بين الإبداع والذكاء الاصطناعي.. أولغا توكارتشوك تثير جدلاً واسعاً في الأوساط الأدبية

فور تنمية

أثارت الكاتبة البولندية الحائزة على جائزة نوبل للآداب أولغا توكارتشوك موجة واسعة من الجدل بعد كشفها عن استخدامها أحد نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة أثناء إعداد روايتها الجديدة، في تصريحات أعادت إلى الواجهة النقاش المتصاعد حول حدود العلاقة بين الأدب والتكنولوجيا.

وأكدت توكارتشوك أن الذكاء الاصطناعي لم يُستخدم لكتابة الرواية نفسها، بل كأداة مساعدة في البحث والتوثيق والتحقق من المعلومات، مشيرة إلى أنها استعانت به مثلاً لمعرفة نوع الموسيقى والأغاني التي كانت تُرقص عليها شخصيات القرن التاسع عشر بهدف بناء أحد المشاهد الروائية بدقة أكبر. لكنها في المقابل حذّرت من ظاهرة “الهلوسة” التي قد تنتج عنها معلومات خاطئة، معتبرة أن التعامل مع هذه التقنيات يتطلب قدراً كبيراً من الحذر والمعرفة.

وقالت الروائية الشهيرة إنها أحياناً تخاطب البرنامج بطريقة ودية وتسأله: “كيف يمكنني يا عزيزي أن أطور هذه الفكرة بشكل جميل؟”، واصفة التجربة بأنها تفتح آفاقاً جديدة أمام التفكير الإبداعي، وتحمل “نتائج وأبعاداً لا تُصدّق”.

ورغم حرصها على التأكيد بأنها كتبت أعمالها “بمفردها لعقود طويلة”، فإن تصريحاتها أثارت غضب عدد من النقاد والصحافيين في بولندا، إلى درجة مطالبة بعض الأصوات بسحب جائزة نوبل منها، بدعوى أن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي يمسّ مبدأ “أصالة الكتابة” وفردية العمل الأدبي.

وفي هذا السياق، اعتبرت صحافية بولندية أن قيمة الجائزة الأدبية الكبرى تقوم أساساً على التفرد الإبداعي، متسائلة عن حدود الأصالة حين تصبح الخوارزميات قادرة على اقتراح الجمل والحبكات والأفكار، كما انتقدت تدريب النماذج اللغوية على أعمال الكتّاب دون الحصول على موافقتهم.

في المقابل، دافعت توكارتشوك عن رؤيتها مؤكدة أن الكتّاب، بحكم طبيعة مهنتهم القائمة على اللغة والخيال، قد يكونون الأكثر قدرة على التعايش مع أدوات الذكاء الاصطناعي واستثمارها بشكل واعٍ، خلافاً لما يعتقده كثيرون.

ولم تقف تصريحاتها عند حدود التكنولوجيا، بل أعلنت أيضاً أن روايتها المقبلة ستكون آخر رواية طويلة تكتبها، مبررة ذلك بأسباب نفسية وجسدية ومالية، إضافة إلى ما وصفته بـ”جمود العالم” وتراجع اهتمام القراء بالأعمال الأدبية الضخمة.

وأعربت الكاتبة عن أسفها لما تعتبره انحداراً في علاقة الجمهور بالأدب العميق، مشيرة إلى أن كثيراً من القراء باتوا يكتفون بملخصات قصيرة لروايات كبيرة مثل “كتب يعقوب”، وهو ما يحرم العمل الأدبي من أثره الإنساني والفكري الكامل.

وقالت بأسى إن أعمالاً أدبية خالدة كرّس أصحابها حياتهم للكتابة أصبحت مهددة بالتلاشي وسط هيمنة السرعة والاختزال، مستحضرة أسماء أدبية كبرى مثل بلزاك وسيوران ونابوكوف، ومؤكدة أن “أي غرفة دردشة حديثة لا يمكنها نقل ذلك المعنى الإنساني الرائع الذي تحمله الأعمال الأدبية العظيمة”.

وتفتح هذه التصريحات الباب أمام أسئلة معقدة حول مستقبل الإبداع في عصر الذكاء الاصطناعي، وحدود الاستفادة من التكنولوجيا دون المساس بجوهر العملية الأدبية، في وقت يبدو فيه العالم الثقافي منقسماً بين من يرى في هذه الأدوات فرصة جديدة للكتابة، ومن يعتبرها تهديداً لفكرة المؤلف نفسها.

Comments (0)
Add Comment