منير الحجوجي يكتب : بداية المعنى.. درس با المختار.. أو كيف أصبحت ماركسيا..

فور تنمية

 

كانت الساعة تشير الى الحادية عشرة صباحا.. دخل رجل الى محل الوالد سائلا عن بطارية لساعته.. بعد لحظات سيكون الوالد قد لبى طلب الزبون.. دقائق لاحقا، وهو غارق في اصلاح ساعة حائطية سيثير انتباه الوالد ظل رجل وهو يستعد لدخول الحانوت.. في اللحظة التي رفع فيها با المختار رأسه سيلاحظ وجود ساكوشة على الكونطوار.. الرجل لم يكن بعد قد وضع جسده كاملا في داخل المحل.. الساكوشة اذن ليست للزبون الجديد.. وقف الوالد وأخذ الساكوشة ووضعها جانبا.. لبى للزبون حاجته ثم عاد الى كرسيه التاريخي..

أخد الوالد – بعد أن تأكد من خلو الحانوت- الساكوشة وفتحها.. نحن هنا سنة 1988، السنة التي كان فيها با المختار يعيش أزمة مالية خانقة جراء ديون كثيرة تراكمت بفعل انخراطه في بناء منزلنا في الحي “العشوائي”.. كان با المختار أيضا مهددا بالسجن جراء قرض من بنك مشهور بتخصصه في نهش الطرائد الضالة..

سيجد با المختار 25 حزمة مالية من مليون سنتيم للحزمة.. 25 مليون سنتيم بالتمام والكمال.. ثروة هائلة في تلك السنوات.. سيعيد الوالد اقفال الساكوشة وسيرجع الى ما كان بصدده قبل الواقعة..
حوالي الثانية عشرة والنصف، دقائق قليلة قبل الموعد الذي يقفل فيه الوالد للالتحاق بالحومة، دوار كل السرطانات الممكن تصورها، سيدخل شخص بكل علامات التوتر على وجهه.. فهم الوالد بحس الحرفي أن الشخص هو صاحب الساكوشة.. لكنه كان له أن يتأكد.. لعب الوالد الدور الذي عليه لعبه: دور الجاهل الكامل بما يدور!! !!..
كان الزبون هو نفسه الذي جاء قبل ساعة ونصف.. لكنه عاد الأن بوجه أخر.. بملامح مهتزة.. حتى لا أقول بلا ملامح.. سأله الوالد “ياك لاباس أشريف؟” (“هل أنت بخير سيدي”؟).. لم يجب الرجل.. أخذ نفسا عميقا ثم طلب من الوالد ان كان قد نسي عنده شيئا ما.. استمر الوالد في لعب دوره المسرحي.. “شي حاجة؟ بحالاش؟” (“شيء ما؟ مثل ماذا؟”).. “ساكوشة لونها كذا و…”.. (“ساكوشة نقود بكذا لون…”).. رد الزبون…
في تلك اللحظة أطلق الوالد ابتسامة تحولت الى قهقهة عارمة.. تغيرت ملامح الرجل مائة وتسعون درجة.. تقدم نحو الوالد.. ارتمى عليه وعانقه حتى كاد يخنقه.. حاول الوالد الافلات من القبضة الصارمة.. استمرت القهقهات.. أخرج الوالد الساكوشة.. وضعها أمام الرجل الذي أخذها وفتحها.. “واش عارف شنو فيها؟” (“هل تدري ما بها؟”).. أجاب الوالد: “ضروري”.. قبل أن يتابع الرجل: “انها أجور ومستلزمات ما يقارب 300 عامل في معمل أجور في منطقة بوقنادل وفي ضيعة فلاحية فلعرجات و…….. حانوتك المعلم كان هو لخر.. القلب كان بدا كايوقف ليا”..
حاول الزبون وضع بعض الورقات المالية في يد المعلم المختار.. لكن الوالد رفض.. “أنا مادرت والو.. خذ فلوسك.. الله يدينا فضو”.. )”لم أفعل شيئا.. خذ نقودك.. نتمنى حسن العاقبة”..(.. استمر الزبون في زيارة الوالد كلما أتيحت له الفرصة.. سيقدم له ابنا له.. وقبل حوالي ثلاثة سنوات سيتوفى الرجل.. فيما الولد الذي كبر لايزال يزور والدي حاملا معه ابنا صغيرا له..

 

Comments (0)
Add Comment