في حوار مع فور تنمية: الناشطة الجمعوية والحقوقية جميلة سعدون..جيل Z يفرض رؤيته الخاصة للتمكين والمشاركة…
فور تنمية:
في هذا الحوار الخاص مع الأستاذة جميلة سعدون، الفاعلة الجمعوية والمهتمة بقضايا المرأة والتنمية، نفتح نقاشاً عميقاً حول مسارات العمل المدني بالمغرب وتحديات تمكين المرأة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، مع التوقف عند رؤيتها للتحولات القيمية والاجتماعية التي تعرفها الأجيال الجديدة.
تقول الأستاذة سعدون إن جيل Z يمثل جيلاً مختلفاً في إدراكه للعالم، أكثر جرأة في التعبير، وأقل استعداداً للخضوع للأنماط التقليدية في التفكير والمشاركة، معتبرة أن فهم هذا الجيل واستيعاب لغته الجديدة شرط أساسي لبناء تواصل حقيقي بين الفاعلين والمؤسسات.
حوار يستنطق التجربة، ويستشرف من خلال صوت نسائي فاعل ملامح الأمل في مبادرات تصنع الفرق من الميدان وتعيد الثقة في العمل المدني المشترك.
حاورها منير الحجوجي
سؤال: أستاذة جميلة سعدون، مرحبا بك.. أنت معروفة باشتغالك الطويل على القضية النسائية من منظورات حاولت ألا تدور الأطروحات الاستسهالية المتداولة بما فيها ما نجده في كثير من الكتابات النسائية.. أصدرت في هذا الصدد كتابين مهمين هما “النسوية والماركسية” و”النسوية بين المركز والهامش” وتحضرين للجزء الأخير من الثلاثية سيكون حول النسوية الايكولوجية أو الايكونسوية.. هل لك أن تقربي القارئ من الأطروحة المفصلية لمجموع أعمالك؟ ما هي رسالتك أو رسائلك الكبرى ان جاز لي هذا التعبير؟
أستاذة جميلة سعدون: شكرا جزيلا على الدعوة والمساهمة ولو بشكل بسيط من أجل إضاءة بعض القضايا التي تطرحها المرحلة.. فيما يخص اهتماماتي فهي تصب بالدرجة الأولى في القضايا النسوية، أصنف نفسي كمناضلة نسوية تنهل من الفكر الماركسي التحرري وكما ذكرت صدر لي كتابان وهما: النسوية والماركسية تصالح أم قطيعة وهو كما يبدو لنا إضاءة تنحو نحو جسر العلاقة بين الماركسية والنسوية مع تسليط الضوء على النقط المعتمة داخل الفكر الماركسي وعلى رأس هذه القضايا العمل المنزلي وهو ما يحيلنا على مفهومي العمل والطبقة لتحديد طبيعة الصراع وإبراز مكانة النسوية كحركة اجتماعية وفكرية.
إن تجذير هذه العلاقة من وجهة نظرنا مفتاح أساسي لقضايا التحرر، فلا نسوية دون تحليل ماركسي ولا ماركسية دون البث في قضايا النساء .
أما العمل الثاني المعنون ب: النسوية بين المركز والمحيط فهو جزء من هذا المشروع الذي نتمنى تطويره من قبل المهتمين، وهو جزء يبلور نظرة نسوية شمولية تمتد لأبعاد الهيمنة المختلفة ويتناول تفكيك مكانة النساء داخل بلدان الجنوب من خلال قراءة غياتاري سبيفاك وطرحها لمفهوم التابع كمفهوم يقارب مكانة من لا صوت له ويطرح سؤال أحقية النساء في الكلام والصوت الممنوح لهن الذي ليس صوتهن بل صوت المستعمر /الرجل الأبيض/ الرجل بشكل عام. هذا واستمرارا في النقاش الذي طرحه الجزء الأول “النسوية والماركسية….” نعيد في هذا الجزء طرح ما يدور بدائرة إعادة الإنتاج كعمل غير مدفوع الأجر بالاستناد على أعمال المفكرة سيلفيا فيدريشي التي اعتبرته كشكل من أشكال الاضطهاد الاقتصادي الرأسمالي غير المرئي..
إن الحديث عن النسوية في المغرب – وهو ما يشكل عصب أعمالي – يدفعنا الى الاهتمام بالتراث والإسلام السياسي وتأثير هذه المنظومة على أوضاع النساء.. هنا استدعى الجزء الثاني السوسيولوجية المغربية فاطمة المرنيسي وعملها في تفكيك مكانة النساء داخل النسق من خلال طرح مفهوم الحريم وشخصية شهرزاد .
إننا كنساء الجنوب نرى أن مفتاح التحرر هو التخلص من أصفاد الرأسمالية التي تغير وجهها كلما دعت مصالح الرأسمال الى ذلك، هو التحرر من مختلف أنواع الاستعمار الذي رزحت تحته بلداننا وقتا طويلا ولا زالت مع واقع خطير عنوانه التدهور الايكولوجي وهو ما سيشكل الجزء الثالث من المشروع إن كان في العمر بقية..
نصبو من خلال هذه الأعمال تبيئة النقاش والمساهمة في تثبيت أقدام النسوية داخل التربة المغربية حتى تصبح رافدا من روافد التغيير، وأيضا من أجل خلخلة الدوغما والأفكار الجاهزة والجمود العقائدي..
سؤال: ما هي في تصورك الأخطار الكبرى للعالم وللمغرب؟
أستاذة جميلة سعدون: للإجابة على سؤالكم هذا يبدو أن هنالك 3 أخطار: الأول هو الخطر الايكولوجي مع تفاقم أزمة المناخ والاحتباس الحراري وثقب الأوزون كل هذا يثير تساؤلاتٍ متزايدة حول مدى التوافق بين النظام الاقتصادي السائد والحفاظ على الكوكب. إن الهوس بالنمو والحفاظ عليه أولوية مطلقة.. بالنسبة للرأسمالية فإنها تعتبر حل قضايا البيئة مسألة ثانوية لأنها لا تأخذ بالاعتبار ما يستنزفه هذا النمو من موارد وما يقوم به من تدمير للغلاف الجوي.
إن المسؤول عن هذا التدمير هو النظام الرأسمالي، القائم على اقتصاد السوق والساعي الى النمو بأي ثمن من خلال الافتراس واستنزاف الثروات بما في ذلك الفرشة المائية وتلويث ما تبقى منها أما التغني بالمحافظة على البيئة وتنظيم المؤتمرات فهذا يتم لأغراض التسويق أو التضليل البيئي. وهنا يمكن الإشارة الى كوارث زراعة البطيخ والفراولة واللجوء لتحلية ماء البحر، كما تجدر الاشارة الى ما تعيشه ساكنة فكيك دفاعا عن واحاتها ومياهها وما تعيشه ساكنة أسفي من تلوث للهواء والتربة والاختناقات التي يساق ضحاياها في حالات مستعجلة جراء النفايات والغازات السامة والمواد الكيماوية التي تلقي بها معامل الفوسفاط.
الخطر الثاني هو خطر الاستعمار في شقيه التقليدي والجديد.. بالنسبة للاستعمار الجديد أو الاستعمار الناعم الذي جاء مع ترسيم سياسات التقويم الهيكلي وعززته السياسات الليبرالية الجديدة خاصة مع العولمة الرأسمالية، فالديون على سبيل المثال أداة سياسية تمتص جهود الأسر الأنية والمستقبلية، تؤثر على المعيش اليومي. أما الدين الخارجي فيعتبر شكلا من أشكال الحرب، أداة للاستعباد والسلب والتفقير ونهب الثروات ومصادرة الأراضي في نوع من إعادة الاستعمار ببلدان الجنوب.. والنساء العاملات هن الأكثر معاناة من المديونية بسبب الوظائف البخسة والأجور المنخفضة.
هذا وقد ترتب عن مرحلة ما بعد الاستعمار الرسمي تقسيم دولي للعمل، تقسيم استهدف بالدرجة الأولى ثروات الجنوب المادية والطبيعية ومراقبة إعادة الانتاج، وهو ما أدى الى نقل نوع من الصناعة وإعادة هيكلة الاقتصاد بخلق مناطق التبادل الحر تفاديا لنزاعات الشغل داخل بلدان المركز. كما لهذه المرحلة نتائج أخرى أهمها الهجرة لتوفير اليد العاملة الرخيصة المهيأة للاستغلال في أبشع الظروف ولتكون كبش فداء تهييجا للنعرات القومية والعرقية والدينية وأداة لتقسيم الطبقة العاملة.
إن تطورات الرأسمالية ومخلفات الاستعمار الناهب لخيرات الجنوب مما يزيد من توسع ظاهرة الهجرة/الحروب، التي لن تتمكن الاجراءات الأمنية وشرطة الحدود من الحد من ضحاياها.. تشير لأبحاث في شؤون الهجرة العالمية اليوم إلى أن اتجاهات الهجرة وأنماطها تتسم بالتأنيث وأعداد المهاجرات من النساء أخذة في التزايد خلافا للسابق، مع ارتفاع الطلب على العاملات في البيوت، وتوسع السياحة الجنسية. أما الاستعمار الأخر فلربما خطونا خطوات في هذا الاتجاه من خلال مسلسل الديون والاستعمار الاقتصادي والسيادة الغذائية والاختراقات الخطيرة للكيان الصهيوني لمنافذ الاقتصاد المغربي والمجال الزراعي .
الخطر الثالث هو ما قام به النظام من تجفيف منابع المقاومة منذ نهاية ستينيات القرن الماضي ثم حركة 20 فبراير وحراك الريف وما تخلل هذه المحطات من انتفاضات مجالية. ففي كل معركة من هذه المعارك يجابه الشعب المغربي بألة قمعية لتطال الحركات الاحتجاجية اعتقالات قد تتجاوز أحكامها قرونا من الزمن واستشهادات في صف خيرة الشباب المغربي، وذلك من أجل الاستمرار في الغطرسة وجعل رقبة الشعب في قبضة الاستبداد.
هذا المسلسل الدائم والمتجدد له دور كبير في ما نعيشه اليوم من تخلف وأمية وأوضاع اقتصادية واجتماعية وهو ما لعب دورا سلبيا في منع تشكل الأداة السياسية القادرة على خلق التغيير وتجسيد ما يتوق اليه الشعب المغربي من تقدم وحرية وعيش كريم..
سؤال: في كتاباتك ومداخلاتك عبر منصات مختلفة تقولين بأن الأهم ليس أن يرتفع حجم حضور المرأة في المواقع التقريرية أو التدبيرية للدولة.. ليس الكم هو الأساسي.. فكثير من النساء في الدوائر الرسمية تنزلن أمورا على درجة عالية من القذارة.. تعتبرين أن الأهم هو أن تفهم المرأة اللعبة قبل أن تقبل أو لاتقبل ولوج المواقع الكبرى.. تعتبرين أن الأهم هو أن تكون المرأة حاملة لوعي ثوري حتى لا أقول طبقي للعالم/المغرب.. هل لك أن تدققي شيئا ما في هذا الأمر؟
أستاذة جميلة سعدون: حينما نتحدث عن الصراع الدائر في المجتمع فهو صراع بين من يملك الثروة ومن يملك قوة عمله سواء كان أجيرا أو عاطلا أو كادحا أو مهمشا، وحينما تحدثت عن المواقع التقريرية أو التدبيرية للدولة فهذا شأن من شؤون الطبقات الحاكمة التي هي في نفس الوقت المالكة للثروات.. وإذا ما عدنا نحو المفهوم الماركسي للدولة، سنجد بلا شك الجواب الشافي لهذا الجواب. الدولة ليست كيانا محايدا بل هي أداة للسيطرة الطبقية وتثبيت سيادة الحاكمين.
ان أي واحد، امرأة كان أو رجل، تبوأ هذا الموقع سيدبر سياسات الدولة الطبقية التي تخدم مصالح الطبقة الرأسمالية ضد العمال والعاملات وباقي الفئات الهشة وعليه فحضور النساء بهذه المواقع التقريرية لن يكون له أي دور مادام هذا الحضور محكوم بنسق معين.. اليوم ونحن في سنة 2025 تتبوأ النساء منصب الرئاسة بكل من المكسيك والبيرو والهند ونتساءل عن أوضاع النساء بهذه البلدان .
يبقى الأهم وعي النساء بطبيعة الصراع وفهم قواعد اللعبة على حد تعبيركم والمساهمة من جانبهن في خلق الشقوق ووضع التحرر من ويلات الرأسمالية هدفا أسمى، هذا ما سيمنح النساء المكانة المنشودة..
سؤال: كيف ترين أستاذة جميلة حراك جين زيد كنسوية أولا وكمناضلة ماركسية ثانيا؟
جواب: حركة “جيل زد 212″، حركة شبابية مغربية، ظهرت في سياق تحولات كبيرة محليا وعالميا، وهو ما يبدو من خلال بروز حركات احتجاجية في دول أخرى لشباب هذا الجيل. دعت إلى التظاهر عبر منصات التواصل الاجتماعي. تتركز مطالبها حول الصحة والتعليم ومحاربة الفساد ليعبر كثير من شبابها رفضهم لـ “مغرب بسرعتين”. وهو رفض واضح للتفاوتات الاجتماعية والمجالية.. حراك حمل في طياته غضبا شعبيا كبير ضمن سيرورة انطلقت مع 20 فبراير. حراك ضمن سلسلة مقاومات ما فتئ الشعب المغربي تجسيدها لمناهضة الاستبداد والتبعية وتكبيل الحريات وقهر الغلاء .
حراك انطلق من معاناة البطالة وانسداد الأفق وتدهور الخدمات، ليتحول إلى انفجار اجتماعي يطالب بإسقاط الحكومة. هذا وعلى الرغم من عنفوانه وتضحياته الجسام، لم تكن الاستجابة في مستوى الحدود الدنيا من حدث تخللته استشهادات واعتقالات لا مثيل لها في تاريخ المغرب. هذا وتكشف المطالب المرفوعة واختزالها في الحاجيات الأساسية التي دونها لا يمكن استمرار أي مجتمع طبيعة الأزمة في قلب الدولة والحكام والتنظيمات.. عرت هذه الاحتجاجات عن طبيعة الاستبداد الذي لم يتردد في استعمال الرصاص الحي والقيام باعتقالات/محاكمات واسعة، مع أن المطالب التي تم تقديمها كانت مسنودة بقوانين الدولة وهو ما جاء في وثيقة صادرة عن حركة “جيل زد المغرب”، التي كانت تحت عنوان: “ملف مطلبي لشباب المغرب: من أجل تفعيل العقد الدستوري وتحقيق طموح النموذج التنموي الجديد”.. مطالب تحاول أن تستمد شرعيتها من نسق لم تعد له شرعية وقوانين /مؤسسات تخدم الطبقات الحاكمة دون غيرها..
إن غياب التراكم الضروري لتبلور أداة سياسية قادرة على احتضان النضال الطبقي بكل تموجاته وتنظيماته الذاتية وتحويل الطاقة الجماهيرية إلى مشروع ثوري منظم، قلت ان هذا الغياب هو ما يفسر النتائج الهزيلة أو المنعدمة لهكذا تضحيات، فالفراغ السياسي هو ما يفسر الطابع العفوي للحراك .
إن السيرورة التي يمر بها المغرب وبلدان المنطقة هي سيرورة مفتوحة على احتمالين بالنظر لطبيعة الأزمة، فإما الانتقال الى وضع جديد يجعل التحرر حقيقيا بعد التخلص من الاستبداد، أو الفوضى التي ستأتي على الأخضر واليابس .
سؤال: هل لمست في مداخلات جين زيد في المنصة التي ينشطون فيها (ديسكورد) أو في بياناتهم المكتوبة أطروحة ما أو على الأقل شيئا ما حول القضية النسائية؟
أستاذة جميلة سعدون: على مدى تاريخ الحركات الاحتجاجية ومنذ الحركة العمالية، لم يكن للنساء دور في قرارات الحركة وهو ما دفعهن عبر مختلف بقاع العالم الى تشكيل ما يسمى بحركة تحرر النساء التي انطلقت أساسا من فرنسا.. عودة لهذا السياق فمجموعة من الحركات اليسارية فرضت على النساء الانزواء على هامش النضال السياسي، مع تهميش المطالب الخاصة بالنساء وإرجائها الى ما بعد الثورة الاشتراكية بالاستناد على شعار “قضايا النساء، قضايا طبقية” وهو ما دفع بالنسويات الى رفض الانخداع بخطاب تحرري يركز على التحرر الطبقي ويتجاهل التحرر من الهيمنة الذكورية .
هذه الدوغمائية لم تسمح بفرز قيادة نسائية داخل التنظيمات اليسارية بل نفرت النساء من العمل الحزبي ودفعت بهن الى تشكيل تنظيماتهن الذاتية .
إن تجاهل اختراق أنظمة الهيمنة وعلى رأسها الهيمنة الذكورية للمجتمع كما اختراقها للأدوات التي تفرزها الحركات الاحتجاجية على مدى التاريخ، لن يسفر الا عن النتائج التي نعيشها اليوم. أما احتجاجات جيل زيد فقد عرفت مشاركة واسعة تبوأت فيها النساء الصفوف الأمامية بجرأة عبرت عن وعي بأهمية المطالب وخطورة الأوضاع.. فمنذ البدايات الأولى للحراك وأمام المستشفيات، رابطت النساء مطالبات بالحق في الصحة رافعات صور ضحايا الإهمال الطبي ومن القرى، التحقن سيرا على الأقدام نحو المراكز الصحية.. لم تكن هذه المشاركة معزولة بل كانت لافتة خلال هذه السيرورة التي عرفها المغرب فكانت النساء في كل مرة في مقدمة الاحتجاج ضد غلاء الأسعار والنضال من أجل الحصول على الماء والحفاظ على الواحات وعلى مناصب الشغل والاستفادة من الأراضي السلالية أو مناهضة سياسات القروض الصغرى.
كل هذه السيرورة منحت حركة النساء نفسا جديدا، نفس له بعد اجتماعي يحكمه البعد الطبقي وبهذا نكون أمام تطلع نحو بناء جديد يوازي بين البعد الحقوقي القانوني بترسانة النوع وشعارات التمكين ومناهضة العنف وبين توجه شعبي اجتماعي يمس القاعدة العريضة من النساء المفقرات والمعدمات.
إن المطالب التي طرحتها حركة زيد هي مطالب في شكلها بسيط وفي عمقها مطالب طبقية / نسوية وهو ما جعل النساء متشبثات بالحركة دفاعا عن الكرامة الإنسانية في أفق رفض تام لتسليع الصحة والتعليم ومن أجل استرجاع القطاع العمومي كضامن للحقوق الأساسية..
عودة لسؤالكم، فإذا كان المقصود بالسؤال هو تناول جيل زيد للقضايا الخاصة في شقها القانوني المتعلق بأحوال الأسرة أو الشق الاقتصادي المتعلق بالأجور أو الاجتماعي المتعلق بالعمل المنزلي وكل الأنشطة المجانية التي تقوم بها النساء، فهذا ربما نقاش يتطلب الخوض فيه أداة سياسية ذات بعد طبقي تحرري، لكن ومع ذلك تجب الإشارة الى الملاحظة التالية بالاستناد الى مدى اختراق أنظمة الهيمنة لجميع مناحي الحياة بما فيها الحركات الاحتجاجية. فإذا كانت مشاركة النساء مشرفة منذ اللحظات الأولى من انطلاق الحراك وبما أن هذا الأخير دأب على استضافة وجوه معروف معظمها بتوجهاته الليبرالية، فإنه لم يستقبل النساء الا بعد استنكار هذه السلوكيات ليخصص حلقتين كل حلقة عرفت حضور ضيفتين تيمنا بنصيب المرأة في الإرث “حظ الذكر مثل حظ الانثيين” وهو ما يعيد منطق البطريركية بين ظهراني الحركة..
سؤال: في قلب الحراك رأينا كيف انفتح الاعلام الرسمي على وجوه نسائية شابة.. كيف تقرئين ما تم طرحه من طرف تلك الشابات؟ البعض رأى في ما جرى لعبة مخزنية لتقديم وجوه “ثورية” لايت، لطيفة، تصرخ لكن ضمن خطوط اللعبة القديمة/الجديدة.. هل هذا هو رأيك أيضا أم أنك ترين في الحاضرات في تلك الحلقات الحوارية وجوها يمكنها أن تشكل نواة حركة تزعزع الخطوط الكبرى؟
أستاذة جميلة سعدون: تتبعت إحدى حلقات الاعلام الرسمي. عرفت الحلقة مشاركة 3 شابات إحداهن نائبة برلمانية عن حزب الاصالة والمعاصرة وهو حزب يشكل الأغلبية البرلمانية التي مررت خلال الأربع سنوات الماضية مشاريع سياسية كاستمرار للسياسات السابقة التي أوصلت الشعب المغربي لهذه الأوضاع الكارثية خاصة في مجالي الصحة والتعليم.. وحتى نعطي لهذه الحكومات حقها فهي لم تقم الا بتنفيذ ما يملى عليها من قرارات أغلبها من المؤسسات الدولية. أما المتبقيات فهن طالبات بالمدارس العليا غالبا ما ينتمين للفئات الوسطى.
تميز النقاش بخطاب أطرته المطالب الأساسية لحركة زيد مع محاولات استقطابية فجة للأطراف الحزبية الحاضرة.
بخصوص سؤالكم حول الحضور النسوي وانفتاح الاعلام الرسمي على الوجوه النسوية الشابة فانه يبقى حضورا فرضته دينامية الحراك.. لقد خضع انتقاء العناصر لشرط القابلية للتكيف في محاولة للبحث عن مصداقية مفقودة وتأثيث مشهد لم يعد قابلا للتأثيث.
سؤال: ما هي رسالتك حتى لا أقول وصيتك لحراك جيل زيد عموما وللعنصر النسوي في الحراك على وجه الخصوص؟
أستاذة جميلة سعدون: من وجهة نظري، جيل زيد بحراكه العظيم هو من قدم الرسائل وزلزل الأرض تحت أقدام الحكام ولو لهنيهة ومع ذلك رسالتي البسيطة هي التكوين والتنظيم والسعي الى التغيير، أما بالنسبة للشابات اللواتي أضفن نفسا جديدا وجمعن بين التعبئة الرقمية وضغط الشارع، لهن أقول أن الحقوق تنتزع ولا تعطى ولو من داخل الحركات المناضلة، الحقوق تنتزع مع التشبث بعضوية كاملة غير منتقصة، دفاعا عن المطالب الخاصة.
سؤال: كأم لها أطفال، ألا تعتقدين أن الدولة وهي تشدد من قبضتها السيطرية – أحيل الى قانون الانتخابات الذي يتحدث عن سجن أي يشكك في نزاهة الانتخابات – تأزم من مستقبل الأجيال القادمة، تدفع الى مزيد الاحتباس السياسي/الوجودي العام، حاضنة كل الانفجارات الاجتماعية؟
أستاذة جميلة سعدون: الترسانة القانونية أداة من أدوات الصراع. إن استدامة الوضع وتأمين الاستقرار يجعل الطبقات الحاكمة تنهج هذا الطريق وتسن المزيد من القوانين لتكبيل أية حركة من شأنها إحداث تململ ما. لكن قانون الصراع يدفع بقوته الى الاحتقان المؤدي الى الانفجارات الاجتماعية. هذا القانون هو الذي يبدع الأشكال الجديدة في المقاومة، هو الذي أحدث الحركة العمالية ومن رحمها جاءت الحركة الاجتماعية التي تفرعت عنها مختلف الحركات النسوية والايكولوجية والمناهضة للعنصرية وللاستعمار. هذا هو قانون الصراع، والتراكم هو ما يحدث نقلات نوعية.
سؤال: في الأخير، كيف ترين مغرب السنوات القادمة؟ هل سيبقى على حالته “الأبدية” أم أن شيئا ما، – هزة وعي على مستوى الأعلى/تدخل امبريالي كاسح لتجديد لعبة السيطرة/ثورة كبرى يقودها المطحونون – ، سيرمي بنا، جميعا، دولة/أمة، الى شيء من الصعب معرفة ملامحه هنا والأن؟
أستاذة جميلة سعدون: كما سبق الذكر هنالك أخطار تهدد المغرب من بينها التدخل الامبريالي الكاسح بسبب الديون وبسبب الاتفاقيات التي تفرضها الامبريالية بالإضافة الى الاختراق الصهيوني في المجال الاقتصادي والعسكري والاستخباراتي.. يكمن الخطر الثاني في غياب أدوات المقاومة وهيكلتها. وهو ما يفرض التفكير بجدية في الموضوع ليس بطريقة تقليدية بل بطريقة تسمح بالخروج من النضالات الفئوية الى أفق شامل يسعى بناء جبهة مشتركة تتقاطع فيها نضالات العمال بالشباب العاطل النساء/ ربات البيوت / العاملات بالشابات / الطالبات بالنضالات الفئوية التي تدفع اليها الألة الرأسمالية .
أمامنا، اذن، خياران: إما التحرر أو الفوضى.. وعليه من واجبنا إعلاء صوت التنظيم كمشروع مجتمعي واضح المعالم، مشروع له بعد طبقي يأخذ بعين الاعتبار خصوصية جميع فئات المجتمع ومن بينها النساء ويكون فيها الاهتمام والمشاركة على قدم المساواة..
