الرئيسية » أخبار الساعة » “أيخْمَان”…إنّها الأوَامر! (3)

“أيخْمَان”…إنّها الأوَامر! (3)

لفور تنمية: د عبد الواحد أيت الزين

                   

                    نَصٌّ وقَصٌّ: جُزءٌ ثالِثٌ…

 

   ومنَ المجَاز ما قَتَل… !

   “(…) جَنينٌ مِن رُوحِكَ مَاءُ حَياتِه. تَتطلّع إلَيْه مُسْتعجباً وتُنزِل بهِ حُكمَك. من رحِمٍ حَضَنَتْهُ تقتلعُه: قاتِلُ أجِنّةٍ أنْت أم لهَا خالقٌ! مَن تكُون حتّى تمنَع “كلاماً” من أن يَيْنَع ويحيَا…

   لقَد كتَبَ مَرّةً مُمتدحاً “المَحّاءَة” من المفكّرين والكتّاب، لكنّك بغضَبٍ رَمَيْتَهُ فَنَهَرْتَهُ: المَحّاؤون جَلاّدُون، يَتولّوْن الكلاَم بالشّنْق والإعْدَام. يَفْتحُ وَليدٌ عينَه على الحيَاة، مُسْتلقياً على صفحَةٍ مِن بيَاضٍ، فمَن يأذَن لكَ بقَطْع رأسَه  ! قَالَ كَجَلاّد مُدافعاً عَن حقَ البشَر في قَتْل الكلاَم: وماذَا لَو بهِ تشوّه؟ وماذَا لو كانَ اغتصاباً لجمَال؟ وماذاَ لوْ كان سِفاحاً؟ وماذَا لَو لَمْ يَأْتِ جَميلاً رَقيقاً كمَا حلمْتَ به؟ وأضَفْتَ بعْد ترَوٍّ: بَل قُل، وماذَا لَو مَسّ أمْن النّظَام؟ بهَدر حقّ حيَاةِ رَضيعٍ أنْتَ مُتّهَمٌ: قَالَ. وماذَا عَن “أيخمَان” أوَ لسْتُ خَالقُه مِن جَديدٍ: أجَبْت. أَرْدَيْتَ “تفاهَة تسلّط” بِبَعْث “آيخمَان” وحَسبتهَا كفّارَة ذنِبٍ تفديكَ.

   “الكلمَة” بشَارَة إلَهٍ لا يظهَر إلاّ كاحْتجَاب: قلْتَ. ولَيَرُوقُكَ الخطَاب من وَرَاء حِجَاب: قَال. موْتٌ رحيمٌ بالكلاَم هو “المحْو”! وإنّي لمُسْتَبْدِلَنّهُ بالمَجَاز فديَةً: عنْد ربّكَ خلْتَهُ قُربَاناً يَكفيكَ ؟!. لقَد بَدَت صفقَة عادلَةً: أيخمَان ثمناً نحويّاً عادلاً لـ “تفاهَة تسلّط”.

   إنّها الأوامِر والمسَاطِر…! أطيعُوا. لا تَسْألُوا ولا تُفكّروا. الطّاعَةُ مثقَالُ نَجَاتكُم، والسّمعُ ميزَانُ آخرتِكُم…تَرْفَعُ سَبّابَتَك إلى السّماء حَامداً رَبّك علَى نِعْمَة العَيْش في “مَدينَة الشّمس (تومَاس كامبانيلاَ 1602)”. ليْسَ حَالُكَ من حالِ المُخشوشَنين المُقيمين في “المُدُن الجاهلَة” التي حدّثنَا سيّدُنا الفارابِي عن سُوء حالِهمِ وعاقِبَة مآلهِم. ما أَجَلّهَا الإقَامَة في مُدُن المجَاز! حيْثُ تَتَحَوّلُ كلّ أمنياتنَا الجَهيضَة واقعاً مرفُوع الرّأس، لا يُذلّه سَوى سَوْطُ نَحْوٍ لا يخْشَى الرّقابَة. إيديُولوجيَا !؟ ما أجلّها الإقامَة في “مدينَة الشّمس”!  حيْث فيها تَنْتصِبُ مآذِن العدْل، والحريّة، والكرامَة، وتُحفْظ سرائِر الوطَن والمواطنين، وانظُر فعَال الأغَا المُحترَم، تدُركَ أيّها هي “مدينَة الشّمس” تكُون بدفئهَا وحُبور آلِهَا ! قَالَ، وأنْت عَن كلامِه راغِب، وفِي وَجْنتَيْ “حسْنَاء الأغَا” هوَ غَارقٌ.

      أربعَة أيّام تكفِيني لأدَاء مناسكِي كاملَةً: طوَافُ قُدوم وإفاضَة وودَاع، وسَعيٌ بيْن جبالٍ وشطآن، ورميُ ورُود، وإنّني لنباتيّة لا أنحِر الهديَ. حسنَاء باسمَة المحيّا تقُول، وغمزَةُ مؤمنَة عفيفَة تُراقِص حبّات سبحَتهَا. لا شكّ أن الحيَاء من شعَب الإيمَان. يَسْري في نفْس “الأغَا” شُعُور بالزهوّ و”الفرمَان” سَابِحٌ في الهوَاء، مُقَبّلاً “تأشيرَة عُبُور” بِكْر صافيّة كأنّها لؤلُؤ مكنُون. هوَ شهْر كامِل وأيّام أُخَر، ولَيسَ مِن واجبَات شَنَبِي شمّ ما يريدُ أنفِي حَشْر نفسَه فيه. إنّنا لا نتلصّص على سرَائِر النّفُوس، ولهَا يوْم تبلَى فيه. “كلّ هجرتُه إلى ما هاجَر إليْه”. إنّه لقَولٌ فصْلٌ لـ “أغانَا” قدّس اللّه سرّه…

   هَل يكُون “أيخمَان” عاشقاً لامرأَة؟ ألاَ يوقِظُ الحُبّ التفكيرَ؟ تفكّرُ فتسمَعُ صوتَهَا فيكَ مجلجلاً: يُنهِك الحبّ “الشرّ” ويُضعفُه، لكنَ التفكير لا يكُون في الحبّ مُعافَى أيضاً. لفَحَتْكَ شظايَا العبَارَة، فَأشحْت بوجهِكَ عَنهَا، مسْتسلماً لندَاءٍ مسحُور بـ “كذبتنَا الصّادقَة”: ماذَا نحْن بالتّفكير فاعلُون لَو محَا الحُبّ الشرَّ! لكنّه “يَأتِي ويَذهبَ كالبَرق والصّاعقَة”، ذهابُه غِذَاء شوقِه. وحين نعلَمُ أنّنا لسْنَا ملائكَة وأنّ الشرّ ليْس من اختصَاص الآخرين سنكُون شعباً، وسنكُون شعباً حينَ يكُون المجَاز حَقِيقتنَا، فتكفّ أن تقتُل كلاماً ليحيَا كلاَم. ليسَ هو شِعراً في السياسَة إنّه مجرّد حبّ، والشّاعر لا يكْذب إلاّ في الحبّ، تقُولُ سيّدَة المقَام وتنَامُ…!

                                                    (ليْسَ لهُ إلاّ دُعَاء خَتم وسلاَم يَليه…)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *