الحجوجي يكتب : عندما تنقض المافيا على الدولة.. المؤامرة الأخطر هي المؤامرة الداخلية…
فور تنمية : بقلم ذ منير الحجوجي
عدو البشرية الأول مجموعات من “البشر” ليس لها أي مشكل في الاستحواذ على الثروات الطبيعية والصناعية والمالية، ضدا على مصالح وخارج مراقبة أغلبيات ينظر لها دوما كمجموعات، كنفايات بهيمية.. إن تركز الموارد في يد أقلية ترمي بالأغلبية داخل هوة لا قرار لها من الفقر والبؤس والضياع هو ما أدى ولازال يؤدي إلى تلك اللاتوازنات المحلية والقارية المسؤولة الأولى عن أكبر احتقانات عالمنا..
من غرائب هذا العالم أن يطلب البنك العالمي (1) – المؤسسة التي دعمت لعقود الدكتاتوريات في العالم- دراسة حول كيف نهب بنعلي تونس.. كيف اغتنى هذا الدكتاتور على حساب بلاده.. هو وعائلته.. في نموذج يمكن تعميمه بلا أي هامش من الخطأ على أنظمة كثيرة بالمنطقة..
قبل سقوط بنعلي في يناير 2011، تداول التونسيون بينهم “اشاعات” حول جشع عائلة أصهار الرئيس، عائلة الطرابلسي.. واغتناؤهم السريع جدا.. يوم 17 يوليوز من سنة 2009، سيوجه السفير الأمريكي، روبير كوديك، برقية لكتابة الدولة بواشنطن – وهي البرقية التي كشف عنها موقع ويكيليكس لاحقا – ضمنها ما يلي: “ان الفساد ينمو بشكل خطير في الدائرة المقربة من السلطة. حتى التونسي المتوسط بدأ يعي بذلك. كما أن مستوى الاتهامات في تصاعد”.
بعد الثورة سيتم تشكيل لجنة سترسم، استنادا الى القانون المنشور رقم 2011-13، لائحة ب 114 شخص مشبوه منهم بنعلي نفسه وأصهاره وأصدقاؤه.. ستشتغل اللجنة على الفترة الممتدة بين 1987، يوم صعود بنعلي، الى دجنبر 2010، تاريخ فراره نحو العربية السعودية.. ستحصر اللجنة الممتلكات المصادرة في 48 سفينة ويخت، 367 حساب بنكي وحوالي 400 شركة، من بينها شركات لاتعمل بتونس.. يعتقد الخبراء الذين كلفوا بتقييم هذه الثروات المنهوبة بأنها تعادل 13 مليار دولار وهو ما يقارب ربع الناتج الخام التونسي.. لابد هنا من الإشارة الى أن هذا التقدير يظل نسبيا تماما بالنظر الى الطرق الغامضة جدا التي استعملها بنعلي والشبكة في النهب.. لقد جمعت مافيا بنعلي الثروات الطائلة من لا شيء تقريبا..
ستضيف دراسة البنك الى دراسة اللجنة معطيات أخرى.. سيكلف البنك ثلاثة باحثين باستثمار المعطيات التي جمعتها اللجنة لفهم كيف اغتنى الدكتاتور ورجاله/نساؤه.. النتيجة ستظهر أشهرا قليلة بعد ذلك، تحت هذا العنوان، «All in the Family, State Capture in Tunisia»، وهو ما يمكن ترجمته ب “كل شيء في العائلة، السطو على الدولة التونسية”.
شكل الباحثون الثلاثة قاعدة معطيات تشمل 220 شركة بارتباط وثيق مع عائلة الرئيس السابق، كما توقفوا بشكل مفصل عند المراسيم التي وقعها بنعلي لمدة 17 سنة.. الخلاصة: تم استعمال القانون لخدمة مصالح العصابة clan وحمايتها من المنافسة.. خمسة وعشرون مرسوما خلال الفترة المذكورة ألزمت موافقات قبلية من الإدارة في خمسة وأربعين قطاع مختلف، وفرضت تقييدات جديدة عند وصول استثمارات مباشرة من الخارج في 28 قطاع، ومنحت امتيازات ضريبية خاصة ل”الأصدقاء” في 23 قطاع.. النتيجة: جزء مهم من أرباح القطاع الخاص كانت تصب في جيوب تلك ل 220 شركة المقربة من النظام.. لقد كانت هذه الأرباح أكبر بكثير من أرباح الشركات التونسية الأخرى، ومع أنها لم تكن تشغل الا 1 في المئة من اليد العاملة في القطاع الخاص، فإنها كانت تجني 21 في المئة من حصة الأرباح سنة 2010، أي ما يقارب 230 مليون دولار لسنة واحدة..
أكدت دراسة البنك الدولي – أكرر: الذي لا يمكن اتهامه بعدائه للدكتاتورية (2)– ما سبق أن رصدته اللجنة التونسية من كون النظام السابق استفاد من رأسمالية الصحبة (باك صاحبي) capitalisme de copinage، كما يلاحظ بوب ريكرز Bob Rijkers، الباحث الشاب في البنك الدولي والمحرر الرئيسي للدراسة.. تم الدوس على ما يطلبه القانون، الذي هو خدمة الصالح العام.. لقد أبعد المنافسون الحقيقيون عن الشركات الموالية للنظام.. ومنحت للأخيرة امتيازات غير مسبوقة لتحقيق أعلى نسب الأرباح السهلة تماما..
ماذا يعني كل هذا؟ أن انفتاح تونس على الاقتصاد العالمي لم يكن الا وهما.. جزء كبير من الاقتصاد كان تحت قبضة المافيا البنعلية المتشبثة بقوة بمصالحها.. المافيا التي لم يكن عدد أعضائها يتجاوزون المئة شخص.. وحده “الأوف شور” كان مفتوحا خارج قبضة بنعلي.. وتلك لعبة أخرى.. بعد الثورة، لم يحسم القادة الجدد بعد في هذه الثنائية السرطانية.. الثنائية مع ذلك الاستعجالية جدا.. خلال أخر سفر له الى واشنطن، التقى الوزير الأول الأسبق مهدي جمعة[1] بمسؤولين عن البنك العالمي وصندوق النقد الدولي.. كلهم وعدوه بدعمهم.. مع الشروط التقليدية المعروفة.. والملغومة.. المهم أن لا شيء تحرك في بلد ثورة الياسمين.. لاشيء مما ساعد في السابق على تعملق المافيا البنعلية.. بل ان هناك تخوف من أن ينقض المستفيدون الجدد على الثورة ويحولوها الى جانبهم.. وهذا ملف أخر..
المؤامرة الأخطر هي دوما داخلية..
هوامش..
- ربما بسبب شعور بالخطر التونسي/البنعلي على توازناته الشهيرة…
- نحن نعرف أن لعبة البنك/المفترس الدولي هي الالتفاف على أي تحولات من أجل تسجيل الحضور، غرس مختلف للأنياب.. البنك الدولي أكبر آلة إرهابية في العالم..
[1] الأمور تزداد تعقدا مع الرئيس قيس سعيد.. هناك في الغالب قرار من القوى الفاشية ب”تربية” التوانسة..
