المراهق والتعلّم… بين الحاجة إلى الفهم والرغبة في التحرر

فور تنمية : بقلم: فدوى هاشم

تمثل المراهقة مرحلة متشابكة يتداخل فيها التحول الجسدي بالارتباك الانفعالي، ويتقاطع فيها السعي نحو الاستقلال مع الحاجة الملحّة إلى الاعتراف والدعم. وفي هذه المرحلة الحساسة يصبح القسم المدرسي أكثر من مجرد فضاء للتعلم؛ فهو مكان يعكس للمراهق صورته كما يتلقفها من الراشدين حوله. فطريقة تعامل الأستاذ مع أسئلته، وحدّة أو لين ردود الفعل تجاه سلوكاته، كلها عناصر تحدد مدى شعوره بالأمان النفسي، وبالتالي مدى انخراطه في التعلم أو ابتعاده عنه.

ومن المنظور المعرفي، يشير جان بياجيه إلى أن المراهق ينتقل خلال هذه الفترة إلى مستوى التفكير الصوري المجرد، بما يسمح له ببناء الفرضيات والاستدلال والتفكير في الإمكانيات والافتراضات . لكن هذا الانتقال لا يتحقق بمعزل عن الجانب الوجداني، إذ ترافقه توترات تنبع من سعي المراهق إلى فهم ذاته وإعادة تشكيل هويته. وتوضح ليلى سعد الدين أن ما يبدو أحيانًا تشتتًا أو اندفاعًا ليس إلا تعبيرًا عن أزمة انتماء يعيشها المراهق وهو يفاوض موقعه بين عالم الطفولة وعالم الراشدين .

وتشير الأدبيات التربوية الحديثة إلى أن علاقة المراهق بالتعلم تتأثر بدرجة الاعتراف الذي يلقاه داخل القسم. فقد بيّنت فاطمة الزهراء الشرقاوي، في دراسة ميدانية حول الدافعية، أن غياب التحفيز الوجداني والشعور بعدم التقدير يسهمان في ضعف الانخراط الدراسي وارتفاع حالات اللامبالاة . وهكذا يتضح أن رغبة المراهق في التعلم لا تنفصل عن حاجته إلى الاحترام والدعم، وأن كلمة قاسية أو نظرة إقصاء قد تُحدث أثرًا نفسيًّا طويل المدى، في حين قد تُعيد كلمة تشجيع بسيطة تنظيم مسار دافعيته.

وفي هذا السياق، يبرز دور المربي باعتباره محور العلاقة التربوية. فوفقًا لكارل روجرز، يقوم التعلم الفعّال على علاقة قوامها التعاطف والقبول غير المشروط، وهي علاقة تسمح للمتعلم بأن يكون ذاته دون خوف من الأحكام المسبقة . ومن هذا المنطلق تصبح المرافقة النفسية ممارسة تربوية ضرورية، لا تقتصر على التدخلات الرسمية، بل تتجلى في الإصغاء، وفي قراءة السلوكيات في ضوء دوافعها بدل الحكم عليها، وفي إتاحة الفرصة للمراهق للتعبير عن انفعالاته داخل بيئة تربوية آمنة.

وتؤكد التجارب التربوية المعاصرة أن المدرسة مدعوة اليوم إلى تجاوز وظيفتها التقليدية القائمة على تقديم المعارف، لتلعب دورًا أعمق يتمثل في بناء الكفايات الوجدانية والاجتماعية. ففي فضاء يشعر فيه المراهق بالثقة، يتعلم تحمل المسؤولية، ويتحول الخطأ إلى لحظة تعلّم، وتصبح المعرفة مسارًا يجمع بين اكتشاف الذات وفهم العالم.

وفي النهاية، يتضح أن المراهق لا يشكل تهديدًا للنظام التربوي كما يُتصوّر أحيانًا، بل يحمل أسئلة مؤجلة واحتياجات لا تجد دائمًا من ينصت إليها. إن فهم طبيعة هذه المرحلة، بما تحمله من حساسيات وتناقضات، يسمح ببناء علاقة تربوية أكثر إنسانية، تجعل من التعلم رحلة مشتركة بين الأستاذ والمتعلم، وتحوّل المدرسة إلى فضاء يهيئ العبور الآمن بين الطفولة والرشد.

المراجع

جان بياجيه. سيكولوجية الذكاء. ترجمة مصطفى سويف. القاهرة: دار الفكر العربي، 1998.

ليلى سعد الدين. علم نفس المراهقة. بيروت: دار النهضة العربية، 2007.

فاطمة الزهراء الشرقاوي. الدافعية للتعلم لدى المراهقين في المدرسة المغربية. الرباط: منشورات جامعة محمد الخامس، 2016.

كارل روجرز. الإنسان الفعّال في التربية. ترجمة نهاد المشنوق. بيروت: دار الكتاب اللبناني، 2005.

Comments (0)
Add Comment