الرئيسية » أخبار الساعة » الباحث في علم الإجتماع عمر الإيبوركي : شجاعة الخوف هي من أعادت التساؤل حول قيمة الإنسان والمغرب مؤهل للصعود

الباحث في علم الإجتماع عمر الإيبوركي : شجاعة الخوف هي من أعادت التساؤل حول قيمة الإنسان والمغرب مؤهل للصعود

فور تنمية

في سلسلة حوارات تقترحها جريدة فور تنمية على زوارها مع مفكرين ومثقفين وأدباء ومن أجل فهم أكثر وأعمق للتغيرات  التي عرفتها المجتمعات  بعد تفشي جائحة كورونا .

في  هذه الحلقة السادسة من حواراتنا نستضيف الباحث في علم الإجتماع الدكتور عمر الايبوركي الذي يرى أن شجاعة الخوف هي من أعادت التساؤل حول قيمة الإنسان.

كيف يقضي الباحث السوسيولوجي عمر الايبوركي فترة الحجر الصحي؟وهل من أنشطة تقوم بها في يومك؟

     لقد قدم لي الحجر الصحي مزيدا من الوقت،والمزيد من التأمل في التحولات الاجتماعية على صعيد المجتمع المغربي خاصة،والتحولات العالمية عامة، بحكم ان عالم الاجتماع،هو دائما مهووس بالتغير الاجتماعي،لا يفتأ ان يلاحظ،ويفترض ويستنتج بدافع المنهج العلمي ليصل إلى المتغيرات الكامنة وراء هذه التغيرات.وان كان اشتغالي اليومي كمتخص في سوسيولوجيا المجتمع المغربي يفرض علي نقاش الإشكاليات السوسيولوجية مع طلبة الماستر من خلال الدراسات الانثروبولوجية والسوسيولوجية  التي تناولت المجتمعات المغاربية منذ دراسة جاك بيرك حول البنيات الاجتماعية إلى بول باسكون حول المجتمع المغربي المركب،إضافة إلى الدراسات المعاصرة. فانا أعيش دائما في خضم هذه التساؤلات على مستوى التدريس،أوعلى مستوى الكتابة اليومية، والمساهمة في البرامج الاعلامية،أو المؤلفات القابلة للنشر. لأني اشتغل الآن على مؤلف يشكل حلقة ثالثة حول اشكالية:السلطة والمجتمع من الفرد إلى الجماعة. وأحاول ان أبرز فيه تأهيل المجتمع المغربي الى الحكامة والتشاركية واللامركزية ودور المجتمع المدني وحدود مساهمته في التنمية.إضافة الى كتاب آخر حول:الثابت والمحمول والذي أرصد فيه بعض مظاهر تحولات المجتمع المغربي على مستوى مؤسساته:الأسرة،المدرسة، الشباب،العنف،التدين… الى غيرها من مظاهر التحول.واستغل بعض الوقت لممارسة الرياضة البيتية  باعتباري مارست كرة القدم فترة طويلة،وبعد ذلك توجهت الى فنون الحرب،وانا حاصل على الحزام الأسود في الكراطي ما يسمح لي بالتدريب المنزلي الفردي.

     لقد شذب الحجر الصحي بالنسبة لي الكثير من الزوائد والطفيليات التي تلتهم الوقت دون فائدة ومنحنا إضافة الى استغلال الوقت، فرصة تاريخية لنكون شاهدين على عام الكورونا، وما سيخلفه من تغيرات وعواقب. هكذا اقضي بياض يومي وبعضا من سواد الليل،وأنا اشعر انها فرصة لإتمام هذه المشاريع، واستغلال ما بقي من العمر في ترك أثر ما للأجيال القادمة…

كيف تقرأ الرجة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقيمية التي أحدثها ظهور فيروس كورونا بالعالم؟

     فالرجة الكبرى التي أحدثها ظهور فيروس كرونا تجلت في هشاشة المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما فيها المفاهيم والشعارات كالديمقراطية والتقدم والغرب، والحداثة ،وفقدت بريقها وعادت من منطقة اليقين الى  الشك. لقد أيقظت العالم  من سباته المعولم العميق، وأحلامه الافتراضية، وأعاد الإنسان صياغة تساؤلاته، بل إشكالية  وجوده الاجتماعي. هل فعلا سقط النسق العام لتوجه العالم الذي ترك الفرد عاريا أمام السوق، بعدما أصابته تقنيات الإشهار السلعي بعدوى الاستهلاك؟

     لقد اشتد الطوق على المهمشين الذين يتشبثون بالحياة، و يلهثون وراء الإشباع الغريزي دون جدوى، وبعد أن أعلن موت الإنسان أمام الآلة، وأعلنوا انتصار حضارة العرق الأبيض على باقي الحضارات،    واحتفلوا بنهاية التاريخ مع النظام الليبرالي الجديد، ها هو الإنسان ينبعث من  رماد العولمة التي تحركها عجلات المؤسسات المالية، والشركات العابرة للقارات، ويرسم لنفسه طريقا جديدا  قد يختلف عن كل الطرق الأخرى.

كيف يتمثل المغاربة وباء كورونا؟ هل تعتقد ان مغرب ما بعد كورونا سيعيد النظر في عدد من خياراته الاستراتيجية؟

    ربما ان التمثلات الشعبية لوباء كورونا يأتي من كون الجائحة غضب إلهي أو عقاب على كثرة المعاصي وفساد العلاقات بين الأفراد، وسوء التصرف بعيدا عن الدين، وهذا اعتقاد نابع من التدين الشعبي الذي يربط الظواهر الطبيعية والاقتصادية بالمعتقد من باب وعذبناهم بذنوبهم. وهذا التفسير يبقى مجرد احتمال في غياب دراسات ميدانية تؤكده أو تفنده . والمهم ان  الأوبئة من المتغيرات الفعالة في تاريخ المجتمعات، فقد جاءت كرونا للعالمين نذيرا وبشيرا بعالم جديد. جاء العتق من حبل العولمة عندما طفت الجائحة بسب الوباء لتعيد الاعتبار للفرد ،وتعيده الى زمن الجماعة،و حضن الدولة التضامنية، وتنتشله من حالة الشرود والضياع، وتزرع فيه من روحها. لقد أخرجته من نفق التنافس الفرداني، الى متنفس الجماعة، وزرعت فيه الإحساس بالمواطنة.

    فالكثير من المحللين على مختلف اختصاصاتهم يتحدثون عن التصالح مع الذات أولا،ومع مؤسسات الدولة ثانيا وعودة الثقة المفقودة .بحيث عاد الاهتمام بالإنسان بعد ان كان مجرد رقم إحصائي في معدلات التنمية المفقودة. لقد اكتشف الناس أنهم لبعضهم بعض،لا يمكن ان يترك البعض شاردا جاهلا عليلا،وهكذا أوقفت الجائحة السباق اللامتكافئ نحو الثروة والجاه. بناء على هذه المعطيات يمكن القول ان المجتمع المغربي بكل مؤسساته سيغير وجهته نحو المواطنة الحقة،والدولة التي تقوم بوظائفها كاملة نحو هذا المواطن،لا سيما انه-أي المغرب- من الدول القليلة المؤهلة نحو الصعود بكيفية خصوصية بعد ان سقطت النماذج الواحد بعد الآخر. وقد أظهرت هذه الظروف الاستثنائية كيف ان المجتمع المغربي بكل فئاته عبر عن روح تكاملية وتضامنية أحيى بها بعضا من قيمه الدينية والتاريخية.

ماهو الدرس السوسيولوجي لقيمة الحرية الذي يمكن إستخلاصه من جائحة كورونا ؟

    لقد تحدثت عالمة الاجتماع “ساكسيا ساسن” عن مفهوم المدينة الكونية التي تندمج في سيرورة العولمة والتي تركز على خدمات المقاولات والمهام الإدارية الكبرى للشركات العابرة للقارات،وكيف ان هذا المجال غيب الإنسان وهو صانع المدينة،وهذا شكل من أشكال الاستلاب.ولعل أهم التغيرات السوسيولوجية هي ان هذه الجائحة فندت الكثير من المعارف،وبعثرت العلاقات الاجتماعية،وخلخلت التمثلات التي تشكل العالم،بعد أن كتمت أنفاس الإنسان وأخضعته للعزل والحجر،فتركت البنايات الشاهقة خاوية على عروشها. وكلما تطاول البنيان تقزم الإنسان وصغر حجمه،وكلما علت ناطحات السحاب انغرس الإنسان في تربة الفقر والفاقة،وفقد الناس حرية التصرف والتقارب الاجتماعي، كما فقدوا الإحساس بالأمن والأمان مع الرفاهية المادية ،وما وفرته الآلة التكنولوجية،حتى ظن الإنسان انه اكتسب هذه الحرية الى الأبد.

   فالاستخلاص السوسيولوجي لقيمة الحرية من جائحة كورونا وما فرضته على المجتمعات،هو ان الأفراد إذا كانوا اجتماعين بالطبع ،وان المجتمع يمارس نوعا من الضغط على الفرد حتى يصير كائنا اجتماعيا مندمجا،وبما انه وقع نوع من الانشطار على مستوى المؤسسات الاجتماعية والسياسية، فعلى المجتمعات اليوم ان تعيد عملية الانصهار بين مؤسساتها على أسس متينة وصلبة.

يرى الفيلسوف بنفينوتو ان نشر الخوف قد يكون أكثر حكمة من التفكير فلسفيا،مضيفا ان الخوف في بعض الأحيان يتطلب شجاعة.هل تعتقد أننا بحاجة لشجاعة الخوف في زمن كورونا؟

      إذا كانت الفلسفة هي وليدة الدهشة،فان الخوف من الفناء الذي هو غريزة الكائنات الحية، حدد علاقة الإنسان بالطبيعة،بحيث ان تاريخه هو محاولة لإخضاعها والسيطرة عليها بفهم القوانين،واكتشاف المجهول،وفي كل لحظة حضارية كان يعتقد أنه بسط سلطانه عليها.وقد طغى الإنسان عندما اعتقد انه تسلم زمامها الى الأبد،فدمر البيئة، واستصغر حياة الآخرين،لكن بدافع غريزة البقاء في زمن الكورونا ، انزاح العقل أمام الخوف الذي شكل رجة كبرى أعادت الاعتبار الى الإنسان. وهذه يمكن اعتبارها شجاعة الخوف التي تعيد التساؤل  حول قيمة الإنسان،وطبيعة علاقته بالطبيعة،وعلاقته بالآخرين. الخوف في زمن الكرونا أنزل الإنسان من علياء عالمه الافتراضي الى العالم الغريزي الواقعي لكي يحمي نفسه ويستمر في عمارة الأرض.انتقل الخوف من المستقبل الى الخوف من الحاضر الى الخوف على البقاء،وبصيغة أخرى ومع الخوف في زمن الكورونا استرجع الإنسان شجاعة خوفه الطبيعي التي توحد الأجناس البشرية،بل الكائنات الحية جميعها.

    هل سينسى الناس أو يتناسوا بعد زمن الكورونا،وتطفو من جديد طبيعتهم الشريرة التدميرية،أم ان الخوف هو الذي سيقود العقل البشري نحو التعاون والتضامن للخلاص؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي سيطرح بعد هذه المرحلة وتلك قصة أخرى…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *