الرئيسية » أخبار الساعة » الباحث محمد أو الطاهر: الإعلاء الفردي للجانب الديني والروحي أكثر حضورا في الواقع الافتراضي في زمن كورونا

الباحث محمد أو الطاهر: الإعلاء الفردي للجانب الديني والروحي أكثر حضورا في الواقع الافتراضي في زمن كورونا

فور تنمية

في سلسلة حوارات تقترحها جريدة فور تنمية على زوارها مع مفكرين ومثقفين وأدباء ومن أجل فهم أكثر وأعمق للتغيرات التي عرفتها المجتمعات بعد تفشي جائحة كورونا .
في هذه الحلقة التاسعة من حواراتنا نستضيف الباحث في علم الإجتماع محمد أوالطاهر الذي يرى أن الإعلاء الفردي للجانب الديني والروحي أكثر حضورا في الواقع الافتراضي في زمن كورونا.

 

مرْحباً بالأسْتاذ محمد أوالطاهر، الباحث في علم الاجتماع، أفْتَتحُ هذَا الحوَار الفكريّ معَك بتقْديمِ واجِب الشّكْر لكَ باسْمِي واسْم جريدَة فُور تنميَة. وأوَدّ أن أَبْدأهُ معَك بسُؤَال يتعلّقُ بمَا التقطْتَه من ملاحظَات بخُصوص السّلوك الدّيني للمغاربَة، في أيام كورونا؟

بداية شكر موصول لجريدة فور تنمية على استضافتي في إطار حواراتها الفكرية مع الباحثين المغاربة حول ما يشهده العالم والمغرب على وجه الخصوص من تغيرات على جميع المستويات بسبب جائحة كورونا. أشير في هذا الإطار إلى أن أهم هذه التغيرات على المستوى الاجتماعي هي الحجر الصحي (Le confinement) والتباعد الاجتماعي أو على الأصح التباعد الجسدي                 (La distanciation sociale/physique)، وذلك لأن التواصل الاجتماعي ما يزال قائما في العالم الرقمي والافتراضي إن لم نقل ازدادت حدته في فترة الحجر الصحي باعتباره المتنفس الوحيد للأفراد داخل بيوتهم، وخير مثال على ذلك هو الاقبال المتزايد على وكالات الاتصال للاستفادة من عروض الانترنت سواء الثابت أو النقال خلال فترة الحجر الصحي.

في هذا السياق، لا يمكن الحديث عن السلوك الديني للمغاربة -خاصة بعد إغلاق جميع المساجد ودور العبادة بالمملكة- إلا من خلال تمثلاته وأشكال التعبير عنه في العالم الافتراضي. وقد لاحظنا منذ بداية الحجر الصحي تعبيرات احتجاجية على قرار إغلاق المساجد والتي كانت انطلاقتها من العالم الافتراضي خاصة بعض حسابات وصفحات الفيسبوك، ولعل ما أثار انتباهي هو طبيعة التعليقات المصاحبة لتلك الدعوات الاحتجاجية والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أصناف: صنف التعليقات المؤيدة، صنف التعليقات المعارضة وصنف التعليقات المحايدة ذات نسبة ضئيلة. الملاحظ هو أن القاسم المشترك بين جميع هذه التعليقات هو الإشارة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للدولة (السلطات المحلية خصوصا) ودورها في تدبير الشأن الديني، حيث ركز القسم الأول من التعليقات على حدود تدخل الدولة في الشأن الديني وعدم أحقيتها في إغلاق دور العبادة، بينما ركز القسم الثاني من التعليقات على ضرورة تدخل الدولة لحفظ الأمن والسلم العام وأن قرار إغلاق دور العبادة هو قرار حكيم والدولة أعلم بالمصلحة العليا للمواطنين، في حين كان القسم الثالث من التعليقات متأرجحا بين حق العبادة (الصلاة في المساجد) وحق الدولة المشروع (قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح)، ولعل هذا الحدث المجتمعي قد يسعفنا في فتح نقاش أوسع حول الحريات الدينية في علاقتها بمبدأ المواطنة ودور الدولة الذي يجب أن يقتصر وفقط في تدبير مختلف أشكال التعبيرات الدينية داخل المجتمع.

أود كذلك الإشارة إلى مسألة أخرى بخصوص تجليات التدين في العالم الافتراضي، حيث لعبت جائحة كورونا لدى البعض دور العلامة والرسالة الإلهية لكل من يرغب في التوبة، ولعل المحرك السيكولوجي الرئيسي هو الخوف من الموت (المجهول)، والذي يُترجَم بلغة الدين كاستجابة للاستعداد القبلي للالتزام (الله اهدينا، الله إتوب علينا). ونعطي مثالا لمقطع فيديو تم تداوله على صفحات الفيسبوك منذ بداية الحجر الصحي لأحد الشخصيات المثيرة للجدل لدى المتابعين المغاربة في مواقع التواصل الاجتماعي وهو آدم لحلو الملقب بـ”أدومة”، حيث نشر مقطع فيديو ينصح فيه الجميع بالبقاء في منازلهم مع التأكيد على توبته وخوفه من الموت: “أنا بالصراحة هادشي ديال الضحك غانسالي مني، حيث دابا الموت تدور ما تعرف تجيني كورونا ونموت (…) نتمنى كلشي إتوب ويتصالح مع ربنا”. كانت التعليقات المصاحبة للمقطع على العموم مؤيدة وداعية له بالهداية، من قبيل: “الحمد لله رجعت لطريق ربي”، “ياربي انا فرحت لرجوعك لالله خويا ان الله غفور رحيم”، بالإضافة إلى بعض التعليقات التي لم تُصدّق ما قيل واعتبرت المقطع تسويقيا لا غير: “تا غير بلاتي عليه. نهار تهنا الدعوة وتشوف التوبة. را غير مطلعا على بنادم”، “يااااربي ممكونش كحلم”، بينما كان قسم آخر من التعليقات أكثر تهكمية وسخرية: “بسبابك جاتنا كورونا”، “وراه انت براسك علامة من علامات الساعة وبيك عرفنا القيامة قربات”، “فوائد كورونا”.

على العموم، هذا مثال من بين أمثلة متعددة سِمتها الرئيسية هي الخوف من الموت الذي أصبح مُحفزا لدى البعض في التدين وتغيير حضوره الافتراضي ليصبح أكثر تعبيرا عن رغبته في الالتزام الديني، وقد أخذت هذه التعبيرات الافتراضية أشكالا متعددة نذكر منها: طلب السماح والمغفرة من الأصدقاء، تغيير صورة الحساب بصور لآيات قرآنية أو أماكن دينية، نشر كل ما يتعلق بالدين والدعوة بصورة مكثفة. استنادا إلى مقولة “كل ممنوع مرغوب”، نقدم فرضية بحثية مفادها أنه: كلما كان الواقع الاجتماعي أقل تدينا في مظاهره وطقوسه العلنية، كان الإعلاء الفردي للجانب الديني والروحي أكثر حضورا في الواقع الافتراضي. خلاصة القول، إن التعبيرات الدينية الافتراضية كاشفة عن بنية التدين التي انتقلت من بنية جماعية تقليدية إلى بنية فردية وبرغماتية حيث أصبحت تتشكل في إطار الفردنة  Individuation والمسرحة Théâtralisation والتسويق للذات Marketing de soi.

كيف ترى النقاش الصاخب بين “الدّين” و”العلم”، الذي عاد إلى الواجهَة مباشرة مع ذيُوع “كورونا”؟

لكي نفهم سياق عودة النقاش حول علاقة الدين بالعلم في زمن جائحة كورونا، يجب التذكير بمعطى أنثروبولوجي مهم، وهو أن مسألة عودة الديني من خلال أشكال حضوره المكثف غالبا ما يكون مرتبطا بقصور ما هو مادي ودنيوي. في هذا الإطار، نعطي مثالا يتعلق بمسألة اللجوء لدى البعض إلى ما يسمى بالطب النبوي أو الطب البديل، حيث لا يرتبط الأمر بالجهل في كثير من الأحيان، بل يأتي في سياق تبيان حدود فعالية التقنيات الحديثة في مجال الطب في عملية العلاج.

لنتذكر أن ثقة الإنسان في العلم مرتبطة بفعاليته (العلاج) بينما ثقة الإنسان في الدين مرتبطة برمزيته (الأمل)، ومن تم غالبا ما يتم التضحية بالعلم من أجل الدين في ظروف اللايقين والخوف من المجهول. في هذا السياق، كان العجز الذي أبدته منظمة الصحة العالمية في مواجهة فيروس كورونا المستجد وكذا التحدي الذي وجدت المختبرات الطبية نفسها تجاهه، إضافة إلى الهلع والتوتر الذي لعب الإعلام العالمي دور كبير في بثه في نفوس الناس حيث أصبحت عملية الإعلان اليومي عن نسب المصابين على غرار النشرات الجوية، هذا كله في نظرنا قد يلعب دورا سيكولوجيا في مساءلة ثقة الناس في العلم والطب كمخلص والبحث عن بدائل أخرى، خاصة إذا لم يتم التوصل إلى علاج في الشهور المقبلة، هذا على الرغم من الخطاب العام الذي يعطي أولوية للطب والعلم على حساب الخطابات الأخرى ذات البعد الميتافيزيقي.

قد يسعفنا إذن التذكير بهذه المعطيات في فهم سياق عودة النقاش الصاخب الذي تفضلتم بطرحه كسؤال بين “الدين” و”العلم”، ومن ثمة قد نفهم أن الحديث عن العلم في حدود الدين لدى البعض والحديث عن الدين في حدود العلم لدى البعض الآخر مرتبط أيما ارتباط بسلطة الخطاب وسياقه أكثر من ارتباطه بحقيقة الخطاب وجوهره.

ما رأيُك في رمضَان اليوم، والناس محرومون من الكثير من الطقوس التي كانت ترافقه (تبادل الزيارات، أداء جماعي للصلاة، ممارسة الرياضة…إلخ)؟

في مقال سابق حول “شهر رمضان: فرصة لاكتشاف المسكوت عنه في الثقافة والمجتمع”، حاولنا التحقق من فرضية مفادها أنه ” كلما كانت الدعوة إلى فك الارتباط مع عالم الحس والمادة أعمق دينيا (الإعلاء من قيمة الجانب الروحي- الخُلقي)، كان التعلق بالحياة المادية أشد ثقافيا واجتماعيا (الإعلاء من قيمة الجانب المادي- الاستهلاكي)”، وقد تبين لنا أن شهر رمضان آلية كاشفة عن بنية المجتمع في تعقده وتركيبه وعن استراتيجيات الأفراد في صناعة هوياتهم الدينية، إنه انكشاف لسلطة الثقافة التي لا يزال المقدس قابعا في ثناياها وخاضعا لسلطانها، كما لو كان المقدس (الإلهي-المفارق) مرآة يكشف فيه المدنس (الإنساني-المحايث) عن حقيقته أو لنقل عن الإمكانات التي يَحبُل بها من خلال ترجماته الرمزية والميتولوجية.

في هذا الإطار، أظن أن حلول شهر رمضان في سياق الحجر الصحي والتباعد الجسدي بسبب جائحة كورونا سيسمح لنا باكتشاف استراتيجيات جديدة للأفراد من أجل التعبير عن دوافعهم الروحية والسيكولوجية. المسألة إذن مرتبطة بحجم الاختيارات ومساحتها المتاحة في سياق الفاعلين داخل المجتمع، وتتعدد ترجمات هذه الأخيرة على مستوى السلوك بتعدد المحفزات والدوافع الذاتية. خير مثال نقدمه في هذا الصدد هو مثال صلاة التراويح التي تم تعليق أدائها في المساجد لهذا العام، إلا أن المتتبع لحسابات وصفحات الفيسبوك، سيلاحظ مدى الحضور القوي لصلاة التراويح في المنازل من خلال مشاركة البعض لتجاربه حول تقنيات الصلاة عن بعد وطريقة تنظيم وتجهيز أماكن صلاة التراويح داخل البيوت، كما لا ننسى النقاش الواسع حول جواز صلاة التراويح من عدمها خلف إمام عن بعد بتقنية اللايف Live.

لعل أهم ما يقلقني في مسألة ارتباط شهر رمضان بفترة الحجر الصحي لهذا العام، هي غياب أشكال الترويح عن النفس التي كانت فترة ما بعد الصيام تسمح بها، حيث كنا نجد شريحة عريضة من المجتمع تُقبل على المساجد لأداء صلاة التراويح ولأسباب متعددة: فئة من أجل التقرب إلى الله، فئة لسد الفراغ في تلك الفترة، فئة من أجل التعويض عما سلف وعدم الرضى عنه، فئة لدفع واجب السنة الماضية من العبادة لبداية سنة جديدة بعد رمضان، وفئة من أجل مسايرة النمط الجديد لقضاء فترة ما بعد الإفطار. كما كنا نجد شريحة أخرى تقضي هذه الفترة في المقاهي أو المتنزهات أو غيرها من الأماكن الأخرى التي يجمعها هدف واحد، وهو التزود بجرعات أكبر من اللذة استعدادا لليوم الموالي. إن غياب أشكال الترويح والاستجمام هذا العام قد يتم التعبير عنه سلبيا من خلال سلوكات جديدة سيتم إنتاجها داخل البيوت، وأخص بالذكر تلك الفئة المدمنة على التدخين بكل أنواعه والتي كانت سابقا تجد في الفضاء الخارجي متنفسا لها، وبما أنها ستقضي فترة ما بعد الإفطار في البيت، فهذا قد يتسبب لها في اضطرابات نفسية قد تعبر عنها في أشكال من العنف تجاه الذات أو الآخر (أفراد الأسرة). وقد بدأنا الأيام الثلاثة الأولى من رمضان، خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، بسماع وجود حالات متعددة من العنف والقتل والانتحار للأسف الشديد.

عموما، تتمظهر إرادات الأفراد في شكل سلوكات ومواقف تُبين بوضوح الممارسات الثقافية المتعددة للعبادات الدينية المُوحَّدة، وبالتالي لا يمكن الحكم إيجابا أو سلبا بنتائج الحجر الصحي في إطار شهر رمضان، فالأمر مرتبط بإرادات الأفراد، فقد يكون فرصة للتصالح مع الذات وإعادة ترتيب الأوليات بالنسبة لفئة من الناس، كما قد يكون بالنسبة لفئة أخرى سجنا خانقا قد يؤدي إلى صراع واضطراب نفسي.

كيف تقرأ عدم قدرة الناس اليوم (في العالم كلّه) على تأديَة واجبِهم نحو أهلهم أو أصدقائهم من الذين ماتوا من المرَض، بحيْث عجزوا عن أداء طقوس الوداع وما تخلّفه من شعور بالاطمئنان في نفوسهم؟

أظن أنه على المستوى الديني قد تمت صياغة مجموعة من الفتاوي للإجابة عن تساؤلات المعنيين بخصوص أحكام غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه، وقد كانت الفتوى هي جواز ترك غسل الميت بفيروس كورونا مخافة العدوى. إلا أن الإشكال مطروح على المستوى الثقافي، حيث ما تزال طقوس العزاء جزء لا يتجزأ من البنية الثقافية للمجتمع المغربي، وإن العجز عن أداء هذه الطقوس -ولو كان الأمر من وجهة نظر فقهية جائزا ولا حرج فيه- يتم تأويله ثقافيا وسيكولوجيا على أنه فشل ذريع في تأدية واجب العزاء تجاه الميت، خاصة غياب أشكال المواساة وعبارات العزاء التي يتلقاها الفرد عند حضور مراسيم التأبين أو خلال وليمة العشاء التي تقام إكراما للمُعزين. في هذا السياق، لفت انتباهي عبارة في مقطع فيديو ربما كانت لأحد أفراد أسرة المحامي الذي وافته المنية بسبب كورونا بمدينة مراكش وهو يكرر “هاهي دار العزو خاوية، دار العزو تتصفر”. تكشف لنا هذه البنية الذهنية مرة أخرى على أولوية الثقافي على حساب الديني، وكيف أن قوة بقاء الديني مرتبطة بتجلياته واستعمالاته الثقافية ذات الحمولة الرمزية والسيكولوجية بالأساس.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *