OCP

هل يوجد تحليل نفسي بالمغرب؟؟

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية. بقلم ذ منير الحجوجي

 

يحمل العمل الذي قام به هوراسيو اميكورينا ومارسيل فينيار، هذان المحللان النفسانيان الأمريكيان الجنوبيان، رسالة قوية (1).. حضرت – وأنا طالب أداب بداية التسعينيات – لقاءات “محللين نفسانيين” مغاربة في أماكن مختلفة من الرباط.. كنت دوما أحس بأن التحليل النفسي الذي يتحدثون يعاني من عطب، هو أولا عطب سياسي.. كنت ولازلت أعتقد انهم لايعرفون شيئا عن التحليل النفسي.. كنت ولازلت أعتقد أن مهمة المحلل النفسي لايمكن أن تكون الا سياسية، وهو نزع أقنعة المجرمين الذين يوجدون في أصل معاناة كل هؤلاء الذين “يعالجونهم”.. ان سكوت معالجينا عن الجذر السياسي لألآمنا له تفسير……… سياسي.. أشم راحة صفقة قذرة: عطيني نعطيك، هز ليا نسماتشي ليك.. ومرضنا معندو باس.. ولربما الأمر يخص كل الممارسات العلاجية اليمينية كيفما كانت ألقابها النظرية..
يقدم هوراسيو اميكورينا ومارسيل فينيار شهادة حول أثار الدكتاتورية العسكرية (الدكتاتوريات البرازيلية/الأرجنتينية الخطيرة للستينيات/السبعينيات على وجه الدقة) على العالم الداخلي للذوات.. كل أولائك – عمال، فلاحون، مناضلون، ثوريون – ممن حكم عليهم بالسكوت، باليأس، بالفقر، بالموت أو بالتعذيب.. لذلك لايتوقف هوراسيو وفينيار عن اثارة الانتباه الى الدور المفصلي الذي يمكن أن يلعبه المحللون النفسانيون في فضح الهجمة الديكتاتورية على الأفراد.. يقر هوراسيو وفينيار – وهذا أمر أساسي في تقديري- بأن السلطة القمعية تمتع المؤسسة الطبنفسية بنوع من اللاعقاب انطلاقا من معرفتها بكون هذه المؤسسة تتموقع على مستوى حقل الكلام.. وحتى وان كان الكلام الذي ينصت اليه المحلل ملطخا بالدم والعذاب والقمع، فعلى المحلل التزام الصمت.. على المحلل أن يشتغل ويدير الحصص كما لو أن العلاقات بين السلطة والرغبة تتحقق في فضاء أسطوري بلا أي رابط بالسلطة السياسية الفعلية..
لاتكتفي السلطة القمعية (العسكرية، الدينية..) بممارسة القمع داخل خارج يفرض بدقة شديدة معايير الحياة الخاصة بكل فرد داخل الجماعة.. تتجه السلطة الى أن تفرض نفسها بعنف في قلب الداخل، كنظام يستلزم المراقبة التامة، فتتحول الى محفل مبنين للذات نفسها.. تتسلل السلطة الى داخل حيث يمكنها التخفي بشكل كامل، فتبدأ في عمل التحكم والمراقبة دون أن يتم التعرف عليها، دون أن تخلق الفضيحة..
يقف صديقانا عند حالة جاك.. يبدأ هذا الطفل ذي الثماني سنوات التحليل بمشاكل كبح التعلم.. في المراحل الأولى من العلاج، كان دوما يظهر وهو متردد، وهو صامت على المستوى الجسدي، بارد عاطفيا..
انصب العمل العلاجي على طريقة تصريف جاك للنزوعات السكوبطوفيليكية (2) scoptophiliques مما مكنه من تحرير تدريجيا قدرته الاستكشافية، والتعبير عن الغرائز السادية التي تكبح أو الأدق تتقاطع/تشوش على/مع قدرته على الكلام/التفكير.. يقوم جاك بذلك من خلال لعبة يتصارع فيها الثوار والعسكر على السلطة من أجل تملك القوة والعقل.. يستعمل جاك الأخبار السياسية كشاشة.. ومن خلال لعبة من التماهيات البديلة، يبدأ في تعلم التحكم المتصاعد حول مظاهر بشعة من ذاته، التي كانت قبل ذلك ترهبه وتشله..
وفي يوم ما شغل التلفاز.. يقف على هذا الخبر.. شخص لايعرفه، اسمه الحكومة، شخص يوجد في كل مكان، في الجرائد، في الشارع، في المدرسة، في العائلة، هذا الشخص القوي جدا سيضع في السجن كل الأشخاص الذين كانوا مع الثوار، أو لهم صلة بهم، أو تحدثوا إليهم يوما ما، كل الناس الذين لايقومون بفضحهم.. يرتعب جاك.. يحس أنه تحت قبضة عميل غامض بسلطة لامحدودة.. ماذا يمكن أن يفعله أبواه، أو معالجه، أمام قدرته الضعيفة على التمييز بين الواقع والفانتازم، من أجل حمايته من تلك السلطة الحاضرة في كل مكان، التي عليها أن تكون على علم بكل شيء، وأن تراقب كل شيء؟
يعارض جاك بقوة استكمال حصصه العلاجية.. كان لابد من شهور طويلة من العمل التحليلي لتعميق التجربة السيكوتية سعيا لايجاد ما يؤسس في الخارج، من قبل سلطة هي بالنسبة لجاك بلا اسم، لايمكن تحديدها، سلطة الاستيهامات المرعبة للداخل..
متى، اذن، نبدع علم نفس مغربي سياسي حقيقي؟ يجب أن نكون على مستوى عالي من الشبهة حتى لانرى “دور” السلطة/الأوليغارشيا في صناعة الألآم المغربية، في صناعة الداخل النفسي للمغاربة.. في صناعة/تدمير/خصي الانسان المغربي.. المغربي الأن يفكر من “خارج” راديكالي اسمه السلطة.. لقد نجحت السلطة – عبر تقنيات مادية/رمزية يجب فتح ملفاتها – في احتلال المغربي.. السلطة الأن في قلب الذات.. يتحدث الفرد المغربي عندما تتحدث السلطة.. لاوجود للمغربي قبل أن تتكلم السلطة.. الكرة الأن في ملعب المعالج النفسي المغربي.. هل سيمتلك معالجنا شجاعة كسر اللعبة؟ شجاعة مواجهة جذر الشر؟ شجاعة الاشتباك مع الغول الخارجي/الداخلي؟ شجاعة استعادة المهمة الكبرى للتحليل النفسي: تحرير المغربي من قبضة/قضيب السلطة..

هوامش

1-Horatio Amigorena, Marcel Vignar : « Entre le dedans et le dehors : L’instance tyrannique (témoignage de deux psychanalystes sud-américains) », revue Critique, 8-9/1977, n° 363-364, pp 790/791.
2-يعني هذا النعت أي شخص يجد متعة حقيقية في التلصص، خصوصا ان تم ذلك في سياق حميمي أو من التخفي..

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.