المفكر المغربي منير الحجوجي يكتب …من يصنع توحش الثري المغربي؟..

فور تنمية. منير  الحجوجي

سؤال العنوان مهم في تقديري.. لأنه يفترض أن التوحش/الافتراس/التخربيق الأنتروبولوجي صناعة بشرية.. الهدف هنا هو الإشارة بعجالة شديدة الى واحدة من البؤر المسؤولة عن أعطابنا التاريخية التي نادرا ما ننتبه اليها، الى خطورتها في قلب اللعبة..
لقد أصبح الكل يلاحظ كيف بدأت بورجوازيتنا تتحول شيئا فشيئا الى بورجوازية فائقة hyperbourgeoisie، شديدة الهوس بالمراكمات الاستهلاكية/الاستعراضية الخيالية.. تشير الأرقام كيف عرفت الطلبات الموضوعة لدى وكالات الأسفار من أجل التوجه نحو المواقع السياحية الدولية “الفاخرة” ارتفاعا حادا، كيف عرفت مبيعات الرانجروفيرات/البورشات/اللمبركينيات/الجاغوارات (مانسيت والو !!!!) تناميا حقيقيا، كيف اشتد التنافس على أعراس ألف ليلة وليلة بشكل يذكر بتنافس صبية على لعبة نادرة.. أما اللهث وراء المسابح الأولمبية الخاصة فلقد فاجأ حتى الشركات الفرنسية التي جاءت إلينا بعدما أفلست في بلادها لأسباب اختلط فيها البيئي بالسياسي بالاقتصادي.. شيء أخر.. التنافس الأقوى على جلب الخادمات الفليبينيات والأندونيسيات، في سياق سياسة كسر عظام بورجوازية الخادمات المغربيات..
ماذا تبين هذه الأشياء؟ أن الثري المغربي عاجز تماما عن العيش انطلاقا من أشياء/قيم/سرديات داخلية.. السبب؟ انه شخص ليس له داخل، ليس له عالم داخلي، لأنه – ببساطة كبرى- منع من أن يكون/يعيش في/من عالم داخلي، عالم الانسان خارج أية برمطرات غير برمطرات الحياة كما ورثناها قبل 6 مليار سنة.. هويته توجد/ألقي بها في الخارج، جذريا في الخارج.. لقد دفع الى أن يترك، يتخلى، يتنازل عن الداخل ويربط الذات الى الخارج.. والنتيجة رهيبة جدا: انه عاجز عن أن يكون الا في/من الخارج.. كيف حصل كل هذا؟ من دفع “البورجوازي” نحو هذه اللعبة الخطيرة، على الذات أولا ثم على البنية في مجموعها – لاحظوا كيف تتشكل الصورة الأنتروبولوجية الكبرى؟ من أعدم داخل الطفل لصالح خارجيت”ه”؟ من يوجد في أصل عملية التخريج الجذري هاته l’extériorisation totale de l’intériorité (1)..؟ هناك فرضية.. الفاعل هو الأم، المربية/النفسانية الأولى.. الأم – في اعتقادي- هي التي تقوم بعمل القذف نحو الخارج هذا.. هي أصل الإعطاب/الارهاب.. إرهاب/قتل الداخل لصالح الخارج، قتل الطفل/الانسان، لصالح الطفل/الانسان/التابع/المخترق كليا بالعالم.. الأداة: كوكبة رهيبة من الرسائل التربوية: دير هاكا.. شوف فلان.. تبارك الله على فرتلان… هاد الايفون ديال مليون كايحمق.. حبيبك ومراتو عاد جاو ملباهاماس.. سعداتهم.. هاد الأسبوع نمشيو لواحد لابيسين مافيهش بنادم الموسخ….
ماذا يقع بعدها؟. يبدأ الطفل/الصناعة الجذرية للأم في “التحرك”.. بأفق واحد: تحقيق حلم الأم.. الخيارات “الاقتصادية” للثري المغربي هي أولا خيارات تحركها رغبات جذرية، رغبات الأم داخل الطفل/الراشد.. خيارات الثري الفائق المغربي هي كل شيء الا “خيارات”.. انها تدبير بارانوي لحاجات/ابتزازات أمومية.. يجب تحقيق الأم réaliser la mère.. ليس هناك قدر أخر.. الثري المغربي انسان مفصول عن كل شيء.. لا يرى الا “ذاته”، أي، في العمق، أمه، التي هي محفله/شاشته الداخلية/الخارجية son écran intérieur/extérieur.. كل مسارات الثري المغربي هي مسارات من أجل الرغبة الأولى.. والأخيرة.. الهدف الأول في الحياة: إرضاء الأم، الحفاظ على الأم، أي في النهاية، على الحياة “الداخلية”، التي هي أخطر أنواع الحيوات كما تعرفون.. تتشابك البرمطرات.. سيدي نبيل صنع حتى لا يرى الا (من) وساوس(ه)/وساوس أمه الداخلية/الخارجية.. تداخلات/ثقوب نفسية بحجم الكون.. بنية كل الاختلالات/البشاعات الفردية/الجماعية..
شنو المشكل هنا؟ المشكل أنه عندما تربط الأم طفلها الى العالم، فإنها – بالنظر الى اللحظة التاريخية الحالية كلحظة رأسمالية/اشهارية جذرية – تربطه الى عالم السيولة الرهيبة.. وأنتم تعلمون ثمن الربط – ربط الذات/النمو/السعادة- الى مثل هذه الماكينة المتحولة، الهاربة، الزئبقية، المتجددة: معاناة/هشاشات/اكتئابات بلا نهاية.. عندما تربط الأم طفلها الى الرغبات/السعادة الإشهارية، فإنها تضع اللبنة/الحاضنة الكبرى لتشكل طفل/مشروع “راشد” غير قادر عن العيش من خارج معادلة: إما الجري وراء “العالم”، الجري – المستحيل- بسرعة الخارج/العالم/الإعلان/السيولة الاشهارية، إما، اذن، الاجرام… أو ……………. الحمق.. لذلك، وحتى أتفادى الألم الرهيب، الحمق، الموت، ليس هناك الا حل واحد، أن ألعب اللعبة، لعبة الركض/التماهي مع العالم حد ……….الحمق: أن أكون رأسماليا، اشهاريا، فاسيا، فاشيا..
الدرس: صحيح أن الأمور البشرية هي دوما متعددة الأبعاد، مفتوحة، مركبة. لكن من الممكن زعزعة كثير من الأمور الأنتروبوسياسية فقط بتحويل رسائلنا التربوية..

هامش:
1-في قراءة جميلة، يعتبر فرويد أن غريزة الموت هي بالضبط هذا الإعدام التام للداخل لصاح الخارج، هي عندما نفرغ الداخل لصالح الخارج، لصالح الأشياء.. وأن غريزة الحياة هي الحركة الفكرية/الوجودية نحو الداخل، عندما ننظر/نتوجه نحو الداخل، نعيش بالداخل، بأشياء الداخل، باعتبارها أشيائنا، ذواتنا الصلبة، الأولى والأخيرة..
2

Comments (0)
Add Comment