فور تنمية بقلم: فدوى هاشم
شهدت المؤسسات التعليمية في السياق العربي خلال السنوات الأخيرة حضورا متزايدا لظاهرة صعوبات التعلم لدى الأطفال، الأمر الذي جعلها من القضايا التربوية والنفسية التي استقطبت اهتمام الباحثين والممارسين على حد سواء. ولم يعد ينظر إلى صعوبات التعلم باعتبارها حالات فردية معزولة أو ناتجة عن ضعف في الذكاء، بل أصبحت تفهم في إطار مقاربة شمولية تبرز تفاعل العوامل العصبية والوظيفية مع المتغيرات النفسية والاجتماعية والتربوية. ويشير عبد الكريم غريب إلى أن هذا التزايد يعكس، من جهة، تطور الوعي التربوي وتحسن أدوات التشخيص، ومن جهة أخرى، تعقد شروط التعلم داخل المدرسة الحديثة وما تفرضه من متطلبات معرفية متسارعة.
وتؤكد الدراسات العربية أن صعوبات التعلم ترتبط أساسا باضطرابات وظيفية في الجهاز العصبي المركزي، دون أن يكون الطفل مصابا بإعاقة عقلية أو حسية. فقد بين مصطفى فهمي أن الأطفال ذوي صعوبات التعلم يتمتعون بمستوى ذكاء عادي أو فوق المتوسط، غير أنهم يواجهون خللا في عمليات معرفية محددة، مثل الانتباه، والذاكرة، والإدراك السمعي والبصري، وهي عمليات أساسية لاكتساب مهارات القراءة والكتابة والحساب. ويعزز هذا الطرح ما ذهب إليه فتحي الزيات، الذي يرى أن جوهر صعوبات التعلم يكمن في كيفية معالجة المعلومات وتنظيمها، وليس في القدرة العامة على التعلم.
وفي السياق نفسه، يوضح فتحي الزيات أن صعوبات التعلم لا تظهر بمعزل عن السياق التربوي، بل تتشكل من خلال تفاعل الاستعدادات العصبية لدى الطفل مع البيئة التعليمية التي قد تكون غير قادرة على استيعاب الفروق الفردية. ويؤكد أن الاعتماد على أساليب تدريس تقليدية، وغياب التدخل المبكر، وعدم تكييف الأنشطة التعليمية مع حاجات المتعلمين، كلها عوامل تسهم في ترسيخ الصعوبات وتحويلها من تعثر عابر إلى مشكلة تعليمية مزمنة.
ومن جهة أخرى، ركزت عدة دراسات عربية على العوامل النفسية المصاحبة لصعوبات التعلم، حيث تشير نادية أبو زيد إلى أن الأطفال الذين يعانون من هذه الصعوبات غالبا ما يواجهون مشاعر متكررة من الفشل والإحباط، نتيجة الخبرات المدرسية السلبية والمقارنات المستمرة مع الأقران. وتؤكد أن هذه الجوانب النفسية لا تعد سببا مباشرا لصعوبات التعلم، لكنها تلعب دورا مهما في تفاقمها من خلال إضعاف الدافعية للتعلم وخفض تقدير الذات، مما ينعكس سلبا على الأداء الدراسي.
كما أظهرت الأبحاث العربية وجود تداخل واضح بين صعوبات التعلم وبعض الاضطرابات النمائية، وعلى رأسها اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط. فقد أشار محمد عبد الرحمن عدس إلى أن الأطفال الذين يعانون من هذا الاضطراب يواجهون صعوبات في التركيز وتنظيم السلوك والتحكم في الاندفاع، وهو ما يؤثر مباشرة على التحصيل الدراسي ويجعل تشخيص صعوبات التعلم أكثر تعقيدا. ويؤكد عدس أن هذا التداخل يستدعي اعتماد تشخيص متعدد الأبعاد يأخذ بعين الاعتبار الجوانب المعرفية والسلوكية والانفعالية للطفل.
ولا يمكن إغفال أثر البيئة الأسرية والاجتماعية في ظهور صعوبات التعلم أو تفاقمها، إذ تشير خولة يحيى إلى أن غياب الدعم الأسري، وانخفاض المستوى الثقافي والتعليمي للوالدين، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والنفسية، كلها عوامل تؤثر في استعداد الطفل للتعلم وفي قدرته على التكيف مع متطلبات المدرسة. وتبرز هذه العوامل بشكل خاص في المراحل الأولى من التعليم، حيث يكون الطفل في أمس الحاجة إلى بيئة داعمة ومحفزة.
وتتعزز هذه المعطيات النظرية بما تبرزه الملاحظات الميدانية المستمدة من العمل التربوي داخل المؤسسات التعليمية، حيث يلاحظ خلال السنوات الأخيرة تزايد في حالات صعوبات التعلم لدى الأطفال، خاصة في المراحل الأولى من التعليم الابتدائي. ويظهر هذا التزايد من خلال ارتفاع عدد المتعلمين الذين يعانون صعوبات في القراءة والكتابة والتركيز، إضافة إلى تنوع مظاهر الصعوبة مقارنة بما كان يسجل في سنوات سابقة. ولا يفهم هذا المعطى باعتباره نتيجة عامل واحد، بل يرجح أن يكون انعكاسا لتفاعل عدة متغيرات، من بينها تطور آليات التشخيص، وتغير الخصائص النفسية والمعرفية للطفل، والتحولات التي عرفتها البيئة التربوية والاجتماعية المعاصرة، وهو ما ينسجم مع ما أكدته تحليلات عبد الكريم غريب وفتحي الزيات حول الحضور المتزايد لصعوبات التعلم في الواقع المدرسي.
وخلاصة القول، فإن تزايد صعوبات التعلم عند الأطفال يعد ظاهرة متعددة الأبعاد، لا يمكن اختزالها في سبب واحد، بل هي نتاج تفاعل معقد بين الاستعدادات الفردية للطفل والظروف التربوية والنفسية والاجتماعية المحيطة به. وتؤكد أغلب الدراسات العربية على أن التشخيص المبكر، والتدخل التربوي والنفسي المتخصص، وتعزيز التعاون بين الأسرة والمدرسة، تشكل عناصر أساسية للحد من آثار صعوبات التعلم وتمكين الطفل من بناء مسار تعليمي أكثر توازنا ونجاحا.
المراجع:
عبد الكريم غريب
صعوبات التعلم: التشخيص والتقويم والتدخل
دار عالم المعرفة – 2004
مصطفى فهمي
سيكولوجية صعوبات التعلم
دار الفكر العربي – 2008
فتحي الزيات
صعوبات التعلم: الأسس النظرية والتشخيص والعلاج
دار النشر للجامعات – 2007
محمد عبد الرحمن عدس
اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط وصعوبات التعلم
دار الفكر – 2010
نادية أبو زيد
الجوانب النفسية لصعوبات التعلم
دار المسيرة – 2012
خولة يحيى
البيئة الأسرية وعلاقتها بصعوبات التعلم
دار صفاء للنشر – 2015