إقبال الفتيات على التعلّم وتراجع دافعية الفتيان: مقاربة تربوية ونفسية
فور تنمية بقلم: فدوى هاشم
شهدت مؤسسات التعليم في العالم العربي خلال العقود الأخيرة تحولات لا يمكن تجاهلها، إذ أصبح الحضور النسائي داخل المدرسة والجامعة أكثر رسوخاً مقارنة بما كان عليه الوضع لعقود طويلة. فقد أبانت نتائج تعليمية ميدانية أن الفتيات أصبحن يظهرن التزاماً أكبر تجاه التعلم، في مقابل تراجع ملحوظ لدى عدد من الفتيان، وهي ملاحظة لم تعد مجرد حكم انطباعي، بل تؤكدها دراسات عربية حديثة متعددة داخل المدرسة العربية.
وقد أشارت دراسة الفروق القائمة على النوع الاجتماعي في الدافعية للتعلم لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة إلى أن الطالبات يبدين مستويات دافعية أعلى من الذكور داخل المرحلة نفسها، وأن ذلك ارتبط بتوفر دعم أسري وتربوي مناسب (المغامسي، 2016). وتنسجم هذه النتائج مع ملاحظات بحثية حديثة في المغرب بين 2022 و2024 حول ميل متزايد لدى الفتيات إلى استثمار التعلم باعتباره مساراً لبناء الذات وتحقيق المكانة، مقابل انسحاب تدريجي أو ضعف انخراط لدى بعض الفتيان الذين ينظرون إلى المدرسة بوصفها مجالاً مؤقتا يمكن تعويضه بأنشطة أخرى أو طموحات اجتماعية مختلفة.
وفي السياق نفسه، تعتبر لطيفة المرابط في كتابها علم نفس المراهقة وأزمة الهوية أن الفروق بين الجنسين ليست مسألة قدرات معرفية بقدر ما هي نتاج تفاعل اجتماعي وثقافي، إذ تؤثر التنشئة وتمثلات المجتمع على طريقة استقبال الفتى والفتاة للتجربة التعليمية، بل إن دعم الأسرة للفتيات في السنوات الأخيرة ساهم في تعزيز ثقة الطالبة بذاتها (المرابط، 2020). أما هشام بنجلون في السلوك المدرسي والتعلّم في المغرب: قراءة تربوية، فيرى أن التراجع المسجل لدى بعض الفتيان مرتبط بغياب مسارات تربوية تستثمر خصوصيات الذكور النفسية وتعيد بناء علاقتهم بالمدرسة على أساس الدافعية الذاتية لا على أساس الامتثال فقط (بنجلون، 2018).
وتوصلت دراسة الدافعية الذاتية للمتعلمين في المدارس الخليجية إلى أن الطالبات في المرحلة الجامعية يظهرن قدرا أعلى من الالتزام الداخلي مقارنة ببقية الفئات الطلابية، بينما تميل نسبة كبيرة من الفتيان إلى خفض مستويات الارتباط بالتعلم حين تغيب المقاربة النفسية الداعمة داخل المدرسة (الغامدي، 2019). وينسجم ذلك مع ما أورده عبد الغفار في كتابه علم النفس التربوي: مفاهيمه وتطبيقاته، من أن الفروق التعليمية لا تُفسَّر بالذكاء أو بالاستعداد البيولوجي، وإنما هي نتاج لأساليب تربية مختلفة تمنح الإناث دعماً انفعاليًا وتربويًا أوسع (عبد الغفار، 2018).
من جانب آخر، أظهرت دراسة ميدانية مغربية حديثة بعنوان مؤشرات التحصيل الدراسي في التعليم الثانوي بالمغرب: تحليل فروق بين الذكور والإناث أن معدلات التفوق لدى الفتيات تسجل ارتفاعا مضطردا، في الوقت الذي يحتاج فيه عدد من الفتيان إلى تدخلات نفسية وتربوية موازية تعيد بناء دافعيتهم، وتحفزهم على الاندماج في العملية التعليمية دون وصم أو مقارنة مباشرة (وزارة التربية الوطنية المغربية، 2024).
إن الطابع العام للظاهرة اليوم يتجه نحو تأكيد الحضور النشط للفتيات داخل أنظمة التعليم العربية، مقابل تراجع متفاوت لدى الفتيان، غير أنّ المقاربة التربوية المطلوبة لا ينبغي أن تقوم على مقارنة تقوم على التفضيل أو المفاضلة، بل على بناء بيئة تعليمية دامجة تحترم التنوع وتستجيب لحاجات المتعلمين والمتعلمات معًا. فالمطلوب ليس تأكيد الفروق، بل الحد منها من خلال دعم وتعزيز الدافعية لدى الفتيان دون أن يعني ذلك التقليل من جهود الفتيات أو الانتقاص من إنجازاتهن.
وبهذا تصبح المدرسة فضاء تربوياً وإنسانياً يعمل على احتضان الإمكانات المختلفة لدى المتعلمين، وتجاوز التمثلات الاجتماعية التي تحاصر الفتيان أو الفتيات داخل أدوار نمطية، بما يجعل التعلم حقاً وفرصة مشتركة لبناء الذات بعيداً عن القياس أو المفاضلة
المراجع
المغامسي، فوزية (2016). الفروق القائمة على النوع الاجتماعي في الدافعية للتعلم لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة. جامعة طيبة.
المرابط، لطيفة (2020). علم نفس المراهقة وأزمة الهوية. دار المسيرة.
بنجلون، هشام (2018). السلوك المدرسي والتعلّم في المغرب: قراءة تربوية. المركز العربي للأبحاث.
الغامدي، سميرة (2019). الدافعية الذاتية للمتعلمين في المدارس الخليجية. دار الفكر العربي.
عبد الغفار، محمد عبد السلام (2018). علم النفس التربوي: مفاهيمه وتطبيقاته. دار الفكر العربي.
وزارة التربية الوطنية المغربية (2024). مؤشرات التحصيل الدراسي في التعليم الثانوي بالمغرب: تحليل فروق بين الذكور والإناث. وزارة التربية الوطنية المغربية.
