من نقد تجربة تحالف اليسار إلى بناء الأفق ( الحلقة الأخيرة)
فور تنمية. بقلم محمد رقيي
إن الدفاع عن تجربة تحالف اليسار لا يعني الانغلاق داخلها، ولا تحويلها إلى عنوان جديد للاصطفاف أو الاحتكار السياسي ولا الى تقديسها.
على العكس، فإن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على الإسهام في بناء أفق أوسع للقوى الديمقراطية والتقدمية، واستعادة المبادرة الوحدوية التي ظل اليسار المغربي في حاجة إليها.
إننا نحتاج اليوم إلى تجاوز منطق الحدود التنظيمية المغلقة، والتعامل مع مختلف مكونات اليسار باعتبارها رصيداً تاريخياً وفكرياً ونضالياً، مهما اختلفت تجاربها وتقديراتها.
ونحتاج إلى الانفتاح على المناضلين المستقلين، والفعاليات الحقوقية والنقابية والثقافية، والحركات الشبابية والنسائية، وكل الطاقات الديمقراطية التي تتقاطع معنا في الدفاع عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
ولا يمكن أن يتحقق ذلك بمجرد الدعوة إلى الوحدة، بل يتطلب إرادة سياسية فعلية، تقوم على:
1. بناء حوار يساري ديمقراطي، بعيداً عن شروط الإلحاق أو الهيمنة التنظيمية.
2. الاتفاق على أرضية سياسية مشتركة حول الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والريع.
3. تطوير أشكال التنسيق الميداني حول المعارك الاجتماعية والحقوقية والوطنية.
4. تشجيع المبادرات الوحدوية، وعدم التعامل معها بمنطق المنافسة أو التخوين.
5. بلورة آفاق تنظيمية وسياسية مشتركة تستوعب التعدد وتحترم الاستقلالية والاختلاف.
إننا لا نبحث عن وحدة شكلية أو تجميع حسابي للتنظيمات، بل عن مشروع سياسي قادر على استعادة الثقة والأمل، وإعادة بناء اليسار باعتباره قوة اقتراح ومقاومة وتغيير.
المحور الخامس: استعادة الذاكرة النضالية لبناء المستقبل
إن اليسار المغربي ليس وليد لحظة انتخابية، ولا يمكن اختزاله في تنظيم أو تجربة أو محطة سياسية بعينها.
إنه حصيلة تاريخ طويل من التضحيات والمقاومة والصمود، صنعته أجيال من المناضلين والمناضلات في مواجهة الاستعمار والاستبداد، ومن أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
من الحركة الوطنية والتقدمية، إلى نضالات الحركة الطلابية والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ومن الحركة النقابية والعمالية إلى حركة المعطلين، ومن النضال الحقوقي إلى حركات الشباب والنساء، تشكلت ذاكرة يسارية غنية، لم تكن دائماً متفقة في اختياراتها، لكنها ظلت تلتقي حول قضايا التحرر والإنصاف والمساواة.
وقد تحملت أجيال من اليساريين الاعتقال والتعذيب والمنفى والتضييق، وقدمت تضحيات جسيمة من أجل أن يصبح الاختلاف السياسي حقاً، وأن تكون الديمقراطية والعدالة الاجتماعية أفقاً ممكناً.
إن استحضار هذا التاريخ لا ينبغي أن يكون مجرد احتفاء بالماضي، بل مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل.
فالأجيال الجديدة لا تحتاج إلى يسار منشغل بخلافاته القديمة، وإنما إلى يسار يثق في قدراتها، ويمنحها موقعاً في القيادة والمبادرة، ويجعل من قضاياها الاجتماعية والثقافية والسياسية جزءاً من مشروعه.
إن الوفاء لرفاقنا الذين صنعوا هذا التاريخ يقتضي أن نواصل الطريق، لا أن نحرس خلافاتهم، وأن نطور أدواتنا، لا أن نعيد إنتاج عجزنا، وأن نفتح الأبواب أمام طاقات جديدة بدل أن نغلقها أمام كل تجربة لا تنطلق من تصوراتنا المسبقة.
خاتمة: لنختلف في التقدير، لكن لا نختلف حول ضرورة بناء اليسار
إننا لا نطلب من أحد أن يصفق لتجربة تحالف اليسار، ولا أن يتخلى عن حقه في النقد والمساءلة، كما أننا في الوقت نفسه لن نسمح لأي كان ان يسيئ أو ان يهدمَ هذا التراكم . ولكننا نطالب بأن يكون النقد مسؤولاً، وأن ينطلق من الحرص على تطوير التجربة، لا من الرغبة في إضعافها.
لقد اختار رفاقنا موقع الفعل وتحمل المسؤولية، وهم مطالبون اليوم بالوفاء لالتزاماتهم، وتقديم حصيلة سياسية ونضالية تليق بالثقة التي منحت لهم.
وفي المقابل، فإننا نوجه دعوة صريحة إلى كل رفاق الطريق، وإلى كل القوى التقدمية والديمقراطية، لكي نغادر منطق التراشق والتبخيس، ونستعيد روح التضامن والتكامل التي صنعت أجمل محطات اليسار المغربي.
كما نتمنى أن تتجه الطاقات التي تستنزف اليوم في سجالات جانبية نحو المساهمة في حلحلة المشاكل التنظيمية والسياسية التي تعاني منها بعض مكونات اليسار، لأننا في حاجة إلى تنظيمات قوية وديمقراطية، لا إلى تنظيمات تستمد حيويتها من الصراع مع بعضها البعض.
إن اللحظة الراهنة تفرض علينا جميعاً أن نطرح سؤال المستقبل: كيف نبني يساراً موحداً في معاركه، ديمقراطياً في تدبير اختلافاته، مستقلاً في قراره، متجذراً في المجتمع، وقادراً على تقديم بديل سياسي واجتماعي؟
إننا نمد أيدينا لكل مناضل ومناضلة، ولكل تنظيم وفعالية ديمقراطية وتقدمية، من أجل حوار جدي ومسؤول، لا تحكمه حسابات الماضي ولا هواجس الهيمنة والتنطع، وإنما الى تطلعات المستقبل.
فاليسار الذي نحتاجه ليس يساراً ينتصر على بعضه البعض، وإنما يسار ينتصر لقضايا الشعب.
ولنجعل من هذه التجربة، بكل ما تحمله من إمكانات وتحديات، مناسبة لاستعادة الأمل، وتجديد الثقة، وفتح طريق جديد أمام مشروع يساري ديمقراطي وتقدمي جامع.
