OCP

منير الحجوجي يكتب : فرانكو بازاكليا: من أجل طب نفسي صديق للإنسان..

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فور تنمية :  منير الحجوجي

 

يقول فرانكو بازاكليا ملخصا تصوره للطب النفسي: “في كوريزيا كان هناك مستشفى من 500 سرير يدبر بشكل تقليدي تماما، وحيث الصدمات الكهربائية والأنسولين كانتا هما ما تشكلان القاعدة، مستشفى حيث كان يسود البؤس، نفس البؤس الذي نلقاه في مجموع المستشفيات النفسية/العقلية. عندما دخلنا الى كوريزيا، قلنا لا: لا للطب النفسي وخصوصا لا للبؤس. لاحظنا أنه ما ان كنا نقدم أجوبة/حلولا لفقر النزيل حتى يغير موقعه بشكل شامل، حتى يتحول من أحمق الى رجل نستطيع أن ندخل معه في علاقة. فهمنا حينها بأن فردا مريضا هو في حاجة أولوية ليس فقط للحصول على علاج لمرضه ولكن لأمور كثيرة أخرى: هو في حاجة الى رابطة إنسانية مع الشخص الذي يعالجه، هو في حاجة لأجوبة حقيقية تنصت، تنظر نحو كينونته، هو في حاجة الى المال، الى عائلة، الى كل ما نحن في حاجة اليه، نحن الأطباء الذين نعالجه. وفي الأخير اكتشفنا هذا الشيء الرهيب: المريض ليس فقط مريضا، ولكنه أولا انسان بكل حاجيات الانسان”..
يعتبر فرانكو بازاكلياFranco Basaglia من النفسانيين القلائل جدا في القرن العشرين الذين انتبهوا الى خطورة المؤسسة الاستشفائية الرسمية على مسارات “المرضى”.. حارب لمدة طويلة من أجل حقوق المرضى داخل المستشفيات.. أثمر دفاعه عن “قانون 180” الخاص بحذف المستشفيات النفسية بإيطاليا الذي صادق عليه البرلمان سنة 1999 وأصبح قانونا ملزما..
عندما استلم الماركسي بازاكليا ادارة المستشفى النفسي لمدينة كوريزيا بداية الستينيات بدأ يفكر في طب نفسي يكون منفلتا من التقاليد الفرويدية.. فكانت بداية الطب النفسي الديموقراطيdémocratique la psychiatrie ، الاتجاه الذي تحول لاحقا الى أداة مسائلة القوى السياسية والنقابية.. في مارس من سنة 1973 سيقود بازاكليا تجربة غير مسبوقة: سيخرج (بضم الياء) إلى شوارع المدينة حصانا ضخما جدا صنعه من ورق “المرضى” وبعض الفنانين الملتزمين في ذكرى الحصان الذي اشتغل حتى موته في المستشفى.. خرج المرضى والمتعاطفون الى الشارع في تجربة قوية للمستشفى المفتوح على الخارج.. المستشفى المضاد للمؤسسة anti-institutionnel ..
تتمثل منهجية بازاكليا في خلق نظام من اللقاءات وفتح كل المصالح على بعضها البعض في سياق تنزيل نقاشات/تفاوضات جماعية.. يجب وبأي ثمن تجاوز المؤسسات الاستشفائية كمؤسسات قمعية.. يجب وبأي ثمن مواجهة كارثة نزع الطابع الانساني عن المرضى La déshumanisation du malade.. يجب وبأي ثمن التخلي عن الوصم المدمر la stigmatisation terrible من مثل الوصب ب “مريض نفسي”.. ما يهم هو أن نكشف عن المعنى الذي يعطيه “المريض” لنفسه، عبر الوقوف عند كيفية وعيه لنفسه والتعرف على الواقع الاجتماعي والعلاقات التي يؤسسها معه.. في المستشفى، سيؤسس بازاكليا جماعة علاجية une communauté thérapeutique من أجل الاجتماعات واللقاءات، جماعة مكونة من الطاقم الطبي ومن عائلة “المريض” ومن ممثلين عن المجتمع المدني والنقابي والثقافي والفني.. والهدف هو توفير فرصة لكل هؤلاء من أجل أن يواجهوا أفكارهم ببعضها البعض.. وهو ما يجعل المقارنة ممكنة.. والمقارنة مهمة جدا لفهم أخر، مركب، انساني لل”مريض”.. وتدريجيا يصبح للمريض وضع اجتماعي هو بالذات الوضع الذي يرفضه له المجتمع.. بالنسبة لبازاكليا المريض داخل مستشفى كوريزيا هو كائن بلا أية حقوق….. نفسية/سياسية.. في كوريزيا يتم وضع المرض بين قوسين والحديث عن العلاقات، البنيات.. لايمكن فصل المرض عن المجتمع.. ما يريده بازاكليا هو أن يعيد المرض للمجتمع.. فالمريض يمرض داخل مجتمع.. وبسبب المجتمع..
حاول بازاكليا إثارة الانتباه الى الدور المحوري للمجتمع في “قتل” (القتل الثاني) للمريض.. عزل المريض نوع من الاعدام ….. السياسي ـ العزل عن العالم.. بعد الإعدام النفسي ـ خلق الانسان المختل.. وهذا أمر يعمق من وضعيته العامة.. يحط المجتمع من قيمة المريض، وهو يربط المرض الى “الاختلال” و”الخطر” و”العار”، وهو يرفع من شأن البعد “السوي”.. لم يعد مقبولا اعادة انتاج الايديولوجية الاجتماعية داخل المستشفى واعتبار المريض كائنا خارقا للقانون، للمعيار.. أي كائنا يتوجب توقيفه، ضبطه، معاقبته.. بالمهدئات. بالعزل. بالصدمات الكهربائية. ب”الحصص العلاجية”.. في المستشفيات النفسية كمؤسسات شمولية totalitaire لاوجود الا لوظيفة واحدة: حماية المجتمع من مريض خطير.. ما يريده بازاكليا شيء أخر: انهمام اجتماعي بالمريض. ف”الحمق” هو مشكل/انتاج الكل.. ان الاصلاح الطبي يمر عبر اصلاح المجتمع عبر تغيير تصورات المجتمع للمشكل في كليته..
هل يمكن أن يكون المرء طبيبا نفسانيا دون أن يكون……. ماركسيا؟.. ان مهنة الطب النفسي تفترض التزاما من أجل الانسان في مواجهة آلات – ومنها آلات “العلاج النفسي”- لاتهمها لاحياة ولاموت المريض.. لايمكن أن نكون طبيبا نفسانيا وفقط.. الطبيب النفسي/المعالج النفسي/المحلل النفسي/الكوتش النفسي هو فرصة المريض الأولى/الأخيرة لاستعادة ذات هشمتها الاستراتيجيات …. الاجتماعية/العلاجية.. مهمة المعالج أن يساعد “المريض” على استعادة الكلام، على استعادة هويته/تراجيديته الأولى.. مهمة المعالج مساعدة “المريض” على استعادة الحلم الأكبر، الحلم بإمكانية بناء علاقة أخرى بالعالم.. بالذات.. مهمة المعالج مساعدة المريض على فهم القدر من أجل تغييره..

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.