نحو مدرسة عمومية توقد الوعي..
فور تنمية: بقلم: الأستاذة أمــال لحسيني
تعيش المدرسة المغربية، منذ سنوات، حالة حراك تربوي غير مسبوق، تتشابك فيه الإرادة السياسية بالإرادة المجتمعية، ويتداخل فيه التطلع إلى مدرسة عمومية قوية مع التردد في مسارات الإصلاح المتعاقبة. وفي هذا السياق، ظهرت “المدرسة الرائدة” بوصفها أحد الواجهات الجديدة للإصلاح، وهي مبادرة تستند إلى خارطة الطريق 2022–2026 التي تعهدت برفع مستويات التعلمات الأساسية وتعزيز دور المدرس وتجويد الفضاء المدرسي. على الورق، تبدو الصورة مُطمئنة: مشروع محكم، لغة رسمية دقيقة، مرجعيات بيداغوجية واضحة، ومؤشرات كمية تتعهد الوزارة بتحسينها خلال السنوات المقبلة.
حين ننتقل من النصوص إلى الفصول، ومن التقارير إلى الأقسام، نكتشف بوضوح أن المسافة بين الخطاب والممارسة ليست مجرد “اختلاف بسيط”، بل هي فجوة بنيوية تهدد جوهر الإصلاح نفسه. فالشهادات الميدانية لعدد كبير من المدرسين، من مختلف الجهات، تكشف واقعا مغايرا تماما لما تصفه الوثائق الوزارية. إذ يؤكد هؤلاء أن التركيز المفرط على المواد الأداتية — اللغة العربية، اللغة الفرنسية، والرياضيات — مثلا، بالمدارس الابتدائية جعل هذه المواد تستحوذ فعليا على الزمن المدرسي، بينما تراجعت، بشكل غير معلن، مواد التربية الإسلامية والاجتماعيات والنشاط العلمي، رغم أن الوزارة تصرّ نظريا على أنها تحافظ على غلافها الزمني.
هذا التناقض بين التنظير والتنزيل لا يمكن اعتباره مجرد خلل في البرمجة، بل هو تجل لاختلال أعمق: اختزال جودة التعليم في “تحسين نتائج القراءة والحساب” فقط. فعندما تُضبط المدرسة وفق منطق مؤشرات تقنية ضيقة، يغيب الفهم العميق لطبيعة المتعلم، ولحاجته إلى التكوين العلمي والقيمي والوجداني. إذ لا يمكن اعتبار طفلا يجيد حساب الكسور أو تحليل جملة عربية متعلما جيدا إذا كان يجهل تاريخ بلده، أو لا يميز بين الظواهر الطبيعية والاجتماعية، أو يفتقر إلى القيم التي تجعل منه مواطنا مسؤولا.
تصبح الإشكالية أكثر وضوحا حين نعود إلى تقارير رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والتي تؤكد أن التعلمات الأساسية تشكل فعلا نقطة ضعف في المدرسة المغربية، لكنها لا تقدم، في أي من تقاريرها، توصية باختزال الإصلاح في حصص اللغات والرياضيات. بل تؤكد بوضوح أن الرؤية الشمولية للتعلم، التي تجمع بين المعارف والكفايات والقيم، هي الأساس في بناء نظام تعليمي متين. بل إن التقرير السنوي للمجلس لسنة 2023 يشدد على ضرورة احترام التوازن بين المواد، لأن اختلال هذا التوازن يؤدي إلى بناء تعلمات جزئية وقاصرة.
إن ما يحدث اليوم داخل “المدرسة العمومية” يشبه إعادة إخراج فكرة قديمة بصياغة جديدة: التركيز على ما يمكن قياسه فقط. فالمؤشرات التي يعتمد عليها المشروع تركز على الفهم القرائي والمهارات الحسابية، لأن قياسها سهل وممكن وسريع – حسب اعتقادهم- بينما يتم تجاهل مؤشرات أكثر عمقا، مثل قدرة المتعلم على التفكير العلمي، أو فهم التاريخ الوطني، أو استحضار المرجعية القيمية التي تمنحه رؤية متوازنة للعالم. وهذا التوجه ليس مغربيا خالصا، بل هو انزلاق وقعت فيه دول أخرى، مثل الولايات المتحدة في مرحلة إصلاح “No Child Left Behind”، الذي جعل التركيز المبالغ فيه على المواد الأساسية يؤدي إلى تراجع خطير في باقي المجالات المعرفية.
إن التلميذ المغربي اليوم ليس مجرد متلق للمعرفة، بل هو كائن ينمو ويتشكل ويبحث عن معنى لما يتعلمه. وإذا حولنا المدرسة إلى فضاء لتلقين المهارات الأداتية فقط، فإننا ننتج جيلا يقرأ دون أن يفهم العالم، ويحل المعادلات دون أن يطرح الأسئلة الكبرى التي تصنع التفكير النقدي. وهذا خطر تربوي لا يقل أهمية عن ضعف التعلمات الأساسية.
لعل إحدى المفارقات الكبرى في المشروع أن الوزارة تؤكد، في وثائقها الرسمية، أنها لا تمس الغلاف الزمني للمواد الأخرى، لكنها في الواقع تخلق شروطا تجعل هذا الغلاف غير قابل للتطبيق. وهذا ما يجعل الممارسة الميدانية أقوى من النصوص، ويجعل “السطو الزمني” ظاهرة واقعية لا افتراضية. فحين يحتاج الأستاذ إلى إنهاء تعلم معين او تحقيق هدف ما في العربية أو الرياضيات ولا يجد الوقت الكافي، فإن الحصة الضحية تكون دائما مادة أخرى تعتبرها المدرسة “غير أساسية”.وهنا لابد من فسح المجال لسؤال يفرض نفسه : غير أساسية لمن؟ للتلميذ أم لصانع القرار؟
إن التربية الإسلامية ليست مادة ثانوية في مجتمع له جذور دينية عميقة. والاجتماعيات ليست ترفا معرفيا، بل هي مادة تشكل وعي المتعلم بتاريخ بلاده وبالعالم من حوله. والنشاط العلمي ليس مجرد تجربة مخبرية، بل مدخل التلميذ إلى التفكير العلمي الذي تحتاجه البلاد للمستقبل. وإذا فقدت المدرسة القدرة على تدريس هذه المواد بعمق وانتظام واستمرارية، فإنها تفرغ المشروع الإصلاحي من أساسه.
رغم هذه الاختلالات، فإن المدرسة الرائدة ليست مشروعا فاشلا، بل مشروعا بحاجة إلى تصحيح المسار. فالإيجابيات موجودة كإدخال أدوات بيداغوجية جديدة، توفير تكوينات، وإعادة تنظيم بعض العمليات الإدارية. لكن هذه الإيجابيات يمكن أن تتحول إلى نقاط ضعف إذا استمرت دون مراجعة، ودون إنصات للمدرسين، ودون إدراك لطبيعة المتعلم في المدرسة الابتدائية.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الإصلاح التعليمي الناجح لا يقوم على “زيادة ساعات مادة” أو “تقليص أخرى”، بل يقوم على بناء نموذج بيداغوجي متكامل يحقق التوازن بين المعارف والكفايات والقيم، وهذا ما أكدته أيضا اليونسكو في تقاريرها حول جودة التعليم، التي تدعو إلى إدماج القيم الإنسانية والتاريخ والعلوم في المنهاج، وعدم التضحية بها لصالح المواد الأداتية.
إن مستقبل المدرسة المغربية لن يُبنى بالشعارات، ولا بالوثائق الصادرة عن المكاتب المركزية، بل سيتحقق فقط فحين يصبح المدرس شريكا فعليا، لا منفذا فقط. وحين تصبح شهادة القسم أكثر تأثيرا من لغة النصوص. لأن الإصلاح الذي لا ينطلق من الفصول ولا يستند إلى التجربة الميدانية، سيظل إصلاحا شكليا مهما كانت نواياه.
لهذا، فإن الطريق نحو مدرسة رائدة فعلا يبدأ بتصحيح الاختلالات، وبإعادة الاعتبار للمواد التكوينية الكبرى، وبضبط الزمن المدرسي على أساس إمكانات المتعلم، لا على أساس مؤشرات تقنية. ويبدأ قبل ذلك كله، بإعادة النظر في الطريقة التي نفكر بها في “جودة التعليم”، والانتقال من التفكير في التعلمات الأداتية إلى التفكير في بناء إنسان كامل، متوازن، واع، قادر على النقد والإبداع والتفاعل مع قيم مجتمعه.
حين يتحقق هذا التحول، يمكن للمدرسة الرائدة أن تكون فعلا رائدة، لا على مستوى الخطاب فقط، بل على مستوى الممارسة، وعلى مستوى أثرها على المتعلمين، وعلى مستوى قدرتها على بناء أجيال متوازنة فكريا وأخلاقيا ومعرفيا.
