OCP

في حوار مع فور تنمية… عبد الحكيم الزاوي، الباحث الأكاديمي في التاريخ، يكشف ملامح الوعي الجديد لدى جيل Z.

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية :  حاوره خالد سلامة

 

يشكل جيل Z إحدى أكثر الفئات إثارة للنقاش في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، حيث تتقاطع لديه أسئلة الهوية والقيم والسلطة والوعي في سياقات غير مسبوقة. فبين من يرى أن هذا الجيل يعيش لحظة “انفصال أنطولوجي” عن المفاهيم التقليدية للإنسان، ومن يعتبر أننا أمام إعادة ترتيب للعلاقة بين الإنسان والتقنية، يظلّ فهم هذا الجيل ضرورة معرفية لفهم المستقبل نفسه.

وفي هذا الإطار، نستضيف الباحث الأكاديمي في التاريخ  عبد الحكيم الزاوي ، المعروف باشتغاله على قضايا القيم والتحولات السوسيوثقافية، لنسائله حول رؤيته العميقة لوعي جيل Z:
هل نحن أمام منظومة قيم ناشئة، أم فراغ قيمي تمتلئ مساحاته بضجيج المنصات؟
وكيف يعيد هذا الجيل صياغة علاقته بالسلطة في زمن السوق الرقمية؟
وما حدود استقلاله المعرفي داخل ثقافة خوارزمية تُعيد تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي؟
ثم هل ما نعيشه انفتاحاً كونياً حقيقياً، أم مجرد تشابه سطحي تصنعه الخوارزميات؟

أسئلة أخرى تمسّ جوهر الذاكرة والهوية والحرية، من قبيل: هل فقد جيل Z حسّه التاريخي؟ وهل ما يزال قادراً على إنتاج معرفة نقدية أصيلة في عالم تتحكم فيه البيانات؟
حوار يذهب إلى عمق التحولات، لا ليقدّم أجوبة نهائية، بل ليفتح المجال أمام قراءة نقدية جديدة لهذا الجيل الذي يصنع الغد.

 

فور تنمية : من موقعكم كباحث في التاريخ الثقافي، كيف تقرأون نشأة جيل Z في المغرب داخل سياق الذاكرة الجماعية ما بعد الاستقلال؟

   الزاوي :  حينما ننطلق من التاريخ الثقافي يمكن أن نستجلب إلى التحليل الوثبات المفصلية التي تسمح بالتقاط التحول السياسي والاجتماعي. أولاً فيما يتصل بتعبير جيل Z. يخلق الوَسم توترا كبيراً عن الباحثين، لأن المقاسات المعتمدة في التصنيف غير مناسبة. فيما سبق جرى التمييز بين جيل راشد وآخر غير راشد. لكن، تحت وقع عصر السرعة وتدفق سيولة العولمة بشكل غير متحكم فيه صار التمييز غير ممكناً، وصارت كلمة “جيل” لا تنضبط للمدى الزمني المتوافق عليه. “الجيل عُمر وزمن من الحياة، وهو أيضاً حالة تعكس صورة المجتمع، بآماله وتعطيلاته، بتطلعاته وانسدادات آفاقه” كما نجد عند Anna Muxel في كتاب la politique au fil de l’âge الصادر سنة 2018.إذا انطلقنا من هذا الاعتبار، لا يجب أن نقرأ كلمة “جيل” ضمن البناء الزمني، بل ضمن التحول الذي يظهر حدوث قطيعة في مسار معين، والتي تقرأ في المواقف، طرق التفكير، تدبير المعاش، وفي الرؤية إلى الوجود…

يتعلق الأمر بكتلة بشرية تحمل هوية مغايرة متشكلة في أحضان العالم الديجيتالي، وتحمل أُفقاً كونياً منفتح على السيولة المعولمة، وتعمل على مقايسة التحول بين الهنا والهناك…سؤال نشأة جيل Z في السياق المغربي يجب أن يدرج ضمن مسار تكاملي يربط بين الكوني والمحلي، العام والخاص، وبين المحدود واللامحدود…وهي ثنائية شديدة الالتباس وغير قابلة للتطويع في ترسيمة منهجية مُيسرة للفهم والتحليل. لكن، جيل Z لا يُشكل حالة نشاز ضمن المسار التاريخي، بله امتداد في السيرورة التاريخية للحركات الاحتجاجية في مغرب ما بعد الاستقلال، وهو معطى يفرض على الباحثين العودة إلى قراءة مسار الحركات الاحتجاجية في بناء جديد يمزج بين الاستمرارية والقطيعة، الثوابت والمتغيرات من أجل توليد قراءة تركيبية حول الظاهرة الاحتجاجية الجديدة. الثابت، أن جيل Z هو تعبير اجتماعي عن وجود اختناق واحتباس في سوسيولوجيا التنظيمات، وترميز لرفض شبابي عن الاختيارات المرعية التي تُضيق على المعاش الاجتماعي، وتدفع الجميع نحو الانضغاط في الكماشة النيوليبرالية. في حقيقة الأمر، جيل زد يؤدي وظيفة التنفيس السيكولوجي من ضغوط خانقة للجميع ومُقيدة لاختياراتهم الوجودية في سياق مغرب تتسع فيه الفوارق الاجتماعية يوماً بعد آخر.

فور تنمية : هل يُمثل جيل Z انقطاعاً عن السرديات الوطنية التي تشكلت خلال القرن العشرين، أم هو استمرار لها بأدوات جديدة؟

الزاوي :  يصعب أن نندفع بخفة نحو رسم خط القطيعة. من واجب المؤرخ في سياق الصناعة التاريخية ألا يرتهن بالآني والفوري. الفوري هو  لحظة مخاض في التاريخ، قد يؤثر في البنية، لكن يحتاج دوماً إلى تشكل قاعدة اجتماعية واقتصادية تدافع عن اختيارات واضحة، وعن قناعات متوافق بشأنها…وبالعودة إلى السرديات الوطنية التي تشكلت في سياق خاص جدا، وفي فورة الحماس الوطني من أجل تصفية الاستعمار، وإعادة تشكيل الذات الجريحة التي حطمها الاستعمار في سياق تصادم بنيتين مختلفتين: بنية تقليدية تجر معها القرون الطويلة للاحتضار، وبنية حديثة استقدمها الاستعمار من أجل خدمة مشاريعه الكولونيالية وفق حسابات طبقية واستغلالية…أعادت السرديات الوطنية بناء مفاهيم الأُمَّة والجماعة والوحدة والهوية…وأنجزت مهمة الاستنهاض التاريخي للأمة الإسلامية التي وجدت نفسها في وضعية التجاوز. بهذا، يمكن أن تشكل احتجاجات جيل Z وصلاً بالماضي فيما يتعلق بتجديد النَّفس الاحتجاجي الذي يعري عن حقيقة التوازن الاجتماعي، وقطعاً عن السرديات الكبرى من حيث ضعف المتابعة النقدية والتجديدية مع العطاء السياسي المغربي الحديث، لا من حيث قراءة المذكرات السياسية، ولا من حيث تملك أدوات التحليل السياسي. إنها، تقع في وضعية مخاتلة.

فور تنمية : كيف يمكن فهم علاقة جيل Z بالهوية المغربية في ظل تعدد المرجعيات اللغوية والثقافية والرقمية؟

 الزاوي :   في المقام الأول، لا يزال مفهوم الهوية يطرح التباسات عديدة عند الباحثين في العلوم الاجتماعية والمختصين في العلوم السياسية. يجب أن ننطلق أولاً من فكرة أولية تؤدي وظيفة أن الهوية هي بناء غير مكتمل؛ بناء يقع دائماً في وضعية “قيد التشكل” وليس في وضعية ” التشكل النهائي”، تغتني بروافد جديدة حسب سرعة التطور الاجتماعي. بهذا التوضيح الهوية بلازما متجددة تحمل في ذاتها روح التجديد والتغير الدائم والمستمر، لكن بالمحافظة على الجوهر والأصيل والموروث. جلُّ الذين يتوجسون كثيراً من مفهوم الهوية ينطلق تصورهم من تصور ضيق، ومن رؤية رومانسية تجاه الماضي، ومن مثلنة الماضي بما يعني أن الماضي يقع في دائرة المثالي. من شأن تعدد المرجعيات اللغوية والثقافية والرقمية أن يغني الهوية المغربية ويلقحها بروح العصر، ويجعلها هوية أصيلة من جهة، ومنسجمة مع عالم القرية الكونية الواحدة. في الاعتبار، أن المغربي يحمل جينات تامغربيت في رؤيته للوجود، في المعاش، في الاجتماع، في العمران…ويعمل بشكل دائم على جعلها قابلة للتكيف والتحور مع الانعطافات الكونية الجديدة. مسألة أخرى تسترعي بالانتباه، لا يتعلق الأمر بجديد من حيث مطالب جيل زد، بل بعرض نضالي موجود سلفاً في الساحة السياسية والنقابية، لكن المثير للانتباه، كيف نُفسر هذه المفارقة: فعل احتجاجي منطلق من الهوامش في كل من جرادة وفكيك وأيت بوكماز يسير جنباً إلى جنب مع احتجاجات شبابية منطلقة من الحواضر الكبرى؟

فور تنمية :  يصف البعض هذا الجيل بأنه “جيل بلا ذاكرة” بسبب سيطرة الوسائط السريعة، هل تتفقون مع هذا الطرح؟

 الزاوي :    يُخبرنا التاريخ دوماً على انتصار روح المحافظة على روح التجديد. في مسارات تاريخ التطور البشري كان دائماً التغيير يسير ببطء، وكان يتطلب وقتاً من أجل قبوله اجتماعيا وفرضه سياسيا وترسيخه اقتصاديا. هناك مسألة سيكولوجية يجب أن تستدعى إلى الفهم ترتبط بصراع الأجيال، كل جيل يعمد إلى تثبيت نفسه في التاريخ ونفي كل التحولات التي تأتي بعده. وهناك أيضا يحكم عليه أن يعيش وضعية التردد وغياب الحسم. سبق للمؤرخ الفرنسي المتخصص في قضايا التاريخ الوسيط جاك لوغوف Jacque Le Goff أت تحدث عن الجيل الفرنسي الذي عاش بعد الثورة الفرنسية بقوله: ” جيل لم ينس قديماً ولم يستوعب جديداً”. أن نحكم على جيل Z بأنه “جيل بلا ذاكرة” هو تجني كبير جدا، ومحاكمة متسرعة، لأن فعل الاحتجاج عند هذا الجيل ينطلق من الشعور بالإقصاء ورغبة في الظهور والخروج إلى العلن. من واجبنا أن نعلم كما قال المؤرخ الفرنسي مارك بلوك Marc Bloc “أن الأطفال أبناء زمانهم لا أبناء آبائهم”. مهمة جدا هذه العبارة لأنها تضعنا أمام مسؤولية تاريخية. وجد جيل زد نفسه في وضع ضحية، ضحية السياسات العمومية واختياراتها الموجهة نحو تلبية اقتصاد السوق، واستشعر في معاشه تفشي سلوكيات الريع والزبونية والفساد، وبأنه واقع في مسار خطي يجعل منه القبول بالمهن الوضيعة والأجور الزهيدة. بتعبير أدق، شباب في وضع هامشي متروك لأعمال السخرة.

فور تنمية :  هل أسهم غياب مشروع ثقافي وطني متجدد في جعل جيل Z يعيش نوعاً من التيه الرمزي بين المحلي والعالمي؟

   الزاوي :    علينا أن نتفق بأن هذا الجيل الجديد صناعة سياسية، وجد نفسه واقعاً ضمن مخططات استراتيجية جعلت منه كائناً فاقداً للمعنى والوجود وكارهاً للبقاء في بلده. مؤسسات تعليمية خارج الرهان، دور الشباب بدون جاذبية، دور الثقافة مغلقة في الغالب، خزانات ومكتبات إلا فيما نذر، مع فرض قبضة حديدية على مؤسسات الإعلام…الأمر يقتضي الحديث عن مساحات الفراغ التي لم تملأها الدولة لتكوين جيل Z، والطبيعة في حركة انتظامها تخشى الفراغ، هنا يأتي العالم الديجتالي بما يقترحه من أجل ملء الفراغ، وتوجيه الشباب نحو العوالم الأكثر جذبا بالصورة والإثارة والمتعة الحسية اللحظية…لكن، مسألة التيه الرمزي قد تكون موجهة للانتقام، ومقوضة لعمران الدولة، لأننا نتعامل مع جيل مندفع بلا خلفية معرفية، وبلا إحساس واستضمار  لمعادلة الحقوق والواجبات…المسؤولية ثقيلة جدا على الدولة، لأنها تقتضي تقليص مساحة الرقمي وتنويع الأنشطة المندمجة التي تحقق الشعور بالانتماء وتعزز الارتباط الهوياتي.

فور تنمية :   انطلاقاً من اهتماماتكم بالتصوف ودلالات الرمز، هل يمكن للموروث الروحي المغربي أن يشكل مرجعاً قيميا لجيل Z في مواجهة الفراغ الروحي؟

   الزاوي :  صدى التصوف يمكن أن يستجلب لتأدية مهمة الآن: خلق توازن بين تنازعات المادة والروح في الإنسان، المادة في سياق تأمين المعاش وتحقيق الإباء والعزة والكرامة دون تمدد نحو الافتراس والنهب والفساد، والروح في سياق تطهير النفس من الافراط في المتعة الحسية والتباهي الاجتماعي وقياس الأشياء بمنظورات مادية…لسنا طارئين على هذه الأرض، ويجب أن يعلم الشباب أننا نمتلك هذه الأصوات في سجلنا الصوفي، وفي موروثنا الذهني والثقافي…من الواجب اليوم أن يعاد الاهتمام إلى الصوت الصوفي الذي يخلق الانسجام الروحي مع الكون، ويحترم الخلائق، ويعمر الأرض بما يخدم حاجيات الإنسان، ويجلي رسالة الإنسان في الأرض…صوت التصوف هو الجواب الروحي عن توحش اقتصاد السوق، لأن اقتصاد السوق يسحق الشباب، ويجهز على حقوقهم في الحياة الكريمة.

فور تنمية :   في نظركم، كيف أثرت التحولات الرقمية والإعلامية على علاقة الشباب بالمؤسسة التعليمية والثقافية في المغرب؟

     الزاوي :   جيل Z تشكل في مجرة الرقمي، ويحمل أصحابه أو يفترض بهم أنهم حاملو ثقافة رقمية. ويتوحدون في رفض العلاقات العمودية وأشكال الوصاية والوساطة، ويتحللون من كل ما يتصل بالأنساق التقليدية…احتجاجاته هي جواب سياسي واجتماعي على مسلسل استهداف ضرب الخدمات الاجتماعية من تحرير الأسعار والتوظيف بالتعاقد وخوصصة القطاعات الاجتماعية. ينصرف القصد، نحو جيل جديد يوجد في حالة توتر حاد ومزمن مع الدولة واختياراتها، ويمتلك رصيداً من مشاعر السخط والأسى والإحباط، ويود في تشكيل صوت خاص به ومسموع بعيداً عن بيروقراطيات التنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية…وهو ما يجعله يختار Discord للالتفاف على أشكال الضبط والمراقبة واللجوء إلى الباروديا النقدية الذي تعيد فهم الممارسة السياسية من خلال عدسة الضحك والاستهزاء. السخرية هنا، هي سلوك نقدي واعي يوجه نحو رفض الواقع والمكالبة بتغييره…جيل جديد، بحمولة جديدة، يرى الوجود في مرآة المؤثرين والنجوم والمشاهير…لا يجب أن نصل إلى التحليل الذي يرى في هذا الجيل كتلة بشرية منسجمة ومتجانسة، اجتماعيا ولا سياسيا كما يقول السوسيولوجي فوزي بوخريص. بالعودة إلى المدرسة الوضع من داخلها مُؤرق جدا. المدرسة اليوم نزيف حاد وجرح يأبى الاندمال، وخرق مستع عن الرتق…لا أحد ينتبه إليها، أو لا أحد يجرؤ على فتح الجرح. متعلمون وجدوا أنفسهم تحت طائلة الإكراه في مدرسة بئيسة، بلا جاذبية، وفي وعاء زمني خانق لا يسمح بالتقاط الأنفاس، ومناهج لا تساير تطور سوق المعرفة، وفي خضم رؤية ترى من المدرسة مؤسسة للمراقبة والحشد دون التفكير في المضمون والمحتوى…بالمقابل، أولياء أمور يتخلصون من أبنائهم في المدارس تجنبا للاختلاط الدائم بهم بسبب العنف المكتسب من وسائط التواصل الاجتماعي. من جهتها، الدولة تلعب على ورقة شراء السلم الاجتماعي بتنجيح الجميع وضمان المرور من مستوى إلى آخر، ومن سلك إلى آخر دون كفايات مقبولة ولو في حد معقول. يتأثر التلميذ اليوم بمفعول الوسائط الرقمية أكثر مما يتأثر بمضمون المناهج، يقضي وقته كله مبحراً في عالم السبرنتيك دون أن يكتب دروسه أو أن ينجز واجباته أو يؤهل ذاته لمرحلة الاختبارات. حقيقة، الوضع عصي عن التشخيص ولائحة العبت غير منتهية.

فور تنمية : إلى أي حد يمكن القول إن جيل Z يعيد تعريف مفاهيم مثل “السلطة” ” الانتماء” و”الاحتجاج” من داخل فضاءات رقمية مفتوحة؟

 الزاوي :  لكل جيل الحق في بناء مفاهيمه وفق سيولاته وتحولاته. لا يجب أن نصادر حق الناس في بناء أطرهم النظرية، لأن المفاهيم هي صيغة توافقية بين الحساسيات الاجتماعية والثقافية والسياسية والايديولوجية. كيف ينظر جيل Z إلى السلطة؟ سؤال وجيه جدًّا، جيل اليوم يبدي امتعاضه من السلطة بمفهومها التقليدي، ويرغب في تكسير الطوق من خلال إبداع أشكال احتجاجية تعبر عن القلق والسخط منها، وقد نجد لذلك تعبيراً صريحا في أغاني الإلترات الرياضية واللافتات التي ترفع في المدرجات وحتى في أغاني الراب وغيرها…وحينما نجد الشباب في تطبيق الديسك وورد يشتبك مع القضايا السياسية الراهنة فحتماً نحن أمام وعي جديد يبحث لنفسه عن متنفس للتعبير، وتقديم رؤيته الخاصة للوضع انطلاقا من حاجاته الوجودية. منطقيا، يجب ان نعلم بأن الإنسان أكبر من المافيا، وكل محاولة لتدجينه أو خنقه تقابل بردة فعل غير متوقعة، ومسألة اللامتوقع في التاريخ فارقة جدا، لأن التغيير دائماً يحدث باللامتوقع. الأساس، أن لخطاب جيل زد قواسم مشتركة: الانتماء إلى عوالم البؤس والهشاشة والانحطاط…في مقابل ذلك، يقدم الخطاب الإعلامي والأكاديمي صورة مجانسة ومتطابقة عنه. باختصار، جيل زد يشبه فسيفساء متناقضة تحمل أحلام وطموحات مختلفة، متقاطعة أحيانا، ومتباعدة أحياناً.

فور تنمية :  ما زال التاريخ، كما يدرس ويكتب في المغرب، قادراً على بناء وعي نقدي لدى هذا الجيل؟ أم أننا أمام انفصال بين التاريخ الرسمي والوعي الشعبي الرقمي؟

   الزاوي :  المسألة لا تتعلق بكتابة التاريخ، بل بالوعي به، والوعي لا يمكن بناء شروطه في درس للتاريخ في المدرسة، بل في ممارسة جماعية تربط بين الفكر التاريخي والممارسة الاجتماعية. متى ننهض نحو ممارسة فعل النقد؟ حينما نقرأ أولاً السرديات المكتوبة، ونستجلبها للحاضر بأسئلة الحاضر، وتكون قد تشكلت لدينا قاعدة أولية مقبولة لممارسة النقد التاريخي…النقد التاريخي غير موجود حتى في الجامعة، فبالأحرى أن نراهن عليه في المدرسة، وعند مدرس غير متخصص في التاريخ، وفي بيئة تعليمية غير مؤهلة لطرح الأسئلة النقدية الكبرى، وكل سؤال خارج “الاجماع التاريخي” يعرض طارحه للتوجس والارتياب…في جانب آخر، المنصات الرقمية هل تُقدم بديلاً؟ هناك تردد في الجواب عن السؤال، لأن معظمها يفتقد إلى كثير من شروط الصناعة التاريخية، وغير جدير بالمواكبة والمتابعة إلا فيما ندر. يتوجب اليوم، مثلما فعلنا مع تجربة الانصاف والمصالحة في بداية الألفية الجديدة أن نفتح النقاش التاريخي حول قضايا تهم الزمن الراهن وما يرتبط من عنف الدولة وعنف المجتمع ومن قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان…لأن من يكشف عن ماضيه لا يخاف من مواجهة حاضره، ومن يخفيه يستثقل به ويُعيقه في التقدم.

فور تنمية : في ضوء تجربتكم البحثية، هل ترون أن جيل Z يحمل ملامح نهضة فكرية جديدة أم أننا بصدد جيل يعيش تصدع الهوية وقلق المعنى؟

 الزاوي : أَصدر في الحكم على الأشياء من تخصصي في التاريخ. لا أتسرع في الحكم على الأشياء، أتركها تنضج، تتضح، تم أبدأ في فرز معالمها الكبرى حتى أصل إلى بناء فرضيات مؤقتة واستنتاجات مرحلية. من ينشغل بالتاريخ يحمل في ذاته دائماً رسالة الأمل، ويعتبر أن التاريخ هو أيضاً رسالة ودرس في الأمل والتغيير حينما تتوحد الإرادات الجماعية حول أفق واحد، وهو صراع دائم ومتجدد بين غِربان الظلام وطيور السَّعد…لكن، التاريخ يبطل مفعول الشباب في التغيير لأنهم يستعجلون الأمل. رسالتي إلى جيل Z الربط بين الأمل والتغيير ممكن، لكن، التوفيق بين مصلحة الأفراد ومصلحة الدولة أيضاً ممكن في إطار حوار مسترسل والتزام جماعي وحس بالانتماء إلى الجغرافيا الحاضنة لكل أشكال التغيير في التاريخ.

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.