فور تنمية. خالد مصباح
تعد قضية الإعدام واحدة من أكثر القضايا آثارة للجدل، والتي تشغل الفكر الحقوقي والقانوني المعاصر، ومع تطور الوعي الإنساني، بات الرفض المطلق لهذه العقوبة ينطلق من مرتكزات حقوقية وإنسانية راسخة، ترى في إلغائها خطوة ضرورية نحو مجتمع أكثر عدلا وأقل عنفا.
إن الدفاع عن إلغاء عقوبة الإعدام ليس دفاعا عن الجريمة، بل هو تمسك بمنظومة قيمية تقطع مع منطق الثأر وتنتصر لسيادة القانون. وتتلخص الخلفيات الكامنة وراء هذا الموقف في خمسة محاور رئيسية :
1_ قدسية الحق في الحياة، المبدأ الذي لا يقبل الاستثناء.
تصنف عقوبة الإعدام كأقسى أشكال العقاب الإنساني، وتمثل انتهاكا صارخا وصريحا للحق الأساسي في الحياة؛ وهو حق مقدس نادت بحمايته وأقرته المواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وترى الهيئات الحقوقية الدولية، كمنظمة العفو الدولية، أن هذه العقوبة غير إنسانية ومهينة، ولا يمكن للدولة التي يفترض فيها حماية مواطنيها، أن تمنح لنفسها الحق في إنهاء حياة إنسان تحت أي ظرف من الظروف.
2_ معضلة الخطأ القضائي :
لايمكن التراجع عن الاحكام القضائية في مختلف الأنظمة القضائية بالعالم، رغم انه كجهد بشري، ليس معصوم من الخطأ، ذلك أن الفارق الجوهري بين عقوبة الإعدام والعقوبات الأخرى هو استحالة تصحيح الخطأ بعد وقوعه، حيث إن إعدام شخص بريء يعني إنهاء حياته بلا رجعة.
وتتوفر السجلات القضائية عالميا بحالات موثقة لأشخاص نفذ في حقهم حكم الإعدام، ثم ظهرت أدلة قاطعة مثل تحاليل الحمض النووي او أدلة اخرى قاطعة، كإعترف الفاعل الحقيقي للجريمة، تثبت براءتهم بعد فوات الأوان، مما يجعل من هذه العقوبة خطرا حقيقيا على العدالة نفسها.
3_ وهم الردع وغياب الأثر الفعلي في خفض الجريمة.
تظهر الدراسات الاجتماعية والجنائية المقارنة أن عقوبة الإعدام لا تساهم بشكل فعال في خفض معدلات الجريمة مقارنة بعقوبات السجن طويلة الأمد. فالأفراد الذين يرتكبون جرائم جسيمة غالبا ما يتصرفون إما تحت تأثير اندفاعات لحظية دون التفكير في العواقب، أو وهم يعتقدون أنهم لن يقبض عليهم نهائيا.
وبالتالي فإن القول بأن الإعدام يردع الآخرين يظل فرضية تفتقر إلى أي سند علمي أو إحصائي حقيقي.
4_ عدالة غير متكافئة والتحيز والتمييز في التطبيق.
في كثير من دول العالم، تفتقر عملية تطبيق العقوبة إلى العدالة المطلقة، إذ غالبا ما تتأثر بالوضع المادي أو الخلفية العرقية او السياسية والاجتماعية للمتهم، ويشير الواقع إلى أن الأشخاص غير القادرين على تحمل تكاليف تمثيل قانوني قوي وكفء هم الأكثر عرضة لصدور أحكام الإعدام بحقهم، مما يحول العقوبة في بعض الأحيان إلى أداة تمييز ضد الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
5_ البعد التربوي في معالجة أسباب الجريمة لا تكريس ثقافة العنف.
من منظور تربوي وإصلاحي، فإن إعدام المجرم لا يعيد الضحية إلى الحياة، بل يرسل رسالة مجتمعية متناقضة مفادها، “أن القتل عمل مرفوض، إلا إذا قامت به الدولة باسم القانون”، إن العدالة الحقيقية والحديثة هي تلك التي تقطع مع منطق الانتقام، وتركز بدلا من ذلك على :
_ الإصلاح وإعادة التأهيل مع منح المذنب فرصة للمراجعة وتأهيل سلوكه.
_ المعالجة الجذرية ودراسة الأسباب الاجتماعية
والنفسية والاقتصادية التي أدت لارتكاب الجريمة لمنع تكرارها.
خلاصة القول :
إن مناهضة عقوبة الإعدام هي دعوة للانتقال من عدالة العقاب الثأري إلى عدالة الإصلاح وبناء الإنسان، لإنها خطوة نحو مجتمع يرسخ قيم التسامح والمسؤولية، ويؤمن بأن القضاء على الجريمة لا يتأتى بتكرار سلوك المجرم بإسم القانون، بل بتقديم نموذج أسمى في احترام الكرامة الإنسانية كهدف اسمى لكل البشرية.