” من هم سادة العالم الجدد؟”. حوار مع جون زغلر (1).
فور تنمية ترجمه منير الحجوجي
بعد كتاباته حول المافيات الدولية يعود هذا السوسيولوجي الاستثنائي بهجوم جديد.. في هذا الحوار يوجه جون زغلر j. ziegler مدفعيته نحو “المفترس” le prédateur، أو الرأسمال المعولم، وكذا مرتزقته، المؤسسات المالية والتجارية الدولية.
سؤال: عنونتم كتابكم الأخير ب “سادة العالم الجدد وأولائك الذين يقاومونهم”. من هم هؤلاء “السادة الجدد”؟.
جون زغلر: انها الطغمات الخفية التي تتحكم في الرأسمال المالي المضارباتي المعولم، والتي أسميها في كتابي ب “المفترسون”. إنهم ورثة تلك الطبقة من المهيمنين التقليديين البيض الذين يديرون الاقتصاد منذ خمسمئة سنة. حوالي 90 في المئة من ل 1000 مليار دولار التي تتبادل يوميا عبر العالم تمر عبر أيادي هذه الشركات متعدية الجنسيات، من مثل مايكروسوفت، اتحاد البنوك السويسرية، الشركة العامة، جنرال فورد. اليوم، 200 من هذه الشركات تتحكم في ما يقارب 28 في المئة من إنتاج الثروة العالمية.
سؤال: أين يتواجد “سادة العالم” وكيف يمارسون سلطتهم؟.
جواب: توجد مقرات هؤلاء السادة، تماما كما تنبأ بذلك ماكس كالو قبل بضعة سنوات، في قلب مثلث ضيق يصل طوكيو بنيويورك بستوكهولم. يمارس هؤلاء السادة سلطتهم عبر مؤسسات عالمية مرتزقة، من مثل صندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، ومنظمة التجارة العالمية، وهي المؤسسات التي تنفذ مخرجات “توافق واشنطن” Consensus de Washington. يتعلق الأمر بمجموعة من الاتفاقات غير الرسمية تم عقدها سنوات 80/90 بين أهم الشركات العابرة للقارات، وأبناك وول ستريت، والبنك الفدرالي الأمريكي والأجهزة المالية الدولية (البنك العالمي، صندوق النقد الدولي)، في أفق الوصول، وفي أسرع وقت ممكن، إلى شل كل محافل الضبط/المراقبة – دولة، مؤسسة دولية الخ، بهدف التحرير الشامل لكل الأسواق، سعيا وراء وضع أسس نظام شامل طويل المدى للحكامة، نوع من سوق عالمي موحد وقادر على أن ينظم نفسه بنفسه بشكل كامل.
سؤال: ماذا تؤاخذون على هذه المؤسسات؟.
جواب: كونها تنزل هذا التوافق المناقض لرؤيتنا للتاريخ وللقيم المؤسسة لمجتمعنا. المفروض في التاريخ أن يقود نحو خلق مجتمع إنساني، مجتمع يحكمه العقل وتكون فيه الأولوية للإنسان على الرأسمال. والحال أن ما يقترحه علينا سادة العالم هو نموذج مجتمع يشكل المصارعle gladiateur شخصيته الرئيسية، وحيث الهدف الرئيسي هو الرفع الأقصى للربح، وفي أسرع وقت ممكن.. هكذا يستهدف السادة مجموع ارث الأنوار: ارث/قيم التضامن والتكامل بين الناس والأمم.. الخ.. هكذا يستهدف المفترسون فكرة العقد الاجتماعي، فكرة القدرة المعيارية (التدخلية) للدولة، فكرة أنه لا يمكن ممارسة أية سلطة على البشر إلا بموافقتهم انطلاقا من آلية التفويض، أي السيادة الشعبية. كل هذه الأمور تقوم رأسمالية الغابة بسحقها، مبررها في ذلك: قدرة السوق على ضبط ذاته بذاته. ولكن إذا ما دققنا جيدا فان كل ما تتفوه به الايديولوجيا اللبرالية سرعان ما تتعرى، تتفجر أكاذيبه. يحدثوننا عن حرية التنقل، لكن الأغنياء يتمتعون بحماية لا تقل عن تلك التي كان يتمتع بها اقطاعيو القرون الوسطى. ¾ البشرية يعيشون في جنوب العالم وليس بإمكانهم الوصول إلى ثروات الشمال، الذي يحتمي وراء الأسوار المنيعة للكوطا وبراءاتالاختراع. لقد عدت للتو من البنغلاديش. في هذا البلد الشيء الوحيد القابل للتصدير بعد سمك الكروفيط وفاكهة الجوت هو النسيج. وعلى البلد أن يحترم في صادراته كوطا تتقلص كل سنة أكثر. وفقط في العشرة أيام التي قضيتها في البنغلاديش أدت هذه السياسة إلى تسريح 82 ألف امرأة. والخوصصات؟ ما معنى أن تخوصص الماء في بلد أغلبية سكانه فقراء إلى الحد الذي لا يستطيعون معه الأداء؟ وما معنى أن تخوصص خدمات من مثل المراقبة البيطرية في النيجر؟ لقد كانت نتيجة خوصصة المراقبة البيطرية أن ترك الفلاحون العاجزون تماما عشرات الآلاف من رؤوس القطيع الحيواني لمصيرها. وماذا عن اختفاء الحواجز الجمركية؟ النتيجة واضحة: فتح الباب أمام زحف منتوجات البلدان الغنية على أسواق بلدان الجنوب ذات المنتوجات غير التنافسية. وحتى وإن كانت هذه المنتوجات الجنوبية تنافسية – كما في حالة المنتوجات النسيجية أو الفلاحية- فعليها أن تخضع لكوطا وتواجه بالتالي تنافسية المنتوجات المدعمة لدول الشمال. وحتى يبررون سلوكهم هذا يلجأ “سادة العالم” إلى الدوغما اللبرالية القديمة المسماة أثر التدفق. وعندما نسأل واحدا من كبار الباطرونا: “هل هذا ممكن، الى أين يتجه العالم، كيف تقبلون أن يموت كل هذا العدد من الناس؟”، فانه يجيب: “عندما ستصبح السوق حرة بما فيه الكفاية فسوف يكون هناك توزيع أوتوماتيكي للثروات”. والحال أن الأمر غير صحيح بتاتا: فاحتكار الرأسمال المعولم للسلطة لم يكن له أي تأثير من أي نوع كان على البشرية. إن الشجع والرغبة الجارفة في السلطة هما اللذان يتسيدان المشهد بلا حدود.
سؤال: الى ماذا قاد هذا السلوك؟.
جواب: الى تعميق أكثر لأشكال اللامساواة. أصبح الأغنياء أكثر غنى والفقراء أكثر فقرا. اليوم 826 مليون شخص – 95 بالمئة منهم يعيشون في بلدان في طريق النمو- يعانون من نقص غذائي دائم وخطير… كل 5 ثواني يموت طفل دون سن العاشرة بسبب الجوع. كل يوم يموت 100000 شخص من الجوع أو جراء تبعاته المباشرة. وفي اللحظة ذاتها التي يحسم فيها سادة العالم وبسرعة البرق في مكان وضع رساميلهم باعتبار فقط ما سيجنوه من أرباح فإنهم يحسمون في الأن نفسه في حياة وفي موت مئات الآلاف من الأشخاص. لذلك أقول بأن أي شخص يموت جوعا هو شخص مغتال، لأن الأمر ليس قدرا.
سؤال: لكن هذه المشاكل كانت دوما موجودة.
جواب: نعم. لكن الجديد جذريا هو عدد الضحايا.. لدينا اليوم الأرقام ولدينا أيضا الأدوات لمحاربة الجوع. الكوكب يفيض اليوم بالثروات. يعتبر برنامج التغذية العالمي أن التقنيات الجديدة للإنتاج تمكن من توفير الغذاء ل 12 مليار ونصف نسمة، من منح كل شخص ل2700 كالوريات التي هو في حاجة اليها. والحال أن لاشيء من هذا حصل. بالعكس. وعلى كل حال فإن منظمة الأمم المتحدة بدأت تعي أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يشكل في الوعي الجمعي الحد الأدنى للقيم الضرورية لوجود مجتمع ما، يبقى غير كاف في صيغته الحالية. وكما كان يقول برطولد بريخت فان ورقة التصويت لا تشبع شخصا جائعا. لذلك قررت الأمم المتحدة أن تصوغ حقوقا جديدة للإنسان، وأولها الحق في التغذية. ولقد كلفني (2) الأمين العام الأممي كوفي عنان قبل سنتين بأن أحرر تقريرا حول إمكانية وضع اتفاق عالمي حول الحق في التغذية.
سؤال: وماذا عن المحافل الوطنية والدولية التي بإمكانها تقنين التجارة العالمية؟.
جواب: على المستوى الوطني تم وضع ملف الخوصصات العنيفة بيد البرلمانات والحكومات فيما تم حرمان المؤسسات العمومية من سلطتها الضبطية. تنفذ الحكومات ما يقوله لها الرأسمال المالي المعولم، في مجالات الضريبة والسياسة الأجرية والحماية الاجتماعية الخ.. وتقوم البورصات بمعاقبة كل من لا يسير في هذا الاتجاه.
أما فيما يخص المحافل المالية والتجارية الدولية، فإنها تمثل أساسا مصالح الدول الغنية وتقصي بشكل كامل البلدان الفقيرة من السيرورات التقريرية. أما الأمم المتحدة فهي تظهر عاجزة تماما أمام الدول الغنية: فمؤسسات بروطون وودز Breton Woods (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي) تصد كل ما يمكن أن تقوم به الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة على الأرض. لقد أصبحت الأمم المتحدة شيزوفرينية تماما: ففي الوقت الذي تحاول فيه منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة من أجل التنمية أو المنظمة العالمية للزراعة والتغذية أن تدعم بعض البنيات خدمة للتنمية في بلدان العالم الثالث، يتدخل صندوق النقد الدولي ويسحق هذه الجهود بفرض برامج التقويم الهيكلي والخوصصة.
سؤال: كيف تعامل الدول الغنية منظمة التجارة العالمية؟.
جواب: بالاستعلاء التام. يشتغل صندوق النقد الدولي وفق مبدأ “دولار واحد لصوت واحد” ويمنح للدول الأعضاء وزنا موازيا لناتجها الخام. للولايات المتحدة الأمريكية مثلا 17 بالمئة من الأصوات. لقد حاولت الدول وهي تسعى وراء احترام قواعد الديموقراطية تطبيق مبدأ التوافق على منظمة التجارة العالمية، أي مبدأ إجماع ل 146 أعضاء المجلس العام. المشكل أن منظمة التجارة العالمية توجد تحت القبضة المطلقة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان – التي توجد مجتمعة في أصل 81 بالمئة من مجموع المبادلات العالمية. كيف يمكن إذن لبلد كالنيجر أو البنغلاديش أن يكون لهما وزن يذكر؟.. من جهة أخرى، وحتى يمكنك أن تتواجد في المفاوضات، يلزمك ممثل دائم في منظمة التجارة العالمية بجنيف، وهو ما لا تقدر عليه أغلب دول العالم الثالث. لهذا فهي مقصية من السيرورات التقريرية. وأخيرا، فإن منظمة التجارة العالمية تشتغل خارج أية شفافية: فاتفاقاتها المؤسسة تضم 26 ألف صفحة، ما يطرح مشاكل تأويلية عظمى. وعندما تكون هناك اختلافات في وجهات النظر بين الدول الأعضاء، فإنها تلجأ لمؤسسة متخصصة في حل الخلافات، التي تحسم في التأويل “الصحيح” وتفرض عقوبات فورية صارمة. وهذا يتطلب تعبئة جيش من المحامين: في جنيف تشكلت هيئة من المحامين متخصصين كليا في هذا النوع من القضايا. ووحدها قلة قليلة من الدول تقدر أن تشتري خدمات هؤلاء المحامين. أما الدول الأخرى فتجد نفسها مضطرة إلى التخلي عن كل محاولة للدفاع عن مصالحها.
سؤال: من أين يمكن أن يأتي الخلاص في نظركم؟.
جواب: مما أسميه “المجتمع المدني الكوكبي الجديد”. يتعلق الأمر مثلا بالتنظيمات العمالية والنقابية، والمنظمات غير الحكومية، وحركات الفلاحين، من مثل “فيا كامبازينا”، التي تمثل خاصة فلاحي العالم الثالث – 75 بالمئة من مجموع المليار و200 مليون نسمة الأكثر فقرا هم فلاحون. إنها نوع من “أخوة ليلية”، أخوة تتفجر، تنهض من حين لآخر في وجه سادة العالم، كما في بورطو ألغري، ودافوس، ومؤخرا في فلورانسا.
سؤال: يؤاخذ على هذه الحركة انقسامها، وكونها لا تعبر إلا عن مصالح جزئية، وكونها لا تتقن إلا الرفض دون أن تكون لها رؤية اقتراحية. كيف لهذه الحركات، في تصوركم، أن تواجه خصما منظما وب”قوة ضرب” رهيبة؟.
جواب: سبق لماركس أن قال: “على الثوري أن يكون قادرا على أن يلتقط حثيث العشب وهو ينمو”. لا يتعلق الأمر أبدا بالاتفاق حول تحالف متسرع بين بعض بقايا اليسار وحطام التروتسكية. يجب تحويل المنظور: فنحن الآن في لحظة “قطيعة بين أزمنة”. إن ما يظهر على أنه نقطة ضعف حركتنا الكوكبية، ما يسميه الخصم “مطالب سلبية”،- الحرب على صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، الحرب على المنتجات المعدلة جينيا- هو في الواقع نقطة قوة. وعندما تطلب منا تلك المؤسسات أن نعبر عما نرغب فيه وتؤاخذ علينا كوننا لا نحمل مشروعا – الشيء الذي يجعل من غير الممكن من منظورها التحاور معنا- فاني أعطي مثال ثوار 1789: لقد كانوا على بينة مما لا يريدون، لكنهم لم يكن لهم مشروع دقيق. أن تطلب من نشطاء الحركة المضادة للعولمة أن يوضحوا مشروعهم، هو كأن تطلب، عشية 14 يوليوز 1789، من أولئك الذين اقتحموا سجن الباستيل أن يستعرضوا البند الأول من دستور العصر الجمهوري كأول بند من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن! إن برنامج الحركة يبنى خلال السير.
هوامش
1- أجري الحوار إثر صدور كتاب جون زغلر سادة العالم الجدد Les nouveaux maitres du monde. وعلى الرغم من المسافة التي تفصلنا عن تاريخها، لازالت أطروحات الحوار تحتفظ براهنية لن تخطئها الأدمغة المدققة.. أما الحوار فهو مأخوذ من Le Courrier International ليوم 24 دجنبر سنة 2002.
2- عندما كان زغلر مقررا أمميا مكلفا بملف الغذاء العالمي) 2000-2008(..
