الرئيسية » أخبار الساعة » في حوَار معَ الأستَاذ والبَاحِث يُوسف هريمة : “خِطَابُ الحَقيقَة، يَنتَهِي دَوْماً بمَأسَاةٍ”:.

في حوَار معَ الأستَاذ والبَاحِث يُوسف هريمة : “خِطَابُ الحَقيقَة، يَنتَهِي دَوْماً بمَأسَاةٍ”:.

فور تنمية

 

نَبدَأَ مَوْجَتَنا الثّالثَة من “حوَارَات فِي زمَن كُورُونَا”، ونُتَابعُ فيهَا أسئلَة أفصَحَت “يوميّات كُورونَا” عَن ملحَاحيّتِهَا.

فِي أوّلِ حوَارَات “المَوجَة الثالثَة”، نَلْتَقِي الأستَاذُ يُوسف هريمَة البَاحِث المغربيّ المَهجُوس بأسئلَة الدّين والحيَاة ومَدارَاتهمَا، لنُلقِي مَزيداً من الإنَارَة عَلَى هَذه اللّحظَة المفصليّة من تَاريخ الإنسَان والعَالَم. يَقف يوسف هريمَة عنْدَ “خطَاب الأزمَة”، ساعياً إلَى بيَان مَا يَكتنفُه من مفَارقَات والتبَاسَات، واضعاً “الحَدث/الأزمَة” فِي سيَاقِهِمَا، الذِي يسعِف علَى فهمهما من دُون أيّ “قفزَات حالمَة”. وفي هذَا السيّاق، ساءَل يوسف هريمَة بعْض “الكليشيهَات الجاهزَة” ذات الصّلَة بمسَائِل: المثقّف والتغيِير، والدّين والدّولَة، والمدرسَة والتربيَة، مُؤكداَ علَى وُجُوب الانتبَاه إلَى أهميّة الدّيمُوقراطيَة بَوصفهَا تمارينَ حيّة، قَد تكُون متعبَة، لكنّها ضروريّة لأيّ “صحّة سياسية”، و”عافيَة مجتمعيّة” منشودتَيْن. وإن كانَت الدّيموقراطيّة حسَب هريمة “قد لا تصلح ترياقاً لجسدٍ نخره المرض حدّ العجز. إذ الدّيمقراطية مسار من التّعب الفكري حتّى في مجتمعات النّشأة”، لكنّ السّؤال يبقَى أساسيّاً حوْل الفشَل فِي اسْتنبَات مقوّماتِها وقيَمهَا، واختصَارِهَا فِي “استقبَال تقنيّ آّلِي” لهَا.

نصّ الحوَار:

سُعدَاء بلقَائكُم أستَاذ يُوسف هريمة، ولكُم جزيل الشّكر علَى قبُول دعوتنَا لإجرَاء هذَا الحوَار، حيْث يُمكِن لـ “الكلاَم عَن بُعْد” أن يَكُون ضربًا من ضُروب إزَاحَة “البُعد” عَن مَركَزِه، ومن ثمّة أهميّة أن يَكُون ذلكَ “سِيَاسَة قُرب”، تسمَحُ بـ”قُرْب” و”تَقَارُب” علَى صَعيد الفكْر والمعرفَة. دَعنَا نَبدَأ من هَذه الفَاتحَة نفْسِهَا للاقترَاب مِن بَعض الأسئلَة والإشكَالاَت التِي تُوجَد فِي صلْب اهتِمَامَاتكُم. يَبدُو أنّ “الاقْترَاب” من أيّ مَوضُوع يَقترنُ أيضاً بسيَاسَة “بُعْد” أو “مسَافَة” تُسعفُ علَى تَناوُلِه، لاسِيّمَا أنّ إلغَاء هَذه المسَافَة قَد يَمسّ بنَاء المَعرفَة؛ إذْ قَد يَبسُط “الانْفعَال” بالمَوْضُوع المَبحُوثِ هيْمنتَه علَى “الذّات الباحثَة” فتقَعُ أسيرَةً لسَطوَتِه. من هنَا، نَتمثّل أهميّة “المسافَة” (البُعْد) بوَصفِه مقتضَى رئيساً من مُقتضيَات القُرب والاقترَاب، وكأنّهُ لا قُربَ علَى الحقيقَة إلاّ بعْد بُعد، ولا اقترَاب إلاّ بابتعَاد!  كأنّ الهَجْر شَرطَ عُبور وحُضُور وضيَافَة. فإلَى أيّ حَدّ يُمكِن أستَاذ يُوسف أن تَكون “خلاصَاتُنا” حوْل ما نشَهده اليَوم من تحوّلات، شكّلت كورونا ذروَتَها، أفكاراً يُمكِن أن تسهِم في بنَاء المعرفَة والفكْر؟ هَل قَولنَا فيمَا نحيَاه، ومَا تَمتدّ مفَاعيلُه فينَا “شهَادَة” أمينَة علَى العَصْر، أم أنّ أيّ قراءَة تعجَز عن امتلاَك “مسافَة” ستظَلُ رهينَة انفعالاتهَا بآثَار الحَدَث، وليْسَ بمَا يَعرضُه عليْنَا من علامَات؟.

بداية أشكر لكم دعوتكم لهذا اللقاء القريب من القلب مهما بعدت بيننا المسافات.

وكي أتفاعل مع بعض مما جاء في أسئلتكم العميقة، وما تحمله من هواجس، ومفارقات، وإشكالات مفتوحة يلزم أن نكون حذرين في التعامل مع بعض المصطلحات والمفاهيم، وكذلك حذرين أمام كل وثوقية قد تؤدي بنا في الأخير إلى السقوط في مستنقع اليقين، ومن ثمة نصبح ضحايا نزعة التطرف، وكل أشكال العنف. لهذا فقبل أن نتحدث عن القرب أو البعد، أو كل ما أتاحته أمامنا أزمة كورونا من فرص، فلا بد من الإقرار بأن ما تكشفه الأزمات دوما هو أنها تعري حقيقتنا، أو على الأقل تكشف عن ذلك الجزء الواضح من كينونتنا، دون الدخول في جزئيات تبعدنا عن صلب الموضوع.

الأزمة ليست أزمة في واقع الحال إلا في ذهن مأزوم، وموتور، وخواف، يعشق الحياة، لكنه لا يعرف كيف يعيش. معنى ذلك أنّ الإنسان وبفعل هذا التطوّر الحاصل في بنيته العقلية، عوض أن يتطور، ويرتقي في إنسانيته إلى حيث ما كان يسميه الحلاّق بتجربة المنفتح، أي تلك التجربة التي كان يرى فيها نيتشه أن المتوحّد يلتهم نفسه في العزلة، شرط أنْ يكون الالتهام هنا بدلالة الامتلاء بالذّات.

فبدل أن تساعدنا عقلانيتنا لتجاوز الصعاب، والمحن، أصبحت هي نفسها عائقا وإشكالا يصعب تجاوزه وصرنا نحن جزءا من ضحاياها. لكن المثير في كلّ هذا هو أنّ هذه العقلنة، أو هذا الاستخدام المفرط للذّكاء الإنساني في حدوده القصوى، ليس فقط ميزة، بل قد يكون هو نقطة الضّعف المميتة في هذا السّياق الإنساني المعاصر، الموتور بالأحداث والوقائع. لأنّ الإنسان لا بدّ أنْ يدفع ضريبة ذكائه، لماذا؟. لأنّه يصنع ما لا قِبَل له بالسّيطرة عليه، أو يقْدِم على أعمال لا يستطيع أنْ يتنبَّأ بمفاعيلها وامتداداتها، فمشاريع الإنسان تستهلك أفكاره، وأعماله تستنزف موارده. وتبدو هنا عبارة إيريك فروم صادمة حينما يقول:” الإنسان يمتلك كثيرا، ويستعمل كثيرا، لكنّه لا يساوي إلاّ القليل “. هذا هو مفهوم الاغتراب أو الوثنية بالتّعبيرات الدّينية القديمة. كما ينصّ صاحب المقولة. يصنع الإنسان أشياءه، وبدل أنْ يتحكّم فيها تتحكّم فيه.

لهذا وعوْداً إلى سؤالكم من جديد. فلا يجب أن ننشغل فقط بسؤال البعد والاقتراب كثنائيات ميتافزيقية، فهذا سيديم بقاءنا في الوهم إلى أجل غير مسمى. فاللغة في طبيعتها ليس مرآة للواقع، فالنص مستقل عن قائله، أو مؤلفه. والنص الذي يحيلنا على الواقع سينتهي بانتهاء الواقع الذي يتحدث عنه، فنحن لا نرجع إلى مقدمة ابن خلدون كي نتعرف إلى الواقع الذي عاصره المؤلف، بل لنفهم الواقع الراهن ونستشرف مستقبله. كذلك يجب أن نتعامل مع الأزمات، فهي ليست دوما مرآة للواقع، بل يجب أن نفهم الواقع ونستشرف المستقبل، لا بالأفق الذي يريد البعض أن يوهمنا به، أي أفق ما بعد كورونا. أي أننا أمام وقائع تنكشف لتغير هذا العالم وفق مسبقاتنا، أو أمانينا، أو خلاصاتنا كما سميتموها. فلا بد أن نكون حذرين من أن الأفق الذي نتحدث منه اليوم في الغالب هو أفق الحالم، إن لم نقل أفق الواهم. لأن هواة البدائل، والخيارات المثالية، والإيديولوجيات الخلاصية قد يستفيقون يوما على واقع لم يكن في الحسبان، لأن حلم البديل هو علامة على الجبن النّظري كما يقول سلافوي جيجيك؛ وإنه يخدم كصنم يمنعنا من التفكير في مأزقنا”. ويتابع ” الشجاعة الحقيقية هي الاعتراف بأنّ الضوء في نهاية النفق هو على الأرجح المصابيح الأمامية لقطار يقترب منا من الاتجاه المعاكس “.

كان سيوران يقول بأن هناك أفكار كثيرة لا يمكن أن تقوم بشيء إلا النباح، لهذا وجب دوما الاحتفاظ بمسافة بينك وبين الأشياء، وبيننا وبين محيطنا، وهذه هي وظيفة الصمت. فقد تصمت حيناً أو أحياناً ليس لأنّ الصمت حكمةٌ كما زعموا، ولا هو محكمة نقف فيها متهمين أمام أنفسنا. ولكنْ لأنّه عبورٌ نحو ذاك العالم الذي بشَّر به كريشنامورتي حينما أكّد أنّ التأمّل هو صمْتُ التّفكير وليس صمت اللّسان. إنّه التحرّر من كل ما هو متعارف عليه من أجل الوصول إلى كلّ ما هو واقعي.

لست من هواة الحقيقة، ولست من هواة التحاليل الاستراتيجية، لأنني أدرك أن خطاب الحقيقة دوما ينتهي بمأساة. لهذا وجب النقد من أجل الالتفاف حول الذات من جديد، وليس حول الآخر، والتنبؤ بعوالم الما بعد، والتظاهر بالعمق. فالنقد هو فتح علاقة جديدة تجمعنا بالنص، أو الواقع، أو الأحداث لا من حيث أن هذه الأشياء هي حوامل للحقيقة. ولكن فقط لكونها تولد إمكانيات أخرى، ومعاني مختلفة. ففي المنظور النقدي ليس هناك حقيقة معزولة عن سياقات تشكلها، أو الواقع الذي أفرزها، وساهم في بروزها. وإنما الحقيقة هي ما يخلقه النص نفسه. ومن هنا فالنقد هو الانتقال من نص الحقيقة إلى حقيقة النص، فلا مجال بذلك للحديث عن الصواب والخطأ في النصوص، فالتخطئة والتصويب تصح إذا كنا نتعامل مع النصوص على أنها حاملة لماهية الحقيقة، في حين هي ليست كذلك، كما هو الشأن في النقد الكلاسيكي.

ولمن لا زال يبحث عن خلاص خارج ذاته، عبر اللغة وألاعيبها واستراتيجيات تمويهها، فيكفي تذكيره بأن في كلامنا وخطاباتنا نمارس الكثير من الحجب والمواراة. فما نستبعده أو ننفيه قد يحضر بشكل أو بآخر. فقد نفاجأ بالاستبداد من وراء عشقنا للحرية، أو ندعو إلى المساواة فيما لا نقدر إلا على إنتاج التفاضل والتمايز، أو نعتقد بأننا أمام مرحلة نعانق فيها إنسانيتنا، فيما نحن قد دخلنا بالفعل إلى مستنقع جديد. فنيتشه الذي أعلن موت الله، قد أخرجه من الباب، ليعود من النافذة. حين لبس عباءة الألوهية والنبوة، بإعلانه أنه يكتب للبشرية إنجيلها الجديد، ممارسا بذلك لاهوتا مضاعفا.

إذَن، أيْن يَكمُن الخلَل الأساسيّ بالنسبَة لكَ أستَاذ يُوسف، بالنّسبَة لعلاَقَة الإنسَان بنَفسِه وبالطبيعَة والعَالَم؟ وهَل التّعقيدَات الأكيدَة في نُظُم المعرفَة، والسيَاسَة، والاقتصَاد، والأخلاَق، سَتدخلُنا حقّاً متاهَات، قَد لا نملِكُ معهَا صَبرَ من تقدّمَنا من الحضَارَات والثقَافَات؟ هَل يُمكِن مثلاً أنّ تُشكّل “الإيكُولُوجيَا السيّاسيَة” مُخلّصاً فِي ظلّ تربّع “سستَام معقّد” جدّاً علَى “عَرش العالَم”، لاَ يُتيحُ لأيّ “إرادَة تَغيير” مسَاحَات كثيرَة للحركَة الحرّة؟.

أعتقد بأن الخلل الذي يعاني منه الإنسان على مدار التاريخ الإنساني هو أنه الكائن الوحيد الذي يحيى بأوهامه، بمعنى أنه ضحية من ضحايا الوهم، ولكي يدرك ذلك يلزم أن يتجرد قليلا من يقينياته. لماذا؟ لأن أي علاقة تحكم الإنسان بذاته أو بالطبيعة أو المحيط، أو الآخر تقدم إلينا بعناوين مغرية. وهنا لا بد من أن نعي بأن وراء كل ما يقدم إلينا من مفاهيم، ورؤى ثمة شيء يخدعنا. لأنّهم يقدمون لنا الهدية، ثم لا يريدون منّا أنْ نفتحها. لهذا لا بد من أن نفتح عيوننا ونحن نواجه كل حدث، ونحلل كل فكرة، أو نتطلع لفهم واقعة. لكن للأسف فمشكلة الإنسان الحالم، أو لِنقل المتفائل بشكلٍ يثير الدَّهشة هي أنَّه يعتقد أنَّ كلّ أوهامه قادرةٌ على لعب دور حاسم (التغيير/الإصلاح/الثورة/العدالة…). فبعض النّاس تستهويهم غواية الإصلاح، والتغيير، فيرغبون بإصلاح كلّ شيء، وبأيّ شيء. ما يهمُّ هنا هو أنْ يُنعتوا بكلمة مفرطة في البشاشة ” مُصلِح “، أو مناضل، أو حقوقي. الأغرب هو أنّ ما يتناسونه أشار إليه فرناندو بيسوا، فالمصلح هو إنسانٌ يبصِر الشُّرور السَّطحية للعالم فيسعى إلي علاجها، لكنَّ المشكلة الكبرى هي أنّه مع كل علاج لهذه الشّرور السطحية يفاقم من خطور الشّرور الأساسية والأصلية. فوعينا بأنفسنا يخضع دوما لعملية تمويه تمارسها الثّقافة علينا، فلن نستطيع أنْ نقرأ تاريخنا، أو ذواتنا أو فكرنا إلا من خلال السّائد في مجتمعاتنا، والواقع المسيطر فيها، وبدل التحرّر، يدفعنا التّمويه بوعي أو بغير وعي إلى دعم القوّة التي تتحكّم في مصائرنا.

وأحب أن أشير كذلك إلى أن الموضوع هنا لا يهم فقط الإنسان العادي، بل يهم أيضا من يغريهم كثيرا لقب ” المثقف “. إذ لا يمكن أن نتحدث اليوم عن مثقف دون إعادة صياغة الأفكار والمفاهيم، صياغة تبتغي نزع القدسية عليها. إذ لا شيء بمعزل عن النّقد والتّفكيك وإعادة البناء، إيمانا بأنّ النقد هو مرحلة التجاوز إلى أفق يبدو فيه الإنسان مسائلا كل يقينياته. ولعلّ ما يثير الانتباه في هذا الصّدد هو اشتغال المثقّف نفسه بحراسة الأفكار، والتعلّق بالفكرة، وتحويلها إلى أقانيم مقدّسة، يصعب تجاوزها، ونماذج لا انفكاك عنها. وهنا يكمن مقتل الفكرة ذاتها، حين تنقلب إلى ضدّها، وذلك لأنّ الأفكار ليست شعارات ينبغي الدفاع عنها، أو مقولات ينبغي تطبيقها، بقدر ما هي أدوات لفهم الحدث، وتشخيص الواقع. فهذا سارتر في قراءته لكتاب الرأسمال لماركس يقول:” بدا لي كلّ شيء في غاية الوضوح، لكنّي في الواقع لم أفهم أيّ شيء، لأنّ الفهم أنْ تغيّر نفسك، وأنْ تتجاوز ذاتك “. وهذا يحيلنا بالضرورة إلى أنّ الفكر الحقيقي هو ما كان ملتصقا بالسّلوك. فماركس مثلا الذي كان ينظِّر لمشروع البروليتاريا، والدِّفاع عن حقوقها يحكي بول جونسون:” أنّه كانت لديه خادمة اسمها إليانور تطبخ وتنظّف المنزل وتدبّر أموره المالية، لم يدفع لها ماركس بنساً واحدا “.

ولكي يتّضح الأمر بشكل جليّ، نأخذ مثالا على ذلك بالعقلانية: فهي ليست فكرة تقوم بذاتها ولذاتها، بقدر ما هي صياغة لتجاربنا وعلاقاتنا بالأشياء والأحداث، بلُغة مفهومية لا تكون نهائية، بل تخضع للنّسخ والتّعديل والتّطوير. كذلك الأمر بالنّسبة إلى الاستنارة، فهي مفهوم يتمّ تداوله بشكل واسع، دون الوعي بأنّه فسحة لممارسة حيوية الفكر، على نحو متواصل، للعودة النّقدية للفكر على ذاته، ومساءلة بداهاته وآليات اشتغاله. أمّا الحرية: فهي ليست مجرّد وهم نتعلّق به للتحرّر من سلطة الاستعباد والديكتاتورية، بقدر ما هي اندراجنا في هذا العالم بقواه وسلطاته، بأنظمته ومؤسَّساته عبر تفكيك المعنى، وأصول الحق، ومرجعيات القصد.

وخلاصة القول لم تعُدْ لنا القدرة سوى على النّحيب والعويل، هكذا تعلمنا، وهكذا نشأنا في ثقافة الرفض والتشكي، نطلب الخلاص ولا خلاص، نرنو إلى التغيير فيزيد الواقع تعقيدا. في الوقت الذي تُعلِّمنا فيه الفلسفة أنّ المطلوب منّا هو الفهم وليس التغيير. تلك الموعظة الأخيرة لبوئتيوس التي تجعل من الفلسفة ارتقاء إلى حيث يكون لدينا من حرية العقل ما يقهر القهر، فلا نعود نرى القيد قيدا، ولا السجن سجنا.

 الظّاهِرُ أُسْتَاذ أَنّنا فعلاً نَحيَا حقبَةَ “فَراغ” مُروّع، مثلما يرَى جيل ليبوفتكسي، وهيَ الحقبَة التي تجعَل الفرد فريسَة سهلَة لانقِضَاض “الخلاصيّات” و”القيّاميّات” الدينيّة والسياسيَة والاقتصاديّة. فَكُلّما ضعفَت الرّوح البشريّة وخَارَت قواهَا، انبَرَت هَذه الإيديُولوجيّات لتُمارِسَ أعنَف أشكَال الابْتزاز الروحيّ والدينيّ والسياسيّ، لاسيّمَا أنّ “منَاعَة العَصْر” ضدّ “الفكْر المتصلّب” (و”الفكْر السّائل” أيضاً)، ضعيفَة بالنّظَر إلى الإنهَاك الإعلاميّ والمؤسّسِي لأجهزَتِهَا. ماذَا عسَاهَا تَقولُه الفلسفَة لنَا في هَذا السيّاق؟ وهَل يُمكِن لأدوَاتهَا أن تمدّنَا بإمكَانَات مَا للمقَاومَة؟.

ببساطة الفلسفة، أو أيّ شكل من أشكال التّفكير الإنساني، لا تنتظر منه أنْ يعلِّمك كيف تصير ثريا في خمسة أيام، أو كيف تبدو وسيما، أو تبدين جميلة باستعمال هذا المسحوق أو غيره، أو هذا اللّباس، أو ذاك، أو أن تغير لك العالم قبل أن يرتد إليك طرفك. فإذا كان الإنسان يعتقد ذلك فعليه الانتظار مدة طويلة ليستفيق من وهمه أو لا يستفيق. كما أن هذه الأشكال من التفكير الإنساني لا تضع بين يديك وصفة جاهزة للخروج من متاهات حيرتك، أو عنائك، أو ما تراه مسبّبات فشلك الأبدي. ولكن يمكن أنْ تعلّمك هذه الأنماط كيف تخسر، أو تفشل، أو تعاني دون أنْ تكون كلّ هذه الأشياء، والمنغِّصات مصدراً للقلق المزمن. كما يمكنها أنْ تعلّمك، أو ترشدك، أو توجّهك إلى تفاصيل لا تنتبه إليها، في حين أنّها المتعة المطلقة.

أضف إلى ذلك أن الفلسفة ليست مهمتها الأولى أنْ توصل لك نسقاً من المفاهيم والقضايا التي تعكس على التّقريب نسق العالم أو الكون. لكنْ مهمّتها الأولى هي أنْ تعلّمك كيف تعيش انطلاقاً من فلسفة معيّنة. فالغاية من المبادئ الفلسفية هي تطبيق هذه المبادئ ” إنّ النّجار لا يأتيك لكي يشرح لك فنّ النّجارة، بل ليبني لك بيتاً “. معنى ذلك أنّ من الحمق أنْ يكتفي المريض بقراءة علاجاته دون تناولها. وقد كان لفظ الفيلسوف يطلق على من يعيش حياة فلسفية دون أنْ يكون دارساً أو مدرّساً لها.

المشكلة هي أن الفلسفة نفسها تحولت إلى درس، ومقولات، وأطروحات، وتحول مدرّسها أيضا إلى ملقن لكيفيات التعامل مع المقولة والسؤال، والنص، في حين يعجز عن أن يفهم كيف يتجاوز العقبات التي تضعها أمامنا طبيعة الوقائع. لهذا حينما نعجز نبدأ بالاحتجاج، والتشكّي، والبكاء والعويل…نعزف سمفونية الشّقاء منذ تفتّق لحظة الوعي الأولى. نريد التّغيير في كل شيء وبأي شيء ومن أي شيء، دون أنْ ندرك أنّ الفهم كما تؤكّد لنا الفلسفة هو ترياق العقول المفرطة في داء التّغيير. هكذا تنبّه اليونانيون القدامى ومنهم بوئتيوس حين قال:” ليس عليك أنْ تغيّر ما لا قِبَل لك بتغييره. لكنْ بحسْبك أنْ تفهمه “.

مِن ضِمْن مَا أعَادَتْه كُورونَا إلَى “ساحَات السّجال” علاقَة الدّولَة بالدّين. هيَ العلاقَة التِي كَانَت مَحطّ نقَاش وتَفكِير، بَل صَارَت أرضاً لِمشَاريع فكريّة وسياسيّة انشغَلَت بدراسَتِهَا أيّما انشغَال. فِي المغرِب تَبدُو المسألَة مُلْتبسَة إلَى حدّ مَا، لكنّ “وَاقِعَ كُورُونَا” كَشَف أمرًا يَظْهَر أنّه أساسيّ، وهو إن الدّين شأنُ الدّولَة، مثْل غيْرِه من الشّؤُون (اجتماعيّة، اقتصَاديّة، أمنيّة) وغيْرِها، وبالتّالِي قَطعُ الطّريق علَى “جمَاعَات سيّاسيَة”، تُزاحمُ الدّولَة في الرأسمَال الدّينيّ، وتُؤسّس لـ “عصبَة سيّاسيّة” بمُحرّكَات دينيّة. كيْفَ يَنظُر الأستَاذ يُوسف إلَى الأَمر؟ وإلَى أيّ حدّ يُمكِن اسْتثمَار هَذه المعَاينَات لإعادَة بنَاء العلاقَة بيْن الدّين والدّولَة؟ وهَل القَول بالعلمانيّة، يترتّب عَنه الاعتقَاد بـ “فَصل حادّ” بيْن الدّين والدّولَة؟ أَليْس الدّينُ شأنَا عادياً كغيْرِه من الشّؤُون التِي من المُفترَض أنّ تُخضعهَا الدّولَة إلى القَانُون أساساً؟ وكَيف يُمكِن ربَط الدّين بالدّولَة، دونَ خشيَة استيلائِهَا على رمزيّتِه لتَحقيق أيّ “مغَانم سلطويّة”؟

علاقة الدين والدولة بنظري لا يمكن اختزالها فقط بالجانب المتعلق بأزمة كورونا، ولا غيرها من المحطات التاريخية المختلفة. لشيء بسيط وهو أن الدين وخاصة في المغرب هو جزء من تركيبة نفسية وثقافية ضاربة في القدم وعلى مدى قرون مضت. وفي بنية مركَّبة ومعقَّدة كالمجتمع المغربي، لا يمكن أنْ تفصل الدّيني بالسّياسي لاعتبارات متعددة. فرجال الدين، أو علماءه، أو المشتغلين في الحقل الديني عموما، كانوا ولا زالوا يمثّلون الدّور الرئيسي في تطوّر أو تراجع وانحطاط المجتمع، لاعتبارات مرتبطة بذهنية المغربي وتمثّلاته اتّجاه هذه الطبقة من النّاس. فمن جهة يصرّ المغربي في أبعاد تكويناته الذّهنية أنّ العالِم أو الفقيه هو امتدادٌ أو خليفة للنّهج النبوي، أو كما تسميهم بعض الرّوايات أنّهم ورثة الأنبياء. ومن جهة أخرى فعالم الدّين هو رمزٌ لحضور الدّيني بمفهومه الأنثروبولوجي، في مجتمع له خصوصياته التي تفصله عن الدّول الثيوقراطية بالمعنى الدّقيق. ولا غرو أنّ هذه الأهمية أيضاً التي يكتسبها عالم الدّين في المغرب، تنبع من كونه حارساً للبنية الفوقية للمجتمع بالتّعبير الماركسي، فقد أكّد بولانتزاس مثلاً على أنّ الإيديولوجيا التي تتبناها أيّ دولة يلزمها أجهزة تعتبر جزءاً من مجال عمل الدّولة، وتوصف بأنّها أجهزة إيديولوجية للدّولة، سواء اعتبرت شكليا جزءا منها، أو احتفظت قانونيا بطابع خاص، كالكنيسة (الجهاز المذهبي ) والجهاز المدرسي، وجهاز الإعلام الرسمي، والجهاز الثقافي.

وهذا يجعلنا نقر بأن لم يكن يوما الشأن الديني شأنا علمائيا محضا، بل كل محاولات تدبير الشأن الديني اضطلع بها ولا زال المخزن المغربي كما يؤكد مثلا ادريس هاني، حتى أنّ العروي وهو يدرس الأصول الثّقافية والاجتماعية للحركة الوطنية المغربية، يقرّ أنّ ليس هناك زعيم وطني ليس له قريب داخل المخزن، بل يعتبر أنّ الفكر الإصلاحي كان يوجد لدى بعض أعضاء المخزن من أمثال الحجوي وابن المواز إلى أبناء التازي والمقري، بل كل ما دعوا إليه جرى داخل المخزن وبواسطته. فإذا كان هذا هو الواقع التاريخي فما الذي تغيّر إذن؟. لم يتغيّر شيء سوى أنّ الكثيرين لا يريدون قراءة التّاريخ قراءة موضوعية، خاصّة إذا كان هذا التاريخ يثير حساسيات دينية، أو اجتماعية، أو سياسية. نقول هذا لأنّ كلّ المحاولات الإصلاحية لم تتمّ خارج مؤسّسة المخزن. ورغم أنّ هذا اللّفظ يثير الكثير من الحساسية، إلا أنّ مقاربته بشكلٍ أنثروبولوجي، وكيف تغلغل ونشأ في مخيّلة المغربي، تحيلنا إلى أنّه ظلَّ ولا زال أعمق من الدّولة نفسها، فهو لا يمثلها فقط بحسب هاني. بل هو أعمق منها، حيث يتسلّل إلى الذّاكرة العميقة للإنسان المغربي، ويحفر فيها مقامه الأبدي، لأنّه تعبير عن كلّ هذا الموروث الثّقافي والسّياسي والاجتماعي والدّيني للمجتمع المغربي، وحتى الدولة نفسها:” لا تملك أنْ تعارض هذا التّراث، لأنّ المسألة لا تتعلّق بمنظمة تحكُم، بل تتعلّق بتاريخ ثقيل وممتد ” يضيف هاني.

فإذا كان هذا هو الواقع وأن الدين جزء من التركيبة الثقافية للإنسان المغربي، فهذا يذكر بقولة جيجيك حينما سئل عن واقع الرأسمالية وكيف يمكن تجاوزه؟ فأجاب ب: لا أعرف شيئا’.” كل ما أستطيعه، هو العمل على تحليل الأشياء كما هي “. وقد يعترض أصحاب الحلول الخلاصية، والعقل الذي يستورد البدائل. ولكن ما يهم هنا في حديث سلافوي جيجيك هو أنّه يضعنا أمام سياق يجعلنا نعاني من أزمة السّؤال باعتباره المدخل لمحاولة الفهم، وليس المدخل للقبض على المعنى، وامتلاك الجواب النّهائي. وهو تعبير عن عقلية، أو ذهنية ترى بأنّ الحقيقة جوهر ثابت، سابق على التّجربة، متعالٍ على الممارسة، يمكن القبض عليه عبر التصوّرات، والتّعبير عنه بواسطة الكلمات. ومن ثمة ترجمته في الحياة العملية، والممارسات التطبيقية. لكنّ هذا الاعتقاد كثيرا ما آل إلى إحباطات كبيرة: ” فالذين أملوا بالسّلام لم يحسنوا سوى صناعة الحرب، والذين فكّروا في زوال الدّولة لم يؤسّسوا مملكة للحرية، بل أنتجوا دولة كليانية سحقت الفرد، وابتلعت المجتمع المدني ومؤسّساته “.

والسؤال هو لماذا فشلنا في أن نرسّخ قيم الدّيمقراطية في مجتمعاتنا وبالتالي نصنع خلاصا لنا من كلّ هذا التخلف؟ والعلمانية هي جزء من هذا النظام الديمقراطي. لقد عالج طرابيشي هذا الموضوع منتقدا الإيديولوجية الخلاصية، التي تعتمل في المخيِّلة الجمعية للإنسان العربي. فالدّيمقراطية هي مسارٌ اجتماعي، وتتويج لحركة اجتماعية، وليستْ مفتاحاً سحرياً ينقُل المجتمع من طور التخلّف، إلى طور التقدّم. والأخطر في هذه الذهنية التي ابتلينا بها من مثقفينا وأصوليينا وسياسيينا، أنّها تريد أنْ تقفز على بديهيات العقل، إذ تريد أنْ تفصل النّتيجة عن الشّرط، والشّرط عن النتيجة بالرّغم من التحامهما. بحيث يتمّ النّظر إلى مفهوم الديمقراطية باعتبارها مطلقاً سابقا حتى على التنظير، وحلاًّ سحريا يصلح أنْ يكون دواءً لكلّ الأمراض الثّقافية والفكرية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع العربي، في حين أنّ الدّيمقراطية قد لا تصلح ترياقاً لجسدٍ نخره المرض حدّ العجز. إذ الدّيمقراطية مسار من التّعب الفكري حتّى في مجتمعات النّشأة. ولعل ما يبرّرهذا التصور ما شهِدتْه الدّيمقراطية في أمريكا أثناء ظهور المكارثية، أو الدّيمقراطية الفرنسية في عهد الجمهورية الرّابعة. أو الدّيمقراطية الإيطالية في عهد استئثار الدّيمقراطيين المسيحيين بالسّلطة. فالدّيمقراطية قبل أنْ تكون احتكاماً إلى صندوق الاقتراع. فإنّ الصندوق الأوّل الذي تختمر فيه هو جمجمة الرأس. وإنْ لم يتضامن الصّندوقان مع بعضهما، تحوّل صندوق الاقتراع إلى تعبيرٍ عن ديكتاتورية الأغلبية.

في السيّاق عَينِه، ألاَ يبدُو أنّ المغرِب في حاجَة إلَى هَيكلَة جَديدَة علَى مُستوَى التربيَة والتعلِيم، تتوجّهُ دونَ مُوَاربَة إلَى مُغَادرَة “الذهنيّة القروسطيّة”، ربحاً لـ “مواطن المُستقبَل”؟ لأنّ “كورنَا” أفْصحَت عَن مَسيس الحَاجَة إلَى وعيٍ مغايِر، يُعفينَا مِن بَعض مَظاهِر “الكُوميديَا السّودَاء” التِي عشَنا بَعض تفاصيلِهَا في خرجَات إعلاميّة لخرّيجِي معَاهِد علميّة أحياناً .!

للدّولة دوما حساباتها الخاصّة، فهي تعبير عن موازين قوى، ورهاناتها تختلف جذرياً عن رهانات الفاعل الحزبي، أو المثقف أو المفكر، وقد لا يعني لها الحديث عن الإصلاح شيئاً، إلا باعتباره تجدُّدٌ حتميٌّ يفرضه التحوّل في آليات الوظيفة الاجتماعية للدين أو التعليم. بمعنى أنّ عملية الإصلاح الدّيني هي تجدُّد مطلوبٌ داخل نسق سياسي وتاريخي يفرضه الواقع.

إنّنا لا نعبر عن تخلّفنا فقط بهذا التأخّر في كلِّ المجالات بدءاً بأصغرها، وانتهاءً بأكبرها، بل بهذا الجهل بنقطة البداية، وربّما بغياب المشروع في ظلّ اشتباك واحتراب لا متناهٍ لمشاريع الجهل المقدّس الذي له أسبابه وعوامل انتشاره، وجهات تديمه وترعاه بوصفه حالة ثقافية استثنائية. ولعلَّ أهم عامل من عوامل التخلّف، هو ذلك التّلقين الذي نخر مجتمعاتنا، وصار راعياً لمنظوماتنا التّربوية والتَّعليمية، في صراع دائمٍ مع كلّ المحاولات الجادّة لعقلنة حياتنا، بدءاً بمخاضات واقعنا الاجتماعي، إنَّه التَّلقين بوصفه استراتيجية ثالوث الهدر الإنساني(الأصوليات/العصبيات/الدّيكتاتوريات) هدفها القضاء على العقل، وكلّ المكتسبات الإنسانية. معنى ذلك أنَّ التخلُّف وتقنياته، ليست قدَراً تدفعنا إليه الشّروط الماورائية، أو هو تعبيرٌ عن قوى ظلامية تتربَّص بنا كلَّما عجزنا عن الاستجابة لمطالبنا الاجتماعية والاقتصادية والثّقافية.

لكي نعي حجم الهوّة التي يسقِطنا فيها التَّلقين لا بدّ من التعرُّف على بعض خصائصه، وهو ما أشار إليه باولو فرايري. فما يميّز التّعليم التّلقيني هو لهجته المتعالية، وعدم قدرته على إحداث التّغيير: 4*4=16، عاصمة الدولة الفلانية …كذا وكذا. أمّا الطلاّب فينحصر دورهم في الحفظ والتذكّر وإعادة الجمل التي سمعوها دون أنْ يتعمَّقوا في إدراك معانيها، حيث أنَّ أسلوب التذكُّر الميكانيكي لمحتوى الدّرس، يجعل منهم آنية فارغة يصبّ فيها المعلّم كلماته الجوفاء. لكنّ المشكلة الكبيرة في هذا الشّكل من الاحتقار للعقل الإنساني، هو أنّ هذه القدرة الإنسانية على التّرداد والتكرار تحرِم الإنسان من طاقته الإبداعية، وقد يتحوّل بالفعل إلى طاقة تخزين، أوبنك للمعلومات، في الوقت الذي يحرَم فيه من تفجير طاقاته الإبداعية. وتلك آفتنا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *