء. هل تعتقدون أن الملل الرقمي الذي يعانيه الشباب اليوم هو شكل جديد من أشكال الفراغ الوجودي؟
حسن أوزال: يبدو لي خلافا لما تفضلت به، أن الملل هو اﻹحساس اﻷكثر تواريا، والشعور الغير القابل للضبط والتعيُّن من المرح عينه. ولحسن حظنا أن الحياة تكون سلفا غير قابلة للإحتمال عندما نكون أكثر مرحا لا العكس. ذلك ما يَتبيَّن عندما نلاحظ ألا أحد يفوق المثقفين مرحا وكذا المؤرخين؛ بل حتى حفار القبور هو أكثر مرحا من غيره من الناس. الخلاصة أن هؤلاء جميعا يتقاسمون الحرفة عينها باعتبارها حرفة نتنة تنبعث منها رائحة الجثث التي حتى ولئن ماتت، فهي لم تُدفَن بعدُ. ليس الشباب إذن هو وحده من يعاني من أشكال الفراغ التي ذكرت بل مجتمع بأسره صار فيه عدد العجزة يفوق عدد الشباب، ولم يعد فيه من أسلوب يستحق المدح؛ مجتمع صار فيه الفكر والفن على هامش ما يجري ويحدث لا لشيء إلا لأن العبقرية اﻹبداعية اضمحلت بسبب الترهل والعياء المُبكِّر الذي أصاب الأغلبية وفي كل مناحي الفنون. لنقل باﻷحرى أن الشيخوخة كمرض نالت من الجميع ما أن أصبح كل من الشاعر والفيلسوف والفنان وغيرهم، يجهل ما تَكُونُه الشيخوخة عينها؛ فلم يستطيعوا أن يَتمَوْضعوا فيها كصيرورة: إنهم لم يعرفوا أن يَشِيخوا وأن يشبُّوا فيها في الوقت ذاته، فأصيبوا بالعقم اﻹبداعي . ذلك أن دواعي العقم اﻹبداعي سواء عند الشاعر أو الفيلسوف أو الروائي وغيرهم، ترجع أول ما ترجع إلى كونهم يشيخون مرتين إثنتين على اﻷقل؛ فيُجهِزون من ثمة على كل ما ينطوون عليه من عبقرية. عبقرية تقتضي من الفنان الحقيقي أمرين إثنين لا ثالث لهما: اﻷول هو أن لا يشيخ حتى لا يَفْقد قواه التي بفضلها ينجز ويبدع والثاني أن لا يشيخ حتى لا يَفْقد روح الجِدَّة التي تَكفَل له استلهام العالم من حوله وانكبابه على عمله. لعل هذا الشرط هو ما جعل بيغي يقول ذات مرة بأن “اﻹنسان الذي يصبح شاعرا في العشرينات من عمره ليس إطلاقا بشاعر؛ إنه مجرد إنسان؛ ولا يغدو شاعرا بالفعل إلا إذا بقي كذلك في ما بعد العشرينات. ذلك أن عبقريته تقتضي منه أن يكون شاعرا حتى ولئن تجاوز العشرينات لا في العشرينات فحسب.
فور تنمية : تحدثتم في أكثر من مناسبة عن “قيم الرداءة” التي تسود زمننا الراهن؛ فهل تعتبرون أن جيل Z ضحية لهذه الرداءة، أم أنه يُنتج أشكالًا جديدة من الذكاء والذوق ينبغي الإنصات لها؟
حسن أوزال: لنقل بسطا لما تفضلت به على أن عصرنا، كما سبق لي أن أكدت، هو عصر “اللا-أسلوب ” بامتياز أو لنقل بلسان اﻷلمان أنه باﻷحرى عصر غياب اﻷسلوب؛ وهو ما تفيده بدقة العبارة التالية Stillosigkeit في لغتهم؛ ونحن إذ نستعيرها منهم، والحالة هاته، فلا لشيء إلا لما تنطوي عليه من دلالات قوية تُيَسّر لنا بالفعل أن نفهم كنْه هذا اﻹنحطاط القيمي الذي ما فتئنا نتخبط فيه، لا كجيل زيد، فقط بل كأجيال متعاقبة، على اعتبار أن الثقافة التي نتنفسها ثقافة مريضة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، مادامت ثقافة تكرس نزعة الركود بدل التحوّل والثبات بدل التغيّر انتصارا وهو الخطير للجموع والقطيع ضد الفرادات اﻹستثنائية. ذلك أن التسويغ لمنطق التسوية هذا، وتمكينه من السيادة في كل مناحي الحياة، لم يعمل فحسب على اﻹجهاز على كل تنوع ثقافي أو يقضي على كل حق في الإختلاف، بل هو من ضاعف أيضا عملية التنميط والاستنساخ الذهني على نحوين إثنين: اﻷول بيداغوجي[1]، بينما الثاني صناعي، انسجاما طبعا مع روح العصر التقني ذاته حيث تتم عملية اﻹنتاج وفق نهج اﻹستنساخ اللانهائي للأشياء المصنوعة La duplication تحت إشراف عرش “اﻷفلاطونية الصناعية” Le platonisme industriel بتعبير غونتر أندرس.
فور تنمية : في ضوء التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، هل ما زال بالإمكان الحديث عن حرية الذات كما كان يفعل الفلاسفة الكلاسيكيون، أم أننا أمام ولادة ذات جديدة هجينة بين الإنسان والتقنية؟
حسن أوزال: إن الحرية مسألة تخص اﻷفراد قبل الجماعات، لأنها قضية حياة بأكثر من معنى. لكن اﻹنسان المُستلَب عقليا قبل أن يُستلَب جسديا هو من يوافق على عملية استعباده ويتحمل مسؤوليتها كيفما كان الداعي. يحضرني هاهنا اتيين دو لابويسي بطبيعة الحال حين يقول على أن الحرية تتوقف على مدى رفضك للانخراط في نظام السخرة، إذ يكفيك أن تَكُفّ بمحض إرادتك عن إسداء الخدمة لتَتحرّر “Soyez résolus de ne plus servir et vous voilà libres”، وهو ما يتقاطع تماما مع صرخة سبينوزا التالية : “لا يستدعي منا اﻷمر أن نضحك أو أن نبكي قدر ما يستدعي منا أن نفهم” “Il ne faut ni rire ni pleurer mais comprendre”؛ لعل وقوفنا عند هاتين العبارتين كفيل لوحده أن يُبيّن لنا جليا على أن الحرية بقدر ما تتطلب العزم بقدر ما تتطلب أيضا الفهم واﻹستيعاب. مما يعني أن التحرر ليس إطلاقا مسألة قرار فجائي، بل هو نتاج اشتغال دؤوب للمرء على نفسه، تحريرا لعقله من البداهات وكل ما قد يأسره من قناعات، خاصة وأن كل اعتقاد راسخ أو قناعة هي بشكل من اﻷشكال سجن لصاحبها على حد تأويل صاحب أفول اﻷوثان “Toute conviction est une prison”. أمام طغيان التقنية إذن يتبدى أن الحاجة إلى الفلسفة والفكر والأدب والفن والموسيقى والسينما صارت أكثر من أي وقت مضى قضية لزوم لا فكاك منها لمن يعشق بطبعه السمو بدل الرداءة والرقي عوض الضحالة.
فور تنمية : وأخيرًا، إذا كانت الفلسفة كما تقولون «تعلّم الإنسان كيف يعيش»، فما الذي يمكن أن تعلّمه الفلسفة لجيل Z اليوم حتى لا يضيع بين السرعة، والرغبة، واللايقين؟
حسن أوزال: إن قضية الفكر ليست قضية “جيل” فحسب بل هي قضية الانسان بشكل عام، بعيدا عن كل تأويل اختزالي ينهض على تصنيفات زائفة. قياسا على ذلك، يمكنني أن أجازف بالقول على أن التفلسف هو عملية عسيرة، تنتهي بضخ الحياة في الفكر؛ فالتفلسف ليس مسألة تعريف وتحديد أكثر مما هو مسألة خلق وإبداع لشيء لم يكن سلفا له وجود؛ لنقل بتعبير آخر أن الفيلسوف لا يكتفي بتسمية اﻷشياء ووضع تعريفات لها بقدر ما يبدع منظورا جديدا ويبتكر تصورا غير مسبوق للعالم وللوجود؛ إنه يخلق طرقا جديدة للنظر إلى الكون وأساليب غير معهودة للعيش؛ أن نتفلسف إذن ليس يعني فحسب أن نفكر بل يعني أن نحيا؛ لنقل باﻷحرى أن التفلسف هو تقوية للحياة وضخها بقدر وافر من السائل الحيوي، إن جاز التعبير. ويكفينا أن نستحضر، والحالة هاته، تاريخ الفلسفة، لندرك مدى الخسارة التي لحقت باﻹنسانية جراء ارتداد تسببت فيه منذ قرون خلت المؤسسة المدرسية بشتى تلاوينها. ذلك أن هذه النزعة الاختزالية التي ظهرت في صيغتها الدينية- المسيحية، في الغرب مثلا، حوالي القرن الثاني للميلاد مع قسطنطين لم تكن ترمي فحسب الى الفصل بين الفكر والحياة وإحداث الشرخ بينهما، بل عملت أيضا وقصدا على وأد صور قديم، ظل يتبنى التفلسف كفن للعيش طيلة عشرات القرون عند اليونان والرومان (ق.6 ق.م-ق.2م). هكذا إذن صار التفلسف مفصولا عما يستطيعه، ما أن تم استئصال كل نبتة تقرن بيولوجيا الفكر بالوجود وتشهد على أنه لا تفلسف دون استدعاء الفلسفة كمران يومي وممارسة حيّة. ذلك أن التفلسف فضلا عن كونه نتاج إكراهات فيزيولوجية قبل أن يكون تدبيجا فجّا لنصوص بعيْنها، فهو أيضا توتُّر جسماني و تمرين جسدي ما فتئ يُعلِن انصهار الفكر في الحياة والتحام الكلمات بالأشياء سواء عبر ممارسات مضبوطة من قبيل اللجوء الى تقنيات التذكر أو بالعمل على اختصار صروح فكرية كبرى في صيغ وجيزة سهلة الاستحضار، جريا على نهج الوصفة الأبيقورية (العلاج الأبيقوري الرباعي: لا وجود لآلهة، لا ينبغي لنا الخوف من الموت، الألم شيء يمكننا تحمّله، السعادة قابلة للتحقق) أو عبر نحت شذرات حِكَمية على الحائط بشارع يَعبُر منه عموم الناس (ديوجين إينواندا بمدينة فتحية بتركيا، أو عبارات فيلوديم بغادارا)، هذا طبعا فضلا عن تلك الطقوس التي بمقتضاها يتم تكوين زمرة من الأصدقاء المميَّزِين، تحقيقا لسعادة ممكنة وتقاسما لمتع لا يجيزها المجتمع. لعل هذه العادات العملية التي بدأت تُرسِّخ ثقافة للعيش أكثر ثراء وتنوعا هي التي أحكمت المسيحية حينها القبضة عليها لتُحرِّفها عن مسارها الأول، جاعلة منها تقنيات تَخْدم الماورائيات والموت بدل الحياة وتُرسِّخ الكآبة عوض الفرح وتُشيع عذاب القبر بدل ملذات العيش. بديهي إذن بعد هذا كلّه أن نَختتم القول بالتوكيد على أن مهمة التفكير ليست مهمة سهلة، كما يخال عموم الناس بل هي رهان وجودي يقتضي من كل انسان حي المقاومة لبؤر التوتر السالفة الذكر انتصارا منه لذاته أوّلا ولقاسمنا المشترك ثانيا، باعتباره ما يجمعنا فوق هذه البسيطة للحظة وجيزة وثمينة هي دوما وللأسف تحت طائلة التهديد بمقتضى تهمة تيولوجية محضة تنهض على قوام خطيئة أصلية قُدِّر علينا أن نؤدي فاتورتها غالية حتى ولئن لم نشارك آدم وحواء ما اقترفاه فرَضا من جرم.
[1] أنظر رابط مقالي بعنوان “الاستنساخ الذهني وبيداغوجيا التنميط”، المنشور بمجلة مدارات ثقافية والتي نقلته عن موقع اﻷوان التابع لرابطة العقلانيين العرب: https://www.madaratthakafia.com/2025/06/mad-mklt-04062025-01.html)
