فور تنمية..فريد ازركي باحث مغربي.
:
بين غيث السماء المؤقت وحقيقة “الأرز” الخالدة: قراءة في نبوءة علمية عمرها 30 عاماً تضعنا أمام مرآة الحقيقة.
مع توالي التساقطات المطرية المباركة التي يشهدها بلدنا هذا الشهر، واستبشار الفلاحين والمواطنين خيراً بارتفاع حقينة السدود، يعود السؤال الملح ليطرح نفسه بقوة على ألسنة الجميع: “هل انتهى الجفاف العظيم بالمغرب؟” هل طوينا صفحة السنوات العجاف، أم أننا نعيش مجرد “هدنة” مناخية عابرة؟
للإجابة عن هذا السؤال بعيداً عن العاطفة الآنية، يجب أن نعود بالزمن 30 سنة إلى الوراء. تحديداً إلى عام 1995، لنفض الغبار عن دراسة علمية استشرافية “مرعبة” في دقتها، أنجزها الجيولوجي المخضرم روبير أمبروجي (Robert Ambroggi) ونشرتها أكاديمية المملكة المغربية. هذه الدراسة لم تكن تقرأ الفنجان، بل كانت تقرأ “ذاكرة الأرض”.
أولاً: عندما تتكلم الأشجار.. منهجية “الذاكرة البيولوجية”
كيف استطاع عالم في منتصف التسعينات أن يرسم خريطة العطش الذي سنعيشه في 2024؟
أدرك أمبروجي مبكراً أن سجلات قياس المطر (Pluviométrie) في المغرب قصيرة جداً (بالكاد تغطي 100 عام) ولا تكفي لفهم “مزاج” مناخنا المتقلب على المدى الطويل. لذا، لجأ إلى “أرشيف حي” أكثر صدقاً وعمقاً: أشجار الأرز المعمرة في الأطلس المتوسط.
اعتمدت الدراسة على علم “تحديد الأعمار الشجرية” (Dendrochronologie) وتحليل النظائر. فالشجرة تسجل كل سنة مناخية في حلقاتها؛ حلقة عريضة تعني سنة رطبة ورخاء مائياً، وحلقة ضيقة تعني سنة جفاف وإجهاداً. عبر استنطاق هذا السجل البيولوجي الممتد لـ 1000 سنة، وربطه بدورات النشاط الشمسي (Sunspot Cycles)، توصل أمبروجي لحقيقة صادمة: الجفاف في المغرب ليس “حادثة سير” عرضية، بل هو “إيقاع بنيوي” يتكرر بنظام دقيق.
ثانياً: النبوءة العلمية الصادمة (2023-2024)
لعل أخطر ما في هذه الوثيقة هو جدولها الزمني التوقعي (كما يوضح الشكل المعاد بناؤه). لم يكتفِ أمبروجي بتفسير جفاف الثمانينات والتسعينات الذي عاشه المغاربة، بل رسم خطاً للمستقبل.
لقد وضع، قبل ثلاثة عقود، علامة حمراء داكنة على الفترة الممتدة بين 2023 و 2024، واصفاً إياها بـ “جفاف خطير متوقع”.
اليوم، ونحن ننظر إلى الخلف، نجد أننا عشنا بالضبط ما تنبأت به تلك الورقة البحثية. لقد مررنا بواحدة من أقسى فترات الإجهاد المائي في تاريخ المغرب الحديث في نفس الموعد المحدد علمياً. إن تطابق النموذج الرياضي مع الواقع المعاش يدعو للدهشة، بقدر ما يدعو للقلق.
ثالثاً: دور “الاحترار العالمي”.. المضخم للكارثة
هنا قد يقول قائل (مستنداً لمقولة المناخي P. Pagney): “مادام الجفاف دورياً وطبيعياً (Variabilité)، فلماذا التهويل؟ المطر سيعود كما عاد دائماً”.
هذا صحيح جزئياً، لكنه يغفل المتغير الأخطر في معادلة اليوم: التغير المناخي (Climate Change).
الدورة الطبيعية التي رصدها أمبروجي هي التي جلبت سنوات الجفاف الأخيرة، لكن “الاحترار العالمي” هو الذي جعل هذا الجفاف أكثر توحشاً. الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة ضاعف من معدلات التبخر، وجعل السنوات الجافة أطول وأشد قسوة مما كانت عليه في القرون الماضية. لقد تحول الجفاف من “ظاهرة بنيوية معتادة” إلى “أزمة متطرفة” بسبب العامل البشري.
رابعاً: السؤال المؤلم.. بين “الفعل” و”رد الفعل”
وهنا نصل إلى مربط الفرس، وإلى السؤال الاستراتيجي الذي يجب طرحه ونحن نرى الأمطار تهطل اليوم:
إذا كانت الدولة المغربية تمتلك هذه المعطيات العلمية الدقيقة منذ 1995، منشورة في أعلى هيئة أكاديمية، والتي تقول بوضوح إننا سنواجه أزمة كبرى في 2023.. لماذا انتظرنا وقوع الكارثة لنتحرك؟
لماذا نستمر في تدبير ملف المياه الحيوي بمنطق “رد الفعل” (انتظار الأزمة، ثم رصد ميزانيات استعجالية، وشاحنات صهريجية، وحلول ترقيعية)، بدلاً من منطق “الفعل الاستباقي” (تغيير السياسة الفلاحية جذرياً، تسريع مشاريع التحلية، الاستثمار في البحث العلمي قبل عقود من الأزمة)؟
ختاماً:
إن التساقطات المطرية الحالية هي نعمة كبرى، وهي
“فرصة لالتقاط الأنفاس” ومنح السدود بعض الانتعاش الضروري. لكن الاعتقاد بأن “الجفاف العظيم” قد انتهى للأبد هو سذاجة استراتيجية قاتلة.
تقول لنا أشجار الأرز، ويؤكد لنا علم أمبروجي: الجفاف سيعود، لأن هذه هي طبيعة أرضنا. السؤال ليس متى ستمطر السماء، بل: هل سنكون مستعدين بنيوياً عندما تتوقف عن الإمطار في الدورة القادمة، أم سننتظر الأزمة لنبحث عن حل.
المصدر: التدوينة مبنية على دراسة روبير أمبروجي 1995 المنشورة في منشورات اكاديمية المملكة المغربية .
للاشارة روبير أمبروجي كان أول مدير عام لمكتب الماء بالمغرب
des principaux pionniers et fondateurs de l’hydrogéologie au Maroc.
Ci-dessous une monographie sur l’hydrogéologie du Maroc, sous protectorat français, avec plusieurs interventions au :
19 ème Congrès Géologique International, tenu à Alger en 1952, avec Robert Ambroggi dans toutes les communications.