فور تنمية : منير الحجوجي
عندما أصدر جون بركنس John Perkins كتابه اعترافات قاتل اقتصادي Confessions d’un assassin économique سنة 2004 لم يكن يخطر بباله أنه كان يلقي بقنبلة حقيقية في وجه الكودزيلات التي تحكم عالمنا..
جاء الكتاب في سياقات تاريخية دقيقة.. نحن نعرف أن الرأسمالية طورت في القرن الأخير طريقتين أساسيتين في التحكم/السطو على العالم: الاحتلال المباشر/غير المباشر (الغزو/وضع أحد عملائها على رأس البلاد المرغوب فيها)، أو – في حالة وجود مقاومة/مناعة قوية- “تقنية” تحويل الشعب الحذر إلى سوق استهلاكية واسعة مرهونة/تحت قبضة عروضها/أجندتها.. تلجأ الضواري هنا إلى إغراق البلاد الممانعة بما لانهاية له من البضائع بأثمان رخيصة حتى يستأنس الناس بحضورها ويربطون بالتالي تدريجيا وجودهم حتى لا أقول سعادتهم بوجودها.. وعندما تربط أمة ما بمنتجات السوق – والتي بالمناسبة تكون في غالبيتها الساحقة تافهة وزائدة ومخربة للصحة البشرية وللكوكب- فإنك تكون قد دمرت كل آليات المقاومة لديها.. قد نجحت في إخضاعها.. اخراسها.. أهمية كتاب جون بركنس أنه يكشف عن آلية تحكم/نهب/تخريب أخرى، ألية لم يسبقه أحد الى كشفها: القتل المالي/الاقتصادي..
هكذا يعرف بركنس القاتل الاقتصادي:
“القتلة الاقتصاديون هم ناس محترفون يتلقون أجورا ضخمة مقابل السطو على مليارات الدولارات في ملك شعوب من مختلف مناطق الكوكب.. تتمثل مهمتهم الرئيسية في توجيه أموال البنك العالمي والوكالة الأمريكية للتعاون الدولي ومنظمات أخرى نحو صناديق الشركات الكبرى وجيوب بعض العائلات شديدة الغنى التي تتحكم في الموارد الطبيعية للكوكب.. أما أسلحتهم الرئيسية فهي: العلاقات المالية المشبوهة، الانتخابات المزورة، الرشاوي، الابتزاز، الجنس والقتل.. إنهم يلعبون لعبة قديمة قدم العالم.. لكنها لعبة أخذت أبعادا رهيبة في عصر العولمة هذا..
إنني أعرف عما أتحدث.. فأنا نفسي كنت قاتلا اقتصاديا”.. ( “الاعترافات”، المقدمة)..
يشرح بركنس كيف أن أمريكا المنتشية بانتصارها الكبير في الحرب الثانية طورت خطة غير مسبوقة لبناء إمبراطورية شاملة، استراتيجيا عامة لإلقاء القبض على العالم la capture du monde ، خطة حدد معالمها الكبرى الرئيسان نكسون وجونسون (مع مطلع السبعينيات).. سوف يشكل نكسون وجونسون كتيبة من المستشارين بهذه المهمة: استعمال المنظمات المالية الدولية لخلق الشروط الكفيلة بإخضاع الدول من خلال إغراقها بالديون الاقتصادية.. تمثلت الخطة في تبرير وإقناع الدول بأخذ قروض ضخمة لدعم سياسات تطوير البنية التحتية لهذه الدول تحت ذريعة أن تطوير البنية التحتية هو “الطريق الملكية لتطوير الناتج الوطني الخام وبالتالي القفز بالبلاد نحو حالة اقتصادية أخرى”.. وبما أن القروض التي يتم/تم أخذها غالبا ما يتم/تم تضخيمها بمبررات المستشارون/القتلة هم من يعرفون كيميائها السامة فان الغالبية الساحقة للدول المقترضة لم تكن لتستطيع الالتزام بأدائها مما كان يوقعها في ورطة أمام دائنيها.. وما إن كانت الدولة المقترضة تقع في الفخ، حتى يتدخل القاتل الاقتصادي، وهذه المرة من أجل توجيه الضربة القاضية.. يأتي القاتل الاقتصادي و”يقترح” على الدولة العاجزة منح أي شيء ل”تفادي الكارثة”.. يسمي بركنس هذه الوسائل “طرقا مافيوزية”..
للإيقاع بالدول ودفعها لتتخذ القرار بالاقتراض، يتم اللجوء، اذن، إلى خدعة اقتصادية محبوكة جيدا.. يروج القتلة الاقتصاديون لنظرية كون الاقتراض/الاستثمار في البنى التحتية سيؤدي أوتوماتيكيا إلى الرفع من الناتج الخام.. هنا يتم توظيف نظرية شهيرة معروفة باسم “منهج ماركوف للنمذجة الايكونومترية Modélisation économétrique”، التي طورها – تحت رعاية بركنس نفسه – رياضياتي من معهد ماساشوست للتكنولوجيا يدعى نادبرام براساد، بهدف التنبؤ بتأثير الاستثمار في البنية التحتية على الناتج الخام وعلى النمو الاقتصادي عموما.. إن ميزة الإقناع بالتحليلات/النمذجات الايكونومترية، يقول بركنس في “الاعترافات”، أن وحده ايكونومتريا محترفا يتوفر على كامل الوقت بإمكانه كشف الخدعة.. في “الاعترافات” يتجه بركنس إلى جذر الشر ويفضح الطبيعة المخادعة للناتج الخام: إن الناتج الخام يمكنه أن ينمو بقوة حتى وإن لم يخدم إلا شخصا أو فئة قليلة، يمكنه أن يكبر، وبقوة أيضا، حتى وإن استمر الأغنياء في الاغتناء والفقراء في الصعود إلى الهاوية، يمكنه أن ينمو بشدة حتى وإن حرمت الديون الضعفاء من الخدمات الأساسية: التعليم، الصحة، الثقافة.. لعقود طويلة..
لنرى اللعبة بطريقة أخرى..
في البداية يتم تحديد بلد بموارد تكون الشركات الأمريكية/الغربية في حاجة ماسة جدا إليها.. يتم بعد ذلك ترتيب قرض من البنك الدولي أو من أية منظمة حليفة.. إلا أن المال، يوضح بركنس في تفصيل مفزع، لايذهب أبدا إلى البلد المقترض، بل إلى الشركات الأمريكية/الغربية التي تربح صفقات وضع البنيات التحتية.. مما يعني أن المال لايعود بالنفع إلا على فئة قليلة من الأغنياء ولاتستفيد منه أبدا الدولة/الأمة المقترضة.. وفي النهاية يترك البلد أمام قروض هائلة من المستحيل سدادها.. إن عمل القاتل الاقتصادي مثلما ذكرت يبدأ تدقيقا هنا، مع وقوع البلد في الهاوية.. يأتي الخبير/القاتل إلى حكام البلد ويطرح عليهم الحل: “أنتم لاتستطيعون تسديد الديون.. أوكي.. أعطونا شيئا بديلا عن المال.. قوموا ببيع نفطكم بسعر رخيص لشركاتنا النفطية.. صوتوا معنا في الأمم المتحدة خلال انعقاد مجلس الأمن المقبل.. اسمحوا لنا ببناء قاعدة عسكرية ببلدكم.. شاركوا معنا في سياسات الحرب على الإرهاب.. أو أي شيء من هذا القبيل”.. هذه هي جملة/لازمة القتلة الاقتصاديين في كل مرة كانوا يخططون فيها لابتلاع دولة/شعب ما.. أما إذا فشل القاتل الاقتصادي، يقول بركنس، يدخل الضباع les chacals على الخط لاغتيال من يقف أمام تنفيذ الخطط الامبريالية.. أما إذا فشل الضباع، فيتم إرسال الجيش كما حصل في العراق تحت ذرائع شتى يتم فذلكتها جيدا استنادا إلى التقنيات الشهيرة للتلاعب/التضليل الإعلامي الأمريكي..
أترك القارئ حرية تخيل موقعنا، نحن، أصحاب أجمل بلد في العالم، ضمن هذا الشكل المتقدم جدا من الرأسمالية المفترسة، الشكل الذي سماه بركنس نفسه الشكل الفيروسي للرأسمالية le capitalisme viral, parasitaire.. تخيل ممتع..