الحولي فرض وليس سنة.. مدخل إلى الانسان الابراهيمي..

فور تنمية: منير الحجوجي

 

عندما استعادت اللوبيات الأموية الحكم بعد قتل أخر الثوار المحمديين/الابراهيميين الكبار (عمر، علي، عمار بن ياسر، أبي ذر..)، فهمت أن بقائها رهين بهدم “أصل الشر”: الدين المحمدي/الإبراهيمي الثوري الأول، الدين المضاد بطبيعته – من ضمن أشياء كثيرة من الصعب حصرها هنا – لكل محاولة قد تقودها أقلية للتضحية بالأغلبية في سبيل الاستحواذ على السلطة، في خرق سافر للرسالة المحمدية/الإبراهيمية (التي تجد جذورها العميقة في طقس الأضحى كما سوف نرى) المنتصرة لتحويل/احتواء العنف/التحكم ونحت تنظيمات لادموية، أخوية، مفتوحة للسلطة وللعلاقات البشرية بصفة عامة..

رسالة طقس الأضحى كما أفهمه تتموضع على النقيض المطلق من النظام الأنتروبولوجي/السياسي كما رسخه الحاكم العربي منذ “انقلاب” معاوية، نظام -كما سبق القول- التضحية/ذبح الأمة في سبيل السلطة/الفانتازم الفردي.. نعلم أن الله أنزل الخروف ـ لايهم ان كانت القصة حقيقية أم لا ـ على نبيه إبراهيم حتى يفهمه بوجوب تحويل العنف من الابن نحو وجهة أخرى (الحيوان). إن الأمر يتعلق بإشارة  إلهية قوية للبشر (في سياق المجهود الإلهي الطويل لرفع البشرية إلى الإنسانية مثلما تطرح بعض القراءات الأنتروبودينية) حتى لا يستنفدوا طاقات العنف الثاوية فيهم (الغرائز/الفانتازمات الفردية/التدميرية كما سينظر لها فرويد مثلا) في الاقتتال فيما بينهم ويحولوها نحو أماكن/أشياء أخرى، وهو ما لم تستطعه “المجتمعات العربية/الاسلامية”، التي لم تفهم أبدا (أو منعت من أن تفهم)  نداء/رجاء التحويل الاستراتيجي للعنف، وظلت على حالتها ما قبل الابراهيمية، حالة الاقتتالات/المذابح التاريخية الكبرى، رغم الهبة المحمدية/الإبراهيمية التي سرعان ما حيدتها المافيا، في الوقت الذي نجحت المجتمعات الغربية، بعد نضالات مريرة ضد اللاهوت/الإقطاع، أي ضد بردغمات الذبح، في التأسيس لوجود اجتماعي لادموي، أخوي/تعاطفي، بعدما أطلقت أليات (هي العدالة الاجتماعية والحرية السياسية) سمحت بتحويل/منع العنف من الجذر وأخرى (القانون، القضاء، المؤسسات، الانتخابات/التداولات الديموقراطية للسلطة ..)  بتدبيره – في حالة تفجره – خارج دائرة الأهواء الفردية المتقلبة/الخطرة بالضرورة..

إن عجزنا عن بناء اجتماع بشري ابراهيمي (اجتماع لادموي/ديموقراطي/أخوي مثلما فعل الغرب فاستحق في نظري اسم المجتمع الابراهيمي/المحمدي باعتباره هو من نزل تاريخيا أطروحة/معنى الأضحى) هو من أكبر أعطابنا التاريخية/الدينية.. سنحتفل -لأول مرة ربما- بعيد الأضحى حين سننجح في “نحر” نسق تنحر فيه أقلية الأغلبية كل يوم بطريقة جديدة.. سيتحقق العيد الإبراهيمي عندما سنخرج من حالة الغابة/الهمجية (المادية/الرمزية) ونطلق اطارات/علاقات عيش أخرى.. سنحيي سنة العيد -لا ولائمه- عندما سنكسر دائرة حرب الكل ضد الكل ونقرر العيش معا منطلقين من المبدأ الديني/الصوفي/الجمالي/الإبراهيمي/المحمدي المركب التالي: إن كل شخص – كما يطرح المفكر المحمدي/الابراهيمي جون جوني – يساوي بدقة أي رجل أخر فوق هذه الأرض/ وإن كل رجل يستحق أن يحب خارج ملامحه الخارجية ومعطياته المباشرة ولغته وديانته/ وإن كل شخص قادر على تنمية ذاته والعالم من حوله لو أنصتنا إليه بما فيه الكفاية/ وإن هذه هي الوسيلة الوحيدة للاطلاع على عمق الإنسان/ وإن هذه هي الوسيلة الوحيدة لفهمه والتعاطف معه وحبه/ وإن هذه هي الوسيلة الوحيدة للتخلي عن كل رغبة في قتله/ذبحه، ماديا، رمزيا..

ما يلزمنا ليس الخروف الابراهيمي ولكن الإنسان الابراهيمي.. والانسان الابراهيمي هو الذي يفهم أنه هنا فوق الكوكب لا لأكل الأخر ولكن لاقتسام فرحة العيش معه، هو من لايهدأ له بال الا وهو يقتسم ما يملك مع جائع من العالم، هو من يفكر في  كل العطشى وهو يفتح صنبور الماء، ومن يحلم ببناء بئر في منطقة ميؤوس منها، ومن يعد دوكتوراه بهدف خلق ما ينفع الناس، ومن يجعل من إقامة مكتبة عائلية أولوية قصوى، ومن يحتفظ بكلينكسه في الجيب حتى العثور على قمامة عمومية أو حتى العودة الى داره، ومن لايستعمل السيارة إلا عند الضرورة، و من يقتني من السوق فقط ما يحتاجه، و من يجري وراء حلم مغرب/عالم قابل للسكنى..

بهذا المعنى فطقس الأضحى ليس سنة نفعلها أو لا نفعلها.. ان طقس الأضحى واجب سياسي/وجودي مطلق.. يجب التوقف وفورا عن التضحية بالآخر- وكيفما كانت هذه التضحية.. عن أن نقتل/نأكل الأخر.. عن أن نبني حياتنا على حساب الأخرين.. تحت ذريعة أن ذلك هو السبيل الوحيد لنبقى.. أو لنتمتع بالحياة.. ولذلك يجب التوجه نحو الجذر: الرغبة/الفانتازمات الفردية.. ان الفانتازمات هي ما يجعلنا أشخاصا بلا هوية محمدية/ابراهيمية.. هي ما يجعلنا ندوس على أي شيء – بشرا أو منظومات ايكولوجية – يقف أمام تنزيل حياتنا.. انك ستظل لاابراهيميا/لامحمديا – أي بلا ملامح انسانية – ما لم تعد بناء علاقتك بذاتك، بالأخر، بالأرض، بالمستقبل، حتى وان ذبحت وصليت وصمت وحجيت. .

يجب أن نستعيد الأضحى من يد “إسلام” بلا ملامح محمدية/ابراهيمية.. يجب أن نعيد للأضحى معانيه الثورية.. وأولوية الأولويات لابد أن تكون هم هؤلاء من سوف يقودون المغرب/العالم بعدنا.. مهمتنا أن نمنح لأبنائنا فهما آخر لجذورهم/جذورنا.. هذه هي أفضل طريقة ليفهموا قدرهم ويغيروه..

لاوجود لعيد الأضحى لدى الشعوب الغربية – رغم أصلها الابراهيمي- ببساطة شديدة لأنها نزلت على الأرض رسالة التحويل الاستراتيجي للعنف.. المجتمعات الغربية هي اذن في عمقها مجتمعات دينية، بالمعنى الأنطولوجي الأول للدين، أي كسياسة لبناء الاجتماع البشري على أساسات العدالة/الكرامة/الحرية، فيما نغرق نحن ورغم كل مظاهرنا التدينية الخارقة في الحاد/كفر استراتيجي، الكفر بالآخر، بالأرض، بالمستقبل..

 

 

 

 

 

 

Comments (0)
Add Comment