في نقد الرأسمالية المعاصرة: حوار مع جاك كرنفلد حول النمو القابل للتحمل. ترجمة منير الحجوجي

فور تنمية.ترجمة منير الحجوجي

 

الأطروحة المركزية لهذا الوجه المهم للتيار البيئي الراديكالي: خفض النمو ليس نموا اقتصاديا سلبيا، انه منطق أخر.

منذ لقائه سنة 1974 بالإيكواقتصادي الروماني الكبير نيكولا جورجسكو – روجن، والذي ترجم له أفكاره البيودينامية في كتاب: اللاتنمية: أنتروبيا-إيكولوجيا-اقتصاد Le non-développement…..، وجاك كرنفلد Jacques Grinevald يستكشف مجال النقد الإيكولوجي للاقتصاد السياسي.

 

سؤال: لماذا الحديث عن خفض النمو وليس عن النمو؟.

جاك كرنفلد: لأنها كلمة تسير على عكس التيار المهيمن، كلمة/شعار مستفز، في الوقت الذي لا تتحدث فيه الخطابات المتداولة الا عن تحفيز النمو، دون الاشارة أبدا لأجل من أو لماذا. وبالفعل، ان مذهب النمو مرهون أكثر من اللازم لنظريات التنمية. النمو لم يعد يشكل جزءا من الحل، انه جزء من المشكل. يجب الخروج من هذه الأيديولوجيا الاقتصادية الغربية التي تتجاهل تنوع الثقافات والاشتغال النسقي للحلقة الحية. هناك قطاعات يمكنها بل يجب عليها أن تنمو، وأخرى يجب عليها أن تتقلص، بل تختفي. أنا مع خفض نمو بهذا القدر أو ذاك في قطاع صناعات الأسلحة، والتبغ، والمضاربة المالية الاجرامية. ان رقم معدلات نمو اقتصاد وطني – بل وحتى الاقتصاد العالمي- ليس له أي معنى لدى الناس. بل انه خادع على المستوى الاجتماعي والإيكولوجي. لا يكفي أن نحسب، هذا ان افترضنا أننا نعرف كيف نفعل ذلك. ان ما يهم حقا هو المنظور الذي نحسب انطلاقا منه. ميز شومبطر بين التنمية والنمو. التنمية هي أن ننتج أكثر. النمو هو أن ننتج بشكل مغاير. بإمكاننا اذن أن نتطور في اتجاه خفض النمو، فضلا على أن خفض النمو المادي لا يمنع “فرحة الحياة” (حسب جورجسكو – روجن، الملهم من قبل برغسون)، أقصد الفرحة الجسدية، النفسية، الروحية..

سؤال: وكيف يمكن أن يكون هذا الأمر مهما جدا لكوكبنا؟.

جواب: يكمن المشكل في النمو العالمي ل “الجهاز الصناعي”، أي في مجموع الانتاجات الطاقية والمادية التي تؤثر في المحيط الكوكبي. يتشكل نمونا، الذي لا تعيشه البشرية بشكل متساوي، من ثلاثة عوامل: العامل التكنولوجي، الطاقي، الديموغرافي، المالي، الثقافي الخ…. التفاصيل معقدة، لكن يمكن أن نلاحظ إذا ما تبنينا الرؤية الإيكولوجية الشمولية أن النمو يصطدم بحدود بيوفيزيائية لا ترغب تحليلاتنا الاقتصادية في أن تأخذها بعين الاعتبار. التوسع اللانهائي غير ممكن في عالم منته، عالم الحلقة الحية الحالية. يذكرنا اختلال الحلقة الشاملة للكربون المسبب للانحراف الأنتروبوجيني (2) للاحترار المناخي بأننا لا نعيش فوق الأرض، ولكن مع/في قلب الحلقة الحية. نحن نتجاوز الأن قدرة الحلقة الحية على تحمل تدخلاتنا البشرية، وهذا قد يجعل وجودنا نفسه أكثر فأكثر صعوبة وخطورة. وكما عبر الجيوكيميائي والاس بروكر سنة 1987: “نحن نلعب لعبة الدحروجة الروسية مع المناخ”. يلزمنا العلم الجديد للنسق/الأرض بإعادة التفكير في أنشطتنا التقنية والاقتصادية. يجب قلب المعادلة، خاصة في المجال الأساسي جدا الذي هو مجال الطاقة. ان خفض النمو، اليوم، يفرض نفسه إذا ما أردنا تفادي الأسوأ.

سؤال: لماذا تتحدث عن خفض للنمو يكون قابلا للتحمل؟.

جواب: لأن الأغنياء يعيشون فوق طاقتهم والفقراء دون مستوى حاجياتهم. وقريبا جدا، ولأسباب رئيسية عدة، كالتغير المناخي، ولكن أيضا الانخفاض الذي لارجعة فيه في إنتاج البترول في العالم، سيكون خفض النمو على رأس ما لابد من اعتباره استعجالات كبرى. هذا ما يقوله الإيكولوجيون منذ 30 سنة. والحال أنه يتوجب التفكير في النتائج الايتيقية والاجتماعية لمثل هذه الاستعجالات الملحة. لا يجب ترك الفاشيين يمرون والذين قد يستفيدون بطبيعة الحال من الخوف من الانحسار، غير القابل للتحمل اجتماعيا بسبب اللامساواة الكبيرة التي خلقتها قرون من التطور والنمو. عوض الاستسلام للنمو، يجب استباقه، توجيهه، أن نكون نحن من نقرر في شأنه. انها العودة الى البساطة، التي تحدث عنها غاندي وبرغسون (مصدرا الأخلاق والدين). انه الاقتصاد المرح كما نظر له الأبيقوريون. انه قلب القيم والمؤسسات الذي تحدث عنه إيفان إليتش، أحد ملهمي حركة ما بعد النمو والنمو القابل للتحمل. البذخ الصناعي غير قابل للتحمل على مستوى الكوكب، إيكولوجيا واجتماعيا. خفض النمو، اذن، هو الطريق الوحيد القابل للتحمل على المستوى الإيكولوجي. لازال أمامنا الكثير لنفعله، أو تقريبا الكثير. على كل واحد البدء من بيته، من حوله. يختلف النمو القابل للتحمل حسب الحالات والمستويات، حسب ما ان تموقعنا في المحلي أو الشمولي. خفض النمو ليس نموا اقتصاديا سلبيا، انه منطق أخر، سياسة أخرى، وذلك في كل المجالات.

سؤال: كيف يمكن تنزيل خفض النمو في حياتنا اليومية؟.

جواب: الكل يعلم بأننا نلوث ونحن نقود بهدوء سيارة صغيرة لا تتوفر على مكيف هواء أقل مما نلوث ونحن نقود سيارة ضخمة. يتطلب خفض النمو تقليصات حقيقية في السرعة والقوة. ان سياسة القوى الكبرى هي ما يجب مسائلته هنا. لكن الخروج من حضارة القوة لا يمكن أن يتم بين عشية وضحاها. تاريخ التقنية الحديثة مثال جيد عما أقوله هنا: بإمكان علمنا التقني أن يخرب الحلقة الحية الحالية، وتحديدا في حالة حرب نووية، لكنه سيكون عاجزا تماما عن التحكم في المخلفات الجيوفيزيولوجية، في كيفية تنظيم الحلقة نفسها بعد الكارثة. يتطلب النمو القابل للتحمل عملا جماعيا كبيرا لإعادة توزيع السلط، أي علاقات جديدة بين المواطنين والقطاع الخاص والإدارات العمومية. انه أيضا تحول راديكالي في العلاقات الدولية والبينثقافية. يجب أن نحدث تغييرا راديكاليا داخل رؤوسنا وقلوبنا.

سؤال: ماهي الأشياء التي تقف في وجه تنزيل هذه الفكرة؟.

جواب: هي كثيرة. كل مؤسساتنا مرهونة لهدف اقتصادي اسمه النمو. في مجتمع كمجتمعنا، المجتمع الفرداني والمتمركز بشكل رهيب على نفسه، لا أحد يفكر في حدود النمو. المقاومات هي نفسية، ثقافية، وسياسية. انها، في اعتقادي، أيضا دينية، وبشكل عميق، كما يقول روبين وايت في مقال له حول “الجذور التاريخية لأزمتنا الإيكولوجية” (1967). تناقشت بخصوص هذه القضية مع أرمان بوتيجان (1913-2003)، الفيلسوف الرائد في فرنسا في مجال مسائلة ضمير الغرب. فرضت هذه المسائلة نفسها منذ أن اكتشف العلماء النتائج الإيكولوجية الدراماتيكية للنمو منذ الثورة الحرارية/الصناعية. بلا وخز للضمير، لن يكون من الممكن العودة نحو تلك البساطة التي تحدث عنها برغسون في فترة ما بين الحربين..

هوامش

1- عن مجلة L’Actualité، عدد 63، يناير، 2004. من إصدارات جاك كرنفلد:Une planète, un avenir
2- الانحراف أو الاختلال الذي يسببه الانسان. (المترجم)..

 

Comments (0)
Add Comment